

في محاولتنا ايجاد القاب سياسيه او فكريه لها جذور مقدسه او استعمال ايجابي في التراث العربي الاسلامي فاننا فد نصطدم بكثير من الحساسيات المتناقضة ..اذ لابد ان يشعر بعضهم اننا نتطاول عليها او نقزمها .. في حين يشعر البعض الاخر ,انها اهانة له, وتحنيط مع من لاحياة لهم خارج المتاحف..
و من ذلك, فان من يطلق على نفسه :اسم الرفيق الامين العام بوصفه لقبا ثوريا.. او المستشار بوصفه لقبا معاصرا او المنسق..بوصفه لقبا اجرائيا.. الخ.. فانه لن يقبل لقب المطوع.. او الشيخ او السلفي..او المفتي..ولاحتى الامير!!
وذهب بعضهم في معرض استثمار كراهية الناس للتسلط الاحادي و للحكام الدكتاتورين …او لدواعي المناكفة السياسية ..مع من يعادونهم من حكام يحظون بتعاطف جماهيري مميز … الى تسويق مفهموم القيادة الجماعية ,والادارة الذاتية , بالرغم من انهم قد لايسمحون لاحد, بمشاركتهم القرار ,ويستمرون في السلطة باساليب قمعية.
والاسباب لاتحتاج الى شرح.. اذ ان السلطه مطلوبه من الكل.. واحيانا لاهداف نبيله..؟؟ ولكن عصرنا هو: عصر حقوق الانسان..؟؟!! وزوال الملكيات غير الديوقراطية ..؟؟ وعصر انهيار الدكتاتوريات..؟؟ حتى ولوكانت اهدافها نبيله…لان الدكتاتوريات عاجزه عن حل اشكالات عصرنا… وهذه هي سمة المجتمعات المتقدمة ..او السائرة على طريق التقدم..؟؟ وبالتالي , فانه من المريح هذه الظهور.. او الادعاء بحب الديموقراطية..!! والتواضع والشعبوية..!! وبخاصه بعد تحطم الدكتاتوريات الماركسيه..حيث سقطت اخر ورقة توت عنها؟؟
كما ان استعمال القاب خارجة عن سياقها التاريخي والاجتماعي, وبخاصة في مناخات الصراع بين من ينادي باسلمة الدولة: بالمعنى العنصري الطائفي, المغلق.. وبين من ينادي: بدولة حقوق الانسان..! ويرفض -رافضا مطلقا- مرجعية فقهاء الحيض والنفاث..!!
ومع ذلك , نقول: ان الالقاب التاريخيه تمثل اشكالية رمزية كبري ؟؟..وبخاصه في المجتمعات التي تشعر ان ماضيها افضل من حاضرها؟؟.. ولانتوقع, بالتالي , ان ان يكون اخراج الالقاب التاريخيه, من سياقها التاريخي سهلا , ومقبولا , للأي من قوى التفرد والشخصنه فيها.. ا!!..؟؟
بل من الممكن ان يؤجج المشاعر ..-الممزقة اصلا – حتى , بين قوى التفرد والشخصنه من القوميين..- وبشكل خاص- وبين القوميين المتديننين الرافضين , والمكفرين لكل من يقبل - مجرد قبول – تسمية قومي.. !!او حتى وطني ..؟؟!! وبين القوميين العلمانيين او المطالبين بتجاوز مفاهيم الشخصنه الدينيه سياسيا..
فما العمل؟؟ ونحن ننادي بميثاق حيوي ..؟؟يتسق مع التراث والعصر.؟؟ ونريد بلورة مجرد تسميات رمز يه..؟؟ ولكن, لها دلالاتها الجماهرية الموجهة..حيويا..؟ هذا هو السؤال الذي اقلقنا .. ومايزال ..؟؟ والسبب في قلقنا يعود الى كون جزء ليس يسيرا من معركتنا.. هو رمزي اولا…!! بمقدار ماهو سياسي… ؟؟ وبخاصة, اننا نعاني من فراغ , وازمة ايديولوجية كاسحة ..؟؟
فلا القوميين ولاالماركسيين ولاالمتدينيين في حركاتهم المعروفة ..وافكارهم المنشورة جمعاء.. !! قادرين على نكران الخواء, وانعدام الرؤيه.. وفقدان المرجعية..المقنعه , او على الاقل, اي مصداقيه كونها تبشر بالنصر… ولذك , فان حالة هزيمه شامله وشعورا بالخواء والانكفاء ؟؟ او اللامبالاة… يجرف الجميع!!!
ومن اجل بلورة رمزية حيوية, في التسميات والالقاب , فاننا, ومبكرا – في التنظيم الحيوي .. الذي تبلور في مدرسة دمشق للمنطق الحيوي.. - اعتمدنا لفظة “الصيق”: للمناداة بدلا عن تعبيرات :الرفيق, والاخ .. المتداوله بين قوى التفرد والشخصنه ..
والسبب في اختيارنا يعود الى كون تعبير” الاخ” لايدل , بالرغم من اهميته الرحمانيه..؟؟ نقول :انه , لايدل - بالضروره- على تقارب صادق الاستجابه ؟؟..وذلك , لسببين:الاول هو ان الاخوه اساسا وفي حالتها المثاليه الدمويه؟؟ هي معطى يحدده الابوان..وبالتالي ليست موضع اختيار ..؟؟اما السبب الثاني فهو ان الصداقه هي فعل والتزام طوعي صادق..
وراينا ان تعبير “رفيق” هو الاخر..له دلالات ليست بالضروره معيارا للحيويه السياسيه ..فال”رفق”وال”مرافقه” صفات جزئيه..ومرحليه مؤقته..؟؟
ولذلك , اعتمدنا لفظة “الصديق” لان تعبير “الصديق” مشتق من تعبير “الصدق” .. و”الصدق” يعني - فيما يعني: صدق العلاقه سواء اكانت اخويه ام لا ..وعدم محدويتها على العلاقه الرفاقيه المحدوده , لدواعي سياسيه.. او غيرها..؟؟-
تعبير “الصدق” يعني -فيما يعني-..عدم الكذب؟ وعدم الغش..؟؟ وعدم التزوير؟؟وعدم التقاعس اوالنكوص..؟؟وعدم شهادة الزور؟؟ ليس -فقط – على المستوى الفردي..وليس -فقط - على المستوى العائلي !!.. بل – اولا وضمنا-..على المستوى السياسي العملي..
تعبير “الصدق” و”الصداقه” اذا, يعني: الترابط الصادق من اجل الاعمار ..والتوصل الى ماهو”احق” بالفعل لاحقاق الحق.. و”الصدق” بالاستجابه.. لعدم اضاعة الحق..!!..نظريا وعمليا…!! و يعني: الاستعداد للشهادة الصادقة..!!نظريا وعمليا…!! والاستجابه الصادقه..: بالقول, والسلوك, ولو تطلب الامر .. الشهاده بالدم..!! لتمكث القيم الحيويه في الارض..!! ولا تذهب هباءا منثورا..؟ , او لا تصبح قيمنا ومبادراتنا , وانجازاتنا و حيويتنا زبدا..!! و جفاء.؟؟ .
..ومن ذلك , وجدنا: ان اول لقب “الصديق ” الذي اطلق على”الخليفه الراشد الاول.. “ابو بكر” كان ذو دلالة واضحة على اتساق تعبير “الصيق“ مع روح التراث..والعصر.. ف:”ابو بكر“ لم تاتي اهميته من كونه من عائلة النبي..بل لكونه “الصديق الاول” لرسالته الحيويه.. و“الصديق الاول” لايعني تراتبيه زمنيه فقط؟؟.. بل ايضا واولا.. على تراتبيه نضاليه..في المسيره السياسيه.. والصادق في مشاركته لتحمل مسؤليه مايراه يستجيب بصدق لمايتطلبه المجتمع في مرحلة معينه..؟؟
ولذلك فاننا استعملنا لقب : “الصديق الاول“ لمن يقوم بالمهام التنفيذية الحيويه.. وكان هذا اللقب يتناوب بحسب ما تفرزه انتخابات كل مؤتمر عام.. وقد تناوب عليه ثلاثة اصدقاء حتى عام 1976..حيث تم الانتقال الى العلنيه والتحول في صيغة “التنظيم الحيوي” الى صيغة مدرسه فكريه وسياسيه حيويه..
كما اننا استلهمنا الحديث النبوي القائل “اذا سار اثنان فليؤمر احدهم الآخر” لكي نتخد تعبير الامير كتعبير عن التميز والمسؤولية في اداء مهام حيويه معينة..
ولكننا في محاولتنا هذه.. لايجاد تسميات ذات خلفية حيوية وقدرة رمزية سياسية شامله للعالم العربي والاسلامي.. فاننا عانينا ومانزال..!! و حاولنا العودة الى اهم المنظرين السياسيين في تراثنا.. وبخاصه , الذي يطلق عليه عالميا وبحق : المعلم الثاني, وهو الفيلسوف الفاربي.. وهو اهم من بحث المسائل السياسية من خلفية فلسفية عالمية..وقد كان قريبا من العصر الاسلامي قبل انهياره.. فماذا نجد عنده؟؟
اننا لانجد عنده مرة واحدة لقب الخليفة ..ولاحتى امير المؤمنين!؟ بل نجد اسماء من قبيل الحكيم, والفيلسوف ,والامام ,والنبي.. والرئيس..
والفارابي يسير- بذلك- على طريق “جمهورية افلاطون“.. بحيث ياتي الفلاسفة -دون غيرهم- في اعلى مستويات الهرم السياسي والاجتماعي..ويسير على طريقة “ارسطو” في نظريته عن العقل الفعال والعقل المنفعل..وهي نظرية تجعل الحكمة والعقل تكتسب بما يشبه الوحي الموصول بكل عاقل..قابل للانفعال العقلي او التأثر او الاستهداء الى الحكمة..
وكل عاقل ..قادر على تلقي الحكمة من مصدرها الاول ..وهو: العقل الفعال عند “ارسطو” ,او الله, في المفهوم الديني …والحكمة هي: ام العلوم, وافضل واحذق الصناعات..!! تفيض من العقل الفعال الى العقل المنفعل ..وغير ذلك من تفسيرات لاتتميز كثيرا عن التراث الارسطي..
ولكن المميز عند الفارابي هو: ان العقل المنفعل ,تتأثر قدرته في الاستهداء الى الحكمة,بحسب حيوية المجتمع الذي بنتمي ويعيش قيمه..؟؟؟!!فالمجتمع الفاضل حصرا..؟؟ او المدينة الفاضلة فقط !!هي التي تتيح بلورة وظهور الحكيم الفيلسوف الرئيس .؟؟!!
والقارئ العادي او المعاصر ..قد يجد صعوبة في فهم او مجرد ملاحقة النص التالي , الذي يشرح فيه الآ لية العقلية, التي تنتهي بانتاج حكماء وانبياء ومننذرين.. وذلك:
“بتوسط العقل المستفاد الى قوته المتخيلة..فيكون بما يفيض منه الى عقله المنفعل حكيما فيلسوفا ومتعقلا على التمام بعقل فيه الالهي, او بما يفيض منه الى القوة المتخيلة, نبيا ومنذرا بما سيكون.., ومخبرا بما هو الآن من الجزئيات موجودة بعقل.. فيه الالهي “
ولكن ليس من الصعب ان نفهم عليه تعريفه للحكيم :
“فهو الفيلسوف النبي واضع النواميس الرئيس الاول للمدينة الفاضلة.الامة الفاضلة. وللمعمورة ,الحكيم هو من عنده علم الواجب بذاته بالكمال” Taliqar:9.9
وكما ذكرنا في ان المميز فيه , هو: انه يربط هذه الالقاب بحيوية المجتمع, او الجماعة, التي تفرز قياداتها.؟؟وكانه -بذلك- يؤكد المقولة النبوية ” كما تكونوا يولى عليكم”..
فحيوية المجتمع تنعكس, فيا يسميه نوعية المدينة, التي قد تكون من افضل ما يقرا له سياسيا.. هو تعريفه للمدينة الاشتراكية… التي حلم بها الحيويين ..منذ جمهورية افلاطون..!!وتجددت في القرون الحديثه..؟؟ قرون الصناعة.. والحلم بتصنيع مجتمع الحرية المطلقه..!!! وكانت دافعا لتفريخ الكثير من الثورات والمآسي .. ولكنها , ماتزال تحمل قيمة حيويه.. موجهه, لمئات الملاين, ويسميها الفارابي: “المدينة الجماعية”:
وهي المدينة التي يعرفها: انها”التي كل واحد من اهلها.. مطلق مخلي لنفسه..يعمل مايشاء. واهلها متساوون. وتكون سنتهم ان لافضل لانسان على انسان في شيئ اصلا. ويكون اهلها أحرارا يعملون ماشاؤوا. ولايكون للأحد على احد سلطان الا ان يعمل ماتزول به حريتهم“ٍSee:Siyasah:99.
وفيما عدا ذالك لاحاجه بنا للتوقف عند المدن الفارابييه؟؟؟
ك:”مدينة مبدلة” اي التي تبدلت من بعد ان كانت فاضلة..
اوالمدينة الجاهلية : “التي لم يعرف اهلها السعادة ولا خطرت ببالهم. وان ارشدوا اليها فلم يفهموها او لم يعتقدوها. وانما عرفوا من الخيرات بعض هذه التي هي مظنونة في الظاهر انها خيرات من التي تظن انها الغايات في الحيات”.See: Ara:256.9:
ولذلك , لن نتوقف عند مدنه : “الخسيسة” او”الفاسقة”ا و”الضالة” او”المسالمة”ا و”الضرورية” فهي – بالفعل- لم تسعفه بشيئ على المستوى العملي..؟؟ولكنها اسعفته , و يمكن ان تسعفنا على المستوى النظري- على الاقل - في الفهم الدقيق , والمبكر بانها: ليست المجتمعات الاكثر حيويه.. او المدنيات الاكثر تحضرا ..وليست الاكثر قدرة على اطلاق قيادات مدوية.. بحيويتها ..على الزمن..
ماذا نقصد من ذلك كله ونحن نبحث عن تسمية نرمز ونشير بها الى اعلى مسؤليه اجرائيه سياسية ويمكن ان تتشخص في قائد محدد..!! في فترة محدده…!! ومجتمع محدد.؟؟
انها تسعفنا بعدم توقع ظهور الاتبياء ..الا من مجتمع الانبياء ..؟؟و تسعفنا -بالتكيد- بان لا نفترض , ان يكون قادتنا في مجتمعاتنا المتخلفه انبياءا…؟؟!!..وليس ذلك, لانه يناقض “مفهوم الشكل الحيوي” الذي يقول ان الانسان -اي انسان هو شكل- وانه لاوجود لاية جوهرية انسانيه معصومه عنصريه….؟؟ بل اولا واساسا لان مفهوم النبوه-اصلا- وصلنا مضخما عن التراث اليهودي .
ولكن وفي هذا المجال علينا ان ان نستفيد من تجربتهم التاريخية الفريدة في تسمية حكامهم باسم النبوة والمؤكده لملاحظات الفارابي …
اذ.. ومع ان زعاماتهم كانت قبلية محصوره جدا..وعشلئرية ضيقه جدا..بحكم سيادة عصر الجوهر الانغلاقي الانعزالي العنصري .. الا انها استطاعت ان تصبح استثنائيه …؟؟؟ولم يكن الاستثناء فيها بسبب التنقل المستمر ؟؟…فقبائل المنطقة عامة عرفت وعاشت على ذلك.. ان الاستثناء كان اعتماد التاريخ للكتابة… وكتابة التاريخ للتوارث والتوريث..!!بوصفه كنزهم الاكبر.. الذي سمح بمراكمة الخبرات بالاضافة الى اكتشافهم الى اسلوب مراكمة المال والذهب…. هذان الاستثناءان بالمقارنه مع محيطهم … مكنهم من صنع وتصدير اسماء حكامهم بشكل مؤثر جدا… في حين فشلت في ذلك زعامات وادي النيل ووادي النهرين..ومن ذلك ان اسماء حكامهم شاعت وانتشرت بين المسيحيين والمسلمين من بعدهم بحيث لايوجد بيت الا وفيه ذكر لاسم من تاريخ اليهود..وفي الوقت نفسه يكفرونهم؟؟!!
ومن الدروس المستخلصة الكثير مما يؤكد مفهوم الفاربي عن ارتباط الحكمة بحيوة القيادة مع حيوية المجتمع الذي تنتمي اليه..حيث ان شيوع الرمزية النبوية لالحكام اليهود في العهد القديم …يعود بالدرجة الاولى الى حيوية ظروف اليهود اولئك انفسهم …حيث استطاعو كتابة قصص حكامهم بطريقة حيوية تمكن الاجيال التالية من العودة اليها ليروا فيها اها متواترة ومتماثلة ليس فقط مع قصص حكام اباطرة وملوك اخرين في حضارة وادي النهرين ووادي النيل بل ومتماثله مع تاريخ الناس جميعا.. ملوكا وصعاليك…
ولهذا السبب فان القرآن اعتمد كثيرا على التذكير بتلك السير لكي نتعظ من التاريخ ويطلق قيادات ومجتمعات لاتكرر تجربة :(اذهب وربك فقاتلا..انا هاهنا قاعدون..) بل وتنفي وتنفي الحاجة الى تكرار النبوة .. الى مالانهايه..؟؟فالحق بين.. والباطل بين.. ولايتطلب الامر اكثر من مذاكرة حيوية لفطرة الله التي خلق الله البشر عليها..ومهمة الانسان هي
..
ومع ذلك, فانه عندما تعرض المسلمون الاوائل لمهمة تسمية الحاكم العام, فان احدهم عندما اقترح لقب :خليفة الله, رد ابو بكر :بل نادوني “خليفة رسول الله.”.”ولقد وليت عليكم ولست بخيركم.”.واذا رايتم مني اعوجاجا فقوموني…
وبعد قرون من الظلام الاوربي.. كرر المسيحيون هذه الامثولة الاسلامية ..(التي انتكست لاحقا.. بانتكاس المجتمع الاسلامي… عندما نهض المصلح مارتن لوثر كنغ ضد مفهوم القيادة البابوية …التي تفوض نفسها باحتكار تمثيل الله.. وراى ان العودة الى سير حكام اسرائيل وانبيائهم للمذاكرة..يفيد ويوضح ان الانبياء انفسهم يخطؤون ويساومون..كما ان شعب الله نفسه.. وكما يؤرخون لانفسهم في التورات.. يخطئون ايضا..وبما ان الانسان بالمفهوم الديني والمسيحي هو ابن الخطيئة..فلماذا لايتذاكرون المغزى الحيوي للتوراة…ايضا؟؟
ولذلك , فان الاصلاح الكنسي البروتستانتي وجد من الضرورة الحيوية القصوى العودة الى استخدام سير التوراة لبيان مدى النقلة النوعية في فكرة ان يحضر الرب بنفسه هذه المرة وبصفة بشرية ويضرب امثولة مؤلمة محزنة للتضحية والفداء…والبشارة.. فالله “الاب” من خلال تقمصه للدور البشري يؤكد فهمه واقراره وغفرانه للبشر الخطائين.. : لااحد يتعرض “للتجربة” اي الخطأ.. الا ويخطئ.. ولذلك فان افضل ما نستطيعه هو الدعوة ب”اللهم نجنا من التجربة”ولمن هنا التقطت البروتستانتية فكرة انعدام العصمة وعدم ارتفاع اي بشري عن امكانية الخطأ..
وبنت الكنيسة الروتستلنتية تعاليمها : على النحو الذي يشير الى انه علينا ان لانهرب من احتمال الخطأ..بل وعلينا ان نرى حكمته وضرورته للتقدم الاجتماعي والعلمي والصناعي الذي يعتمد التجربة والبرهان..
وبذلك فان فكرة المسيح المخلص الفادي الذي قرر الاستفادة من تجارب انبياء اليهود التي خطط لها مسبقا..لكي تتاح الظرف الملائمة لكي ياتي بنفسه هو .. هذه المرة .. ليعرّض نفسه للاذى والالم والصلب.. نقول : ان فكرة المسيح المخلص الفادي نالت دعما تبريريا اكبر لكي تفتح المجال لانهاء قيادة الكهنوت البابوي..ولكي تحرر الناس من الخوف من التجربة..بل وتحرضهم عليها..وفق سياسة نبي الاسلام..محمد:(من اجتهد واخطا فله اجر..! ) التي غابت عن تاريخنا الانحطاطي..
وبذلك استطاع مارتن لوثركنج فتح المجال لاحداث نقلة وثورة نوعية نقدية لمفهوم القيادة المسيحية” بالمقارنة مع المفهوم اليهودي والفاتيكاني للانبياء الحكام ..فالمسيح السماوي قرر الظهور البشري ضمن مخطط ليكونوا شعبه… في مرحلة مؤقتة كأمثولة ليستخدمها بولس.. ويؤكد بداية العهد الجديد عهد امكانية الوعي بان البشر جميعا خلق الله… واحباء الله حتى ولو اخطؤا..وان ذلك يستدعي زوال عهد الانبياء الحكام او عهد الفاتيكان المحتكر للمارسة الحكم الالهي .
ودواعي زوال عهد الحكم الكهنوتي لا تعود الى عجز الانبياء الحكام و بابا الفاتيكان ..بل تعود الى نمو ونهوض المجتمعات الاوربية الصناعية الى مستوى اعلى من ان تستمر في التحنط ضمن مفهوم عنصري مغلق للقيادة.. وقرروا مذاكرة العهد القديم للعظة فقط….
ومن ذلك فان الشعوب البروتستانتية: الالمان والانكليز والامريكان لاحقا …اعادوا تقييم مجتمعاتهم الناهضة صناعيا قبل غيرها …وايقنوا وتصرفوا على انهم ليسوا اقل حيوية من مستوى حيوية اليهود الاولين..فاعادوا صنع قيمهم وقادتهم وسياساتهم …وفق منطق يتناسب ومتطلبات عصرهم..وقد استجاب الفرنسيون لفهم هذه المعطيات ..فذهبوا ابعد مدى واطلقوا الثورة الفرنسية وشعاراتها الحيوية..واطلقوا قيادات لامعة جدا.
واصبحت التجربة من اجل التجربة قيمة مقدسة.. تمارس في كل مكان وفي كل اتجاه .. ترى هل كان الفارابي يتوقع ذلك فيما سماه “المدينة الجماعية”؟
ولذلك , وفي كل الاحوال فاننا نرفض اية رمزية تصادر امكانات عصرنا التي اصبحت فيه الديموقراطية حاجة كالهواء..ونرفض النكوص عن سمة العصر هو تجاوز الملكيات والتحول الى جمهوريات.. مع اننا نرى وللاسف ملكيات جديدة تفرخ عندنا…
ولانفشي سرا اذا قلنا ان بعض الجمهوريات تصر على الابحار عكس اتجاه العصر؟؟ تحولت بالممارسة الى ملك عضوض اعتى من اي من الملكيات .. كما اننا لانفشي سرا اذا قلنا ان الاقليات في الجمهوريات المسقرة ديوفراطيا في العالم .. ماتزال عمليا بعيدة عن الطموح العملي للوصول الى اعلى المراكز..ولكن في المقابل فان نفي هذه الامكانية , ولو نظريا , او دستوريا عن عن الاقليات الطائفية والقومية في عالمنا العربي والاسلامي, يعد مصدرا للتربية السلبية السياسية الجماهرية .. ولاشيئ يدفع لليأس والتخلى عن اهم واجبات المواطنة والشعور الايجابي بالانتماء… اكثر من الشعور بذل التابعية والاستعباد ..من قبل قوى تحتكر لنفسها صلاحية القيادة..
ولذلك فاننا بحاجة الى تسمية لاتنقطع عن التراث وتتق مع العصر.ووتتخلص من الخلفيات الجوهرية العنصرية المعصومه ..
والعقبة الحقيقية ليست في ايجاد اللقب بل في تحديد معانيه ومتطلباته ..وايجادا لآلية التي يمكن التأكد فيها من ان استحقاقات اللقب تحظى بالمصداقية والفاعلية..
والمشكلة الاكبر.. اننا يجب ان لانكرر تجربة الفارابي ؟؟ فنفصل القاب وتسميات لمجتمع ليس موجودا الا في مخيلتنا ونترك ع الالقاب والمقاييس على الورق… بل يجد ان نتحدث عن القاب تناسب مرحلتنا الراهنه.. وهي مرحله اقل مايقال فيها انها مرحلة شرذمة وتفكك.. فكيف نستطيع ان نجد رمزية توحيدية سياسيا.. تعبر عن وواتقعنا الممزق واين يمكن اسخدامها؟؟
كلنا بعرف ان اكبر لقب رمزي سياسي تاريخي كان ومايزال على المستوى الجماهيري هو”الخليفة الراشدي” وعندما احب الناس عبد الناصر حبا فاق المألوف في مرحلة معينة.. وصفوه بانه ياتي بعد الخلفاء الراشدين… “الخليفة وعلى الرغم من ان الخلافة انحدرت عمليا الى “ملك عضوض” و سمل عيونها الصبيان والقيان…ومسخها سلاطين المماليك والعثمانين والغلمان… فانها ماتزال ترمزالى الحلم ونهوض وحدة السلطة السياسية في ديار العرب والمسلمين ..ولذلك فان كثير من الحركات الاسلامية نادت ومازالت ترفع شعار استعادة الخلافة كرمزية وحدوية جماهرية ..وفي اخبار اليوم ان حزبا جديدا يسعى للظهور في مصر تحت اسم : الخلافه..لينافس الاخوان..
ولكن في المقابل فان الاقليات التي عانت الاضطهاد في ظلال اي رمز للخلافة ستشعر بانبعاث رائحة كريهه اقرب الى رائحة الجثث المحروقة بعد فترة من التعفن..وستسعيد ذكرى الخازوق المنصوب في الساحات العامة .. وستعيد ذكرى عدم جواز رد السلام الا على من يمنحهم السلطان صفة الايمان..
ولنلاحظ ان المجتمع التركي الذي انتهت الخلافة اليه اصبح اكثر المجتمعات حقدا على ماورثته لهم الاعيب حمل لقب الخلافة .. فماذا نقول اذا عن المجتمعات العربية التي عانت من التهميش والتتريك في ظل لقب الخلافة..
اذا ماذا بقي لهذا الرمز؟؟؟ حتى المتدينون الاتراك اصبحوا في ظرف يرون فيه ان الانتماء الى اوربا اهم من الانتماء الى العالم العربي والاسلامي.. وبدأ يتأقلمون ويستفيدون من النظم الدبموقراطية ..
واكثر من ذلك فاذا كان الذوق العام, الى الان, لايتحمل , ولو على مستوى التمثيل السينيمائي , عرض شخصيات تاريخيه ترقى الى مستوى الخلفاء الراشدين!!!؟؟ فكيف سيكون عليهه الرأي العام لو رأى احدهم يتجول بينهم واسمه الخليفة,,!!!,
ولذلك , ومع اننا نعي كل هذه السلبيات فاننا نعتقد ان منظومة الشكل الحيوي الذي يبني الوحدة ضمن التنوع يحتاج الى رمزية سياسية اجرائية. لم تتح ظهور امكانانتها الى اليوم .. ولكن هذا لايعني انها مستحيلة.. كما ان امكانات الاندماج في تنظيمات اقليمية متعددة تمتد الى ماهو اكثر من عربي اسلامي يجعل المهمة اصعب..
وللعلم فان الاتحاد الاوروبي في بحثه عن رمز يضعه على ” اليورو” لم تتفق دوله على شخصية واحدة سياسية كانت ام فنية ام ثقافية ام علمية يمكنهم ان يوضعوها على العملة كرمز موحد.. فهل سيكون انضمامنا الى مؤسسات غير عربية وغير اسلامية عامل تعقيد ام تسهيل في المشكلة؟
ولذلك , علنا التجييد مؤقتا عن مثل هذا الهم المغم..فعندما يولد الصبي.. نصلي على النبي…
ولكن مرة اخرى فان هذا لايعود الى نقص في كفاءة الناس الذين يعيشون بيننا الى شغل اكبر المناصب ولا الى العجز عن اتيان بما اتى به الاوائل.. بل ان السبب يعود الى عجزنا السياسي الناجم اساسا واولا.. بسب انعدام وجود العقليه النقديه الجماهريه.. في كل المجالات.. وبخاصة في قراءة تاريخنا وتاريخ عصرنا….؟؟ وبالتالي الى غياب النظام الساسي الحيوي الذي يوظف هذه الكفاءات ويعطيها فرصة التألق والانتشار.. لتضفي على امتها وانسانيتها ألقا على الق.. .
وغني عن البيان ان التطلع الى هذا الرمز السياسي في اعلى مستوياته.. بالمعنى الحيوي..هو واجب وطني يجب ان نربي الاجيال للطموح للا ستجابه الصادقه لمتطلبات امتهم وانسانيتهم..وهذا الواجب لايتطلب عمله والوفاء به اية عنصرية عروبية او اسلاميه مسبقة, بل الى مصداقية شعبية سياسية تنتخب من الجماهير عامة في ديار العرب والمسلمين.. او في مرحله اولى للتسهيل يمكن انتخابه من ممثلي الامه..
ولو ان ظروف تحقيق هذا المنصب الرمزي السياسي الاجرائي متوفرة الآن لأمكننا ترشيح شخص غير مسلم وغير عربي لهذا الرمز المستوى العربي الاسلامي مع شرط اساس ان يكون ترشيحه.. مترافق مع برهنة مصداقيته الوطنيه الحيويه امام الاغلبيه العربيه والاسلاميه .. التي ستنتخبه..لسجل استجاباته القياديه الصادقه مع مصالح امته الحيويه..و “لانه مااجتمعت امتي على باطل..”
وهذا الترشيح, هو :لايضاح المعنى الموجه ,للشكل الحيوي,الذي لايربط حيوية الاسلام السياسي باية عنصرية ,وبخاصة ,اننا ,في عصر نرى - بعض ابنائنا -يصلون الى مراكز سياسية اولى ,او رئيسة ..في بلدان ليست عربية؟؟ ولااسلامية؟؟ ولكنها اكثر حيوية منا..؟؟
Filed under: صور ناطقة
damascusschool, على مايو 20th, 2009 في 3:54 م Said: Edit Comment
نشرته كلنا شركاءبعنوان :
خليفة حيوي؟ رمز غير ديني يرأس دول تعاون عربي -تركي – فارسي -كردي
رمز غير ديني يرأس دول تعاون عربي -تركي – فارسي -كردي -بربري ..الخ
د.رائق النقري- كلنا شركاء
20/ 05/ 2009
http://all4syria.info/content/view/9028/38/
رد
هل تعتقدون ان لقب الخليفة الذي يعده الملايين رمزا اسلاميا مقدسا سيحمله مسيحي او غير متدين؟؟, على مايو 20th, 2009 في 4:43 م Said: Edit Comment
طرح غريب عجيب
هل تعتقدون ان لقب الخليفة الذي يعده الملايين رمزا اسلاميا مقدسا .. سيحمله مسيحي او غير متدين؟؟
أين سيذهب منصب ولاية الفقيه . والرفيق الأمين العام
ومن هم الأشخاص المؤهلون لهكذا منصب .. وإذا كان اجرائيا فماذا يعني
صلاحية بشار الأسد للنجاح كمرشح راجح لمنصب خليفة حيوي؟ بعد أن اظهرت النتائج انه الرئيس الأكثر شعبية عربيا والثاني عالميا بعد شافيز فنزويلا, على مايو 22nd, 2009 في 1:48 ص Said: Edit Comment
….الأسد…الرئيس الأكثر شعبية في الشارع العربي والثاني عالميا بعد شافيز
أريبيان بزنس
21/ 05/ 2009
حصد الرئيس السوري بشار الأسد المرتبة الثانية بين الشخصيات العالمية الأكثر شعبية، بعد الرئيس الفنزويلي هوغو تشافير الذي حصد المرتبة الأولى.
http://all4syria.info/content/view/9088/96/
جاءت النتائج ضمن استطلاع سنوي للرأي أجرته جامعة ميريلاند الأميركية بالتعاون مع مؤسسة الزغبي الدولية لاستطلاعات الرأي في ست دول عربية، مصر والأردن ولبنان والمغرب والسعودية والإمارات العربية المتحدة.
عربيا أظهر الاستطلاع الذي نشرته صحيفة تشرين السورية أن الرئيس السوري بشار الأسد تصدر قائمة القادة العرب الاكثر شعبية في الشارع العربي تلاه الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي ثم حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله.
حصد الرئيس السوري بشار الأسد المرتبة الثانية بين الشخصيات العالمية الأكثر شعبية، بعد الرئيس الفنزويلي هوغو تشافير الذي حصد المرتبة الأولى.
جاءت النتائج ضمن استطلاع سنوي للرأي أجرته جامعة ميريلاند الأميركية بالتعاون مع مؤسسة الزغبي الدولية لاستطلاعات الرأي في ست دول عربية، مصر والأردن ولبنان والمغرب والسعودية والإمارات العربية المتحدة.
عربيا أظهر الاستطلاع الذي نشرته صحيفة تشرين السورية أن الرئيس السوري بشار الأسد تصدر قائمة القادة العرب الاكثر شعبية في الشارع العربي تلاه الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي ثم حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله.
الدكتور شبلي التلحمي المشرف على الاستطلاع أعلن عن نتائجه في محاضرة قدمها في معهد البروكنغز للدراسات وضمت المحاضرة جيمس زغبي والسفير الأميركي السابق مارتن اندك والدكتور مارك ليتل من جامعة جورج واشنطن وحضرها عدد كبير من أعضاء الحكومة الأميركية ومراكز الأبحاث والبعثات الدبلوماسية.
الاستطلاع أظهر أن إسرائيل تشكل الخطر الأكبر التي تواجه المنطقة بنسبة 88 في المائة تلتها الولايات المتحدة الأميركية بـ 77 في المائة. وأظهرت نتائج الاستطلاع أن أكثر من 70 بالمائة يؤيدون حل الدولتين على أساس حدود 67.
رد
أنا سوري ولن اقبل بشار الأسد كمرشح لمنصب في سوريا فكيف انتخبه لمنصب في ايران وتركيا والعراق؟؟, على مايو 22nd, 2009 في 1:56 ص Said: Edit Comment
أنا سوري ولن اقبل بشار الأسد كمرشح لمنصب في سوريا فكيف انتخبه لمنصب في ايران وتركيا والعراق؟؟
والسبب هو أنه يقبل وجود سجناء رأي في ظل حكمه .. وبالتالي لايهمه رأي الناس.. ,ولا فقر الناس
ابوه رحمه الله كان مع الفقير .. اما في عهده فالحال اصعب بكثير .. لاتوظيف لاعمل .. لا التزام بتليم كل حريجي البكالوريا مجانيا..
ولذلك ليس غريبا ان نقرأ في الأخبار منثل هذا التقرير الصادر عن جهة سورية تقول أظهرت دراسة أجرتها الهيئة السورية لشؤون الأسرة أن نصف السوريين تقريبا لا يشعرون بالرضا عن وضعهم الاقتصادي فيما يشعر النصف الباقي بالرضا “إلى حد ما”.
نصف السوريين غير راضين عن أوضاعهم المعيشية والباقي “إلى حد ما”
لور ديب : أربيان بيزنس
دراسة:تظهر رضى السوريين عن أوضاعهم المعيشية.أظهرت دراسة أجرتها الهيئة السورية لشؤون الأسرة أن نصف السوريين تقريبا لا يشعرون بالرضا عن وضعهم الاقتصادي فيما يشعر النصف الباقي بالرضا “إلى حد ما”. ويظهر عدم الرضا في الدراسة التي أشرف عليها باحثون سوريون في المجال الاقتصادي والاجتماعي أن عدم الرضا يرتبط بـ ” ارتفاع نسبة العاطلين عن العمل، وعدم التوازن ما بين الدخل والاستهلاك، واستمرار انخفاض مستوى الأداء والانجاز على المستوى التعليمي والصحي والسكني…إلخ).
أكثر من ذلك فإن ما يزيد عن 23 بالمائة يعتقدون بأن وضع أسرهم الاقتصادي سيء نوعا ما، في حين يرى ما نسبتهم 12 بالمائة بأن وضعهم الاقتصادي سيئ جدا.
وقفت الدراسة على الحالة المعيشية للأسرة وشملت عينة البحث فيها 1400 أسرة توزعت على كافة المحافظات السورية.
ما يميز هذه الدراسة أنها هدفت إلى “استقصاء مدى انعكاس الأوضاع الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية على الأوضاع المعيشية للأسرة السورية من الجوانب الاقتصادية والصحية والتعليمية”.لكن النتائج أشارت إلى عدم الرضا عن أداء الحكومة السورية وهذا واضح من خلال التوصيات التي خلصت إليها دراسة الهيئة السورية.
إذ توصي الدراسة بـ “العمل على ضبط الفساد في المؤسسات القانونية والقضاء بالدرجة الأولى، لتتمكن المؤسسة القضائية من محاربة الفساد في بقية الأخرى، كما أوصت بزيادة مستوى الدخل عبر زيادة الرواتب والأجور والمنح للتخفيف من آثار الفجوة بين ما يكسبه أفراد الأسرة وما يجب أن يتوفر لهم لسد حاجاتهم الأساسية، فالدراسة تشير في هذا الصدد إلى أن 64 بالمائة من أفراد تقل رواتبهم عن 10 آلاف ليرة سورية(قرابة200 دولار شهريا) فيما حجم إنفاق ما يزيد عن ثلث الأسر السورية شهريا يتجاوز 20 ألف ل.س(400 دولار) وهذا لسد حاجاتهم الأساسية فقط.
ويشار هنا إلى أن هيئة تخطيط الأسرة كانت أظهرت في دراسة سابقة لها أن متوسط إنفاق الأسرة السورية شهريا على حاجاتها الأساسية فقط يزيد عن 26 ألف ل.س(أكثر من 500 دولار).
وجاء في توصيات الدراسة فيما يخص الوضع الاقتصادي أنه يجب”تعديل السياسية الضريبية بشكل ينسجم مع أسس العدالة الاجتماعية ووضع الأسر السورية المعيشية وإشكالاته، كما يجب تنمية الريف وتحسين مستوى المعيشة وظروف الحياة فيه لتخفيف الزحف باتجاه المدينة.
وما يزيد الوضع سوءا أن أكثر من ثلث السكان يقطنون في السكن العشوائي وتحذر الدراسة من تأثير ذلك على تدمير البيئة والاعتداء على مصادر التنمية المستدامة واستنزافها أو تخريبها، والاعتداء على الأراضي الزراعية والمساحات الخضراء وتفويت موارد مالية على الدولة والمجتمع. كما تظهر الدراسة أن نحو 16 بالمائة لا تصلهم المياه بالطريقة الصحيحة و30 بالمائة يحتاجون إلى صرف صحي وثلث الأسر السورية غير راضين عن تصريف النفايات المنزلية
أصفّق لبشار الأسد دون تملق
د. عوض السليمان: دكتوراه في الإعلام – فرنسا
زمان الوصل 27/5/2009
منذ أيام قليلة أعلنت جامعة ميريلاند الأمريكية أن الرئيس السوري بشار الأسد قد حصد المرتبة الأولى عربياً والثانية عالمياً بين الشخصيات الأكثر شعبية على المستوى العالمي.
وقد جاءت هذه النتائج ضمن استطلاع سنوي للرأي أجرته الجامعة المذكورة بالتعاون مع مؤسسة الزغبي الدولية لاستطلاعات الرأي في ست دول عربية هي مصر والأردن ولبنان والمغرب والسعودية والإمارات العربية المتحدة.
الحقيقة أنني لم أتفاجأ بهذه النتيجة، فقد أجريت شخصياً استطلاعاً حول مواقف الجالية العربية في فرنسا من بعض القادة العرب، الذين تم اختيارهم بناء على مواقفهم من قضايا سياسية محددة و مواقفهم من العدو الصهيوني ومبدأ المقاومة.
أجريت الاستطلاع المذكور من خلال البريد الجغرافي والإلكتروني لأشخاص لا أعرفهم ولا يعرفونني وطلبت منهم أن يجيبوا في حال موافقتهم على الأسئلة الواردة في الاستبيان، أرسلت ثلاث آلاف رسالة وزع معظمها في باريس وليون وتولوز ومرسيليا واحتوت العينة على قلة من السوريين، وبكل حال فالسوريون قلة في فرنسا، وقد كان الرئيس الأسد على رأس القائمة بلا منازع.
لا أريد هنا أن أنتقد القادة العرب، مع أن ذلك لا يضيرني، ولكنني أريد أن ألفت عناية القارئ الكريم أن الرئيس الأسد، يحمل شهادة دراسية عليا بينما يحمل غيره شهادة الإعدادية، وأشك أن غيره يحمل الابتدائية.
وعندما يتكلم الأسد، فإنه يتكلم بلغة عربية سليمة، ولا يتردد بالدفاع عن هذه اللغة، وقد لفت إلى عنايته باللغة العربية في خطابة المتميز سنة 2007 عندما قال إنه يهتم كثيراً باللغة العربية والدفاع عنها وحسن التكلم بها. وذلك في الوقت الذي يكسر فيه بعض القادة العرب لغة القرآن الكريم ويشوهونها، وبلغ الأمر أن بعض زعمائنا يرفع المجرور، ويجعل المفعول فاعلاً والظرف فعل أمر.
ولولا أن المقام هنا لا يسمح، لأوردت أمثلة أقل ما يقال فيها أنه تخزي صاحبها وتظهره بمظهر الشاتم نفسه وأمته. ناهيك عن أن بعض المسئولين العرب، لا يتقنون لفظ بعض الحروف العربية، ويتكلمون مع وسائل الإعلام، باللهجة المحلية ويدّعون مع ذلك أنهم يمثلون العرب والأمة العربية.
وهناك قادة عرب لا يستطيعون الحديث بالعربية بيسر فتراهم يخالفون حتى الضوابط الوطنية ويتكلمون بلغات أخرى وإن كانوا في بلادهم، فهم لا يستطيعون لفظ الجيم ويخلطون بين الثاء والفاء وبين الدال والذال وغيرها الكثير.
وأهم من ذلك كله، فإن الأسد عندما يتكلم لا ينسى فلسطين، ولا ينسى الحق العربي فيها، فقد وقفت سورية على الدوام في حلف المقاومة، وفي حلف المدافعين عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وأكدت مواقفها على الدوام إلى جانب المقاومة، بينما أعلنت دول عربية وقوفها إلى جانب الصهاينة في تدمير غزة، وتمنى بعض القادة العرب على الكيان الصهيوني أن يجعل غزة ومن فيها أثراً بعد عين خوفاً من إمارة إسلامية جديدة.
ووقفت دول عربية أخرى إلى جانب الولايات المتحدة في حربها على العراق الأبي، وأمدت قوات المارينز بالماء والكلأ والحلويات والسكاكر والمعلبات لتستطيع تلك القوات الثبات في حربها على العراق.
لم تعبر القوات الأمريكية الغازية إلى العراق من ميناء طرطوس أو اللاذقية، ولم تنطلق الصواريخ من دير الزور أو البوكمال، كما أن المخابرات السورية لم تقاتل في صفوف الأمريكيين ولم تكن لتعمل دليلاً لقوات الإجرام الأمريكي. أما علماء الشام الكبار فلم يفتوا بأن جهاد القوات الأمريكية حرام، وأن المقاتل في صفوف العراقيين الشجعان منحرف وكافر وإلى نار جهنم، بل على العكس تماماً فقد جمعوا التبرعات للمجاهدين وأعدوا قوائم لمن يريد الانضمام للدفاع عن العراق قبل الغزو البربري الأمريكي ، بينما ذهب بعض العلماء في الدول العربية، إلى حد اعتبار بول بريمر حاكماً شرعياً للعراق، فأطاعوا الحاكم وتجاهلوا الحساب يوم القيامة وإنه والله لعسير.
لهذه الأسباب ولأسباب أخرى تتعلق بشخصية الرئيس نفسه وحيويته وعلاقته بالشعب السوري، كان من الطبيعي أن يحصد هذا الرجل المرتبة الأولى عربياً بين الرؤساء الأكثر شعبية.
استمعت اليوم بكامل الاهتمام لخطاب الرئيس بشار الأسد، حول التضامن الإسلامي وإني لأؤيده تماماً فيما ذهب إليه من أن العالم يشن اليوم حملة محمومة على السلام والمسلمين لم يعرف التاريخ مثلها، وأن السبب الأول في ذلك يعود إلى ضعفنا نحن، ويعود إلى مهانتنا عندما سلمنا قرارنا لغيرنا ففرض علينا شروطه وأوامره.
إن الحملة الشرسة على الإسلام والتي بدأتها الولايات المتحدة بإيعازات صهيونية لن تتوقف، حتى نأخذ زمام المبادرة ونفرض على عدونا أن يحترمنا بالقوة، القوة التي قال عنها الأسد، وقد صدق، أنها لا توهب بل تكتسب. وكيف لغيرنا وعدونا أن يحترمنا ونحن لا نحترم أنفسنا ولا ديننا ولا عقيدتنا بل ولا نجرأ حتى على الدفاع عن حقوقنا الظاهرة كالشمس في وضح النهار.
كما لفت نظري في خطاب الرئيس، تأكيده على أن محادثات السلام مع العدو، قد كشفت زيف هذه العدو، وأكدت أن الكيان الصهيوني هو العقبة في وجه السلام. ونحن نعلم، كما ذكر الرئيس الأسد، وكما يعلم أبناء الأمة العربية والإسلامية كلهم، أن الصهاينة لا يسعون للسلام ولا يريدونه، وكيف يعرف السلام من يحرق أجساد الأطفال بالفوسفور الأبيض، وكيف يعرف السلام من يفتخر بعدد الأطفال الذين قتلتهم دباباته.
إن الكيان الصهيوني لن يدخل في عميلة سلام، بل هو يخطط اليوم، لإفناء الأردن كدولة، وهو يحلم بأن يضع الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين في الأردن وتصبح المملكة الهاشمية دولة بديلة للشعب الفلسطيني، وأحب أن أزيد، أن العرب يعرفون هذا ويدركونه ولكنهم لا يحركون ساكنأ لمنعه، كما لم يحركوا ساكنا يوماً لاستعادة فلسطين كاملة من النهر إلى البحر، وكما لم يحركوا ساكناً في الدفاع عن العراق، أو لحماية رئيسه الشهيد صدام حسين.
قال الأسد، هل يمكن لدولة قامت على الاحتلال وقتل السكان وارتكاب المجازر أن تكون شريكا في عميلة السلام؟ هل يمكن لدولة تريد طرد مليوني فلسطيني أن تشارك في عملية السلام. بالطبع لا يمكن لها أن تشارك في السلام، وهذا ما كان قطّ ولن يكون أبداً.
ولهذا، فإننا نطمع أن تجهز القيادة في سورية نفسها لخوض حرب مع العدو، ونطمع أيضا أن يكون خيار الحرب مطروحاً تماماً كأي خيار آخر، وقد قال الأسد، إنه عندما تفشل عميلة السلام فلا بد للمقاومة أن تقاتل لتعيد الأرض. إن عميلة السلام فشلت وشبعت فشلاً فلنجهز نفوسنا وأسلحتنا للعدو، فإن الحرب قادمة لا محالة وصدق الله إذ يقول” وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين”.
هل تؤجر تركيا أراضيها الحدودية مع سوريا لإسرائيل؟
محمد نور الدين: السفير 28/5/2009
تحولت مسألة تنظيف الأراضي التركية المحاذية لسوريا من الألغام، إلى سجال داخلي اتخذ طابعا سياسيا حادا.
وكانت شرارة السجال كلام رئيس الحكومة رجب طيب اردوغان أمام نواب حزب العدالة والتنمية السبت الماضي، حين انتقد الدعوات الداخلية لعدم تلزيم تنظيف الألغام لشركة إسرائيلية كان الكلام يدور حولها منذ فترة طويلة. وينص الاتفاق على أن تنظف الشركة، التي ستتسلم المشروع، الأرض مجانا مقابل حق استثمارها في مشاريع زراعات عضوية لمدة تبدأ بـ 44 سنة وقد تصل إلى 99 سنة.
اردوغان انتقد الداعين لاستبعاد هذه الشركة أو تلك لأن «المال لا دين له ولا امة ولا عرق. فهنا سيكون استثمار. لن يعمل هنا اسحق بل حسن. الذين سيعملون هنا هم محمد واحمد وعائشة وفاطمة. وعندما ينتهون من عملهم هل سيفككون المصانع ويأخذونها معهم؟».
وانتقد اردوغان «هذه الذهنية المستمرة منذ عقود» والتي تشيع أن تركيا تضيع من اليد وتذهب إلى هذا الدين أو ذاك العرق، متسائلا «أي محظور في إعطاء ذلك للإسرائيليين؟ فقط الفاشيون يقفون ضد ذلك». وقال «إن مجتمعا وبلدا لا يثق بإيمانه لا يمكن أن يناقش في حرية المعتقد. أما إذا كان يثق بنفسه فيجب أن يطمئن. وجمهورية تركيا ليست بلداً صوصا».
مساحة الأراضي المقدر استثمارها والمزروعة بالألغام تقارب الـ 216 ألف دونم. نور الدين جانيكلي، رئيس كتلة حزب العدالة والتنمية البرلمانية، يقول إن تركيا لا قدرة لها، فنية ومادية، على نزع الألغام، لذا يجب تلزيم ذلك لشركات أجنبية.
لكن اصواتا ارتفعت ترفض المنطق الذي يقول به اردوغان على اعتبار أن تلزيم شركة إسرائيلية تنظيف الحدود مع سوريا هو مسألة سياسية بالدرجة الأولى. ورفضت هذه الأصوات اعتبار أن شعار «الموت للأرمن» أو «فليخرج اليونانيون من هنا» هو شعار اثني يعادل رفض إعطاء الإسرائيليين مهمة تنظيف الألغام. فالشعاران الأولان عنصريان بامتياز لكن رفض التلزيم للإسرائيليين سياسي بامتياز، وليس عرقيا أو اثنياً.
يقول حاقان البيرق، في صحيفة «يني شفق»، إن المساواة بين هذه الشعارات غير سليم. فإذا كان انتقاد إسرائيل عملا عنصريا فأردوغان نفسه هاجمها في منتدى دافوس، لذا فالمسألة سياسية، والكل يعلم أن العاملين الإسرائيليين في تنظيف الألغام سيكونون عملاء للموساد.
ويضيف البيرق أن القول إن الجيش التركي لا يمكن أن يتحمل كلفة التنظيف هو أمر لا يمكن القبول به وتحمله. ويقترح الكاتب تكليف سوريا تنظيف الألغام ما دام اردوغان يقول إن «سوريا نظفت ألغامها فلنقم نحن بتنظيف ألغامنا».
المحافظ السابق لمحافظة كيليسيه أصلان كوتكتشي يقول انه يوجد 638 ألف لغم، وكانت الكلفة المقدرة لتنظيفها عام 1995 هي 875 مليون دولار، لكن شركات ألمانية قدمت أسعارا مخفضة جدا، لكنهم لم يقبلوا وأصروا على شركات إسرائيلية وبأرقام خيالية. واليوم الهدف هو تنظيف الألغام مقابل تأجير هذه الأراضي والاستثمار فيها بمشاريع زراعية لمدة تبدأ بـ 44 سنة وقد تصل إلى 99 سنة.
ويرفض كوتكتشي القول بعجز الجيش التركي القيام بهذا العمل. ويقول إن «الجيش قام سابقا بتنظيف الألغام في محافظتي نصيبين وقرقلاراكلي فلماذا لا يستطيع تنظيف المناطق الأخرى؟».
ويشير السياسي السابق حسن جلال غوزيل إلى أن حقول الألغام تمتد على امتداد 513 كلم على طول الحدود السورية، وبعرض 350 مترا، وقد أقيمت في الماضي لأسباب أمنية ومنع التهريب. ويقول إن خرائط الألغام قد ضاعت، وبات تنظيفها أمراً صعبا.
وردّ عضو في حزب العدالة والتنمية، لم يذكر اسمه في صحيفة «يني شفق»، على الاعتراضات بالقول إن «المناقصة التي ستحصل لا تجزم بأنها ستكون لشركة إسرائيلية وقد تكون لشركة يونانية أو شركة أخرى. كما أن نتائج أي مناقصة سيتم تقييمها وقد نأخذ بها وقد نلغيها. كما أن أي شركة ستلزم تنظيف الألغام ستكون تحت مراقبة أمنية شديدة خصوصا أن عملها لن يقف عند نقطة الصفر من الحدود، إذ هناك خمسون مترا مزروعة بالألغام داخل الأراضي السورية وعلى امتداد أكثر من خمسمئة كلم. وبالتالي لا محل للقلق حول من سيتولى تنظيف الألغام.»
ودخل الرئيس التركي عبد الله غول على خط السجالات بالدفاع عن الدولة التركية التي لا يمكن أن تتخذ إجراءات تتعارض والمصالح الوطنية التركية. وقال إن «هذا الموضوع ليس جديدا، وقد طرح عندما كنت رئيسا للحكومة عام 2002، وقد كلّف الجيش بمهام بتّ هذا الموضوع. وقد تبين أن كلفة التنظيف أكثر بـ 15 مرة من المتوقع، ثم تبين أن الجيش لا يملك إمكانيات القيام بهذا العمل. وسيأخذ ذلك وقتا طويلا إذا اعتمدت تركيا على إمكاناتها الذاتية، فنزع الألغام من أصعب الأمور في العالم». وذكّر غول بأن تركيا ستستفيد من استثمار هذه الأراضي في الزراعة والمصانع وإقامة السدود، وستعود بالخير على المصلحة التركية. ودعا إلى الابتعاد عن الاتهامات الثقيلة المتبادلة.
واتخذ النقاش الداخلي طابعا آخر عندما اعتبر العديد دعوة اردوغان إلى محاسبة أنقرة نفسها على طريقة تعاملها مع الأقليات بأنها في غير محلها وغير صحيحة، وهي تضع تركيا في موقع البلد الفاشي بهذا الصدد.
ومهما يكن فإن كلام اردوغان الأخير يحمل مخاطر جمة، وقد تعرض العلاقات التركية السورية للتوتر، لأن المسألة ليست تقنية بل تتعلق بالأمن القومي ليس لتركيا فقط بل لسوريا أيضا. ولا يعرف من أين انبثقت هذه الفكرة التي لا يمكن التساهل فيها مهما كانت مبررات إعطاء عملية التلزيم لشركة إسرائيلية.
بروز تحالف جديد في الشرق الأوسط
باتريك سيل
فيما سيذكر التاريخ الزيارة التي قام بها الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى القاهرة امس، ثمة تجمّع إقليمي جديد يتخذ شكلاً في الجزء الشمالي من الشرق الأوسط، قد يتحوّل إلى تجمع مهمّ للغاية.
تعمل كل من تركيا وإيران والعراق وسورية على تطوير روابط التجارة والطاقة والأمن في ما بينها، ما يدل على رغبةٍ مشتركة في جعل مستقبلها الوطني خالياً من أي تدخل خارجي لا سيما غربي. فما هي العوامل التي تدفع إلى تشكيل تجمّع جديد مماثل؟ لا شك أنها متعددة وخاصة بكل بلد.
فتركيا، التي واجهت الخلافات وخيبات الأمل مع الولايات المتحدة حول حرب العراق، ومع الاتحاد الأوروبي حول عدم التقدم بالسرعة المرجوة في مفاوضات الانضمام إليه، ومع إسرائيل حول المسألة الفلسطينية، أرست سياسيةً اقليميةً طموحةً إزاء الدول العربية والاسلامية المجاورة لها.
وارتفع حجم التبادلات التجارية بين تركيا وإيران من مليار دولار فقط عام 2000 إلى 10 مليارات دولار عام 2008، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم ليبلغ 20 مليارا في المستقبل القريب. كما تخطّط تركيا لاستثمار 12 مليار دولار في حقل الغاز ساوث بارس الإيراني، وهي سياسة تتعارض بوضوح مع ما دعت إليه إسرائيل وأصدقاؤها الأميركيون لجهة فرض عقوبات إضافية على إيران. ويزور حوالى مليون سائح إيراني تركيا سنوياً كما يزور الملايين منهم العراق، لا سيما كربلاء، وهي المدينة التي فيها قُتل الحسين حفيد النبي محمد عام 680. ويُعتبر ضريحه أقدس محجّة بالنسبة إلى الشيعة.
وتمتد شراكة سورية الاستراتيجية مع إيران على مدى ثلاثين سنة وما من مؤشر يدل على أنها قد تتزعزع. أما محور طهران-دمشق-حزب الله فهو واقع جغرافي سياسي حيوي في المنطقة وقد اعتبر الكثيرون خلال عهد بوش أنه شكّل العقبة الأساسية التي اعترضت الهيمنة الأميركية-الاسرائيلية. وعلى خلاف سلفه، يسعى أوباما حالياً إلى التقرب من إيران ومن سورية إلا أنه غير مستعد بعد للاقرار بواقع أنه لا يمكن تفادي حزب الله على الساحة اللبنانية. وفي حال تمكن أوباما من تحقيق خططه الطموحة المتعلقة بالسلام في الشرق الأوسط، فما من سبب يدعو إلى تأجيل إطلاق حوار أميركي مع حزب الله وحركة حماس.
إلى ذلك، تحسنت علاقة سورية مع تركيا بشكل لافت، بعدما كانت قد بلغت من التوتر حداً قارب الحرب في العام 1998 بسبب دعم سورية لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان. كما ازدهرت العلاقات التجارية المتبادلة في ما بينهما. ويعتبر قرار تركيا الأخير القاضي بتعزيز تدفق مياه الفرات إلى منطقة شمال شرقي سورية بعدما عانت من جفاف قاحل دليلاً على طبيعة العلاقات بينهما في المستقبل.
كما تطوّرت العلاقات السورية-العراقية التي شهدت توتراً كبيراً خلال حكم صدام حسين. وخلال نيسان (أبريل) الماضي، وقّع رئيس الوزراء السوري محمد ناجي عطري على اتفاقية واسعة النطاق في بغداد ساهمت في إرساء منطقة تجارة حرة وفي تقديم التعاون في ميداني الطاقة والتعليم. وستساهم سورية في أعمال إعادة تأهيل خط أنابيب النفط الممتدة من كركوك إلى بانياس والتي تعبر الأراضي السورية. ومن المتوقع أن يتم توسيع مرفأ سورية في اللاذقية وتحسين الطرق المؤدية إلى العراق بهدف تقديم تسهيلات نقل في حركة الاستيراد والتصدير في العراق. وقد توجّه قطار يحمل 800 طناً من الفولاذ من مرفأ طرطوس في 30 أيار (مايو) إلى بغداد وهي أول رحلة شحن برية بين البلدين منذ عقود.
لكل من إيران وتركيا وسورية مصلحة في مستقبل العراق. ولا شك أن إيران ترغب في أن يكون العراق دولة مجاورة صديقة بزعامة شيعية. كما أنها تريد أن يزدهر العراق لكن من دون أن يكون قوياً حتى لا يفرض أي خطر مماثل للخطر الكبير الذي فرضه صدام حسين في الماضي. ولا تزال ذكريات حرب إيران-العراق بين عامي 1980 و1988 حية. فقد تفضّل إيران أن يصبح العراق دولةً فيدراليةً وبالتالي ضعيفةً عوضاً عن دولة قوية موحّدة. وتدرك طهران أن العراق وهو بلد عربي يحمل تقليداً وطنياً قوياً، لن يقبل أن يكون دميةً في يد إيران.
ومهما تكن هوية الشخص الذي سيفوز بالانتخابات الرئاسية الايرانية في 12 حزيران (يونيو)، سواء الرئيس المحافظ محمود أحمدي نجاد أو خصمه الأساسي رئيس الورزاء الأسبق المير حسين الموسوي وهو محافظ «معتدل» مدعوم من الأحزاب الاصلاحية الأساسية، من غير المرجح أن تتغير الخطوط الأساسية لسياسة إيران الخارجية كعلاقاتها الوثيقة مع سورية والعراق وتركيا ومعارضتها للتطرف السني في أفغانستان وباكستان ودعمها لحزب الله وللفلسطينيين واستمرارها في تخصيب اليورانيوم.
وتتساءل الدول المجاورة للعراق، كيف سيكون حال هذا البلد الذي شهد القتل والدمار والفوضى في السنوات الست الماضية؟ وهل يمكن التوصل إلى توازن اقليمي حالياً بما أن العراق بات قادراً على الدفاع عن مصالحه الوطنية؟
ويبدو واضحاً أن العراق قد تغيّر كثيراً. فسجلّ عدد القتلى أدنى مستوياته في شهر أيار (مايو) بعد أن بلغ 165 شخصاً منذ الاجتياح الأميركي عام 2003. أما الأمن فيعود تدريجياً على رغم حصول بعض التفجيرات الانتحارية. كما تحرز قوات الأمن العراقية كالجيش والشرطة والاستخبارات تقدماً من ناحية الحجم والفاعلية. وشكّل التوصل أخيراً إلى اتفاقية حول وضع القوات مع الولايات المتحدة التي تفرض وقتاً محدداً لسحب القوات المسلحة الأميركية بمثابة دليل مهم على استرجاع السيادة العراقية.
لكن ثمة أموراً كثيرةً بحاجة إلى تغيير. فالعلاقات بين السنة والشيعة في العراق لا تزال متوترةً وكذلك العلاقات العربية-الكردية. فلم يقرّ بعد البرلمان القانون الخاص بالهيدروكربون على رغم أن الحكومة المركزية اعتبرتها بمثابة غضّ نظر عن بدء تصدير النفط من المنطقة الكردية إلى تركيا.
والكتاب الذي وضعه ريتشارد هاس بعنوان «حرب الضرورة، حرب الخيارات» يضع حرب عام 1990 لتحرير الكويت في تعارض مع حرب عام 2003 الهادفة إلى الاطاحة بصدام حسين. فيعتبر الكاتب أن الأولى هي حرب ضرورية والثانية هي حرب خيارات وخيارات سيئة. وكان لها وقع كارثي على القوات المسلحة الأميركية وعلى ميزانيتها وسمعتها. وقد أودت حرب العراق بحياة مئات الآلاف من العراقيين وساهمت في تشريد ملايين آخرين وأضرت ببنية البلد التحتية وأطلقت شرارة العنف وقوّضت التوازن الاقليمي لمصلحة إيران الكبرى. وأصبح هاس وهو مسؤول أميركي سابق رفيع المستوى، رئيس مجلس العلاقات الخارجية ومقرّه نيويورك. ويوضح كتابه أن امتلاك صدام حسين المزعوم لأسلحة الدمار الشامل لم يكن الذريعة الأساسية لشن الحرب. فقد مارس كل من القيادة المدنية في وزارة الدفاع الأميركية لا سيما نائب وزير الدفاع الأميركي بول وولفوفيتز والمحافظون الجدد في مكتب نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، الضغوط من أجل شن هجوم على العراق، فكان هاجسهم الجغرافي السياسي يقوم على الإطاحة بالأنظمة العربية الأساسية فضلاً عن نظام إيران وإعادة تشكيل المنطقة بأكملها لتكون آمنةً لإسرائيل.
وحظي المحافظون الجدد بهذه الفرصة الفريدة بسبب حاجة أميركا الملحة بعد اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) إلى بعث رسالة واضحة إلى العالم العربي حول قوة الولايات المتحدة السياسية. ومن المرجح أن يعيد كتاب هاس إحياء النقاش حول الدور الذي اضطلع به أصدقاء إسرائيل في واشنطن لدفع الولايات المتحدة إلى حرب في العراق. وسيعطي ذلك أوباما القدرة على مكافحة الضغوط الاسرائيلية التي تُمارس لمهاجمة إيران.
قد لا يكون التجمّع الذي يضم تركيا وإيران والعراق ائتلافاً قوياً غير أن عدداً من المصالح المشتركة المتعددة تدفع هذه الدول الأربع في هذا الاتجاه، فضلاً عن الخوف من إمكانية حصول اعتداء اسرائيلي على إيران وسورية وعدم معرفة مسار السياسة الأميركية في المستقبل.
ساطع نور الدين
أصبح يوم الثلاثين من حزيران الحالي موعدا مع القدر في العراق، وفي جميع دول الجوار العراقي، وطبعا في أميركا.
هكذا تتعامل الادارة الاميركية مع تنفيذ القرار الاهم الذي وعد به الرئيس باراك اوباما في حملته الانتخابية، وهو الخروج من المدن العراقية بناء على المعاهدة الامنية المشتركة، التي تفترض اعادة العراق الى شعبه بطريقة مسؤولة، والبدء في طي صفحة الغزو الذي كان الجمهور الاميركي ولا يزال يعتبر انه كان غير مبرر وغير مجد، بل كان تحريفا للحرب على الارهاب.
هو الاختبار الاول لاوباما، والذي يعادل او حتى يفوق بأهميته قراره تعزيز القوات الاميركية في افغانستان واستئناف الحرب التي اهملها سلفه جورج بوش على تنظيم القاعدة وحركة طالبان. فسمعة الرئيس الاميركي على المحك، وكذلك مصداقيته، ومجمل خطته للتعامل مع العالمين العربي والاسلامي، التي تعتمد في جوهرها على الاعتراف بأن غزو العراق كان خطأ واستفزازا لمشاعر العرب والمسلمين.
لن يتراجع اوباما عن هذه الخطوة، ولن يبقي قواته في المدن العراقية لتمارس دور الشرطة العراقية. لكن أسئلة اليوم التالي ستظل تلح عليه وعلى المنطقة كلها طوال الايام والاعوام المقبلة، وهي لا تقتصر على السؤال الجوهري عما اذا كانت واشنطن ستكتفي بإعادة الانتشار وستحتفظ لنفسها بقواعد عسكرية ثابتة ودائمة خارج المدن، تتدخل عند الحاجة الداخلية او عند الرغبة الخارجية.
هل تخلت اميركا عن فكرة تسليم العراق الى غالبيته الشيعية؟ أم انها قررت ان تعيد النظر ايضا بالعملية السياسية التي أطلقتها في الايام الاولى من الغزو، لكي توسع دائرة المصالحة العراقية، ولكي تستقطب المزيد من التغطية العربية والتركية للسلطة العراقية؟ ثمة قرار واضح من التنظيمات الارهابية باللجوء الى اقصى درجات العنف من اجل اعلان النصر على الاميركيين، ومن أجل حرمان شيعة العراق من حق وراثة الحكم. وهو قرار يكتسب زخما اضافيا جراء ما تشهده إيران من انقسام حاد بين إصلاحييها والمحافظين.
وهناك من يزعم ان ذلك الانقسام الايراني، وعلى الرغم من انه نتيجة تراكم سنين طويلة من الصراع الداخلي بين اركان النظام وجمهوره، هو مجرد اشارة اولى لما يمكن ان تشهده بقية دول الجوار العراقي من اضطرابات داخلية وربما ايضا حدودية يفترض ان تغطي الانسحاب الاميركي من المدن العراقية، ونقل قواتهم الى الجبهة الافغانية الباكستانية، لان ما سينفذ في الثلاثين من هذا الشهر هو نقطة تحول حاسمة في مسار الوضع العربي والاسلامي، وليس مجرد نقل للسلطات من القوات الاميركية الى قوات الجيش والامن العراقية، التي تبدو جاهزة لأداء مهامها، لكنها عاجزة بالتأكيد امام هذه الموجة الدامية من العمليات الانتحارية.
قد يكون آخر الشهر يوما عاديا جدا من حياة العــــالمين العــــربي والاسلامي، مع ان المعيار ليس امــــيركيا فقط، ولا يعـــتمد على عدد القتلى والجرحى العراقيين الذين يسقطون هذه الايام.
ربما كان من الصعب التنبؤ بما يمكن أن يسفر عنه الموقف في إيران، رغم مضي عشرة أيام على الانتخابات الرئاسية التي جعلت طهران محط أنظار العالم بأسره. لكننا نستطيع أن نسجل ملاحظات على المشهد في جملته، حتى الآن على الأقل.
1
[ الملاحظة الأولى أننا بصدد لحظة فارقة في مسيرة الثورة الإسلامية. إذ من الواضح أن حجم الاحتجاج والغضب في المدن الكبرى بوجه أخص، أكبر مما بدا، سواء قبل التصويت أو بعده مباشرة. وكانت المؤشرات الأولى توحي بأن الفقراء وسكان الأقاليم صوتوا لأحمدي نجاد وأن نسبة معتبرة من الأغنياء والمثقفين والشباب والنساء من سكان المدن الكبرى صوتت لمصلحة مير حسين موسوي. لكن ما حدث بعد ذلك بيَّن أن ثمة انقساما في المجتمع، تجاوز الحدود الطبقية. ووصل بدرجة أو بأخرى إلى محيط رجال الدين أنفسهم. وفيما فهمت من بعض المطلعين في طهران فإن الأزمة مرشحة للتصاعد، وأنه بعد الخطاب الذي ألقاه السيد علي خامنئي يوم الجمعة الماضي، وأعلن فيه قبوله بالنتائج المعلنة ورفضه التشكيك فيها، فإن الإصلاحيين اعتبروه طرفاً في المشكلة وليس حَكماً. ومن ثم فإنهم شددوا الحملة ضده، بحيث أصبح هو المستهدف (في صلاحياته على الأقل) وليس أحمدي نجاد. وليس معروفا المدى الذي يمكن أن تصل إليه تداعيات هذه المواجهة، ويرجح المطَّلعون أن الأمر سوف يحسم مع نهاية هذا الأسبوع، على الأقل في حدود إعادة التماسك بين القيادات الدينية، خصوصا بعدما امتدح السيد خامنئي الشيخ رفسنجاني في خطبة الجمعة، فيما بدا أنه استرضاء له، بعدما اتهمه أحمدي نجاد علناً بالضلوع في الفساد هو وأولاده.
[ الملاحظة الثانية أن ما يقال عن تزوير الانتخابات هناك يظل وجهة نظر الطرف الخاسر، وهو ما يحتاج إلى إثبات من قبل جهة محايدة. وإذا ما ثبت فإنه يجرِّح القيمة الأخلاقية للنظام الإيراني لا ريب. مع ذلك فلا مفر من الاعتراف بأن موقف المجتمع هناك من دعاوى التزوير أفضل كثيرا من نظيره في العالم العربي. فقد خرجت الشرائح المعارضة إلى الشارع، وظلت طوال الأيام العشرة الماضية تواصل تحديها ورفضها واشتباكها مع الشرطة. في حين أن التزوير في أقطارنا العربية أصبح قاعدة في أي انتخابات محلية أو نيابية ولا تسأل عن الرئاسية. وثمة أحكام قضائية أثبتت التزوير في بعض الأقطار، ومع ذلك فإن المجتمع ابتلعها وسكت عليها، وتعامل معها بدرجة مدهشة من «التسامح» وغض الطرف.
[ الملاحظة الثالثة أننا شهدنا هناك انتخابات حقيقية وليست «تمثيلية» انتخابية.
لا أقارن مع الانتخابات في إنكلترا مثلا، لكنني أتحدث عن الانتخابات التي تجرى في كل العالم العربي، نعم هي في إيران منقوصة في أولى حلقاتها، التي يتولى فيها مجلس صيانة الدستور إجازة مرشحين وحجب آخرين. لكنها في المراحل التالية تتسم بالجدية والنزاهة النسبية. فقد تنافس المرشحون بضراوة مشهودة، وظلت السلطة محايدة بين الجميع طول الوقت. إذ عرض التلفزيون مسيرة كل منهم في أفلام وثائقية على الناخبين، ونقل على الهواء المناظرات التي جرت بينهم. وهو ما وضع الرأي العام الإيراني في الصورة بشكل متوازن وجيد قبل التصويت.
2
[ الملاحظة الرابعة تتعلق بالموقف العربي من الحدث الإيراني. ذلك أن من يتابع بعض الصحف والفضائيات العربية يفاجأ بأنها تبنت موقفا يتراوح بين الشماتة والتحريض على النظام الإيراني. ولا أعرف مدى صحة ما يقال عن تدخل مخابرات دول عربية وسعيها إلى تأجيج المشاعر ضد حكومة طهران، لكن الثابت أن صحف وفضائيات تلك الدول لم تقصِّر على ذلك الصعيد. وهو موقف لا يخلو من مفارقة شديدة، لأن بعض تلك الدول لا تعرف الانتخابات النيابية أو الرئاسية أصلا، والبعض الآخر لا يمكن تفسير موقفه بأنه نابع من غيرة على قيم الديموقراطية والمشاركة الشعبية، بقدر ما أنه محاولة لتصفية الحسابات السياسية وربما المذهبية أيضا. وجميعهم بيوتهم من زجاج من الزاوية الديموقراطية.
[ الملاحظة الخامسة متفرعة عن السابقة، ذلك أن انتقاد الإعلام العربي للوضع الراهن في إيران ردد كلام الإصلاحيين عن الأوضاع الداخلية، والعرب ليسوا طرفاً فيها. أما السياسة الخارجية التي تهمهم أكثر، فلم يعتن العرب بالخوض فيها. رغم أنه إذا كان للعرب مشكلات مع إيران فليس السبب في ذلك هو التضخم هناك أو انتشار الفساد المالي في بعض القطاعات، لكن مصدر المشكلات المفترضة يكمن في سياسة إيران الخارجية. ومن المفارقات التي تثير الاهتمام في هذا الصدد أن حفاوة الإعلام العربي بالإصلاحيين غيّبت عنهم حقيقة مواقفهم من العرب وقضاياهم. وإذ لا يشك أحد في أن بينهم عناصر وطنية مخلصة، إلا أن أحداً لا يستطيع أن ينكر أن منهم عناصر لا يستهان بها متغربة وأخرى متعصبة. الأولون من دعاة الالتحاق بالغرب والآخرون قوميون لهم مشاعرهم غير الودية إزاء العرب.
بهذه المناسبة فإن الإصلاحيين في حملتهم ضد أحمدي نجاد انتقدوه في سياسته الاقتصادية وفي تعامله مع الغرب بصورة أسهمت في عزلة إيران، خصوصا حين فتح ملف «المحرقة» بغير مبرر وألب دولا عديدة على إيران بسبب ذلك. لكن الشق المسكوت عنه أن بعض الأصوات الإصلاحية انتقدت الرجل بسبب اتهامه بأنه كان ليِّناً بأكثر مما ينبغي مع العرب. إذ أخذ عليه أنه أول رئيس إيراني زار دولة الإمارات العربية، وأنه حضر اجتماعا لمجلس التعاون الخليجي في الدوحة، وهو ما كان ينبغي له أن تقدم عليه الحكومة الإيرانية التي تمثل دولة كبرى في المنطقة. (الشيخ مهدي كروبي في إحدى المناظرات التلفزيونية بينه وبين أحمدي نجاد).
هؤلاء ليسوا معنيين كثيرا بما يقال عن «تمدد شيعي» في المنطقة العربية. لكنهم معنيون أكثر بنفوذ الدولة الفارسية الكبيرة. وذلك التمدد الأول مقدور عليه، خصوصا أن فرصته محدودة. أما النفوذ الذي يتحدثون عنه، فهو ما يتطلب وعياً وحذراً.
على صعيد آخر، فموقف «الإصلاحيين» من الصراع العربي الإسرائيلي متطابق مع ما يسمى في خطابنا المعاصر «بالاعتدال». بل أزعم أنه «معتدل جدا» بالنسبة لبعضهم على الأقل. وقد أشرت في الأسبوع الماضي إلى شعار «إيران أولا» الذي دعا إليه المهندس مير حسين في إحدى جامعات طهران، وإلى الانتقادات التي وجهها بعض الإصلاحيين إلى حكومة أحمدي نجاد لدعمها حزب الله وحركة حماس في فلسطين. وهؤلاء اعتبروا تلك المساعدات تبديدا لأموال الشعب الإيراني. إلى غير ذلك من الإشارات التي تهدف إلى نفض اليد من المقاومة والقضية الفلسطينية، وتأييد التسوية السياسية الراهنة. وحجتهم في ذلك بسيطة ويمكن تسويقها بسهولة. فهم يقولون إن إيران ليست دولة عربية ولا ينبغي لها أن تزايد على جيرانها بحيث تصبح عربية أكثر من العرب.
من «المعتدلين جدا» من يذهب إلى أبعد، معتبرا أنه لا توجد دول متقدمة وقومية ولها مستقبل في المنطقة سوى إيران وإسرائيل. ولذلك يتعين توثيق العلاقات بينهما لكي يصبحا قاطرة التقدم التي تخرج المنطقة من حالة التخلف التي تعاني منها. وهناك أكثر من باحث في الشؤون الاستراتيجية الإيرانية عبر عن هذا المعنى في أوراق نوقشت في اجتماعات المتخصصين في الدراسات الإستراتيجية بإيران.
3
[ ذلك يقودنا إلى الملاحظة الخامسة، إذ إن هذه الخلفية كافية في تفسير الحفاوة الغربية غير العادية باحتجاجات الإصلاحيين وتظاهراتهم، والمساندة المكشوفة لهم التي أعلنتها بعض العواصم الغربية، خصوصا بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وواشنطن بدرجة مختلفة، فضلا عن إسرائيل بطبيعة الحال. ذلك أنه من حق أي مواطن أن يستريب في الإجماع غير العادي من جانب تلك الجهات على تأييد الإصلاحيين وتشجيعهم، خصوصا أننا تعلمنا أنه إذا رضي عنك خصومك ومن لا يتمنون لك خيراً، فذلك يعني أنك وقعت في الغلط، وحدت عن طريقك القويم.
لقد نشرت جريدة «الشروق» في زاوية البريد (يوم 18/6) رسالة لقارئة هي إيمان محمود قالت فيها: إن الرئيس أوباما وغيره من القادة الغربيين أعلنوا عن تضامنهم مع المتظاهرين، وقالوا إن الإيرانيين أحرار في اختيار رئيسهم، وتساءلت القارئة بعد ذلك عن سبب إنكار الحكومات الغربية على الفلسطينيين أنهم مارسوا حريتهم في اختيار حكومتهم في العام 2007. وعاقبوا الشعب الفلسطيني بسبب ذلك الاختيار، فقاطعوا الحكومة المنتخبة وأيدوا حصار القطاع.
هو نفاق مكشوف أضيف إليه أن الغيورين على الديموقراطية في العواصم الغربية أغمضوا أعينهم وأصيبت ألسنتهم بالخرس حينما قامت أنظمة عربية حليفة لهم بسحق المعارضين وقمع مؤيديهم، ولجأت إلى تزوير الانتخابات على ملأ من الناس.
لقد تحدث القادة الغربيون، خصوصا رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون، بلغة الوصاية والتهديد لإيران. ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، لأن الآلة الإعلامية الغربية وظفت كل إمكاناتها لتحريض المتظاهرين وتأجيج نيران الغضب في طهران، وتسويق شعارات الغاضبين ومدوناتهم وتعميمها على مختلف أنحاء العالم.
لقد أعلنت محطة الإذاعة البريطانية في غمرة الأحداث عن أنها استخدمت قمرين صناعيين إضافيين لتقوية إرسالها الموجه باللغة الفارسية إلى إيران. وطلب من شركة غوغل إيرث (التي تنقل خرائط الأقمار الصناعية لمختلف أنحاء العالم) أن تعمم على أنحاء الكرة الأرضية صور تظاهرات طهران التي تلتقطها الأقمار الصناعية. كما طلب من محرك بحث غوغل أن يوفر على الإنترنت ترجمة النصوص من الفارسية إلى الإنكليزية، لنقل آراء الإيرانيين الغاضبين إلى العالم الخارجي. وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن الخارجية الأميركية وجهت رسالة إلكترونية إلى الشبكة الاجتماعية «تويتر» أن تؤجل خطط الصيانة المقررة لها، حتى لا تتوقف لحظة عن تمكين الإيرانيين من تبادل المعلومات، سواء في ما بينهم، أو بينهم وبين العالم الخارجي. وكان ذلك ردا على قرار الحكومة الإيرانية وقف خدمة رسائل الهاتف النقال.
الخلاصة أن العالم الغربي لم يكن مراقباً لما حدث فقط، ولكنه كان ولا يزال شريكا في تحريك الأحداث في طهران. وهو ما قدم نموذجا غير مسبوق لما يمكن أن يسمى بالتدخل الإلكتروني، الذي يوفر للطرف الذي يملك التكنولوجيا المتقدمة إمكانية إثارة الأوضاع وتفجيرها في بلد آخر من خلال وسائل الاتصال المتقدمة والعابرة للحدود والقارات.
4
إن الدول الغربية وهي تلجأ إلى تلك الضغوط والأساليب لا تعبر عن أي غيرة على الديموقراطية، وليست مشغولة بهموم المواطن الإيراني، ولكنها تسعى لتحقيق مصالحها الاستراتيجية. ومن المذهل أن يجد المرء بعض وسائل الإعلام العربية وقد تبنت المواقف الغربية والإسرائيلية ذاتها، دون أن تطرح المصالح العربية العليا في الحسبان. وهي كارثة مضاعفة، من ناحية لأنها تعني أنه ليس لدى الدول العربية استراتيجية واضحة تحدد مصالحها، ومن ناحية ثانية لأن الإعلام العربي يسهم بطريقة غبية وغير قابلة للتصديق في تحقيق الطموحات الغربية والإسرائيلية. وهو ما يطرح بقوة عدة أسئلة كبيرة، بعضها يتعلق بعلاقة تلك الأبواق العربية بالسياسة في العواصم المعنية. والبعض الآخر بطبيعة الجهة أو الجهات التي توظف لمصلحتها تلك السياسات.
ربما كشفت أحداث طهران عن عدة ثغرات في النظام الإيراني. وفى الوقت ذاته فإنها فضحتنا حتى رأينا أنفسنا في وضع سياسي مخلٍ للغاية.
السفير
الفكرة السورية حول ربط البحار الأربعة
زياد حيدر: السفير 25/6/2009
بدا واضحاً الآن أن ثمة هاجساً سورياً طموحاً نحو خلق بيئة للتعاون بين إقليمين متجاورين، هما الشرق الأوسط، في شقه الشرقي، ومنطقة آسيا الوسطى، وذلك من دون إغفال إمكانية مد هذا التعاون نحو شرق آسيا وغرب المتوسط وأوروبا أيضا.ً
وقبل أن تبدأ فكرة ربط «البحار الأربعة» بالتداول إعلامياً كان سبق للجانب السوري أن عبر عن تصور لتعاون عراقي ـ سوري ـ تركي ـ إيراني، تمّ طرحه على طاولة النقاش السياسي مع الدول الأربع، وذلك بهدف خلق بنية تجارية واقتصادية تعتمد على عناصر الطاقة (النفط والغاز) والجغرافيا (التوسط بين ثلاث قارات والتشاطؤ مع أربعة بحار) والسياحة (حيث المواقع المسيحية والإسلامية ناهيك عن المناخ الملائم)، وبما يسمح بتشارك عنصري المياه والكهرباء بشكل يتيحه هذا التعاون في المجالات كافة.
ولاقت الفكرة استجابة من تركيا، حيث طرحت على مسامع الصحافيين المرافقين لبعثة الرئيس السوري بشار الأسد إلى أنقرة للمرة الأولى منذ اقل من عامين. كما لاقت قبولا إيرانياً وحماسةً عراقيةً، إلا أن معيقاتها بقيت حتى العام الماضي بسبب سطوة الاحتلال الأميركي على الحكومة العراقية، وإعاقته مشاريع مع دول الجوار ولا سيما مع سوريا.
ومع تراجع تأثير إدارة الرئيس السابق جورج بوش، وقيام دمشق بخطوات تشجيعية نحو العراق تمثلت في زيارة رئيس الوزراء محمد ناجي عطري لبغداد وقبله وزير الخارجية وليد المعلم، تحركت عجلة التعاون عبر مشروع سكة حديد اللاذقية ـ حلب ـ أم القصر، بطول 1953 كم، والذي بدأ أولى رحلاته قبل 20 يوماً تقريبا.ً
واعتبر هذا الأمر الخطوة العملية الأولى نحو هذا المشروع الذي ينظر إلى العراق كعمق اقتصادي استراتيجي، ليس بالنسبة لسوريا فحسب بل لدول عديدة في المنطقة، ما يؤهل دمشق لأداء دور الجسر بين هذه الدول عبر مرافئها على المتوسط ومعابرها البرية. وهو أيضاً، ما دفع باتجاه توسيع دائرة الفرص عبر الحديث عما بعد التجسير بين دول معينة والعراق، إلى التجسير بين القارات، عبر استغلال العلاقة البرية بين أربعة بحار، هي المتوسط وقزوين والخليج العربي والبحر الأسود.
هذا دفع للتحرك أيضا باتجاه أرمينيا وأذربيجان، وذلك من خلفية هذه الرؤية بغض النظر عن الاعتبارات السياسية. ولن يكون غريباً أن يُعاد طرح هذا التصور خلال الزيارة التي ينوي الأسد القيام بها إلى العاصمة الأذربيجانية في تموز المقبل، إضافة إلى طرح المساعدة في حل المشكلة القائمة بين باكو ويريفان حول إقليم ناغورني قره باغ، كما نحو حل المشكلة بين تركيا وأرمينيا.
والسبب في ملاحقة هذا العامل يتمثل في الرغبة في خلق حالة استقرار سياسي بين البلدان الثلاثة تسمح بازدهار التجارة. وهي غير موجودة تقريبا بسبب إغلاق الحدود بين كل من تركيا وأذربيجان من جهة، وأرمينيا من الجهة الأخرى.
وترى مصادر أرمينية أن فتح الحدود، ولا سيما مع تركيا سيسمح بازدهار التجارة بين سوريا وأرمينيا عبر الأراضي التركية. وثمة تفاؤل «نسبي» في هذا الأمر، لكنه تفاؤل يتراجع حين يتم الحديث عن أذربيجان، على اعتبار أن المشكلة لا زالت قائمة بعناصرها كافة بين الدولتين المتجاورتين، على الرغم من الفائدة التي يمكن أن يجنيها الطرفان من فتح حدودهما.
أما العائق الثالث فيتمثل في عدم وجود، حتى الآن، بنية تحتية مواكبة تستطيع أن تمنح الزخم اللازم للانطلاق عمليا في تطبيق خطوات هذه الرؤية. وهي بنية تحتية مكلفة ومعقدة، ولا تستطيع إلا أن تكون جزءاً من هذه النظرة الطموح لوصل الإقليمين، اقتصاديا، وهو أمر ربما ـ في حال نجح ـ يترك أثره السياسي الجيد على المنطقة بأكملها، فيكون حدثا إيجابيا على غير العادة في منطقتنا.
إيران إلى أين: ولاية الفقيه أم ولاية الأمة؟
عصام العريان: قيادي في جماعة الإخوان المسلمين في مصر
جريدة الأخبار: 29/6/2009
شدّت إيران أنظار العالم أجمع خلال الأسبوعين الماضيين، وكان السؤال الأبرز هو إلى أين تتجه إيران؟ وراود المراقبين إحساس غريب: هل تتكرر أحداث الثورة الإيرانية؟ وهل تكون تلك التظاهرات المحجوبة بداية ثورة مخملية تعيد ترتيب الأوراق في إيران؟
وشغل المختصين في الشأن الإيراني والشأن الشيعي سؤال ما وراء الأحداث، وهل تحدِث التظاهرات والاختلافات داخل أبناء البيت الواحد وأولاد الثورة الإسلامية مراجعة كبيرة تحوّل الولاية السياسية من المرشد الأعلى، وليّ الفقيه، إلى ولاية الأمة الإيرانية والجماهير الشيعية؟
إذا أردنا أن ندرك أهمية ذلك السؤال فعلينا العودة إلى الوراء لنفهم طبيعة المذهب الشيعي، ولماذا حدث الخلاف والانقسام في الأمة الإسلامية بين سنّة وشيعة. حدث الانقسام في البداية، سياسياً حول مَن الأحق بتولي الخلافة بعد الرسول. ورأت أقلية أن الأولى هو علي بن أبي طالب، بينما اختارت الغالبية الساحقة أبا بكر الصديق خليفة للرسول، وبايعته جموع الصحابة بيعة السقيفة.
بعدها بدأ التأصيل للخلاف، حيث لم يدّع أحد في بداية الخلاف وجود نظرية متكاملة للإمامة، فتم وضع أسس فقهية وأصولية لنظرية الإمامة عند الشيعة بعد معارك الإمام علي في الجمل وصفين وتصاعد الأحداث التاريخية في الخلاف المشهور مع معاوية، ثم تحول الخلافة إلى ملك عضوض ووراثة ملكية في الدولة الأموية.
جوهر نظرية الإمامة عند الشيعة جميعاً هو أن من يتولى أمر المسلمين وحكمهم، لا بد أن يكون بنصّ إلهي وليس باختيار حر من الأمة، لخطورة الأمر. ولذلك جاءت النصوص التي يتم تأويلها بتعسف شديد ولا تعترف بها الغالبية العظمى من المسلمين لتؤكد تلك النظرية. ثم اختلف الشيعة في ما بينهم، ولكن اشتهرت نظرية الإمامية الاثني عشرية التي حصرت الأئمة في آل البيت من ولد الحسين بن علي، لعدد 12 إماماً، كان آخرهم هو محمد بن الحسن العسكري الذي عند وفاته، قال الشيعة بغيبته غيبة صغرى ثم غيبة كبرى طالت حتى يومنا هذا.
ويشعر الزائر اليوم لإيران نفسها، أو لمناطق الشيعة في بلاد أهل السنة، بغياب المظاهر الإسلامية التعبدية المشهورة، بينما كان المظهر الأبرز للصحوة الإسلامية في البلاد الإسلامية انتشار المساجد والإقبال على الصلاة في المسجد وانتشار الحجاب بين النساء والفتيات، وكثرة حفظ القرآن، والإقبال على العلم الشرعي بمنهجية علمية أو بجهود فردية، والمطالبة المستمرة بالعودة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في كل مناحي الحياة، والمحاولات المستمرة لإحياء التطبيقات الإسلامية في الاقتصاد والسياسة والإعلام والفن…
كان المظهر الأكبر للصحوة الإسلامية فى إيران سياسياً، تمثل في الثورة الشعبية التي قادها الإمام الخميني منذ 30 سنة. ثورة سياسية قلعت عرش الطاووس وأنهت حكم الشاه محمد رضا بهلوي الذي تلقّب بملك الملوك، وأنهت معه عصر التشيّع الصفوي الذي مارس معادلة سياسية ـــــ دينية مع المراجع الكبرى طوال قرون، كما سمّاه ووصفه المفكر الإيراني الكبير علي شريعتي. وعندما انتشرت خارج إيران فشلت في تصدير أفكارها إلى أهل السنّة بينما نجحت في رص صفوف الشيعة في عمل سياسي بارز في لبنان والعراق والبحرين واليمن…
ويحاول الزائر إلى إيران أن يجد الملامح التي تعوّدها من الصحوة الإسلامية، فلا يجد مساجد للشيعة ولا للسنّة، ولا يسمع الأذان في مواقيته الخمسة، ولا يجد الحجاب الذي تعوّد عليه، بل يجد زيّاً مفروضاً على النساء بقوة القانون، ويجد التدخين سائداً ومنتشراً بين الملالي جميعاً تقريباً. ويفرّغ الشيعة البسطاء أشواقهم الدينية عند المزارات وقبور الأئمة والاحتفالات الحاشدة. حتى صلاة الجمعة فى طهران تحولت إلى تظاهرة سياسية، ولا أنسى يوم كنت في ندوة بطهران ورفضت حضور صلاة الجمعة لأني مسافر، وذهب بقية الوفد ومعهم السيد أمين هويدي الذي عاد ليقول لي: لقد كان رأيك صائباً، فلم تكن صلاة حاشدة ولكنها تظاهرة سياسية.
كانت النقلة الكبيرة التي أحدثها الإمام الخميني هي نظرية جديدة للإمامة أو «الحكومة الإسلامية» كما سماها في كتابه الأشهر الذي حمل نفس العنوان. خلاصة ما وصل إليه الخميني أن الشيعة ليسوا في حاجة إلى انتظار عودة الإمام الغائب ليقودهم في دولة إسلامية، بل يمكن أن يتولى أحد المراجع الكبرى الولاية السياسية مع الولاية الدينية، فيتولى حكم المسلمين ويطبق فيهم حكم الإسلام. جوهر الفكرة أن المذهب عند تأصيله جعل التقليد في الأحكام حكراً على الأئمة من آل البيت، ولكن عند المظلومية ظهرت الحاجة إلى وكلاء للأئمة، انتقل التقليد إليهم. وعند الغيبة الكبرى بقيت هذه الولاية الدينية يتوارثها العلماء الذين تم تأسيس نظام محكم لترَقّيهم، وعلى كل مسلم شيعي أن يتخذ أحد هؤلاء المراجع الكبار مرجعاً للتقليد ويدفع إليه زكاة ماله التي تبلغ «الخُمس»، ولا يجوز لعموم الأفراد التفقّه في الدين منفردين، ولا يجوز من باب أولى إلا تقليد من تُجزه الحوزات العلمية في تسلسل معروف ومشهور يبدأ بطالب العلم ثم حجة الإسلام وينتهى بـ«آية الله العظمى». وكانت حجة الخميني الأساسية أنه إذا كنا اتبعنا وكلاء عن الإمام الغائب في أمور ديننا، فكيف نتخلف عن أتباعه وتقليده في أمور الدنيا والسياسة؟ وبذلك أسس لتطور جديد وخطير في المذهب الشيعي الاثني عشري.
لم تكن تلك النظرية لتصمد طويلاً أمام التجربة، ولا بد لها أن تتطور وتتغير للأسباب الآتية:
1 ــ الأول هو ضعف السند الفقهي، فإذا كان الملالي حجة في أمور الفقه والشريعة بسبب تخصصهم الطويل وتدرجهم فى المناهج العلمية التي قد تصل إلى 30 سنة في الحوزات، فإنهم ليسوا المتخصصين في كل المجالات الحياتية التى تحتاجها أمور السياسة.
2 ــ الثاني هو المعارضة الأصلية لنظرية «ولاية الفقيه»، فلم يوافق الخميني عليها كبار الفقهاء من آيات الله العظمى، مثل الخوئي والسيستاني والكلبايكاني» وبروجردي الذين حرصوا على تمييز «دولة العلم» عن «دولة الدنيا» وحرصوا على شغل الفقهاء بالأولى فقط، حيث نجح العلماء في الحفاظ على استقلاليتهم طوال قرون.
3 ــ الثالث هو الممارسة العملية. فقد تنافس آيات الله على المناصب السياسية وفي الصراع السياسي الحالي المحتدم طالت الاتهامات رؤساء كباراً، وقد لا تتوقف عند رفسنجاني وكروبي ورضا نوري، بل قد تصل إلى «الولي الفقيه خامنئي» نفسه إذا فشل في احتواء الصراع الحالي وهو ليس من الآيات العظمى.
4 ــ الرابع هو صحوة الشعب الذي يجد لنفسه اليوم مكاناً في الصراع الدائر لأنه صراع سياسي يمسّ أمور حياتهم العادية، ولهم فيه رأي وحجة، بينما كان الآيات والملالي مراجعهم في التقليد الديني الذي لا يتخصصون فيه ولا حجة لهم فيه ولا قدرة لهم عليه.
5 ــ الخامس هو الضغوط العالمية ودور الدول المجاورة، فقد عاش الشيعة لقرون طويلة في عزلة عن العالم، وها هم اليوم في قلب الصراعات الإقليمية والعالمية، يؤثرون ويتأثرون، وهذا لم يرد فى كتب الأقدمين منهم، ويحتاج إلى اجتهاد جديد جماعي لا ينفرد به الفقهاء فقط، وهو ما لا تتعود عليه الحوزات العلمية، فضلاً عن دور الإعلام الخطير الذى نقل الاهتمامات العامة إلى رجل الشارع العادي، وخاصة الشباب والنساء.
السؤال اليوم هو: إلى أين تتجه إيران؟ وهل تتطور نظرية «ولاية الفقيه» إلى نظرية جديدة هي «ولاية الأمة»؟ وهل يدرك الشيعة أن غيبة الإمام التي طالت، قد تطول أكثر وأكثر، وأن الحاجة ملحّة للعودة إلى الأمة نفسها لتتولى أمور دنياها وتختار بحرية من يحكمها وتحاسبه على ذلك وتعزله إن أرادت؟ وهل يمكن ترجمة إجابات تلك الأسئلة فى تطوير دستوري في إيران من دون الحاجة إلى نظرية فقهية جديدة تحتاج إلى فقيه بحجم الخميني وقائد سياسي محنّك له مثل قدراته القيادية وكاريزمته الشخصية؟
ولاية الفقيه بين الجمود والثبات أو الانفتاح والتجديد ( 1 / 2 )
نبيل على صالح: ( كلنا شركاء ) 2/7/2009
شكلت الأحداث الجارية حالياً في إيران والمظاهرات المتتابعة والمتسارعة فيها –والتي انطلقت على خلفية رفض نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة من جانب تيار واسع وعريض من القوى السياسية الإيرانية- شكلت مدخلاً أساسياً لدى جمهور كبير من المراقبين والمفكرين والنخب المثقفة لإعادة تسليط الضوء على نظرية ولاية الفقيه “القديمة–الجديدة” التي تشكل حجر الأساس في دستور الجمهورية الإسلامية في إيران.
وتدور النقاشات الجارية حالياً في مختلف وسائل الإعلام بين نهجين فكريين وسياسيين أستطيع أن أصفهما بالـ “متطرفين”، أحدهما يريد إعادة تثبيت وترسيخ ولاية الفقيه كفكرة عقائدية في الواقع العملي القائم على ما فيه من سلبيات وإحباطات شعبية عارمة، ومن دون السماح لأحد بتوجيه أي نقد أو تطوير أو بحث أو مساءلة، والآخر يريد نسف هذه النظرية الفكرية والفقهية الدينية من جذورها على خلفية عدائه للدين أو ربما جهله وعدم فهمه له، ومن دون أن يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الظروف والمناخات المعقدة السائدة والمتبنيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والآمال الشعبية الواسعة والعملية التي قامت عليها (وأفضت إليها) تلك النظرية بعد مضي حوالي ثلاثة عقود من الزمن على العمل المستمر والمتواصل على تطبيقها في داخل إيران.. بقطع النظر عن صوابية هذه الفكرة وتطبيقاتها أم سلبيتهما.
ولعل من المفيد بدايةً أن نشير إلى أن هذه النظرية قد شكلت في وقتها إنجازاً فكرياً وسياسياً للثورة الإسلامية في إيران –وعلى رأسها الإمام الخميني- من خلال مساهمتها الفاعلة في إعادة توجيه وضبط وتزخيم مسار القدرات الشعبية الإيرانية، وإخراج مجمل الطاقات الكامنة في المجتمع الإيراني إلى ساحات العمل والفعل.
ومن المعروف للجميع بأن الثورة الإسلامية في إيران قامت على أساس الدعوة إلى التزام الإسلام كرسالة إلهية معنوية تحمل بين طياتها –كما يزعم منظروها وأتباعها- فكراً سياسياً واجتماعياً قادراً -من خلال إمكانياته وطاقاته الذاتية والموضوعية بحسب المدعى- على إيصال البشرية إلى شاطئ وبر الأمان على المستوى الروحي والمادي من خلال إعطاء الحياة الإنسانية بعدها الروحي والمعنوي الهادف إلى إيصال الإنسان إلى كماله الممكن له.
وقد أكد مفكرو الثورة وقادتها الكبار على أن تركيز مفاهيم وأفكار الثورة الإسلامية في إيران على الأهمية الحيوية الكامنة في قدرات الإسلام وإمكانياته الهائلة –بما لها من دور هام وحيوي في صياغة وبناء المجتمع الإسلامي- لم ينطلق من مجرد الادعاء بأن الإسلام أفضل من جميع الحلول المطروحة على الساحة حالياً، وإنما تعداه إلى الميدان العملي من خلال استلهام (تلك الثورة) لروح القرآن الذي اعتبر أنّ الإنسان هو المحور الأساسي في أي مشروع نهضوي، لأنه يختزن في داخله قدرات غير محدودة وطاقات هائلة غير منظورة (بالمعني الروحي والمادي للكلمة) يمكن أن تفسح المجال أمامه، وتتيح له المساهمة الفعالة في تغيير الواقع، والعروج به (بالإنسان) في سلم التكامل الروحي والمادي.
وطالما إنّ الإنسان قد بات -في عرف الثورة الإسلامية- هو القاعدة الأساسية والمفصل الحركي والحيوي الخاص بنهوض المجتمع وبناء أمة مقتدرة وقوية وقادرة، لابد إذاً من وجود فكر ومعرفة اجتهادية جديدة ترسخ مفاهيم ومعايير الفكر النهضوي، وتعمل على تحفيز وإثارة كفاءات وقدرات ومواهب هذا الإنسان، ودفعها باتجاه المشاركة الإرادية الكثيفة والمنتجة في نهضة الأمة، في سياق تحملها لمسؤولياتها التاريخية كاملة. وهنا بالذات تكمن الإضافة النوعية والعملية الهامة التي قدمتها الثورة الإسلامية في إيران للفكر الإسلامي المعاصر.. إنها نظرية “ولاية الفقيه” السياسية التي سبق لعلماء وفقهاء ومفكرين إسلاميين سابقين أن نظروا لها بعد غيبة الإمام المهدي المنتظر (الإمام الثاني عشر الغائب عند الشيعة)، ولكن الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني استكملت طرحها، وعمقت جذورها في وجدان الأمة، ووضحت معالمها، واستطاعت أن تحولها من إطارها الفكري النظري إلى حيز التطبيق والتجربة الواقعية والالتزام العملي.
وعلى الرغم من الأسئلة والإشكاليات والجدل الواسع الذي أثير حول نظرية ولاية الفقيه، وحول مختلف الجوانب والعناصر المكونة لها، والمتفرعة عنها فقد تمكنت -كما يؤكد أتباعها- من الوصول إلى مختلف القواعد والفئات الجماهيرية والتيارات الشعبية الكبيرة في داخل إيران وخارجها بعد أن لامست أحلامهم وهمومهم، ودغدغت كثيراً من رغباتهم الدينية الصادقة في الخلاص الفردي والجمعي، الأمر الذي أهّلها لتكون ضمانةً –نظرية على الأقل- لتحرير إيران من القيود والسكون، وإيقاظها من كبوتها وغفلتها الحضارية التي سيطرت عليها فترة طويلة من الزمن, ودفعها لإعادة إنتاج حيوية وحركية تاريخية ما في القرن العشرين، باتجاه تركيز العمل نحو مواقع الفعل الحضاري. وبالمقابل كان تحرر إيران من الشاهنشاهية, وتحملها لمسؤولياتها التاريخية الإنسانية ضمانةً لتعزيز دور الولاية الحركي في الواقع السياسي والاجتماعي العام في إيران.
إذاً ثمة معادلة متوازنة يمكننا قراءاتها هنا –وهي التي انطلقت عناصرها ومكوناتها الداخلية بقوة في الواقع السياسي والاجتماعي الإسلامي المعاصر- بين تطور الأمة الإيرانية وتحقيقها لنهضتها الإسلامية المستعادة من براثن الاستلحاق والتبعية والانعزال عن المحيط الإسلامي, وبين ولاية الفقيه فيها. فالولاية والأمة ترتبطان الواحدة مع الأخرى. ارتباط الروح بالجسد، ولا انفكاك بينهما ما دامت الحاكمية الإلهية لا تعني وجود السلطان الجائر، أو الملك العضوض, أو الثيوقراطية وادعاء الحق الأهلي المقدس، ومادام تحرك الأمة -قائماً بالعنوان الأولي- على الوعي بالذات الحضارية الإسلامية, ورفض التبعية والاستلاب للآخر, والتماهي في داخله.
بهذا المعني يمكننا التأكيد على أن نظرية ولاية الفقيه هي بالفعل انجاز فكري وسياسي يحسب لإيران وبالذات لآية الله الخميني، لأنها -كفكرة فقهية تاريخية مؤدلجة تم إعادة إنتاجها وتجديدها على يد المرجع الخميني- ساهمت في البداية وبصورة فعالة في إخراج طاقات الذات الإيرانية (على اختلاف انتماءاتها ومشاربها ومذاهبها) إلى الوجود الخارجي العملي، وأعادت العمل بها من جديد من خلال تنظيم رؤية وخطاب معرفي سياسي واجتماعي استطاع -في نهاية القرن العشرين- إقامة دولة إسلامية طموحة تتحرك في الواقع السياسي الإقليمي والدولي ليكون لها دور أساسي وموطأ قدم فاعلة تتناسب مع حجمها الجغرافي والديني والحيوي. وهذا ما ساهم أيضاً في إعادة إحياء الأمل لدى قطاعات واسعة من المسلمين –وبخاصة الإيرانيين، ممن أصابهم اليأس والإحباط، واعتقدوا بأنّ الإسلام هو دين الماضي البعيد- بأن الإسلام هو دين الحاضر والمستقبل, وليس مجرد دين طقوسي (شعائري) جاء لينظم العبادات فقط، ولا علاقة له بالشؤون الاجتماعية والاقتصادية.
وإذا كانت نظرية ولاية الفقيه قد شكلت في وقتها النظرية الناضجة الأهم (على المستوي العملي) لإعادة بناء قدرات المجتمع الإيراني, والصيغة الأكثر توافقاً وانسجاماً (مع منطق وضرورات الأحداث والوقائع والتاريخ الديني في إيران) بحيث تمكنت من إيجاد مواقع قوية لها في الواقع الإسلامي المعاصر، في طبيعة تحديدها الحاسم لأصول ومرتكزات النظام السياسي الشرعي في عصر غيبة الإمام الثاني عشر، فإنّ ذلك لا يعفي أصحابها والمنظرين لها -في داخل إيران وخارجها- من الوقوف الواعي والنقدي الطويل أمام جملة التساؤلات والإشكاليات المثارة حولها، ومحاولة البحث والتحقيق فيها من جديد, والإجابة الجادة والمسؤولة عنها. حيث أن تطورات العصر والحياة تقتضي البحث عن بدائل للأفكار العقيمة غير المنتجة، وإبداع أفكار وأدوات جديدة تحظى بقبول عامة الناس قبل أن تحظى بقبول نخبة الأمة، لأن الطريق إلى العقل والتطبيق يمر بالقلب أولاً وأخيراً. وولاية الفقيه فكرة دينية تاريخية من جملة أفكار مطروحة ومتداولة، ولا يمكن اعتبارها عقيدة دينية مقدسة، بل هي رؤية ظنية قابلة للطرح والنقاش والحوار بشأنها بين المفكرين والعلماء سيما أن هناك مراجع كبار سبق أن رفضوها وامتنعوا عن تأييدها ووجهوا لها سيوف النقد الإسلامي العلمي من أمثال العلامة الراحل محمد مهدي شمس الدين والمرجع العلامة السيد محمد حسين فضل الله والمرجع السيد علي السيستاني الذي يؤمن بولاية الأمة على نفسها وليس بولاية الفقيه على الأمة، حيث أنه –في هذه الحالة- تصبح الولاية الدينية للمرجع نوعاً من الاستبداد الفكري والسياسي المؤدي حتماً إلى ممارسة مختلف طرق ووسائل الضغط والقسر والظلم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي تحت زعم حماية الحقيقة والعقيدة المقدسة و”الحفاظ على بيضة الإسلام”.
وهذا النوع من الاستبداد الديني أشد خطورة من أي نوع آخر، لأنه استبداد يغلف نفسه بستار الدين والنصوص الدينية المقدسة التي يؤمن بها الناس، وتلهب مشاعرهم، وهنا تكمن الخطورة في أن يتحول الدين إلى مجرد قناع أو غطاء لممارسة شتى ألوان الكذب والنفاق والقسر والإكراه ومن دون وجود أي رادع من أخلاق أو قيم أو قانون.
إيران وتركيا ومصر: الديموقراطية المعلّقة
محمد علي الأتاسي: النهار 8/7/2009
شهد المجتمع الإيراني على مدى الثلاثين سنة الأخيرة تبدلات ديموغرافية هائلة تكاد توازي في أهميتها التغيرات الراديكالية التي أحدثتها الثورة الإسلامية في بنية المجتمع الثقافية والسياسية وفي هياكل الدولة الإيرانية ومؤسساتها السياسية والعسكرية والاقتصادية. من هنا فإن أي قراءة دقيقة للأحداث التي هزت المجتمع الإيراني في الأسابيع الماضية في أعقاب ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية، لا بد لها أن تأخذ بعين الاعتبار طبيعة التغيرات الديموغرافية العميقة التي طرأت على بنية المجتمع الإيراني، والتي يمكنها أن تضيء بشكل كبير على المأزق الراهن الذي تعيشه الجمهورية الإسلامية.
جمع العديد من الدراسات والكتب الأكاديمية الرصينة التي ظهرت في العقد الأخير حول الملف الديموغرافي الإيراني، على القول بحدوث تحول راديكالي (يسميه البعض مثل الباحث محمد جلال عباسي شفازي والباحثة ماري لاديه فولادي بالثورة الديموغرافية) في معدل خصوبة النساء الإيرانيات ابتداء من منتصف الثمانينات من القرن المنصرم، بحيث أن معدل خصوبة المرأة الإيرانية، انخفض من 6 أطفال للمرأة الواحدة في منتصف الثمانينات إلى 1,71 طفل للمرأة الواحدة في العام 2009. وإذا كانت هذه الدراسات تتمايز في تفسير أسباب هذا الانخفاض الحاد وغير المسبوق على مستوى دول العالم في معدل الخصوبة، فإنها تجمع على أن النتائج المترتبة عليه لا تقتصر فقط على تبدل التركيبة الديموغرافية للمجتمع الإيراني وتحسن ظروف المرأة، ولكن لها مفاعيل كبيرة على البنى السياسية والاجتماعية لهذا المجتمع.
لإدراك أبعاد هذا التحول العميق في معدل خصوبة المرأة، يجب وضعه في سياق التغيرات الديموغرافية الأوسع داخل المجتمع الإيراني بمدنه وريفه، وأؤكد هنا على شمولها الريف، والتي تقترب به في بعض الجوانب من الدول المتقدمة، سواء لجهة الانخفاض الحاد في معدل النمو السكاني السنوي إلى حدود 0,88 % وزيادة متوسط عمر الفرد ونسبة عدد سكان المدن مقارنة بالأرياف وتراجع الأمية والزيادة الكبيرة في نسبة عدد المتعلمين بالتساوي لدى الجنسين وارتفاع سن الزواج وتقلص فارق العمر بين الزوجين وانخفاض عدد أفراد الخلية الأسرية.
كثيرا ما يتم الإشارة في سياق الحديث عن الأجيال الشابة في إيران، ما دون الثلاثين من العمر، إلى أنها لم تعش إلا في ظل نظام الجمهورية الإسلامية، ومن هنا توقها للتحرر من القيود الصارمة التي فرضتها الثورة على أساليب حياتهم وسلم قيمهم. لكن ما يفوت تحليلات كهذه هو الإشارة إلى التبدل البنيوي الذي طرأ على شكل الأسرة الإيرانية وتراتبيتها وعدد أفرادها ودور المرأة، الأمر الذي أدى في الكثير من الحالات إلى تفكك البنية البطريركية سواء لجهة المشاركة الاقتصادية ومكانة المرأة وتعلمها أو لجهة العلاقة بين أجيال العائلة المختلفة والعلاقة بين الرجال والنساء فيها حيث حل الحوار والتشارك مكان السلطة الآمرة الناهية. هذا التحول الأسري الذي درسه العديد من الباحثين، ترك أثره البليغ في رفض الشباب الإيراني للمحظورات التي تحاول السلطة أن تفرضها عليهم في المجال العام، في الوقت الذي تراجعت فيه هذه المحظورات في مجالهم الاجتماعي والعائلي الخاص.
من المفيد هنا مقارنة بعض المعطيات الديموغرافية الإيرانية مع تركيا ومصر ليس فقط بسبب تقارب إجمالي عدد السكان في الدول الثلاث وهي على التوالي 71,2 مليونا لإيران و75,4 مليونا لمصر و 74,8 مليونا لتركيا، ولكن لتشابه الأهمية الجيوسياسية للبلدان الثلاثة ولتقارب التحديات الإستراتيجية التي تواجهها شعوبها، هذا مع العلم أن معظم الأرقام التي نستخدمها هنا مأخوذ من إحصائيات الأمم المتحدة.
فإذا كانت إيران بالنسبة لمعدل خصوبة المرأة الذي يقارب فيها 1,7 هي في مصاف الدول الأكثر تقدما في العالم، فإن معدل خصوبة المرأة في مصر لا يزال بحدود ثلاثة أطفال في حين أنه في تركيا في حدود 2،1 طفلين للمرأة الواحدة. ويتساوى معدل سكان المدن في كل من إيران وتركيا وهو 68%، في حين أنه في مصر في حدود 42,6 %. وإذا أخذنا عدد الناس الموصولين بالانترنت كونه لعب دورا مهما في تحرك المجتمع الإيراني الأخير، فإننا نجد أنه الأعلى في إيران في حدود 23 مليون نسمة ومن بعده تأتي تركيا في حدود 13.1 مليون نسمة وأخيرا مصر في حدود 8.7 ملايين نسمة. في المقلب الآخر فإن إيران تتفوق على تركيا ومصر لجهة الارتفاع الكبير في معدلي التضخم والبطالة بسبب سياسات الرئيس نجاد الاقتصادية، هذا على الرغم من التغيرات الديموغرافية المبشرة. وقد استخدم العديد من الباحثين هذا المعطى للتشكيك بالفكرة المسبقة عن التأييد الذي يتمتع به محمد أحمدي نجاد في صفوف الطبقات الشعبية، كون الأخيرة هي المتضرر الأكبر من التضخم والبطالة. وفي حال وجود مثل هذا التأييد في صفوف هذه الفئات الفقيرة، فإنه غالبا ما يكون في الدوائر المرتبطة مباشرة من خلال لقمة عيشها بمؤسسات الدولة الصناعية والعسكرية والخيرية. والأكيد أن هذه الفئة لا تشكل الغالبية مقارنة بالفئات المتضررة من البطالة والتضخم.
إذا عدنا إلى مقارنة البلدان الثلاثة، نجد أن إيران وتركيا تتشابهان في العديد من المعطيات الديموغرافية التي تخص مجتمعيهما، في حين تبتعد مصر قليلا أو كثيرا عن هذين البلدين بالنسبة للبنية الديموغرافية لمجتمعها. لكن هذا الابتعاد يصبح كبيرا إذا نظرنا إلى الأوضاع السياسية وحالة المجتمع المدني في كل من هذه البلدان الثلاثة وإلى آفاق الصراع على السلطة والبدائل السياسية التي تطرحها المعارضات المختلفة في هذه البلدان.
فالمجتمع الإيراني دأب خلال السنين الماضية، من خلال كل قنوات الضغط المتاحة أمامه، على محاولة دفع الحياة السياسية إلى المزيد من التعددية والانفتاح وتقنين تدخل الدين في السياسة والابتعاد بالزمني الدنيوي عن المطلق الديني، من دون أن يعني هذا تشكيكه بشرعية الجمهورية الإسلامية.
في الاتجاه ذاته يمكننا الحديث عن المجتمع التركي وسعيه لتحرير حياته السياسية من مطلقاتها العلمانوية، في حال اعتبرنا العلمانية التركية الكمالية في جانب منها ديننا دنيويا يحاول باسم المطلق العلمانوي أن يقفل باب السياسية في وجه الزمني والنسبي والمتحرك. في كلتا الحالتين نحن أمام نظام سياسي يحمل في داخله بعداً ثيوقراطياً، علمانوياً أو دينياً، يحاول أن يطغى على ما عداه وأن يقلل قدر الإمكان من تأثير البعد الديموقراطي التمثيلي والانتخابي. يمكننا هنا أن نجازف ونقول إن تركيا في هذا المجال، أثبتت مرونة أكبر في نظامها السياسي لجهة قدرته على التطور والتخفف من المطلقات العلمانوية والسماح بهامش كبير من المشاركة السياسية والتقليل من وطأة “المقدس” العلمانوي على السياسي اليومي و”مدنساته”.
المؤسف في الحالة الإيرانية أنه بعد إجهاض تجربة حكم خاتمي وقمع التحركات الطالبية والتضييق الخانق على الإصلاحيين وصولا إلى تجربة الانتخابات الرئاسية الأخيرة والدور الطاغي والمنحاز الذي بات يلعبه الولي الفقيه بعيدا عن أي رقابة شعبية، فإن الجمهورية الإسلامية أغلقت أكثر فأكثر إمكان تطوير نظامها السياسي أمام المزيد من التمثيل الشعبي الحقيقي بشكل يستجيب لتطلعات مجتمعها وللتبدلات العميقة التي طرأت عليه منذ زمن الثورة. لكن هذا لا يغير شيئاً في حقيقة أن المجتمع الإيراني، بمدنه وريفه، بطبقته الوسطى وطبقاته الشعبية، بغالبيته الفارسية وأقلياته الإثنية والدينية، وبمعظم تياراته السياسية، قد شب عن الطوق وسيكون من المستحيل في المدى البعيد إعادته إلى بوتقة ولاية الفقيه بمنظورها الحالي الذي يركز أهم الصلاحيات السلطوية والدينية في يد رجل واحد تحيط به أجهزة أمنية وعسكرية واقتصادية تتحرك تحت أمرته بعيداً عن أي مسألة شعبية.
إذا نظرنا إلى الجانب المصري، فإنه على الرغم من التغيرات العميقة التي أحدثتها ثورة 23 يوليو 1952 في بنية المجتمع المصري، فإننا اليوم لا نجد إلا مؤسسة الجيش المصري يقوم عليها بنيان الدولة وتأتي منها النخب الحاكمة، مع أن هذه المؤسسة لا تملك أي صفة تمثيلة ولا تخضع لأي مساءلة شعبية ولا تملك أي شرعية دستورية أو شعبية. لا بل إن النخب الحاكمة، في حرصها على التمسك بالحكم ومنع تشكل أي معارضة سياسية منظمة، أمعنت في تقطيع أوصال المجتمع المدني وحاصرت القضاء وفككت النقابات وحاربت كل المحاولات الشجاعة لبلورة فسحات حرة للتفكير والمبادرات الخلاقة والتعددية الحزبية الحقيقة والنشاط النقابي المستقل والتجمع والاحتجاج بعيدا عن سطوة الدولة وأجهزتها الرقابية.
ليس من المبالغة بشيء القول إن المجتمع المصري في ظل تفشي الفقر واستشراء الفساد وضعف المؤسسات التعليمية وتراجع استقلالية الجامعات ووأد الخطاب النهضوي وفشل مشاريع التحديث السلطوية وظهور سيناريوات التوريث وتعطيل الهامش الديموقراطي المتبقي في مؤسسات الدولة التمثيلية، بات اليوم أكثر ميلا للإسلام السياسي كبديل وحيد من السلطة الحالية. وكأنه بات ينطبق عليه المثل الشعبي القائل “الله أطعمه الحج والناس راجعة”، والمقصود بالناس هنا بالطبع المجتمعان الإيراني والتركي العائدان تباعاً من الثيوقراطية الدينية والثيوقراطية العلمانوية. وما يدعو للأسف أن الأخوان المسلمين في مصر، لا يزالون أسرى خطابهم الشعبوي المؤسلم، وبعيدين بأشواط عن المراجعات النقدية التي قامت بها بعض التيارات الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي لجهة القبول الحقيقي بالتعددية السياسية والفكرية وتأصيل قضايا حقوق الإنسان والحريات الفردية والدينية وحقوق الأقليات.
خلاصة القول في حالة كل من البلدان الثلاثة، أن هناك مبادئ سياسية عامة لا بد من احترامها لكي تتجذر الممارسات الديموقراطية الحقيقية، وذلك بمعزل عن صيغة النظام السياسي الذي تحاول كل من النخب السياسية في البلدان الثلاثة بناءه، سواء أخذ طابعا جمهوريا إسلاميا أو علمانيا كمالياً أو جمهوريا رئاسياً مصرياً. فالسلطة مستمده من الشعب وللشعب، ولا بد من احترام حرية الرأي والتعبير وحرية الاعتقاد، والحق في التظاهر والتجمع السلمي، ولا بد من أن يكون هناك فصل حقيقي للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ولا بد من فرض رقابة قضائية مستقلة على الانتخابات التشريعية، ورقابة شعبية على متبوئي المناصب العامة، ولا بد من إعطاء الحق للجميع في الترشح والانتخاب وتبوؤ المناصب العامة. ولا بد من احترام حقوق الأقليات وحقها في الوجود، وبالأخص منها الأقليات السياسية. فلا يصادر الحق في الوجود السياسي للعلمانيين في إيران مهما تضاءل تمثيلهم الشعبي، وكذلك الحال مع الإسلاميين في كل من تركيا ومصر.
قد يرى البعض أن موازين القوى الحالية في كل من هذه البلدان الثلاثة لا تسمح بأي تقدم جدي في اتجاه تطبيق هذه المبادئ الديموقراطية العامة! لكن يكفي أن ننظر في الآمال المفتوحة أمام تركيا إن هي مضت قدما في إصلاحاتها، والآمال التي ستجهض في إيران إن هي فشلت في توسيع الجانب التمثيلي في مؤسساتها وتقاعست عن إعادة النظر في مؤسسة ولاية الفقيه، والآمال غير الموجودة أصلا في مصر إن هي ظلت على عطالتها!
برزت في تاريخنا الإسلامي نماذج من علماء المسلمين جمعوا بين الفقه والفلسفة، باعتبار أن الفقه هو العلم الشرعي المنزّل، والفلسفة هي علوم البرهان العقلي المجرّد، ولم يحدث الجدل بين تلك العلوم إلا بعد الترجمة الواسعة التي ساهمت سلطة الخليفة العباسي المأمون في انتشارها وافتراض التعارض بينها وبين الوحي المنزّل، وكانت الفلسفة اليونانية القديمة هي النتاج الأقوى لعلماء الترجمة في ذلك العصر، ومع الإعجاب الشديد بهذا الجديد المعرفي، كانت الحاجة وظروف المكان والزمان قائمة للتوفيق بين الشريعة والفلسفة، وهذا ما أوجد عدداً من المشروعات التأويلية والتوفيقية، كما فعل ابن سينا والفارابي وابن باجه في قضايا المجتمع والسياسة، وأبو بكر الرازي وأبو سليمان السجستاني والكندي في مسائل الطب والطبيعة، ومع جودة التطوير الذي قاموا به واستكمالهم عدداً من المشروعات اليونانية الناقصة والخاطئة، إلا أن جنوحاً كبيراً عن الشريعة قد خالفوا فيه إجماع المسلمين.
كان حجم النازلة الفلسفية في مجتمعات المسلمين كبيراً ومؤثراً، خصوصاً بين العلماء والأمراء، وهو ما جعل الإمام الغزالي الفقيه الفيلسوف، وهو حجة الإسلام كما يصفه معاصروه، ينبري لهذا الأمر ويتصدى له، وقد قام بتجربة منهجية لفحص مقولات الفلاسفة من خلال كتبهم والنظر المباشر لأقوالهم من دون الاعتماد على النقلة والناقدين، وأطال في النظر، حتى كاد ينزلق في ما أراد التنبيه منه، ثم عاود الكرة في الرد عليهم لا من باب التوفيق والجمع، بل من خلال التحذير والقمع لآرائهم والمتفلسفين على نهجهم ورؤاهم، خاصة في كتابه المشهور «تهافت الفلاسفة»، وذكر الإمام الغزالي «أن بعض معاصريه قد أعرضوا عن العبادات الدينية، واستهانوا بحدود الشرع، وأهملوا شعائره، بل خرجوا بالكلية عن العقائد الدينية من دون أن يكون لديهم برهان يقيني أو بحث نظري، وإنما كان مدار كفرهم سماعهم أسماء هائلة، كسقراط وبقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس، وأمثالهم».
ولم يكتف الإمام الغزالي في «تهافت الفلاسفة»، بالهجوم على الفلاسفة اليونانيين وكذلك من تبعهم من فلاسفة المسلمين، بخاصة الفارابي وابن سينا، بل نصب الحجج والدلائل في مخالفته لهم في عشرين مسألة، وحكم عليهم بالبدعة في سبع عشرة مسألة، وحكم عليهم بالكفر في ثلاث مسائل، وهي: قولهم بقدم العالم، وقولهم إن الله لا يعلم الأشياء الجزئية، وإنكارهم بعث الأجساد وحشرها في الآخرة اكتفاء بالبعث الروحاني وحده.
ومع خطورة الاعتراضات التي ذكرها الإمام الغزالي في معتقد الفلاسفة إلا أن الناظر في منجزات الفلاسفة المسلمين وتقدمهم المعرفي لا يمكن أن يغفل أن هناك دوراً نهضوياً قام به هؤلاء الفلاسفة في الطب والفلك والهندسة والرياضيات وغيرها من العلوم العقلانية والطبيعية، وهذا ما يجعلني أتساءل باستغراب، هل كانت الفلسفة سبباً في جنوحهم الشرعي وفي الوقت نفسه تقدمهم العلمي؟! هل يمكن أن نرميهم بالزندقة والإبداع في آنٍ واحد؟!.
في اعتقادي أن المُشكِل المعرفي في تقويم هذا المشهد السجالي لم يخلُ من تداخل المصالح الشخصية والحظوظ السياسية في الحكم على هؤلاء الفلاسفة بالفسق أو بالتمرد على السلطة (أنظر: علي أومليل، «السلطة الثقافية والسلطة السياسية»)، كما أن رسم الحدود بين المقبول والمردود من الفلسفة والمنطق لم يتضح ولم تتحدد معالمه، وهذا ما جعل بعض الفلاسفة يقعون بين خيار القبول المطلق للفلسفة أو الرد المطلق لها، وانعكس ذلك على نتاجهم المعرفي وردود أفعالهم الحادة تجاه خصومهم من الفقهاء أو الفلاسفة، ولا نغفل أن المعجبين بالمنطق اليوناني لم يستفيقوا من لحظة الانبهار والتعرف الأولي والاستكشاف لتلك العلوم الحادثة، كمنحى طبيعي في مسيرة العلوم قبل نضجها ووضوح معالمها. ولكن هذا لا يعفيهم عن القيام بمشروعات التوفيق والتأويل وردم الهوة بين الفرق المتخاصمة، خصوصاً بعدما استقرت تلك الفلسفات واتضحت مناطق النزاع بينها وبين علوم الشريعة.
وفي ظل هذا الخصام بين الفقهاء والفلاسفة، برز الإمام ابن رشد الحفيد الفقيه والفيلسوف المالكي في توضيح المبادئ التي يجب معرفتها للتوفيق بين الدين والفلسفة، واختط لنفسها منهجاً في إصلاح هذه الحال التي عاشها واستوعب مفاصل النزاع فيه، من خلال إقرار القضايا التالية:
أولاً: «أن الدين أو الشرع يوجب النظر العقلي أو الفلسفي، كما يوجب استعمال البرهان المنطقي لمعرفة الله تعالى وموجوداته»، وقد ذكر ابن رشد آيات كثيرة من القرآن الكريم تدعو إلى التفكر والتدبر، منها على سبيل المثال: «فاعتبروا يا أولي الأبصار»، «أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء»، وصرح ابن رشد بأن الاعتبار ليس إلا استنباط المجهول من المعلوم، وهو القياس العقلي أو الشرعي والعقلي معاً، ورد على من قالوا بأن الفلسفة تؤدي إلى الكفر بأن السبب ليس الفلسفة، ولكن من يتناول الفلسفة، وضرب مثلاً على ذلك بمن يموت بسبب شربة الماء، فليس الماء هو الذي سبب الوفاة، ولكن حدوث أمر عارض عند شربه هو الذي أدى إلى الوفاة.
وثانياً: أن الشرع فيه ظاهر وباطن، ويقرر ابن رشد أن نصوص الشرع لها معنى جلي قريب وواضح، وأيضاً لها معنى خفي، أو بعبارة أخرى لها معنى ظاهر ومعنى باطن. ولكن ليس كما يقول باطنية الإسماعيلية ومن وافقهم.
وثالثاً بأن التأويل ضروري للتوفيق بين الشريعة والفكر أو بين الدين والفلسفة، فإذا كان الدين يوجب النظر العقلي أو الفلسفي، فإنه من الواجب أن نلتمس تأويل ما لا يتفق معه من النصوص ذات الدلالة الظنية في معناها. ولقد صرح ابن رشد بأن كل ما أدى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع فإن هذا الظاهر يقبل التأويل حتى لا يصطدم الشرع الصحيح بالعقل الصريح.
هذا الجهد الذي قام به ابن رشد لا يستطيع القيام به إلا فقيه فيلسوف، قد جمع علوم المنقول والمعقول، وأدرك بحكمته جوامع المتفق عليه، وحرر فواصل النزاع بين المختلفين، وأنشأ من أجل ذلك مشاريعه العلمية، ومن أبرزها «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» في بيان أوجه الاتفاق والاختلاف بين المدارس الفقهية، وردهم إلى الأصول الجامعة والمقاصد المرعية في الشرعية، ثم قام بمشروعه الآخر «فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال» وكتابه «الكشف عن مناهج الأدلة»، وفيها بيّن أوجه الخلاف والاتفاق بين المدارس الإسلامية، لهذا بقي – رحمه الله – يكرر ويؤكد «أن الناس اضطربوا في هذا المعنى كل الاضطراب في الشريعة حتى حدثت فرق ضالة، وأصناف مختلفة، كل واحد منهم يرى أنه على الشريعة الأولى، وأن من خالفه إما مبتدع، وإما كافر مستباح الدم والمال، وهذا كله عدول عن مقصد الشارع، وسببه ما عرض لهم من الضلال عن فهم مقاصد الشريعة» (انظر: إدريس حمادي، «إصلاح الفكر الديني من منظور ابن رشد»).
وبحق نستطيع أن نقول أن تجربة ابن رشد كفقيه فيلسوف حققت نجاحاً رائداً في التوفيق والتأويل بين الفقهاء والفلاسفة، فميزة تجربته تكامل مشروعاتها التقريبية في ميادين الفقه والفلسفة ليس في نطاق عالمنا الإسلامي، بل تم استلهامها لقرون في الكنيسة النصرانية كجامع بين الدين والمنطق ولكن من خلال شروحه لمنطق أرسطو التي تبنتها الكنيسة حتى عصر الأنوار.
ويبقى سؤال آخر: هل ابن رشد كان الوحيد في بيان الموقف الشرعي في هذه الميادين؟ وللجواب، نحتاج إلى حرث تاريخي ومعرفي لتراثنا الإسلامي لإبراز عدد من التجارب التي لا تقل أهمية عما قام به ابن رشد، ولعل أهمها في نظري؛ الدور التوفيقي الذي قام به الإمام الشافعي في «رسالته» المشهورة فهو صاحب مدرسة فقهية وسماه الإمام أحمد فيلسوفاً، كذلك الإمام ابن تيمية في رده على غلاة الفلاسفة والمنطقيين، ثم مشروعه الكبير في درء تعارض العقل والنقل، ولا نغفل دور الأندلسيين كالإمام الفقيه الفيلسوف أبو محمد ابن حزم والإمام الشاطبي صاحب الموافقات. هذه المشروعات هي بعضٌ من كل، تحتاج إلى بيان واستفصال لمعرفة الدور الريادي في الصناعة المعرفية، ولكن في عصرنا الحاضر قد لا نحتاج إلى التوفيق بين الفلسفة والفقه بالتأويل، وذلك أن الخلاف لم يعد حاضراً في عصرنا كما كان في العصور السابقة، فالجميع يقرر توافق الشرع والعقل، ولكن ميدان التنزيل لا يزال محتاجاً الى ممارسات ومشاريع عملية تؤكد هذا التوفيق وتطبق على الواقع سنن وقواعد الشرع وتجارب العقل ومكتشفاته في مجال الصناعات والمخترعات والفنون الحديثة.
http://www.daralhayat.com/portalarticlendah/36614
* كاتب سعودي
ماقدمه الأستاذ مسفر .. لاعلاقة له بالفقيه القائد ولا الفقيه غير الموظف
وفيما عدا الفارابي وابن سينا فجميع من ذكرهم كانوا من فقهاء السلاطين وبخاصة الغزالي الذي كتب كل ماكتبه بأمر من نظام الملك لمواجهة المناوئين وبخاصة الشيعة والإسماعليين ومن الغريب ان يقدم الكاتب ابن حزم بوصفه فيلسوفا فقيها وهو الذي يحرم القياس ..؟ فماذا بقي للعقل إذا
وكذا الحال بالنسبة الى ابن تيمية الذي وإن قدم نتعات نقدية جرئية ضد منطق الجوهر إلى أن دافعه كان الإستعلاء أكثر منه التفهم .. وإلا لكان ذكر ايجابية واحدة لأي فيلسوف كان .. وهو لم يفعل ذلك بل كفر الفلسفة كلها من ألفها إلى يائها
يبقى ابن رشد وهو فبلسوف وفقيه فعلا ولكنه لم يكن أيضا كذلك بعيدا عن دعم سلطان اشبيلية له “الخليفة الموحدي أبي يعقوب يوسف” ..,وهو الذي طلب ومول تلرجمة ارسطو وما إن مات الداعم والموظف لمصالحه .. انقلب عليه ظهر المجن واحرقت كتبه دون ان يحاول ولو سرا الدعوة الى نفسه كوال فقيه او فيلسوفومن ذلك يمكننا ان نقرا عنه موثقا مايلب باختصار:
“محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الأندلسي وكنيته أبو الوليد ” الحفيد ” (520- 595 هـ= 1126-1198م)، المعروف بابن رشد، عالم مسلم ولد في قرطبة بالاندلس، من أسرة عرفت بالعلم والجاه. وتوفي في مراكش. يعدّ ابن رشد في حقيقة الأمر ظاهرة علمية مسلمة متعددة التخصصات، فهو فقيه مالكي، وهو قاضي القضاة في زمانه، وهو ذاته طبيب نطاسي تفوق على أساتذته حتى أن أستاذه ابن زهر قال عنه: “ابن رشد أعظم طبيب بعد جالينوس”، وهو عينه فيلسوف عقلاني، وهو أيضا مترجم لأعمال أرسطو المرجعية للمسلمين، وهو أيضا فلكي ذو أعمال جليلة في المضمار، وهو نفسه المتكلّم الذي تصدى لنقد المتكلمين باسم توافق المعقول والمنقول وعلى رأسهم الإمام الغزالي كما كان نحويا لغوياً محدثاً بارعاً يحفظ شعر المتنبي.
عرفت عائلة ابن رشد بالمذهب المالكي، وجده أبو الوليد محمد (توفي 1126) كان كبير قضاة قرطبة تحت حكم المرابطين، وشغل والده ذات المنصب حتى مجيء الموحدين.
يعد ابن رشد من أهم فلاسفة الإسلام. دافع عن الفلسفة وصحح علماء وفلاسفة سابقين له كابن سينا والفارابي في فهم بعض نظريات أفلاطون وأرسطو. درس الكلام والفقه والشعر والطب والرياضيات والفلك والفلسفة، قدمه ابن طفيل لأبي يعقوب خليفة الموحدين عام 1182م فعينه طبيبا له ثم قاضيا في قرطبة.
تولّى ابن رشد منصب القضاء في أشبيلية، وأقبل على تفسير آثار أرسطو، تلبية لرغبة الخليفة الموحدي أبي يعقوب يوسف، وكان قد دخل في خدمته بواسطة الفيلسوف ابن طفيل، ثم عاد إلى قرطبة حيث تولى منصب قاضي القضاة، وبعد ذلك بنحو عشر سنوات التحق بالبلاط المراكشي كطبيب الخليفة الخاص.
لكن الحكمة والسياسة وعزوف الخليفة الجديد (أبو يوسف يعقوب المنصور 1184 – 1198) عن الفلاسفة، ناهيك عن دسائس الأعداء والحاقدين، جعل المنصور ينكب ابن رشد، قاضي القضاة وطبيبه الخاص، ويتهمه مع ثلة من مبغضيه بالكفر والضلال ثم يبعده إلى “أليسانه” (بلدة صغيرة بجانب قرطبة أغلبها من اليهود)، ولا يتورع عن حرق جميع مؤلفاته الفلسفية، وحظر الاشتغال بالفلسفة والعلوم جملة، ما عدا الطب، والفلك، والحساب.
وبعد أكل النيران لعصارة فكر ابن رشد إثر سخط اتهام بمروق الفيلسوف وزيغه عن دروب الحق والهداية، عاد الخليفة فرضي عن أبي الوليد وألحقه ببلاطه، ولكن كليهما قد توفيا في العام ذاته (1198 للميلاد)، في مراكش.”
http://ar.wikipedia.org/wiki/
رؤية سورية لـ «تموضع استراتيجي» و «عقدة» ربط بين بحور أربعة
الإثنين, 13 يوليو 2009
071326b.jpg
دمشق – إبراهيم حميدي
من خلال المنتديات الاقتصادية الأخيرة بين رجال أعمال سوريين وآخرين أجانب التي افتتحها الرئيس بشار الأسد مع نظرائه من القادة، يبدو بوضوح أن هناك «رؤية استراتيجية» مفتاحها تحويل سورية إلى «عقدة ربط» في مجالات الغاز والنفط والنقل بأنواعه بين الشرق والغرب وبين الجنوب والشمال.
بمعنى آخر، تسعى سورية إلى «تموضع استراتيجي» لتكون ممراً ومعبراً بين البحورالأربعة: الخليج العربي، الأبيض المتوسط، قزوين، والأسود، إضافة إلى البحر الأحمر وربما يكون السر في ذلك، هو اتباع دمشق سياسة حكيمة بالتوازن بين فرقاء إقليميين. فالرئيس الأسد زار النمسا وسلوفاكيا، كما إنه استقبل في دمشق الرئيسين اليوناني كارلوس بابولياس والتركي عبدالله غل اللذين يحملان موقفين مختلفين إزاء قبرص. وأعلن الأسد بعد لقائه بابولياس في دمشق أن المحادثات تناولت «القضية القبرصية وأعربنا عن اهتمامنا البالغ بإيجاد حل لهذه المشكلة دعماً للجهود المبذولة للتوصل إلى حل يؤمن حقوق جميع الأطراف».
وبعد أسابيع على زيارته ارمينيا، أجرى الرئيس السوري محادثات في باكو مع الرئيس الأذري إلهام علييف الذي يحمل بدوره وجهة نظر مختلفة عن الرئيس الأرمني سيرج سركسيان إزاء مسألة إقليم ناغورنو كاراباخ. وشدد الأسد في باكو على ضرورة حل القضية بـ «الحوار على أساس تطبيق قرارات الشرعية الدولية وبما يضمن حقوق جميع الأطراف»، معرباً عن استعداد سورية لـ «تقديم أي مساعدة تسهم في حل هذه المسألة انطلاقاً من علاقتها الجيدة مع الطرفين».
لكن الجديد الذي قدمته «الزيارة التاريخية» للرئيس الأسد إلى باكو أن الرؤية الاستراتيجية انتقلت سريعاً من الفكر إلى التطبيق، وما على المؤسسات التنفيذية الحكومية ورجال الأعمال إلا مواكبة الخطوات التي وضعتها الزيارات الرئاسية الأخيرة إلى عواصم إقليمية ودولية والولوج من الأبواب التي شرعتها المؤسسات الرسمية التي تبدي استعدادها لمعالجة العقبات التي تعترض السير قدماً إلى المستقبل بدلاً من انتظاره.
يعود الطرح السوري إلى بداية عام 2004، عندما افتتح الرئيس الأسد منتدى اقتصادياً سورياً – تركياً في استنبول، ذلك في أول زيارة يقوم بها رئيس سوري إلى تركيا خلال ستة عقود على الاستقلال. قال الأسد وقتذاك إن سورية «تقوم بعملية تطوير للبنية التحتية، وهي بلد واعد اقتصادياً»، وبالتالي فإن اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين «ستفتح الباب واسعاً أمام تطوير العلاقات»، على أمل أن تصبح سورية «عقدة الربط» بين الشرق والغرب وبين تركيا والعالم العربي، خصوصاً في مجالي الغاز والطاقة.
لا شك في أن الغزو الأميركي للعراق في عام 2003 والفوضى الأمنية فيه والتوترات الأخرى في الشرق الأوسط وحربي تموز 2006 وغزة 2009 ومحاولات إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش فرض عزلة على دمشق، غيرت من الأولويات السورية. كانت الأولوية للاستقرار الأمني والسياسي. لكن الانفتاح السوري-التركي استمر وتحولت الوعود التي أطلقت في زيارة الأسد بداية 2004 إلى واقع. أنجزت اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين. وارتفع التبادل التجاري من 800 مليون دولار أميركي إلى بليوني دولار.
الآن، انتهت مساعي العزل إلىالفشل. وجاءت إدارة أميركية جديدة تؤمن بالحوار مع سورية. وزار دمشق الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي نهاية العام الماضي. كما إن الأسد شارك في قمة «عملية برشلونة: الاتحاد من أجل المتوسط». وتطورت العلاقات السياسية والدبلوماسية بين سورية والعراق. وراح معظم القادة الأوروبيين والأميركيين يقولون إن دور سورية «محوري» وإنها «مفتاح» السلام الشامل في الشرق الأوسط وإنه لايمكن تجاوز موقعها الأستراتيجي ولادورها في المنطقة.
عادت «الرؤية الأستراتيجية» السورية إلى الحضور بقوة. لقد طرحت أولا خلال زيارة الرئيس الأسد إلى فيينا في أيار (مايو) الماضي، إذ قال إن النمسا «تقع في قلب أوربا تاريخياً وجغرافياً كموقع سورية في العالم العربي والذي يجعلها (سورية) منفذاً لدول الاتحاد الأوربي باتجاه أسواق البلدان العربية وبلدان غرب آسيا ومركزاً لإقامة استثمارات مشتركة في مجالات الطاقة والصناعة والتعدين والزراعة والمعلوماتية والاتصالات والمصارف والتمويل»، إضافة إلى جعل سورية «ممراً لعبور مصادر النفط والغاز من المنطقة العربية وآسيا إلى الأسواق الأوروبية عبر المتوسط وتركيا ونقطة التقاء لشبكات الربط الكهربائي بين هاتين المنطقتين في العالم من خلال موقعها الأساسي في مشروع الربط الكهربائي للمشرق العربي الذي يصل الشبكة الكهربائية العربية بتركيا وعبرها إلى أوروبا».
وجرى التركيز أيضاً على ذلك خلال زيارة الرئيس غل إلى دمشق في منتصف أيار، إذ قال الرئيس السوري في مؤتمر مشترك لرجال الأعمال: «عندما نفكر لاحقاً بأن هذا الفضاء الاقتصادي سيتكامل فنحن نربط بين البحر المتوسط وما بين بحر قزوين والبحر الأسود والخليج العربي» ، مضيفاً: «نستطيع أن نتكامل في هذا المجال عندما نربط هذه البحور الأربعة ونصبح العقدة الإجبارية لكل هذا العالم في الاستثمار وفي النقل وغيره». وأعيد التأكيد على هذه الفكرة خلال المحادثات في أرمينيا.
وبين هذه الزيارات والخطوات السياسية، اتخذت خطوة عملية في هذا السياق. إذ تم تشغيل خط لنقل البضائع عبر سكك الحديد بين ميناء أم القصر العراقي على الخليج العربي إلى ميناء اللاذقية السوري على البحر الأبيض المتوسط، ذلك بعد زيارة رئيس الوزراء السوري محمد ناجي عطري ووزير الخارجية وليد المعلم والحديث عن «اتفاق استراتيجي» في جميع المجالات. كما جرى الحديث عن إعادة تشغيل أنبوب النفط بين كركوك وبانياس بطاقة 200 ألف برميل يومياً وإقامة أنبوب جديد بطاقة تصل إلى 1.4 مليون برميل يومياً.
وكان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بحث مع رئيس اتحاد منتجي النفط والغاز في روسيا يوري شافرانيك في موضوع أنبوب النفط السوري-العراقي. وجرى تكليف شركة «ستروي ترانس غاز» الروسية بإجراء دراسة للأنبوب القائم. كما إن وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري قال لـ «الحياة: في دمشق إن بلاده طلبت من هذه الشركة درس الجدوى الاقتصادية ووضعية الأنبوب القديم: هل هو صالح أم يحتاج إلى تصليح أم بناء خط آخر في الوقت ذاته؟ وقال إن هذا المشروع استراتيجي ستستفيد منه الدول العربية. وتحدث زيباري أيضاً عن «مشروع كبير» يتمثل بربط حقل الغاز في عكاس الذي تبلغ طاقته 500 مليون قدم مكعب بالشبكة السورية.
وفي هذا السياق، أضيف عنصر جديد. إذ إن المسؤولين اليونانيين أرادوا أن يكونوا جزءاً من هذا التصور. وبدا ذلك واضحاً خلال زيارة الرئيس بابولياس وحضور المنتدى الاقتصادي في الشهر الماضي. إذ قال لـ»الحياة» نائب وزير الخارجية تيدور ماكسيميس إن بلاده ترى أن سورية «قادرة على لعب دور نقطة التوزيع والوصل للبضاعة والتجارة بين المتوسط والخليج والدول المجاورة»، لافتاً إلى أن اليونان «هيأت بنية تحتية ضخمة» بحيث تكون قادرة على أن تكون حلقة ربط مع البحر الأسود والأدرياتيكي ودول البلقان حيث تعمل أربعة الآف شركة يونانية وروسيا ما يؤهلها لتصبح «بوابة سورية» إلى تلك المنطقة.
ولدى الانتقال إلى أول زيارة يقوم بها الأسد إلى باكو منذ استقلال أذربيجان في عام 1991، خطت الرؤية الاستراتيجية خطوة كبيرة من التفكير والتخطيط إلى التنفيذ. ولم يكتف، في أن خرج الرئيس علييف عن التقليد الأذري عبر حضوره لأول مرة منتدى للقطاع الخاص بهدف التعبير عن «الإارادة السياسية» لتطوير التعاون، بل إن الجانبين اتخذا خطوات عملية في هذا السياق.
أولى هذه الخطوات، أن البلدين وقعا نحو 19 اتفاقاً ومذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في جميع المجالات الاقتصادية والسياسية والتجارية. وثانيها، أن البلدين اتفقا على تصدير نحو بليون متر مكعب من الغاز من بحر قزوين إلى سورية عبر تركيا التي باتت بمثابة «جسر» بين البلدين باعتبار أن الجانب السوري يعتبرها «شقيقا» والجانب الأذري يرى أن بلاده وتركيا فيها «شعب واحد في بلدين». ويقول لـ «الحياة: نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية عبد الله الدردري إن الغاز سيصدر عبر الأراضي التركية ذلك أنه اتفق مع الجانب التركي على ربط شبكة الغاز التركية بالسورية بين موقعي كلس وحلب، التي تربط بدورها بـ «خط الغاز العربي» القادم من مصر.
استراتيجياً، إذن يجري الحديث عن مشروع طموح. إذ علم أن البحث جار لوصل مشروع الغاز العربي القادم مصر إلى الأردن إلى مدينة حمص وسط سورية بـ «خط نابكو» الذي يمتد من أذربيجان إلى جورجيا وتركيا وبلغاريا ورومانيا والنمسا بطاقة تصل إلى نحو 31 بليون متر مكعب سنوياً وبكلفة تصل إلى نحو عشرة بلايين دولار أميركي، علماً أن إنتاج سورية من الغاز يبلغ 23 مليون متر مكعب سنوياً وسيصل إلى 35 مليوناً في العام المقبل. وعلم أن وزير النفط السوري سفيان علاو سيشارك في المؤتمر الوزاري الخاص بأنبوب «نابكو» المقرر عقده في أنقرة في 13 الجاري. وكان زيباري قال إن الاتحاد الأوروبي موّل دراسة بكلفة 50 مليون يورو لإعداد دراسة حول كيفية الاستفادة والاستثمار في حقل «عكاس» وهو مهم لأوروبا في الخط العربي للغاز.
يشار إلى أن موسكو تعتقد أن مشروع «نابكو» يرمي إلى التخفيف من الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي. كما إن روسيا بصدد إقامة مشـاريع جـديدة للغاز بين البحر الأسود وبلغاريا بحيث يتفرع منها إلى فرعين ليمر في صربيا والمجر واليونان وسلوفـينيا ويـنتهي فـي النمـسا وإيـطاليا. وتقدر كلـفته بـأكثر مـن ثمـانية بلايين يورو، ذلك ليكون موازياً أو منافساً لـ»نابكو».
ويعتقد الجانب السوري أن مشاريع أخرى ستؤسس بالتوازي مع خطوط الغاز خصوصاً ما يتعلق بالنقل بين الدول المعنية. إذ أكد الرئيس الأسد أمام رجال الأعمال السوري والأذريين على ضرورة «الربط الفيزيائي بين البنية التحتية لدول المنطقة بما يشكل شبكة متكاملة من أنابيب الغاز والسكك الحديدية والطرق والمرافئ التي تربط بين البحار الأبيض المتوسط والأسود وقزوين والخليج وحتى البحر الأحمر»، مضيفاً أنه «بناء على هذا الربط الفيزيائي والعلاقات المميزة بين سورية وكل من تركيا وأذربيجان وإيران والعراق ودول مجلس التعاون الخليجي، فإن الاتفاقيات الثنائية والمتعددة بتبادل السلع والخدمات وخصوصاً الطاقة أصبحت ممكنة».
عليه، بالإمكان الانطلاق من البنية التحتية التي أسست بين سورية وكل من هذه الدول عبر توقيع اتفاقات ثنائية، إلى «بنية تحتية إقليمية» ما يسمح بتعزيز موقع كل طرف وتبادل الاستثمارات في البنى التحتية للآخر. فسورية، مثلاً تنوي استثمار 50 بليون دولارأميركي لتطوير بنيتها التحتية حتى عام 2015. كما إن إجمالي الاستثمارات المطلوبة تبلغ 132 بليون دولار (بينها 77 بليوناً من القطاع الخاص) لتحقيق معدل نمو قدره 8 في المئة وفق الخطط الحكومية الحالية. في المقابل، تبلغ قيمة الناتج القومي لأذربيجان 74 بليون دولار أميركي لنحو ثمانية ملايين أذري. وهي تملك احتياطياً كبيراً من النفط والغاز، ذلك أنها بعد نيل الاستقلال وقعت شركة النفط الحكومية في 1994 اتفاقاً مع 13 شركة دولية وأميركية بينها أرامكو وأكسون كي تنقب أكثر في الآبار النفطية في قزوين، أعمق مما كانت وصلت إليه الشركات السوفيتية. وفي 2006، بدأ تشغيل أنبوب نفط من هذه الآبار في باكو إلى تبليسي (العاصمة الجورجية) إلى ميناء جيهان التركي، بطاقة تصل إلى 50 بليون طن من النفط الخام سنوياً. كما جرى مد أنبوب آخر للغاز مواز له بطاقة تصل إلى 296 بليون متر مكعب سنوياً ليصل إلى السوق الأوروبية.
وبحسب المصدر الأذري، ساهم تشغيل أنبوبي النفط والغاز إلى تحقيق معدل نمو قدره 31 في المئة في عام 2006 ورفع حصة النفط من العائدات إلى 59 في المئة من الواردات الإجمالية. كما أسس الرئيس الراحل حيدر علييف «صندوق النفط الحكومي» لدعم الاستثمارات في القطاعات الأخرى، ووصلت موازنته إلى بليوني دولار. ويتوقع أن تصل في عهد الرئيس الحالي الهام علييف إلى 36 بليوناً في العام المقبل، تصرف في استثمارات على التعليم والاقتصاد والبنية التحتية.
هذا أحد الأدلة الملموسة على إمكانات التكامل بين الدول الواقعة بين البحور الأربعة. وكان الأسد قال في باكو: «عندما نتطور بشكل إفرادي فستكون هناك مشكلة لأننا سنكون محل أطماع وعندما لا نتطور فستكون أيضاً هناك مشكلة لأن عدم التطوير يعني عدم الاستقرار، لكن عندما نتطور كلنا كدول وفي نفس الوقت مع بعضنا من خلال مصالح مشتركة فسنكون أقوياء»
د. نضال معروف – بريطانيا: ( كلنا شركاء ) 29/8/2009
كشخص يعيش في الغرب لست في حال تضطرني لممالأة الرئيس الأسد ولا إلى تملقه، لكنني أجد أن الرجل يستحق الإعجاب والثناء لأنه أدهش الجميع.
فعندما تولى بشار الأسد السلطة في سوريا توقع كثيرون أن تنزلق قبضته عن السلطة خلال بضعة أشهر، وأعرف عدداً من دور الصحافة العربية التي تنبأ صحفيوها همساً برئيس سوري جديد بعد بشار الأسد خلال 18 شهراً فقط من توليه السلطة. لكن هذا الشاب الفارع الطول أطال بقاءه وكسر التوقعات.
ومع هذا فإن سقوط بغداد المروع أحيا أمل هؤلاء الصحفيين من جديد بعدم سقوط نظرياتهم وتعثر فقه “السقوط” الذي يتقنونه، وبدأ البعض يرسم خارطة سياسية لحياة السوريين القادمة بعد انهيار نظام الأسد المرتقب في دمشق. لكن الأسد ومن جديد وببراعة لافتة كان يهدهد الأمريكيين على الطاولة ولكنه تحت الطاولة كان يحرق أقدامهم في “المثلث السني” العراقي الجامح الذي التهب رغم تلميحات الأمريكيين لمعرفتهم بغضه النظر عن الحدود.
الكثيرون يعتقدون أن الأسد أدرك أن المارينز لن يكتفوا ببغداد والنصر السهل سيغريهم بعبور الصحراء نحو شواطئ المتوسط فكان أن تحالف الأسد سريعاً مع نجاد لتقييد الثور الأمريكي الهائج في الحظيرة العراقية وإشغاله يومياً بلعق جراحه النازفة لأن أي استراحة تعني تحضيراً لمغامرة امبراطورية ليس لشهوتها حدود سوى أن ترهقها الضربات الصغيرة المتواصلة.
عاود الأمريكيون مفاجأة الأسد هذه المرة من الغرب حين كان الجميع يتوقع الهجوم من الشرق عبر بادية الشام لتهدر الدبابات الأمريكية باتجاه دمشق لإتمام إسقاط محور بغداد دمشق البعثي دونما إبطاء، وكانت صحف بعض العرب الذين توقعوا السقوط المدوي تلتقط صور الجنود الأمريكيين وهم يتطلعون نحو الحدود السورية وأمامهم صور الرئيس حافظ الأسد على نقطة التفتيش ولوحات الترحيب الحدودية تقول: “أهلاً بكم في سوريا”.
نعم، الهجوم أتى من الغرب، ففي لبنان نسف الحريري وانهار الجدار اللبناني العازل والمعطف الحديدي للنظام، وأخرج الساحر الأمريكي من قبعته مفاجآت انقلاب الحلفاء مثل جنبلاط والمستقبل والكثيرين. ومن جديد تصرف الأسد بهدوء عندما حاول الدومينو اللبناني اجتياز الحدود السورية عبر عدوى المظاهرات. فغادر الأسد لبنان، وكان خروجه محرجاً في سرعته فيما كان فقهاء السقوط يتابعون بتفاؤل تحقق نظريتهم حول السقوط المحتوم الذي تأخر وصوله.
وتراجعت معنوياتنا ونحن نشاهد “الثعلب الأحمر” ميليس يرسم بخبث ومكر بداية النهاية لنظام الأسد وموت دمشق كعاصمة أخيرة للرفض. وتواصل الهجوم هذه المرة من داخل قلعة الأسد وقرب قصره عندما فتحت ثغرة خطرة في جدار تماسك النظام عبر انتحار غازي كنعان وزير الداخلية السوري وحجر الشطرنج الرئيسي في اللعبة اللبنانية ، وهو موت استثنائي في ظروف استثنائية لنظام معروف بدقة حساباته. ثم خرج عبد الحليم خدام معلناً تآكل مسامير النظام.
في هذه الفترة القليلون توقعوا أن يفلت الأسد ودمشق من الفخ المحكم ومن تشقق البناء الذي بدا وكآنه برج التجارة العالمي يحترق قبل السقوط.
لكن الأسد لم يهتز وأمسك قلوب الناس بعبارة “سوريا الله حاميها” وكأنه يطمئن الناس على دمشق بثقة هاشم بن عبد المطلب عندما قال: “وأما البيت فإن له رباً يحميه”. هذا الاعتماد على الموروث التاريخي والديني أثر إيجاباً في معنويات الناس فيما بقي الأسد على رهانه بإرهاق الجبهة الشرقية للأمريكيين في العراق سراً فيما كان حليفه نجاد يشاغلهم بمناورات الداخل الشيعي. فاستمر عداد موت الأمريكيين بالارتفاع ولم يتمكن الأمريكيون من تسويق حرب سهلة جديدة قبل إنهاء حرب العراق وكانت توصية هاميلتون-بيكر شديدة الوضوح بأن اللاعبين الرئيسيين في العراق هما الأسد ونجاد.
وعلى الجبهة اللبنانية كان الأسد على مايبدو يدرك أن “طبخة الحرية والمظاهرات” ومسرحيات الديمقراطية و”الحئيئة” قد امتصت وفقدت زخمها بعد أسابيع لكنها مجرد بداية ناعمة لهديرحرب قادمة من لبنان، والخطة بسيطة عبر قصم ظهر حزب الله وقتله ليندفع الجيش الاسرائيلي وحلفاؤه باتجاه الحدود السورية لإطلاق فوضى هائلة بحجة إطلاق الديمقراطية والحرية ومحاسبة نظام مثير للقلاقل ومجرم بحق المنطقة لعقود، وكان عبد الحليم خدام يقول مالم يفهم في حينه وهو أنه سيعود إلى دمشق قبل انتهاء مدة صلاحية جواز سفره السوري والمقررة في أكتوبر، أي أن النظام في دمشق يعزف لحن النهاية وتصدر عنه حشرجة الموت في الظمأ الأخير.
لكن لاحقاً تبين لنا أن الأسد كان يتصرف بمهارة فعندما قرر الخروج من لبنان فإنه أبقى سراً السلاح الروسي الفعال بيد حزب الله وجلس يترقب الحرب المتوقعة بهدوء إلى أن اندلعت.
فقهاء السقوط ومنجمو الصحافة العربية هيؤوا مقالات مابعد السقوط ليذكروا قراءهم بأنهم لايخطئون وإذا كان السقوط قد تأخر فلأن كوكب زحل قد انحرف مؤقتاً و قليلاً عن مسار نجم الأسد.
وهنا كمنت المفاجأة للجميع عبر صمود ملحمي أتقنه حزب الله بسلاح فعال وإمداد سوري لايتعب، فوجئت المؤسسة العسكرية الاسرائيلية ، وفوجئ المحافظون الجدد وفوجئت المنطقة الخضراء في بغداد “الجديدة” وفوجئت بيروت “الجديدة” والرياض “الجديدة” كيف أن دمشق كسبت الجولة من ثانية ولم تسقط لا من الشرق ولا من الغرب.
اليوم أنظر إلى الخارطة السياسية للمنطقة فأجد المارينز قد انكفؤوا إلى داخل مواقعهم العراقية ولم يعودوا يلتقطون الصور الاستفزازية قرب الحدود السورية وجاؤوا برئيس يعدهم بالخروج والإبحار بنفس اتجاه رحلة “كولومبس” لكن ليس لاكتشاف أمريكا هذه المرة بل للعق جراحها.
أنظر شمالاً فأرى تركيا التي أراد رئيس وزرائها الأسبق مسعود يلماظ أن يشرب فنجان قهوته في مقاهي دمشق على وقع أناشيد الحرب وهدير الدبابات التركية قرب مقهى الحجاز، لأرى أن سياسة الأسد استفادت من التحول الإسلامي التركي وجذبتها وصار أردوغان حليفاً وصديقاً يؤازر.
فيما الجدار اللبناني المنهار يتماسك من جديد والرياض تحوم حول حظيرة دمشق لتعود إليها، وجنبلاط الذي أخرجته الساحرة السوداء رايس من قبعتها كمفاجأة مثيرة، هاهو الأسد يخرجه من قبعته ساخراً من الجميع.
وفوق كل هذا تتفكك جبهة الخلاص السورية المعارضة بل وتصاب بتحلل كيميائي غريب يميعها كقطعة آيس كريم في وجه اللهب.
وهناك همس كثير أن الأسد المناور الذكي والوطني الموهوب قد استخلص من جبهة الخلاص الاتجاهات التي يمكن تصحيحها والتي لايجب أن يخاض معها صراع آخر بل حوار آخر، فيما طرحت بقية الاتجاهات المشبوهة بعيداً، فاقترب الإخوان المسلمون من النظام في حركة تعترف أن ليس كل ما في النظام شرور بل إنه يقدر له رعايته لحركات المقاومة والإسلامية منها تحديداً.
الكثيرون من المعجبين بالأسد يترقبون بتوق نبوءاتهم وكيف أن تكشف الأيام القادمة كيف حول بشار الأسد الإخوان المسلمين أعداء النظام التقليديين المزمنين إلى حلفاء قادمين وشركاء في الوطن، وربما يكون صدر الدين البيانوني هو المفاجأة القادمة إذا مارأيناه في جلسة ودية مع الأسد، وذلك ليس خيالاً رومانسياً لأن من يستقبل العماد ميشيل عون ويكرمه كزعيم لمسيحيي الشرق عرفاناً لموقف وطني لديه من المرونة والحذق السياسي أن يملك مفاتيح الخصوم، فكلنا يذكر ضجيج عون وصخبه وعناده وعداءه الشهير للسوريين وهو الذي قال” لم يبق شئء في لبنان لم يتكسر سوى رأس حافظ الأسد”.
وكلنا يذكر دهشتنا من حقد جنبلاط ورغم شراسته واستماتته لإيذاء الأسد فإنه الآن ينتظر دعوة لزيارة دمشق. وصدام حسين الذي ناصب حافظ الأسد العداء على عقدين وفجر شوارع دمشق وتراشق معه بكل أصناف الكلام والتخوين لم يجد في أيام نظامه الأخيرة من يرسل الدعم سراً إلا ابن حافظ الأسد. نعم أدهشنا هذا الأسد وسيدهشنا أكثر.. أنا على يقين.
اسطنبول – سانا:
شارك السيد الرئيس بشار الأسد مساء أمس في حفل الإفطار تلبية لدعوة من حزب العدالة والتنمية فرع اسطنبول حضره السيد رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي وكبار المسؤولين في الدولة والحزب وأعضاء السلك الدبلوماسي وأكثر من 2500 مدعو من بينهم فعاليات اقتصادية وثقافية واجتماعية.
وقال الرئيس الأسد في كلمة له في حفل الإفطار: الأخ العزيز الرئيس رجب طيب أردوغان .. السيدة أمينة أردوغان .. السيد عزيز بابوتشو أيتها السيدات.. أيها السادة.. أزور تركيا اليوم حاملاً معي تحيات الشعب العربي السوري الحارة والصادقة لشقيقه الشعب التركي وأمنياته بدوام الخير والازدهار.. ويسرني أن ألبي دعوتكم وأن أشارككم هذا الإفطار الرمضاني الكريم تعبيراً عميقاً عن كل ما يجمع بين شعبينا من جذور وروابط وعادات وتقاليد تضفي على علاقاتنا أبعاداً وجدانية سامية.
وأضاف الرئيس الأسد: إن لقاءنا اليوم في هذا الشهر الكريم شهر الخير والمحبة والتسامح يقابله طغيان العدوان والكره والانتقام في عالمنا المعاصر.. نلتقي اليوم في شهر يعبر عن تضامن الإنسان مع أخيه الإنسان بغض النظر عن انتمائه العرقي أو الديني في عالم تسوده التفرقة والتنافر بين الثقافات المختلفة، فكيف يكون الحال إذا كانت هذه الفرقة تسود بين أبناء الوطن الواحد أو الشريعة الواحدة، كما هو حال دولنا الإسلامية اليوم والتي عوضاً عن أن تكون علاقاتها مبنية على التضامن بين دولها وشعوبها عكست المسار باتجاه المزيد من التفرقة داخل حدودها الوطنية أو عبرها على أسس عرقية أو طائفية بغيضة.
وقال الرئيس الأسد: ما أحوجنا اليوم لفهم عميق لمعاني هذا الشهر الفضيل وما أحوج العالم الإسلامي لنموذج كالعلاقة السورية التركية استبدلت الخصومة بالمحبة والافتراق بالالتقاء وعملت على أن يعمّ الخير والسلام أرجاء المنطقة وحرصت في كل خطوة خطتها على أن تجمع الدول والشعوب حول مصالح ومبادئ توحدها.
وأضاف الرئيس الأسد: إن سعادتي بهذه الزيارة ولقائي معكم ومع أخي الرئيس أردوغان لا يفوقها سوى سعادتي بما حققناه خلال الأعوام القليلة الماضية من إنجازات على مستوى العلاقات العربية التركية بشكل عام والسورية التركية بشكل خاص وهذه الإنجازات بمقدار ما تشعرنا بالرضا بمقدار ما تجعلنا نسأل أنفسنا.. لماذا لم ننجح في العقود الماضية أو لماذا لم نحاول لكي ننجح في تحقيق هذه الإنجازات؟.. فهل قمنا بشيء جديد مؤخراً لكي نغير مسار الأمور أم أننا ابتكرنا شيئاً بعيداً عن طبيعة الأمور في منطقتنا فغير مسارها؟…
وقال الرئيس الأسد: في الحقيقة لا هذا ولا ذاك ما قمنا به هو أننا أعدنا الأمور الى طبيعتها وأبعدناها عن شذوذها من خلال خطوات متبادلة قام بها كل منا لا لنلتقي في منتصف الطريق بل لنقطع معا الطريق الذي رسمناه عبر تاريخنا الطويل باتجاه مستقبل مليء بالإنجازات تسوده المحبة ويسوده السلام. وتابع الرئيس الأسد: وإذا كان هذا الجواب بسيطاً جداً من حيث الشكل على الأقل فهذا لا يعني أن مضمونه كذلك، فالأخطاء التي تتراكم على مدى العقود ومع تعاقب الأجيال يصبح من الصعب رؤيتها وبالتالي تصحيحها لهذا لم يكن من السهل على أي منا أن يرى المشكلة بشكلها وبحجمها الحقيقي.. وفي مثل هذه الحالة يصبح أسهل الأشياء لوم الآخرين على ما نحن فيه وخاصة الاستعمار الأجنبي الذي يعتمد مبدأ فرق تسد للوصول الى أهدافه والذي تمكن من نسف العلاقة التاريخية بين الأتراك والعرب، والتي استمرت لقرون طويلة من التفاعل والتأثير المتبادل.. عشنا خلالها مع بعضنا البعض تجمعنا الجغرافيا والمصالح والثقافة التقاليد وكل ما من شأنه أن يربط بين أخوة في العائلة الواحدة.
وأضاف الرئيس الأسد: ولكن إذا كان لنا الحق في أن نلوم القوى الكبرى التي أسهمت في كل ذلك فهذا لا ينفي حقيقة أننا نتحمل سوية المسؤولية الأكبر في هدر الوقت والموارد وما يعنيه ذلك من ضياع في المصالح.
وقال الرئيس الأسد: أمضينا الوقت نلوم المستعمر والحقيقة أن المستعمر يقوم بدوره الطبيعي لو لم يكن هدفه أو عمله احتلال الأراضي واستلاب الحقوق والتفرقة بين الدول وبين الشعوب لما سمي استعماراً .. ولكن كان حالنا في ذلك الوقت كحال الحارة فيها مجموعة بيوت وفيها سارق وهذا السارق جوال يبحث عن باب مفتوح لكي يدخل منه الى البيوت ويسرق ما في داخلها. وأضاف الرئيس الأسد: إنه من الواجب الطبيعي لأصحاب هذه البيوت أن يقوموا أولاً بإغلاق الأبواب، وثانياً بإحكام أقفالها من خلال استخدام الأقفال.. في حالتنا المشتركة في ذلك الوقت في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بدلاً من أن نقوم بذلك لم نكتف بعدم إقفال الأبواب بل قمنا بتركها مفتوحة لهذا السارق لكي يدخل أمام أعيننا ونحن غير قادرين على فعل شيء، وعندما حصل خلاف في العائلة الواحدة بدلاً من أن نقوم نحن كأفراد عائلة بإصلاح المشكلة بين بعضنا البعض طلبنا من طرف ثالث غريب ليس له علاقة بالعائلة بالعكس هو لا يحب هذه العائلة فماذا كانت النتيجة.. إن العائلة تفككت نهائياً.
وقال الرئيس الأسد: لقد أخطأنا بحق أنفسنا عندما قبلنا أن نكون وقوداً للصراعات الدولية الكبرى فأحرقتنا مراجلها وعندما أقول إننا أعدنا الأمور الى طبيعتها فإنني أعني أننا حولنا استخدام هذا الوقود من أجل بناء منطقتنا، وهذا البناء ليس بالضرورة أن يكون عمرانياً أي البناء بمعنى الهندسة بل هو بناء القرار الوطني المستقل الذي يعني بديهياً التوافق في المصالح مع أبناء المنطقة الواحدة.
وأوضح الرئيس الأسد: القرار الوطني المستقل لا يعني أبداً أن نكون على تناقض مع الجوار أو مع الدول ما بعد الجوار وهذا يعني أنه لا علاقة في العالم يمكن أن تعوض عن العلاقة الطيبة مع الجوار دولاً وشعوباً سواء كان هذا الجوار دولة أم شعباً فلا شيء يعوض عن علاقتنا مع بعض كجيران بغض النظر عن العرق والدين وأي معيار آخر، فكيف إذا كانت هذه العلاقة ذات جذور تاريخية متينة وقوية كالتي تربط بين شعبينا العربي والتركي.. والقرار لكي يكون وطنياً لا بد من أن يعبر عن طبيعة الشعب، وعندما قمنا سوية كدولتين سورية وتركيا بذلك لم يكن هناك سوى احتمال واحد هو النجاح لسبب بسيط.. لأن تغير السياسات عبر الماضي لا يعني على الإطلاق تغير الشعوب لذلك لم يؤدِ تنافر السياسات الذي حصل في العقود الماضية الى تنافر بين الشعبين فكانت النتيجة أن السوريين والأتراك كانوا الحاضن الأساسي لتطور العلاقة على المستوى الرسمي والدافع الحقيقي لاستمرارها وتطورها وهم سيكونون المانع القوي في وجه تراجعها أو ضعفها.
وقال الرئيس الأسد: في إطار هذه العلاقة لا بد من التنويه بالمواقف التركية خلال السنوات الماضية تجاه القضايا العربية تحديداً والتي كان لها تأثير كبير على الشعب العربي بشكل عام وتركت بصمتها العميقة في مستقبل الأخوة العربية التركية فلا يمكن أن ننسى موقف البرلمان التركي عندما رفض السماح بالعدوان على العراق إنطلاقاً من الأراضي والأجواء التركية والذي عبر عن الموقف الشعبي الواضح من خلال التظاهرات الرافضة للعدوان في ذلك الوقت، ولن ننسى موقف الحكومة التركية من جريمة العدوان على غزة ومسيرة اسطنبول الكبرى المستنكرة للمجازر الجماعية التي نفذتها اسرائيل بحق الفلسطينيين، وفي المقابل فإن الشعب العربي بادل هذه المواقف المشرفة بالتقدير والعرفان والذي ستظهر نتائجه الملموسة في المدى القريب.
وأضاف الرئيس الأسد: وفي هذا الإطار أريد أن أنوه بالموقف المشرف لأخي رئيس الوزراء أردوغان في مؤتمر دافوس.. هذا الموقف بالنسبة لنا.. وأعتقد بالنسبة لأي إنسان عاقل ويحترم نفسه في هذا العالم.. يعبر عن احترام للذات وعن احترام للوطن والشعب.. والدولة التي تحترم نفسها.. دولة تكتسب مصداقية والدولة التي تكتسب مصداقية تصبح دولة فاعلة.. لا يمكن أن تأتي الفاعلية وقوة الدولة من خلال المساحة أو من خلال عدد السكان أو من خلال القوة العسكرية أو الاقتصادية أو غيرها.. تأتي أولاً من خلال الرؤية ومن خلال احترام الذات واكتساب المصداقية ونحن اليوم بحاجة لكثير من هذه المواقف المشرفة الواضحة.. الصادقة .. العادلة.. السبب بسيط وهو أن السياسة الدولية اليوم تسودها حالة من النفاق والرياء وازدواج المعايير.
وقال الرئيس الأسد: في هذه التربة الخصبة نمت العلاقة السياسية بيننا وفي هذه البيئة الصحية تكونت الثقة بين المسؤولين في الدولتين وبشكل خاص بيني وبين الرئيس غل والرئيس أردوغان ومن هذه الثقة انطلقنا للعمل سوية من أجل استقرار المنطقة ولم يكن لدينا أدنى شك بأن جوهر هذا الاستقرار والمدخل اليه هو تحقيق السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط وترجمنا هذا العمل المشترك من خلال المفاوضات غير المباشرة بين سورية وإسرائيل في اسطنبول، والتي استمرت لثمانية أشهر سبقها تنسيق وتحضير مشترك لأكثر من ثلاثة عشر شهراً بيني وبين الرئيس أردوغان مباشرة من خلال اللقاءات ومن خلال الاتصالات الهاتفية أو من خلال المبعوثين.
وتابع الرئيس الأسد: أثبتت سورية خلال تلك المفاوضات مرة أخرى- أقول مرة أخرى لأنه كانت هناك مفاوضات في التسعينيات- حرصها على تحقيق السلام من خلال المشاركة الجدية في هذه المفاوضات، كما أثبت الوسيط التركي والذي يقوم بهذا الدور لأول مرة بأنه وسيط عادل وموضوعي لعب دوره بمهارة تامة.. أما إسرائيل فقد أكدت مرة أخرى رفضها للسلام من خلال تمسكها بموقعها الذي وقفت فيه دائماً وهو العمل على نسف أي مبادرة لتحقيق السلام ومقابلة أي مبادرة من هذا القبيل بحروب جديدة ومجازر رهيبة وهذا ما حصل.
في عام 2002 بعد المبادرة العربية للسلام قامت إسرائيل بارتكاب مجازر في جنين وفي الضفة الغربية وقامت بالعدوان على لبنان في عام 2006 وبدأت بالعدوان على غزة بعد أربعة أيام من آخر حديث على الهاتف بيني وبين الرئيس أردوغان والذي استمر حتى منتصف الليل وكان في ذلك الوقت رئيس الوزراء الإسرائيلي موجوداً في تركيا وكنا نأمل بأن الوقت قد حان لإتمام شيء أساسي في المفاوضات غير المباشرة ففوجئنا بأن الرد الإسرائيلي كان هو الهجوم على غزة وارتكاب المجازر التي تعرفون عنها، كما نعرف نحن عنها، ولكن غياب الشريك الإسرائيلي لن يغير نظرتنا للسلام ولن يجعلنا نتباطأ في العمل على تحقيقه وهذا يكون من خلال مواصلة الحوار لوضع التصورات المختلفة التي يمكن أن تتحول الى خطة عمل وعندما يتواجد الشريك من الجانب الاسرائيلي يمكن الانطلاق بسرعة وإنجاز اتفاق يجعل من السلام حقيقة واقعة بدلاً من أن يكون وهماً أو غطاءً لحروب ومجازر بحق الأبرياء، ولكن علينا أن نكون واقعيين وألا نغرق بالإحلام الجميلة لأن الواقع ليس كذلك فنحن لا نتحدث هنا عن شريك موجود أو كان موجوداً وغاب مؤخراً وننتظر عودته.. نحن نتحدث عن شريك وهمي لم يوجد منذ وجد الصراع العربي الاسرائيلي والأمل في وجوده بدأ يتضاءل بشكل خاص مع ازدياد التطرف الاسرائيلي بعد عدوان 1967 والذي يزداد يوماً بعد يوم على مستوى الحكومات وعلى مستوى الشارع.
وأضاف الرئيس الأسد: هذا الكلام ليس استنتاجاً سورياً.. لا نقوله لأن سورية لديها أراضٍ محتلة من قبل اسرائيل.. هذا الكلام تستطيعون أن تطّلعوا عليه وعلى مضمونه من خلال استطلاعات الرأي التي تجري في اسرائيل من وقت لآخر وأن آخر استطلاع كان يدل على أن أكثر من ستين في المئة لا يؤمنون أو لا يقبلون بعودة الأراضي المحتلة بشكل عام وخاصة الجولان.. كلنا يعلم بأن عملية السلام قامت على أساس الأرض مقابل السلام.. يعني لا توجد أرض مقابل أرض ولا يوجد سلام مقابل سلام ..يوجد أرض مقابل سلام فمن يرفض الأرض يرفض السلام ..بنفس الوقت اسحاق شامير رئيس الوزراء الإسرائيلي، قال في عام 1991 عندما بدأت مفاوضات السلام في مدريد.. سأجعل هذه المفاوضات تستمر عشر سنوات واليوم نحن بعد ثمانية عشر عاماً من بدء عملية السلام لم يتحقق شيء والأمور أسوأ من قبل بدء عملية السلام فعندما نتحدث عن التطرف الذي نراه في اسرائيل هو ليس استنتاجاً سورياً، هو حقيقة يجب أن نتعامل معها إن أردنا أن نصل الى السلام بعيداً عن العواطف والدبلوماسية الرومانسية والطرح الأخير حول يهودية الدولة يصب في هذا الاتجاه، فهذه الدولة لن تقبل فيها مسيحياً أو مسلماً وستكون دولة من لون واحد ذات طابع عنصري، وهذا مناقض تماماً للنسيج الاجتماعي لمنطقتنا الغني بتنوعه الديني والثقافي والعرقي، وهذا ما يفسر الردود العنيفة والحربية من قبل اسرائيل على المبادرات السلمية المختلفة لأن السلام يفترض الاندماج مع الآخر وهذا يناقض التوجه الاسرائيلي.
وعملية تهويد القدس الممنهجة وطرد سكانها الفلسطينيين هي البداية الفعلية من أجل الوصول للدولة اليهودية المنشودة وما يحصل في غزة أو ما حصل في غزة وما يحصل اليوم وما حصل قبل الحرب من خلال الحصار وتجويع الشعب الفلسطيني أيضاً يدخل في نفس الإطار لأن المطلوب أن يصل الشعب الفلسطيني الى حالة من اليأس، وبالتالي يقوم بهجرة طوعية وتتحقق هذه الأمنية الاسرائيلية.
وتابع الرئيس الأسد: من تحليل هذه الحقائق نستنتج أن هذا الشريك لن يوجد بشكل طوعي لأن طبيعته منافية للسلام ورافضة له بل سيوجد عندما تمارس عليه الضغوط التي تجعله يفهم أن اللون الواحد لا يمكنه العيش في الشرق الأوسط المتنوع وأن السلام ثمنه الوحيد هو عودة الحقوق كاملة وأن القوة مهما كبرت فهي غير قادرة على اقتلاع الشعوب أو العقائد. صحيح هي قادرة على التخريب وإلحاق الأذى، لكنها أيضاً قادرة وبسهولة على الارتداد على أصحابها.
وقال الرئيس الأسد: في إطار الحديث عن عملية السلام أود أن أؤكد من على هذا المنبر وفي اسطنبول بأننا نتمسك بقوة بالدور التركي وبالوساطة التركية من أجل المفاوضات المباشرة، وهناك سؤال يتكرر حول مغزى هذا الدور ومغزى هذه المفاوضات سواء في تركيا أم الدول العربية أم في أي مكان من العالم.. أولاً الدور التركي في هذه الوساطة نتمسك به لعدة أسباب أولاً الثقة التي تكونت بين الدولتين وبين المسؤولين في البلدين والثقة في مفاوضات السلام مهمة جداً ..من المهم جداً أن تكون هناك ثقة بالراعي أو بالوسيط.. لا يمكن أن يكون هناك مفاوضات سلام من دون وجود هذه الثقة ..النقطة الثانية هي نجاح الوسيط التركي في وقت فشلت أغلب الوساطات والرعايات منذ بدء عملية السلام وحتى الآن.. النقطة الثالثة هي أهمية هذه المرحلة أي المفاوضات غير المباشرة كأساس للمفاوضات المباشرة إن نجحنا في هذه المرحلة ونجح الدور التركي فسيكون من الممكن الانتقال الى المفاوضات المباشرة، وبالتالي نجاح الرعاة الدوليين وطبعاً تركيا ستكون أيضاً موجودة بشكل أساسي في مرحلة المفاوضات المباشرة.
استقبلت ايران رجب طيب أردوغان بحفاوة بالغة. لم تشترط عليه أن تخلع بلاده قبعة الحلف الأطلسي. ولا قطع علاقاتها بـ «الورم السرطاني» الذي يجب استئصاله. ولا الاستقالة من علاقتها الوثيقة مع «الشيطان الأكبر».
قبل الزيارة كان أردوغان بعث برسائل ذات مغزى. الغاء المشاركة الإسرائيلية في مناورات جوية واقفال الأجواء التركية أمام المقاتلات الإسرائيلية. تأييده حق ايران في التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية وانتقاده الموقف الغربي «المنحاز» في هذا الملف. اعتباره أي عمل عسكري ضد ايران «ضرباً من الجنون».
استقبلت ايران الزائر بحفاوة بالغة. لا يخفى عليها أن تركيا هي المنافس الأكبر في الاقليم. وأن القاموس التركي القائم على مفردات المصالح والاستقرار والازدهار أكثر جاذبية من القاموس الايراني القائم على الاقتحام والمواجهة والممانعة. أكثر جاذبية في الاقليم وخارجه. وأكثر احتراماً للحدود بين الدول وحقها في الاختلاف. وأنه يقوم على تغيير الصورة بالاقناع والأرقام لا بالصواريخ والاتهام.
تدرك ايران أيضاً أن أردوغان كان عراب المفاوضات غير المباشرة بين سورية واسرائيل. وأن الحدود التركية – السورية تحولت فرصة تعاون وتبادل بعدما كانت مزروعة بالحساسيات والألغام. وأن العلاقات السورية – التركية صارت نموذجاً يثير الغيرة في الاقليم.
على رغم كل ما تقدم احتفت ايران بأردوغان الوافد من جذور اسلامية والمقيم ببراعة في مؤسسات دولة علمانية. وفي الاحتفاء رنين واقعية ومصالح وتبادلات تجارية وأنابيب غاز كي لا يلسع البرد أوروبا إذا غضب سيد الكرملين عليها.
يبقى الأهم ما قاله محمود أحمدي نجاد الرئيس السابق لبلدية طهران لضيفه الرئيس السابق لبلدية اسطنبول. قال إن تركيا وايران تستطيعان صوغ «نظام اقليمي جديد»، معتبراً أن تعاونهما «يقلل حجم الفراغ (في المنطقة) ويضع حداً لمخططات الأعداء» في الخارج. وبديهي أن يخطر ببال القارئ أن أميركا تستعد لمغادرة العراق وتغرق حالياً في حرب بلا أمل في أفغانستان. وأن باكستان تزداد انزلاقاً نحو هاوية العنف ما يثير المخاوف حول ترسانتها ومخاطر تفككها أو تقلص السلطة المركزية فيها.
تعرض ايران على تركيا التعاون لملء الفراغ. لا يمكن فصل مصير هذا الطموح عن مستقبل الملف النووي الايراني والاشتباك حوله بين ايران والغرب وبينها وبين اسرائيل. لكن اللافت أن مستقبل الاقليم يطرح على الطاولة الإيرانية – التركية في غياب غالبية أهل الاقليم، أي العرب، وانقسامهم حول قضاياهم والقضايا المطروحة في المنطقة.
ماذا يستطيع العرب أن يفعلوا في مواجهة الفراغ والدعوات الى نظام اقليمي جديد؟ أول ما يتبادر الى الذهن هو المسارعة الى تزخيم مناخ المصالحة العربية الذي أطلقه الملك عبدالله بن عبدالعزيز. ثم البناء على القمة السعودية – السورية التي عقدت في دمشق واعتبارها محطة لاعادة العلاقات الطبيعية داخل المثلث المصري – السعودي – السوري.
يستطيع العرب الافادة أيضاً من موقع سورية وعلاقتها بكل من ايران وتركيا. من دون سورية تخسر ايران موقعها على المتوسط وعلى خط التماس مع اسرائيل عبر جنوب لبنان. وهذه الخسارة تمس ثقلها في الاقليم. ومن دون سورية تخسر تركيا بوابتها الى قلب العالم العربي. وهذه الخسارة تمس ثقلها في الاقليم.
هذا الموقع يعطي سورية قدرة وفرصة. قدرة على الاسهام في بلورة مناخ عربي يضمن مشاركة العرب في صوغ النظام الاقليمي الجديد. وفرصة للقيام بدور اقليمي تقترب مرتكزاته من القاموس التركي أكثر من القاموس الايراني.
وهذا يعني عملياً المساهمة في التعجيل في قيام الحكومة في لبنان. وإعادة إحياء جهود المصالحة الفلسطينية. والمشاركة مع العرب في بلورة تصور موحّد يحفظ وحدة العراق وعروبته. ومن شأن ذلك أن يؤدي الى «صفر من المشاكل» بين العرب، على الأقل في المسائل الكبرى المطروحة.
ان دمشق القادرة على التحدث الى طهران واسطنبول قادرة على أداء دور بارز في هذه المرحلة إذا تسلحت بعودة الدفء الى العلاقات داخل المثلث العربي الضامن.
طهران واسطنبول ودمشق
غسان شربل : الحياة 29/10/2009
دنيا الوطن 4/11/2009
شكل عزة الدوري زعيم حزب البعث المحظور في العراق جبهة سياسية مسلحة تضم خمسين فصيلاً مقاومًا لتحقيق النصر والتحرير الشامل للعراق، مقررًا عدم مفاوضة الأميركيين حتى يقرروا الرحيل النهائي عن العراق، مشيرًا ايضًا الى انه سيتم بعد ذلك تشكيل مجلس وطني يتولى تشكيل حكومة انتقالية تصرف امور البلاد. ووصف الدوري المجهول مكان تواجده والمطلوب من الأميركيين اليوم بأنه يوم تاريخي عظيم، وأشار إلى أنّ المقاومين هم الآن “على مشارف الحسم النهائي والنصر المؤزر المبين”.
لندن: أعلن زعيم حزب البعث المحظور في العراق عزة الدوري تشكيل جبهة سياسية مسلحة اطلق عليها “جبهة الجهاد والتحرير والخلاص الوطني” قال انها تضم خمسين فصيلًا مقاومًا لحشد طاقات الشعب لأنجاز مرحلة الحسم الكامل وتحقيق النصر والتحرير الشامل للعراق، وأكد عدم التفاوض مع الاميركيين حتى يقرروا الانسحاب الكامل من البلاد، ويعيدوه الى اهله الشرعيين. واشار الى انه سيتم بعد ذلك تشكيل مجلس وطني يتولى تشكيل حكومة انتقالية تصرف امور البلد وتعيد الخدمات الضرورية وتهيئ لإنتخابات عامة لأقامة نظام ديمقراطي تعددي .ىويأتي الاعلان عن هذه الجبهة في وقت تصعد الحكومة العراقية من اتهاماتها لحزب البعث المحظور بالتعاون مع تنظيم القاعدة وتدبير التفجيرات الدامية التي شهدتها بغداد مؤخرا .
وقال الدوري الذي كان يشغل منصب نائب الامين العام للحزب الرئيس السابق صدام حسين ويقود جناحًا بعثيًا منفصلاً عن الجناح الذي يقوده محمد يونس الاحمد المقيم في سوريا في بيان حماسي طويل اليوم موجه الى العراقيين ” يامن حطمتم هذه الموجة الشريرة الهوجاء وحققتم أعظم الانتصارات التاريخية للأمة والإنسانية عبر أكثر من ست سنوات ونصف من الصراع الدامي الملحمي البطولي المصيري مع أقوى وأوسع وأعتى غزو شهدته الأمة على امتداد تأريخها الطويل المجيد انتظمت فيه كل قوى الشر والرذيلة في الأرض بحمل حقد الأولين والآخرين على شعب العراق العظيم شعب الحضارات الإنسانية وأمته المجيدة ورسالتها الخالدة” .
واضاف ان الشعب العراقي قدم “وقواه الثائرة المؤمنة المجاهدة لهذا الانجاز التأريخي أوسع التضحيات وأغلاها حتى انفرط حلفهم الشرير وتفرق جمعهم وولوا على أعقابهم مدبرين يلعنهم الله وملائكته والناس أجمعين وهم يلعنون حظهم ويلعنون كل من سول وزين لهم ارتكاب هذه الجريمة الكبرى بحق شعب العراق الإنساني الحضاري المجيد حتى بدأت اليوم شعوب دول العدوان تتحفز إلى محاكمة حكامها وقادتها الذين ورطوا شعوبهم وقتلوا أبناءهم وبذروا أموالهم ومسخوا تاريخهم وحضارتهم”. وقال إنّ القوات الاميركية تجبر الآن على الهروب أمام ضربات المقاومة “إلى قواعد محصنة تظن أنها ستحميها ثم تقرر الانسحاب بوجهها الأسود إلى غير رجعة خوفًا مما سيترتب على بقائها على أرضكم العراق من نتائج وخيمة على مستقبل وجودها كقوة كونية عظمى فينهار بنيانها من الأساس”.
ووصف الدوري المطلوب للقوات العراقية والاميركية ولا يعرف مكان تواجده حاليًا فيما اذا كان داخل العراق او خارجه اعلان الجبهة بأنه “يوم تاريخي عظيم” .. واضاف “نزف اليكم بشرى قيام جبهة الجهاد والتحرير والخلاص الوطني ينتظم تحت لوائها اكثر من خمسين فصيلًا من فصائل مقاومتكم الباسلة وذلك لتحشيد كل طاقات الشعب والامة المادية والمعنوية لأنجاز مرحلة الحسم الكامل وتحقيق النصر المؤزر والتحرير الشامل والعميق لوطننا العزيز” . واشار الى ان المقاومين هم الان “على مشارف الحسم النهائي والنصر المؤزر المبين” الذي يتطلب مزيدًا من التوحد والتوحيد والتآلف والتوافق والتنسيق. ودعا إلى “الوحدة الشاملة والتوحد الكامل على ثوابت الجهاد والتحرير والاستقلال واعادة بناء العراق بما يليق به وبما يستحق ليعود طليعة المسيرة الكبرى للأمة نحو عزها ومجدها ورفعتها وذلك من اجل التحشيد الشامل لكل طاقات الشعب والأمة في معركة الحسم والنصر والتحرير والاستقلال”.
وأوضح أن اعلان هذه الجبهة يأتي بعد “حوار واسع ومعمق بين فصائل المقاومة وجبهاتها ولأكثر من عام” حيث تمخض عن قيام (جبهة الجهاد والتحرير والخلاص الوطني) من جبهتي الجهاد والتحرير والجهاد والخلاص الوطني لتشكل انطلاقة اوسع واقوى نحو التوحيد الشامل للمقاومة”. وقال “لقد قامت هذه الجبهة المباركة على قواعد وثوابت التحرير والاستقلال المعلنة من قبل كل فصائل المقاومة وعلى رأس تلك الثوابت دوام المقاومة وتوسيعها وتصعيد اداتها حتى التحرير الشامل والعميق للوطن مهما طال الزمن وغلت التضحيات”.
واشار الى ان الثوابت التي قامت عليها الجبهة لمرحلة التحرير وما بعده هي: لمرحلة التحرير… دوام الجهاد الشامل وفي كل الميادين وفي المقدمة المقاومة المسلحة حتى التحرير الشامل والعميق لبلدنا من كل انواع الاحتلال وأشكاله… وأن المقاومة العراقية بكل أشكالها وألوانها المسلحة وغير المسلحة هي الممثل الشرعي الوحيد للعراق وشعبه وبما ان الاحتلال باطل في كل القوانين والمواثيق الدولية الوضعية وفي كل الشرائع السماوية فكل ما احدثه في بلدنا فهو باطل ومرفوض رفضًا قاطعًا وبشكل خاص عمليته السياسية المخابراتية وما ترتب عليها وما سيترتب عليها مستقبلًاً.
وشدد على أنه لا تفاوض مع الاميركيين المحتلين حتى يقرروا الانسحاب الشامل والكامل من العراق ويعيدوه الى اهله الشرعيين وهم المقاومة. وقال إن الجبهة تؤمن بالعراق العربي الاسلامي الواحد الموحد ارضًا وشعبًا وتاريخًا وحضارة كما تؤمن وتلتزم بحق العراق الكامل بالتعويض عما لحق به من اضرار مادية ومعنوية بـ “سبب الاحتلال ومن جرائه وخاصة بعد اعتراف الغزاة بخطئهم وجريمتهم في غزو العراق وعلى لسان قائد الحملة المجرم بوش رئيس الولايات المتحدة الاميركية السابق”… كما تعمل الجبهة “على اعادة الجيش وقوى الامن الوطني ومؤسسات الدولة الحيوية التي قام الاحتلال بحلها وتعويض الجميع عما لحق بهم من اضرار مادية ومعنوية بسبب الاحتلال ومن جرائه” .. واشار الى ان الجبهة مفتوحة لكل الفصائل للإنظمام اليها او التوحد معها او التنسيق معها في المسائل الحيوية سواء في ميدان الصراع المسلح او في الميادين الاعلامية والسياسية والامنية .
وعن ثوابت الجبهة لما “بعد التحرير” فقد اكد الدوري التزام الجبهة “بالنهج الديمقراطي الشعبي الحر القائم على اساس مبادئ العروبة وقيمها ومثلها التي اتمها لها نبيها ورسولها ومثلها الاعلى حبيبنا وسيدنا محمد”… وان القرآن الكريم هو المصدر الاساسي الأول من مصادر التشريع ثم سنة النبي محمد ثم سنة الخلفاء الراشدين ثم من تجارب الامة وتراثها الحضاري العريق. وأضاف أنه “بعد انسحاب الغزاة او هروبهم يتم وبالتنسيق مع كل فصائل المقاومة خارج الجبهة وقوى الرفض داخل العراق وخارجه بتشكيل مجلس وطني او مجلس شورى من قوى المقاومة والرفض التي انجزت التحرير والاستقلال ليتولى هذا المجلس تشكيل حكومة وطنية انتقالية تصرف امور البلد وتعيد الخدمات الضرورية والحيوية للشعب وتهيئ لإنتخابات عامة تأسيسيه لأقامة النظام الوطني الديمقراطي التعددي على ان يحدد اعضاء المجلس ومهامه التفصيلية وصلاحياته وصيغة تشكيل الحكومة وصلاحياتها ومهامها التفصيلية لاحقًا.
وياتي تشكيل هذه الجبهة التي لم يفصح الدوري عن اسماء الخمسين فصيلاً التي قال إنها تنضوي تحت لوائها في وقت يشن فيه رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي هجومًا شديدًا على حزب البعث ويتهمه بتدبير الانفجارات الاخيرة في بغداد التي أدت الى مصرع واصابة حوالى الف و500 عراقي ويقول ان سوريا تأوي قياديين بعثيين بتدبريها. والاحمد الذي يقود جناح البعث المؤيد في سوريا على خلاف مع الجناح الاخر الذي يقوده الدوري. ويجري المبعوث الاممي الى العراق اوسكار فرنانديز تارانكو حاليًا مباحثات في المسؤولين العراقيين للتحقيق في تلك الانفجار وامكانية ارسال فريق تحقيق دولي لتحديد المسؤولية عنها والاستجابة لطلب الحكومة العراقية بتشكيل محكمة دولية للنظر في ذلك