ملاحظات في البداهة والبديهية

عبد الرحمن كاظم زيارة -بغداد

البداهة احدى قوتي الفكر ، اما قوته الاخرى فهي الروية . فالاولى الى الحس اقرب والثانية الى العقل اقرب . والروية هي النظر البرهاني ، تستحضر المنطق والبرهان والحجة . فيما البداهة قوة حاضرة سريعة الانقداح بسبب التراكم المعرفي والمران العقلي والدربة على القياس . فبين البداهة والروية علاقة تتام ، احداهما تمم الاخرى في مجموع قوة العقل . واذا شئنا تعبيرا آخر فهما ـ أي القوتين ـ حادثتان متنافيتان لاتظهران في وقت واحد ولاتختفيان معا ، واختفاء احدهما في وقت دون آخر.. ان انبساط احداهما في العقل بقدر ما ، يعني انحسار الاخرى بذات القدر . فالروية بقدرمعين، مؤشر على نقص في البداهة بنفس القدر . والبداهة بقدر معين ، مؤشر على نقص في الروية بذات القدر أيضا. والانسان يستخدم هاتين القوتين في جميع خياراته وانماط تفكيره وقراراته .. وليس من الصعب تمييز القوتين في النشاط العقلي تحت أي ظرف .

فاذا ما قبلنا القول ان العقل طريقة تشكل موضوعها ما يتحواه فانه يتحوى هاتين القوتين ” البداهة والروية ” وهما في وضع التنافي فاحداهما تقمع الاخرى .. وليس من الصعب تمييز القوتين في النشاط العقلي تحت أي ظرف .

ان ما يفيض عن البداهة ليس بديهيا فقط ولا مبرهنا عليه فقط ، وإنْ كان الامر يبدو كذلك كمالاينعدم ان يكون كذلك . بمعنى ان البداهة بوصفها نشاط عقلي ينطوي على عنصر المفاجأة في الوصول الى الحقيقة دون المرور بنسق دلائلي ذي صلة بالمفكر فيه قد ينتج عنه ” بديهية ” أو ” مبرهنة ” . والمفاجأة إفصاح مختزل للتراكم المعرفي والخبرة العلمية تنقدح حتى ولوبحضورآني لملاحظة أو لاشارة .

فلدينا تقابلان يصحان كمعطى اولي للصلة بين اربعة أشياء :

تقابل ( الفكري ـ الحسي ) وتقابل ( المنطقي ـ الحدسي ) .

والتقابلان يلمحان الى الفرق بين الحدس والبداهة .. والفرق بين المنطقي والفكري .

وهنا لدينا اربعة علاقات دالية ممكنة بين ” البداهة ” والروية ” من جهة وبين ” البديهية ” و” المبرهنة ” من جهة أخرى أخرى :

( البداهة ، البديهية ) ، ( البداهة ، المبرهنة ) ، ( الروية ، البديهية ) ، ( الروية ، المبرهنة ) .

فكل علاقة من هذه العلاقات هي تطبيق دالي ، مركبته الاولى قوة في العقل وتمثل جذرا للمتغيرالمستقل ، يستمد تحوياته من العقل ذاته ، ومركبته الثانية هي فعل القوة وتمثل أثرا للمتغير التابع ، يستمد تحوياته من القاعدة التي تنظم العلاقة بين المركبتين . فالبديهية والمبرهنة هما صور البداهة والروية. ويمكن اجمال التشكيلة العامة لهاتين المركبتين بحوائين اشمل فيكون سورهما ( = كم كل منهما) كل المتغيرات المستقلة (= قوى العقل ) وصورهما كل المتغيرات التابعة (= صور العقل ) .

Your browser may not support display of this image.
نأسف لعدم ظهور رسم الصيغة التي ارسلها الصديق زيارة لكون الموقع عاجز تقنيا عن ذلك؟؟

وليس لدينا ما يثبت وجود للعلاقة ( البداهة ، المبرهنة ) ، سوى العلاقة ( الروية ، البديهية ) ،فهي موجودة . بكلمات أخرى ان للروية صورتان هما : المبرهنة والبديهية . ذلك ان البديهية جزءا من البرهان . وتتحصل عن طريقي البداهة والروية . فالبرهان ايا كان ليس ناتجا عن البداهة .

والحدس هوفعل بدهي ـ من البداهة ـ وفوق منطقي . والمنطق لاحدسي . لذا فأن معيارهما مختلف ، وبهما حاجة دائمة للاقناع الداخلي . فاذا كان المنطق واضحا في صوابه ، ومعيار الصواب فيه ما اتفق انه صائب من المقدمات سواء كانت بديهيات او مبرهنات سابقة . فأن البديهية ليس لها مثل هذا المعيار .

فما معيار الصواب في البداهة اذن ؟

ان هذا السؤال يحلينا الى اعادة ترتيب :

ـ تحويات كل من البداهة والروية .. و الحدسي واللاحدسي .. و الالهام والمنطق …

ــ وتحويات كل من البديهية والمبرهنة … المسلمة والقضية … المصادرة والمسألة...

ولنبدأ من العقل بوصفه وظيفة ، يؤدي عملية التفكير وينتج فكرا هو سلسلة من التصورات والاحكام المقترنة ببعضها البعض . فهو كما تقدم حواء لقوتين : البداهة والروية . أو الحدسي واللاحدسي ،أو الملهم والمنطقي .. هاتان القوتان تنتجان :بديهيات ومبرهنات ، في علاقة دائرية بين ما هوبديهي وما هو برهاني .

المبرهنة هل تتحول الى بديهية ؟ كلا بالطبع والمثل السائر حول كروية الارض لايصح مثلا لتحول المبرهن عليه الى أمر بديهي . ان كروية الارض قضية قد تمت البرهنة عليها فهي ليست بديهية البتة . الا انها اضحت احد القضايا المعروفة والمتداولة لدينا . الا ان ثمة ” بديهيات ” اخذت صفتها هذه : بديهيات جراء تداولها على نطاق واسع . والعلم لايعنى بهذا النوع من ” البديهيات ولا يتعاطى معها بصفتها هذه حتى يثبت انها بديهيات فعلا . نحو :

ـ ان الاعشاب الطبية ان كانت لاتنفع فهي لاتضر .

ـ المشي ضروري لهضم العشاء .

وغيرها ، وكلاهما يمكن نقضهما بسهولة . فالاعشاب الطبية ان صح القول فيها بأنها لاتضر ، فهذا يعني انها لاتنفع ، فهي اذن تضر في حال وتنفع في حال آخر كأي دواء . وضرورة المشي بعد تناول العشاء أمر مغلوط ، لان الدم يتركز في الامعاء بعد كل وجبة عشاء فلا ينصح عندئذ بالحركة او القيام بعمل عقلي كالدراسة والتأليف وحل المسائل العلمية . لهذا ينصح دائما بالرياضة قبل وجبات الطعام الرئيسية وليس بعدها .

والخلاصة بصدد البديهية هي : أن البديهية قضية بسيطة تحتمل الصواب فقط . ولايحتاج في اثباتها الى البرهان ، فهي مسلم بها دون برهان .والتسليم بها أمر منوط الى الحس في المقام الاول حتى وأن لابسه ظل من الروية . فهي استدلال تجريبي ليس للعقل فيه الا التصديق والموافقة والمعايرة والمقايسة العينية .

أما الخلاصة بصدد البداهة : فهي نمط للفكر الحاذق الذي استتبت فيه قدرة الاختزال الى بلوغ القدرة الحدسية والاستشفاف معا . فالتجريد هي معيار أول للبداهة .

البعض تختلط عنده ” البداهة ” بـ “البديهية ” كأختلاط

اما البديهية فهي ليست البداهة ـ للبداهة لفظ آخر هو البدهية ـ والبديهية قضية مسلم بها دون برهان يمكن الوصول اليها بالبداهة او بالروية . والبديهية لها اسم آخر هي المصادرة . نحو (المستقيم اقصر مسافة بين نقطتين ) و( الشمس تبعث لنا النور ) و( القمر يبعث لنا الضياء).
شكل كلي البداهة شكل ناقص البداهة كليا
شكل جزئي البداهة شكل ناقص البداهة جزئيا

كما يقول النقري .

اما نحن فنقول :

جذور القوة في العقل اثنان : البداهة والروية

واثرهما : البديهية والمبرهنة

البداهة والبديهية يشكلان : شكل كلي البداهة.

البداهة والمبرهنة يشكلان : شكل جزئي البداهة.

الروية والبديهية يشكلان : شكل منطقي جزئي.

الروية والمبرهنة يشكلان : شكل منطقي كلي .
.

8 تعليقات

  1. الصديق عبدالرحم كاظم زيارة
    تحية الحياة وبعد
    شكر لاطلالتك الجميلة
    المزضوع هام جدا وربما هو أهم موضوع تراهن مدرسة دمشق – بغداد المنطق الحيوي عليه
    ستلاحظ لاحقا انك مع جهدك الرائع لم تقترب من معنى البداهة في المنطق الحيوي بوصفها ليس خاصة بالبشر والا لكان معك كل الحق في ان تسميها فكر وروية وعقلا ..وبرهنة ..الخ

    ومن المؤسف انك لم تحصل بعد على كتاب النظرية الحيوية في المعرفة وكان متوفر في ١٩٧٥ في مكتبات بغداد .. حيث كنت سترى فيه مايبرهن على أهم ثورة معرفية في تاريخ البشرية وهي ان العقل ليس خاصة او صلاحية بشرية فقط
    فالكون في المنطق الحيوي هو شكل وطريقة تشكل وبالتالي العقل هو كغيره شكل وطريقة تشكل وكذا البداهة وهي ليست خاصة بكائن دون آخر
    وفي كتاب المنطق الحيوي عقل العقل شرح مستفيض على المستوى الفردي
    أما قولك ب : “البداهة والبديهية يشكلان : شكل كلي البداهة.
    البداهة والمبرهنة يشكلان : شكل جزئي البداهة.”
    فأين برهان الكلية والجزئية في ذلك ؟؟ يا رعاك الله؟؟
    أليس ماهو برهاني اليوم قد لايكون برهانيا غدا ؟؟
    ولذلك فالبرهاني هو في أفضل الحالات جزئي البداهة تبعا لادواتنا البرهانية أماماهو بداهة فهو القانوني الحيوي سواء عرفناه أم لا
    فالكل أكبر من الجزء ليس خاصا بالمعرفة البشرية

    وقد سرني جدا قولك:
    اما نحن فنقول :

    “الروية والبديهية يشكلان : شكل منطقي جزئي.

    الروية والمبرهنة يشكلان : شكل منطقي كلي”

    فأين ذلك من خوازمية مربع المصالح ؟؟
    أتلاحظ ان قيم الانغلاق مقرونا بالتوتر العالي او المنخفض غائبة عن ماتقدمه؟
    وهل يكون ثمة مربع رياضي حيوي يمثل اي شكل كوني بدونه؟
    مربع المصالح لم يخترعه النقري بل اكتشفه وبرهن عليه فقط؟؟
    ولذلك وان كان يمكن تسميته مربع النقري .. ولكن ذلك يصح من أجل تسهيل الدلالة وليس دقتها..
    فالمنطق الحيوي ليس نقريا ولاشخصيا ةالا لكان اي شيئ أهم منه..؟
    ثم .. هل يوجد شكل منطقي وآخر غير منطقي ..أم انه الكائنات جميعا تتحزى أشكلا منطقية حيوية يمكن قرأنتها بقرائن مربع المصالح ضمن مستويات وقيم متعددة؟؟

    على كل الموضوع رائع جدا ومحفز وسيأتيك لاحقا ماهو أكثر تفصيلا
    وفقك الله
    شكر لاطلالتك بعد غياب طويل .. يبدو ان واشنطن اصبحت اقرب الى بغداد من دمشق ؟؟

  2. الدكتور رائق مع المحبة

    اولا احمد الله على سلامة وصولكم الى واشنطن
    سرعة ردك على المقال اذهلتني جدا فأنك تقرأ بأختزال شديد
    والمحب لايحسد فلا تخف.. من هذه الملاحظة .
    مفهوما الكلي والجزئي الذي ورد في مطالعتي السريعة حول البداهة والبديهية معناهما مستمد من ما تعنيه انت بالشكل الكلي وكليته فبتحويه الايجابي للجذرين اللذين تمنحهما طاقة التأييد الايجابية وهما مثلا ” البرهان والالتزام ” دلالةعلى كلية الشكل الحيوي ، و” نفي البرهان والالزام ” دلالة على جزئية الشكل الحيوي . والامثلة الموازية لهذه الاقترانات معدودة بعدد انماط الاشكال : المصالح ، الشخصنة ، العصر، الى آخره مما قررته في دراساتك السابقة .

    اما قولك بـ :

    ١- شكل كلي البداهة في مقابل مايمكن تسميته ب : شكل ناقص البداهة كليا

    و شكل جزئي البداهة ي مقابل مايمكن تسميته ب: شكل ناقص البداهة جزئيا

    ففيه تجاوز للفرق بين الشكلين ،
    فأنك تقرر الفرق ثم تنفيه عنه .

    فهاهنا مفهوم مغاير للكلي ومغاير للجزئي الذي أرصنته دراساتك السابقة وعلى اساسها كتبت انا هندسة الشكل الحيوي . من منطلق الجذر وأثره أو ما يلزم عنه وما يناقض ما يلزم عنه ان صح التعبير .
    ولاأرى لمفهومي : الكلي والجزئي صلة هنا بسور القضايا وكمها
    فأنت قد أوجدت معنى جديدا للكلي والجزئي وهذا أمر حسن ومبرر وله فسحته ومبرراته العلميةالمقنعة . فالاشكال الاربعة – وحسب ما أرى انها يجب ان تكون موازية في تكونها لتكّون الاشكال الاربعة وفقا لمربع النقري -
    والتشكيلات التي عليها الاشكال الاربعة في الشكل الحيوي هي دائما تتشكل من شيئين احدهما مثلا التصور والآخر الموقف ،

    او عقلي وآخر سلوكي
    وليس شئا عقليا مع شئ عقلي آخر
    .
    وهكذا بقيةالاشكال
    واني دائما استعين بمربع النقري الاول بوصفه نموذج قابل للتكرار في تقريضات وتحليلات وقرأنات أخرى كما الحال في اعمال مدرسة دمشق .
    لهذه الاسباب قررت ان تكون التشكيلات المؤلفة من :
    حواءات العقل الوظيفية من جهة
    وحواءات المنجز المعرفي من جهة أخرى :

    متوازية من جهة ومتماثلة من أخرى وكما ورد في مطالعتي موضوع البحث. وما زلت اعتقد برغم ملاحظاتك أن :

    جذور القوة في العقل اثنان : البداهة والروية

    واثرهما : البديهية والمبرهنة

    البداهة والبديهية يشكلان : شكل كلي البداهة.

    البداهة والمبرهنة يشكلان : شكل جزئي البداهة.

    الروية والبديهية يشكلان : شكل منطقي جزئي.

    الروية والمبرهنة يشكلان : شكل منطقي كلي .

    وتقبل تحياتي

    عبد الرحمن كاظم زيارة

  3. الصديق أبا أنمار المحترم
    الاشكال مايزال باقبا
    إذ وعلى الرغم تذكرك بصواب دقيق الى ربط ماتسميه :” البرهان والالتزام ” دلالة على كلية الشكل الحيوي من حيث كونه برهانا واتساقا مع مايمليه ماهو برهاني بوصفه حقا..
    و” نفي البرهان والالزام ” دلالة على جزئية الشكل الحيوي ن حيث كونه قصورا واتساقا مع مايمليه القصور من ازورار عن الحق وتزوير له ..
    إلا أنك في مربع القيم الذي تكرره تبدو بعيدا عن الصيغة الرياضية الجبرية التي لايصح مربع المصالح بدونها
    حيث يتوجب وجود مقابلة لماهو كلي الإيجابية .. وكلي السلبية من جهة
    ويتوجب – بالتالي تكرار الآمر على ماهو جزئي الأيجاب مقاب جزئي السلب من جهة ثانية

    زهذا غير متوفر في النموذج الذي تقترحه لا رأيا ولا سلوكا فهل البداهة هي مجرد رأي
    وهل الروية هي فقك مجرد سلوك
    ام ان البداهة قد تكون سلوكا ورأي بآن واحد
    وكذا الروية؟؟

    أغنانا الله بلمحاتك وبخبراتك

  4. العزيز رائق
    كتاب الصديق زيارة عن “تأملات على ضفاف الشكل الحيوي” هو جيد كما أسلفت قوله منذ فترة
    و لكن هناك اشكالية تتعلق بمربع الجذور المنطقية للمصالح و تعينها
    فهو يقدم شكل مختلف لمربع الجذور المنطقية للمصالح وقاصر عن قيمه الجبرية الحيوية ..
    فكيف توافق على نشره؟
    أرجو التريث قبل نشره حتى يتم التوافق بشأنه؟
    مع مودتي
    حمزة
    فحالما ينشر للقارئ سيثير هذا اشكالا و لغطا في فهم المربع
    لذلك قد يكون من الحكمة التوافق عليه و خاصة أن هذا المربع خضع لتجارب و تطبيقات على نصوص وصور وأحداث ومصالح تجارية وكومبيوتربة واعلامية وقرآنية ..الخ وعمل فيه مئات الطلبة في جامهات دول متعددة ؟؟فلماذا نعرض صورته الإهتزاز والبلبلة

  5. نعم أيها الصديق حمزة
    ان مربع المصالح لدى الصديق زيارة مايزال يعاني من انحراف عن صيغته الخوارزمية الحيوية الأساس
    وهي ليست صيغة توافقية بأي حال .. وعلى العكس مماتشير اليه انت أيضا .. .. بل هي – اي صيغة مربع المصالح – هي صيغة بدهية ملزمة منطقيا بقرائن تقاطع محوري الزمان والمكان في اصغر وابسط واعم وحدة شكل
    لتتحوى بالضورة المنطقية قيما اربع رئيسة
    نعم ان تسميات المربعات الفرعية لمربع المصالح يمكن بل ويجب ان تخضع للتطوير والتوافق في تسمياتها الغوية في الغات المختلفة..
    .. وهو أمر غير بدهي أو رياضي بل لغوي اصطلاحي
    أما قيمها الرياضية فهي واحدة

    و التوافق في تسمايتها عائد لكون اللغة مهما كانت دقيقة التعابير .. فهي قاصرة عن الدقة الرياضية
    ومن هنا يتوجب استمرار البحث عن التسميات والتوافق علىيها لتكون اقرب الى التطابق مع قيمها الرياضية الحيوية الجبرية
    مشكلة الصديق زيارة الأولى هو انه يبدو متقنا احيان لقيمها الرياضية ولكن ليست الحيوية بالضرورة ..
    وفي احيان اخرى يبتعد عنها بل ويناقضها
    وسوف اناقشه بالتفصيل فيها بعد ان ارسل نسخة يمكن الاقتباس عنها للاشارة الى اخطائه
    وهو ذو عقل رياضي لاينقصه شيئا لكي يقتنع بماهو بدهي .. اما طلب الاقتناع بماهو توافقي فحقه ان لايقتنع في ما لايقنعه ولا غضاضة في ان يستعمل مايريد طالما انه يشرح مايريد ويبرهنه
    المشكلة الثانية معه هو انه مهتم بالصيغة الرياضية البحته للمنطق الحيوي ويحاول الاجتهاد في ذلك .. وهو يقع باخطاء جسيمة لكونه لم يطلع بعد على كامل اسقاطات مفهوم الشكل الحيوي .. وبخاصة على قضية العقل والانسان بوصفهما طرائق تشكل تخضع بدورها الى قيم الصيغة الرياضية لمربع المصالح
    وهي صيغة متوفرة وموجوده بوصفها جبرا كونيا عمادها مربع المصالح .. في الموقع باللغة الانكايزية
    أو لم يتفهمها كما يجب
    المشكلة الثالثة هي انه يعطي اهمية للتجريد الرياضي وهو امر مفيد للبلورة والدقة وامانة النقل وسهولة الايصال دون ان يتذكر ما كررته كثير له وهو ان اهمية اي نظرية هو في التطبيق اولا وأخيرا

  6. سلطة المنطق التوحيدي

    عبد الرحمن كاظم زيارة

    ان وعي البديهيات واعمام هذا الوعي عالميا ، أمميا لايتحقق بسهولة ، بل هوامر محال بدليل ان الرسالات السماوية نفسها التي تجتمع فيها القوة الالهية الى جانب القوة البشرية لم تستطع في جعل دين سماوي واحد بقادر على جمع البشر كلهم على نظام بديهي واحد. بل ان بديهية واحدة كبديهية وحدانية الخالق لم تصبح بديهية عالمية بعد.

    زد على ذلك ان كل الايديولوجيات والعقائد الوضعية ليست افضل حظا من الاديان السماوية في الانتشار الاممي .. وكل يدعو الى نفسه .. وكل يدعي ان نهجه هو نهج الحقيقة وان المؤمنين بدعوته هم الفرقة الناجية وسواهم الى جهنم وبئس المصير .

    ويبدو ان انعدام ظاهرة الانتشار الاممي على كامل الارض حتى من قبل آخر الاديان ، وبرغم ما توفرله من ” ارادة الهية ” آمرة بالدعوة المستمرة ، ودولة مترامية الاطراف غنية باجناسها البشرية وتنوعهم ، وغنية بمواردها ، ومرنة في تشكيلاتها الادارية والتنظيمية ، وتوافرها على مقومات ومواردللقوة عظيمة بمعانيها العقائدية والاقتصادية والتنظيمية والسياسية والاجتماعية ..

    ومع كل ذلك بقي جزءا كبيرا من الارض لم ير نور الاسلام ، بل ان جماعات وطنية واثنية وحتى قومية كونت لنفسها اسلاما يختلف عن اسلام جماعات أخرى وصلت العلاقة بينهما الى حد الصراعات الدموية وسجالات تاريخية معمدة بوقائع الحروب والدسائس .
    ويتضح ان تدافع الناس ، بمعنى اختلافهم وتنوعهم هو احد القوانين الكونية التي تغذي اسباب استمرار الحياة الانسانية. وأيضا لربما ان هذا التدافع الذي يقره القران الكريم نفسه هو العنصر المضاد لانشاء سلطة أممية تبدأ من الانسان وتنعكس في دولة واحدة موحدة . ولو كان ثمة صلة بين سكان كوكبنا وسكان كوكب آخر لانتقل التدافع الى مجالات الصلة بين الكوكبين .
    هذه بعض الحقائق التي تمهد الى القول بانعدام وعي انساني بالبديهيات الانسانية ،بمعنى ذلك الوعي المشترك الذي يؤسس سلطة لاتتجسد بتنظيم أو مؤسسة او دولة او حزب أو امة .. لأن هذه التشكيلات متمايزة وكل تمايز ينطوي على شئ من المحكات الخارجية مدعمة بمحكات داخلية يسوسها الانتماء الذي هو غالبا متوارث .. حتى يمكن القول ان تمايز هذه التشكيلات اساسه بيئي ، والوراثي متضمن في ذلك البيئي . نولد وتلتصق بنا هويتنا التي تدمج هوياتنا الجزئية : دينية هي بالحتم طائفية ومذهبية ، قومية ، طبقية .. وكل شئ في الهويات الجزئية ينطق بالبيئة ويولد عنها ويتنفس من خلالها .

    حتى ان الافكار الشمولية بالمعنى الفلسفي ـ وليس بالمعنى الذي وضعه الليبراليون ـ تأخذ مداها في دورة تاريخية لابد انها تصل الى ذروتها فترتد الى محلية تنتسب الى بيئة ما وتضحى سمة ثقافية تطبع البيئة المحلية بطابعها ، وتخلق نوعا من الالتزام ببعد تعصبي ازاء الآخر.

    هذه التحولات عبر حلقات التاريخ القديم والمعاصر مثلت على الدوام نسفا للبديهيات التوحيدية او على الاقل للبديهيات التي تدعي انها توحيدية على مستوى الفرد والامة والمجتمع الانساني . اما محاولات فرض البديهيات عبر تنظيمات منظمة الامم المتحدة فهي اسخف من السخف نفسه .وهي اشبه بقفازات مخملية تخفي اياد ظلت على الدوام آثمة .

    فاذن ما الذي يوحد الجنس البشري ؟

    اذا كانت الاديان والعقائد والايديولوجيات بقادرةعلى ذلك ؟ والذي نسأل عنه ليس فكرة اورؤية فهذه احلام ادنى مستوى في فاعليتها من احلام العصافير ولاينبغي حتى لمراهق مهوس باحلام اليقظة ان يفكر بها . انما سؤالنا يتجه الى الوقائع يستنطقها ،

    ففي الواقع بناء لم يولد عن فكرة إنسانية ولا عن تنظيم من وضع الانسان ولاتفسره الاديان بحيث تقنع الجميع بها لأن الجميع منقسم على اديان والاديان منقسمة على طوائف والطوائف منقسمة على اشخاص هم رموز الطائفة وكل رمز حامل لمفاتيح الجنة يوزعها على الاحباب والاتباع دون الاعداء والخصوم الذين عثروا بساق عنزته فكسروها في يوم مطير، فهؤلاء كفار خالدين في النار ، بادلة مقدسة تنط من جرابه لتدافع عن صاحبها .
    فشخصنة العقيدة تطيح تاليا بكل ما هو بديهي قامت عليه العقيدة . والشخصنة بعد ذلك انقلاب على سلطة البديهيات التوحيدية والموحدة .. والامثلة في هذا كثيرة واكثر من ان تحصى .. والابرز منها فترة صدر الاسلام فلقد كان الجميع معنيون به وبنشره ، ثم وبعد ان دارت الدورة التاريخية للدعوة الاسلامية ،حدث الانقلاب على سلطة ما هو بديهي على الناس وللناس فاصبحت الدعوة شأنا للحاكم .. تارة وشأنا للفقيه تارة أخرى

    ..ومازالت .

    وفي الاتحاد السوفيتي تكرر الامر وبرغم فسولة الطروحات الماركسية واعتلالها المنطقي في تفسير التاريخ وتؤيلاتها للصراعات في المجتمع الانساني الى صراع طبقي محض .. فأن المؤمنين بثورة اكتوبر اتخذوا لينين رمزا مقدسا ليس لأنه يجسد صورة الامل فيهم بل لان شخصه اقترن بتلك البديهيات التي بدت انها تلبي مبررات خلق الانسان في العيش بسلام وسعادة وحرية ..

    فماذا حصل بعد ذلك . ان الذي حصل هو أن الديكتاتورية البروليتارية تقلصت الى ديكتاتورية اللجنة المركزية .. ثم تقلصت الى ديكاتورية امينها العام. واقترنت البديهيات ـ رغم فسولتها ـ باسماء اشخاص بدوا كما لو كانوا مخلصين للعالم من عذاباته المريرة فكانت : الماركسية ـ اللينية ، ثم الستالينية .. ومن ثم اصبحت الصفعة التي يوجهها الرفيق بريجنيف لانسان سوفيتي بلشفي، تكريم ووسام يتقلده .. وضربه لانسان اسفل ظهره بقدمه هي دفعة نحو الامام وعمل تقدمي ..

    ورغبات الرفيق الامين العام هي أوامر يستنتج منها الحكم والمواعظ والفلتات العبقرية .وكل قرار يتخذه قرار تاريخي وحكيم وكل نقض لقرار اتخذه هو قرار تاريخي وحكيم! إنه داء الشخصنة .
    عودة الى السؤال : ما الذي يجمع الناس اليوم من بديهيات ونظم بديهية ؟
    لاشئ !
    عدا الاعتبارات الغريزية فهي لاتصح كعوامل توحيد الا على مستوى الجنس الحيواني .والاتجاه الرأسمالي يقوم على غريزة التملك ، اذا صح لنا وصف الرغبة في التملك هي غريزة فوق حيوانية . والعلم على ما فيه من حقائق تقوم على بديهيات لاشك فيها يجمع فئات علمية ولايجمع المجتمع البشري . وثمة محاولات اتجهت الى تصنيع لغة عالمية كالسبرانو مثلا كمقدمة لبناء وعي يقوم على بديهية توحيدية محمولة في اعتياد الكلام بهذه اللغة .كلها محاولات لمتلغي حقيقة ” تدافع ” ولو هذا التدافع لم بقيت الحياة اصلا .
    ما يجمع الناس من رؤية لم توجد بعد ، ووجودها مناقض لطبيعة الحياة البشرية ، فهي لن توجد لا في المستقبل المنظور ولا في المستقبل البعيد .
    فالبحث عن سلطة توحيدية حقيقية غير قابلة للشخصنة هي :
    ـ سلطة ليست عقائدية ولا ايديلوجية ولا ثقافية ولا سياسية فكل هذه الاشياء تحمل في ثناياها قانون التدافع وبما يدل على وجود محكات .
    ـ سلطة غير قابلة للتمثيل التنظيمي أيضا .لأن التنظيم المؤسسي مقدمة حتمية للشخصنة ، ويصح هذا الاعتقاد حتى في الانظمة الليبرالية فلا وجود لدولة مؤسسات بالمعنى النقي .
    ـ سلطة تطلق الحريات ، الحريات غير المسؤولة امام تنظيم او رمز قابلين للشخصنة بل حرية تضمن حريات الآخرين كخيار داخلي .
    لم يحصل هذا الا في فترةمحدودة في صدر الاسلام فلقد تحول الانسان من شخص منقاد الى قبيلته في كل خيرها وشرها فاضحى منقادا الى الله يخافه وحده ولايخاف سواه .. ومخافة الله هي مركز تتكاثف فيه كل الصفات الجميلة التي يتمناها كل انسان وهنا مكمن الحرية الحقة .
    ـ سلطة يختارها الانسان عبر وعيه المستمر بالبديهيات الموحدة والتي تعطي لحياته معنى .
    مرة أخرى ، سلطة بهذه المواصفات تنأى عن مركزة التوجيه والالزام والقانون الجزائي هي شكل من اشكال اليوتيبيا .ودائما تظل القيم المرغوبة مقترنة بالعسف وهذا دليل كاف على نقص البداهة والحاجة الى سلطة المنطق التوحيدي .

    وفي التحية سلام .

  7. البداهة L’évidence

    البديهي هو ما لا يتوقف حصوله في الذهن على نظر وكسب، سواء احتاج إلى شيء آخر من حدس أو تجربة أو غير ذلك أو لم يحتج (تعريفات الجرجاني)؛ وهو بهذا المعنى مرادف للضروري. وقد يراد بالبديهي ما لا يحتاج العقل في التصديق به إلى شيء أصلا، فيكون أخصّ من الضروري لعدم شموله للتصوّر.
    وتكون قضيّة ما بديهية إذا كان الإنسان الذي يستحضر معناها في ذهنه ويتساءل هل هي صادقة أم كاذبة لا يستطيع أن يشك البتة في صدقها. فالبديهي إذن هو الذي يفرض نفسه فرضا على العقل ولا يترك له أدنى مجال للشك.
    وكان ديكارت قد بيّن أن البداهة معيار الحقيقة وأنّ المعاني لا تكون بديهية إلا إذا كانت واضحة متميّزة . ومع أنّ البداهة التي يتحدّث عنها ديكارت هي البداهة العقلية، لا البداهة الحسية، فإنّ شرط البداهة وحده لا يمكن أن يكون معيارا صادقا للحقيقة. وفعلا لا يكفي القول إنّ قضيّة ما بديهية إذا كان الشخص الذي يفكّر فيها لا يستطيع الشك في صدقها، إذ لعلّ امتناع الشك في صدقها إنّما تفسّره حالة هذا الشخص العقلية، كالجنون أو الهيام والإنفعال أو الحكم المسبق، الخ…
    وإنّا نميز في العادة بين ما يبدو بديهيا لشخص ما وبين ما هو بديهي حقا وفي ذاته بالنسبة إلى كل العقول. وقد أشار كانط (Kant) ورينوفيي (Renouvier) إلى أنه توجد بداهة شخصية خدّاعة ومضللة. ألا نرى أن المعاني التي نجزم ببداهتها هي المعاني الموافقة لميولنا وآرائنا ومعتقداتنا ؟ ونحن نفهمها بسهولة ونمنحها قيمة موضوعية كاملة دون أن تكون مطابقة للحقيقة. إذن ليس كلّ ما توجبه بديهة الإنسان صادقا بل كثير منها كاذب، والصادق هو بديهة العقل المؤيّدة بالحسّ والتجربة والمُجمع عليها من قبل كل العقول.
    وإذا كانت البداهة تعني أخيرا الإدراك المباشر للموضوع البديهي الذي يفرض نفسه فرضا على العقل بحيث لا يدع أيّ مجال للشك، فإنه ينبغي التمييز بين البداهة واليقين، إذ البداهة هي بداهة الموضوع المدرك، في حين أن اليقين هو الأثر الذي تخلفه هذه البداهة في النفس والشعور الباطني الذي تولده فيها.

    ● الغزالي:1- «
    العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك، بل الأمان من الخطإ ينبغي أن يكون مقارنا لليقين (…) وكلّ ما لا أعلمه على هذا الوجه، ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين فهو علم لا ثقة به ولا أمان معه، وكلّ علم لا أمان معه فليس بعلم يقيني ».
    ● ديكارت (Descartes):
    2- « أعني بالمعرفة الواضحة تلك التي تكون حاضرة وجليّة أمام الفكر المنتبه…؛ وأعني بالمتميّزة تلك التي تكون دقيقة للغاية ومتميزة تماما عن المعارف الأخرى…”.
    ● بسكال (Pascal):
    3- « إننا نقتنع بالبراهين التي أقمناها بأنفسنا أكثر ممّا نقتنع بالبراهين التي أقامها غيرنا ».
    ● لابورت (J. Laporte):
    4- « لقد أحسن فكتور بروشار التمييز بين البداهة واليقين وإثبات العلاقة الموجودة بينهما: فالبداهة صفة باطنية مميّزة للفكرة، وأمّا اليقين فهوالحالة النفسية التي تكون عليها الذات العارفة، وينشأ اليقين في الذات نظرا إلى بداهة الفكرة ».
    ● بروشار (V. Brochard):
    5- « البداهة واليقين لفظان مترادفان تماما: إنهما يشيران إلى الشيء نفسه، أحدهما يشير إليه من زاوية موضوعية والآخر من زاوية ذاتية (…) فاليقين هو الحالة التي تكون عليها الذات، والبداهة صفة للموضوع؛ بيد أن اليقين، الذي هو حالة الذات، لا يمكنه أن يتحدّد إلا بصفته مالكا للموضوع ».
    ● دربون (A. Darbon):
    6- « البداهة التي تثير أقل مقدار من الصعوبات والتي لا جدال فيها هي البداهة المنطقية، أي بداهة النتيجة التي تتلو المقدمات ضمن الاستدلال الصّارم ».
    ● برسو (E. Bersot):
    7- « قد تقع الفلسفة في خطأين خطيرين: أن تنفي البداهة أو أن تبرهن عليها. (…) فالبرهان على البداهة يفترض وضعها أوّلا موضع الشك، وهذا أمر خطير للغاية ».
    ● بوفرن (Buffon):
    8- « إننا ننتقل في العلوم المجرّدة من حدود إلى حدود أخرى، وفي العلوم الطبيعية من مشاهدات إلى مشاهدات. ففي الأولى نفوز بالبداهة، وفي الثانية نفوز باليقين ».
    ● رفردي (P. Reverdy):
    9- « البداهة تشلّ البرهان ».

    http://www.naja7net.com/showthread.php?t=6684

  8. بقلم محمد الهلالي

    الحقيقة
    يجب التمييز بين الواقع والحقيقة. لأن الحقيقة مرتبطة بالحكم الصادر عن الإنسان. لذلك فتعدد الأحكام يطرح مسألة صحتها أو خطأها. وبالتالي تعدد معايير الحقيقة وقيمتها التي ترتبط بسلطتها وأهميتها في الصراعات الاجتماعية.

    المحور الأول: الرأي والحقيقة:

    الرأي هو الفكرة الشخصية التي لم نحصل عليها باستعمال منهج علمي أو فلسفي وهو معطى جاهز ومباشر تنتجه الحواس والتجارب الخام.

    بالنسبة لغاستون باشلار: “يتعارض العلم مع الرأي. إن الرأي خاطئ على الدوام. وهو تفكير سيء بل لا يفكر البتة، فهو يترجم الحاجات إلى معارف. وبتعيين الأشياء حسب فائدتها، يمتنع عن معرفتها. لا يمكن تأسيس أي شيء على الرأي، بل ينبغي هدمه. فالرأي هو أول عائق يلزمنا تخطيه”.

    يعتبر باشلار الرأي عائقا ابستملوجيا ينبغي إحداث قطيعة معه، ويسمي هذه القطيعة بالقطيعة الابستمولوجية، أي التي تحدث على مستوى المعرفة. فالحقيقة تنتمي لمجال مختلف تماما حيث أنها تبنى اعتمادا على منهج علمي تتضافر فيه كل من التجربة والعقل ولا يترك فيه مجال للمعطيات الجاهزة أو الأفكار المسبقة أو كل ما يرتبط بالتجربة العامية.

    أما ديكارت فيرى أنه من واجب كل إنسان يبحث عن الحقيقة أن يشك مرة واحدة في حياته في جميع معارفه بل أن يشك في كل شيء إلى أن يصل إلى ما لا يقبل الشك وهو البديهي العقلي المتميز بالوضوح والتمايز، أو الحس العقلي أو البداهة العقلية المتمثلة في الكوجيطو: “أنا أفكر إذن أنا موجود”، وتم استنتاج حقائق أخرى من هذا الحقيقة التي تعتبر أساسا ومنطلقا. وهكذا فجميع الأفكار التي كانت لنا قبل الشك تعتبر آراء، أما بعد الشك فتصبح أفكارا حقيقية ويقينية.

    وينمكن الإشارة إلى موقف أفلاطون الذي يرى أن عالم الحس هو عالم الرأي، أما عالم المثل فهو عالم الحقيقة وأنهما يتعارضان ويتناقضان في كل شيء، وأن الفيلسوف وحده قادر على بلوغ عالم المثل عبر التذكر لأن المعرفة تذكر والجهل نسيان.

    المحور الثاني: معايير الحقيقة:

    بما أن الحقائق متعددة تبعا لتعدد المنظورات والمذاهب فلا بد من توفر معايير تميز الحقيقة عن الخطأ حسب المذهب المحدد.
    ديكارت: معيار الحقيقة هو البداهة العقلية أو الحس العقلي اعتمادا على الشك المنهجي الذي يجب تمييزه عن الشك المذهبي. ويقدم نموج الكوجيطو مثالا على هذا المعيار لأنه يدل على عجز العقل والحواس عن بلوغ الحقيقة وعدم الثقة فيهما لوقوعهما في الخطأ.

    سبينوزا: ونجد نفس الأمر تقريبا عند سبينوزا الذي يقول “أن من لديه فكرة صحيحة يعلم في نفس الوقت أن لديه فكرة صحيحة، ولا يمكن أن يشك في صدق معرفه” ويضيف “إن المعرفة هي معيار ذاتها وعيار الخطأ مثلما أنه بانكشاف النور ينقشع الظلام”.
    ليبنتز: ينتقد ليبنتز موقف ديكارت بقوله: “لقد اسكن ديكارت البداهة العقلية في فندق ونسي أن يمدنا بالعنوان”.
    ويتهم معيار ديكارت بالضعف لغموض مفهومي الوضوح والتمايز، ويقترح معيارا آخر استعمل منذ أرسطو والرياضيين وهو معيار البرهنة العقلية على أساس منطقي رياضي
    .
    فوكو: معيار الحقيقة هو السلطة لأن “الحقيقة ليست خارج السلطة وليست بدون سلطة”. بحيث نجد أن كل مجتمع له نظامه الخاص بإنتاج الحقيقة وسياسته الخاصة حول الحقيقة. ففي المجتمع الغربي على سبيل المثال نجد أن:
    - الحقيقة السائدة هي الحقيقة العلمية دون غيرها.
    - وأن السبب في الاهتمام بها هو اقتصادي وسياسي
    - وأنه يتم نشرها واستهلاكها عبر أجهزة الإعلام والتربية.
    - أنه تتم مراقبة إنتاج الحقيقة من طرف الدولة
    - وأن الكل يعمل من أجل امتلاك الحقيقة لأنها سلطة.
    إذن لا توجد معايير كونية وشاملة بل يجب البحث عن الحقيقة في كل مجتمع حسب أنظمته السياسية والاقتصادية.

    المحور الثالث: قيمة الحقيقة:

    1. قيمة الحقيقة هي المنفعة:
    حسب الفيلسوف الأمريكي وليم جيمس، ترتبط الحقيقة بالمنفعة. وهذا الارتباط ضروري لأن السؤال عما يميز الفكرة الصحيحة عن الفكرة الباطلة سؤال مشروع، إذ لا يجب أن تكون النتيجة هي نفسها حين نتبنى فكرة صحيحة وحين نتبنى فكرة خاطئة.
    فالكرة الحقيقة لها امتيازات منها أنها هي التي لها مفعول في حياتنا وتترتب عنها نتائج تغير شيئا ما في حياتنا وهكذا يتضح أن قيمة الحقيقة تكمن في فعلها وفعاليتها ونفعها وفائدتها.
    يقول وليم جيمس: “إن الحقيقي هو ما يفيد ” .

    2. قيمة الحقيقة تكمن في أخلاقيتها:
    - الواجب الأخلاقي اللامشروط حسب كانط هو الذي يجعل من الإنسان كائنا أخلاقيا، ويعتمد على القاعدة التي تنظم تصرف الإنسان: “عليك أن تتصرف وكأنك تتصرف باسم الإنسانية جمعاء. عليك أن تتصرف بناء على أن ما تقوم به تجاه الآخرين هو ما تود أن يقوموا به تجاهك”.

    3. لا وجود لأية قيمة للحقيقة:يرى نيتشه أن مصلحة الفرد في أن يعيش داخل الجماعة البشرية بطريقة سلمية يجعله يقبل بوجود ما يسمى حقيقة، أي ما يفيد ويمتع ويحفظ الحياة. أما المعرفة الخالصة وغير المثمرة فلا يهتم بها أحد.
    فالحقيقة هي وهم مفيد، أي أن الحقائق هي أوهام ترسخت بفعل الاستعمال والمنفعة الناتجة عنها.
    فأن يقول المرء الحقيقة معناه أن يردد ما يعتبره مجتمعه حقيقة.
    يقول نيتشه: “إن الحقيقة تقتل، بل أكثر من ذلك إنها تقتل نفسها عندما تكتشف أن أساسها هو الخطأ
    http://cours-de-philo.blogspot.com/2008/05/blog-post_5257.html

اترك رد