كتب رائق النقري :
لم تعاني أمة من التخبط بالشعارات المرفوعه والهوس تعصبا لفشلها وإفشالها لها أكثر من أمتنا في العصر الحديث
ومن ذلك فالأمة العربية وهي الأكثر تجانسا وقدما ورسوخا ووحدة في العالم اجمع كان يتم نفيها من قبل جماعة علم علوم الإستبداد بوصفها أمة في طريق التشكل ..!!
ومن ذلك أيضا من رفع شعار الثورة الحمراء مزوادة على الإشتراكية السوفيتيه
ورغع شعار المستبد العادل مزاودة لتبرير العنف والأحادية
ورفع شعار الإنتخاب التمثيلي لتكريس الفئويات العنصرية الموروثة والمفبركة
ورفع شعار التوافقية الطائفية او الأقوامية لنفي ضرورات البداهة الكونية الملزمة منطقيا
ورف شعار الأصالة والسلفية لتبرير الحمود
ورفع شعار لاصوت يعلو على صوت المعركة لصرف الأنظار عن معارك التسلط
ومن ذلك أيضا من رفع شعار التكفير والهجرة مزوادة على الحركات الإسلامية الوسطية
ورفع شعار الإسلام هو الحل للعودةإلى مصالح طقوس ماقبل الدولة أوالشرطة الدينية وتأجيج إشكلات لاتغني مع الداخل والخارج وتكريس هوية جوهرانية طائفية ضد الحيوية الإسلامية
ورفع شعار العروبة الخالدة لتهميش واستعداء من هم ليسوا عربا في الداخل والمحيط
ورفع شعار التضامن العربي لتضامن الأنظمة ضد شعوبها
ورفع شعار حراسة البوابة الشرقية لخدمة بوابات التوكيل الغربي وتحطيم المشرق العربي
ورفع شعار السلام مع الإحتلال لتبرير وتأجيج الحووب الداخلية
ورفع شعار معسكر الإيمان وخدمة المقدسات لتوظيفه في خدمة من يلعب بالأسلامين لعبة الدمى الكرتونية
ورفع شعار أسلمة العلوم لتفريع العلم من معياره التجريبي النقدي ليتحول إلى علم تعاويذ من شيطان العلم الأكبر..
الخ .. الخ
وكلنا يذكر عقم الصراع بين الناصريين والبعثيين على ترتيب اولوية شعاراتهم المشتركة كان يستهلك قدرات اكثر ممايبذل لتحقيقها
ولهذا يمكننا القول بكون المنطق الحيوي لم يتم الكشف عنه عبر مخاضات مدرسة دمشق منذ عام 1967 ليكون ترفا نظريا
بل أن المنطق الحيوي تم كشفه من أجل استخدام معيار الشكل الحيوي لتعريف وتحوي حياتنا السياسية بشكل نخرج فيه من العمى النظري الذي خلفه عصر منطق الشكل الجوهراني في كل مناحي حياتنا وبناءا على منطق حيوي رياضي لقياس المصالح المعروضة او المطلوبة .. ومنها المصالح الإجتماعية والثقافية والإقتصادية والسياسية .. والتي يمكن جعل اي شعار مرفوع أن يصبح حيويا بمجرد قرنه يمفهو الشكل .. بمافي ذلك الحرب والسلم والعنف والمرون والثورة والإصلاح
وأهمية المنطق الحيوي تزداد وضوحا في أيامنا على مستوى محلي واقليمي وعالمي للخروج من العمى السياسي الذي جعل جعل أصحاب الشعارات المورثة من عصلر االشكل الجوهراني العنصري تصبح شعارت غصر قد خلا ومجتمعات خلت .. وفي العالم أجمع .. حيث سقط الإستبداد الماركسي مع سقوط جدار برلين ويسقط حاليا إلإستغلال الرأسمالي مع إنهيار ول ستريت وفي العالم العربي العربي على سبيل المثال فإن تحويات الشعارات القومية والإسلامية والماركسية لاتنحر مصالح بعضها بعضا فقط بل تنحر صلاحيتها نفسها بنفسها أيضا وماجرى لماركسي عدن وقومي ليبيا والعراق ومصر واضح
والأزمة والعمى والتخبط مايزال يطوف في مختلف اعلامنا وثقافتنا .. ففي ظل فشل أنظمة المصالح الأحادية للشكل الجوهراني العروبي والديني واللاديني برز من جديد شعار الحرية والديموقراطية بوصفه السحر الحلال ..حتى ولو كان عن طريق الإحتلال .. نكاية واعترافا بالعجز.. إن لم يكن عن طريق السعار الطائفي اللبناني.. الطائفية فلم يعد لها أي ذكر وتحول معظمهم الى الحرية بالمعنى اللبيرالي الراسمالي البحت رغم كونه وعلى مرأى العالم يعلن افلاسه وإن كان يشكل مرواغ أحيانا تحت شعارات اقتصاد المجتمع المدني او أقتصاد السوق الإجتماعي أو اقتصاد المعرفة التودد العلني لكل لصوص الفساد المحلي والعالمي للقدوم بمشاريع تبييض اموال .. مع المراهنة على عودة الرأسمالية من غرفة الإنعاش على حساب فقراء وثروات الأمم في العالم الثالث
ولذلك , لن يكون حال الوحدة والأحزاب والتيارات الوحدوية أحسن حالا ..سواء أكانت عروبية او اسلامية فقد نحرت نفسه بشعارات ت حزبنا أو قطرنا أولا بعد أن كانت ترفع شعار الأقليم القاعدة..حتى أصبحت كل منطقة قادرة على استنساخ قاعدة طالبان لتكريس فشل دولها ..
ومن هنا , لم يبق غير مجال التنافس في تفتيت الدول الكرتونية لتصبح محطات أفلام كرتون ذات وظيفة سياحية تستعيض عن التقدم الصناعي بالتحول الى مجرد شواطئ سياحية ..وممرقوافل لأخذ الصور عند أثر حجرية لو نطقت لأنفجرت غضبا لما تراه من هوان واقع احفاد من خلفها بالمقرنة مع حاضرهم وعالمهم ..
ماهو الحل إذن؟
هل يكفي القول بالحيوية ؟ وقرتءة كتب نظرية كعبة المصالح المشتركة للبداهة الكونية ؟
الإجابة هي النفي بل بتطوير ميزان قوى اجتماعي حيوي يجعل مضامين شعاراتنا اكثر وضوحا وقابلية للمعاييرة وفق معاير كعبة المصالح المشتركة للبداهة الكونية
- لنحي كعبة التوحيد بقرينة التنوع
- ولنطوف كعبة العدل بقرينة عدم ازدواج المعايير
- ولنتحوى كعبة التجديد بقرينة الإبداع
- لنعمير كعبة الإحتواء يقرينة الشفافية النقدية
- ولنقتبل كعبة المستقبل بقرينة المعاصرة
- ولنوظف كعبة المصالح بقرينة العولمة الحيوية
وبعد ذلك بأي شعار وتحت اي مسمى يمكننا مقاربة المجتمع الحيوي .. مجتمع المستقبل ..مجتمع إرادة الحياة الحرية
ولذلك :
الحيوية ليست مجرد شعار .. ؟
وليس المنطق الحيوي مجرد نظرية !
الحيوية هي البداهة الكونية للمصالح المشتركة الملزمة عمليا تحت طائلة الإنتحار الجماعي كقرابين لأصنام الشكل الجوهراني
Filed under: البديل الحيوي
هل هناك أزمة في الممارسة الديمقراطية على مستوى العالم؟ يبدو أن الإجابة على هذا السؤال بنعم! ذلك أننا لو ألقينا نظرة مقارنة على الدول المتقدمة التي تتصدر المشهد الديمقراطي العالمي، وعلى الدول النامية المتخلفة في المقياس الديمقراطي، لوصلنا إلى هذه النتيجة التي تبدو غريبة لأول وهلة! وقد تنتفي الغرابة لو انطلقنا من مبدأ منهجي مهم، هو أنه دائماً -في مجال الإيديولوجيات السياسية- ما تحدث فجوة بين النظرية والتطبيق، وذلك لأن النظرية -أياً كانت توجهاتها- عادة ما تنبع من الفكر الخالص الذي يحدد المقدمات النظرية ليصل إلى النتائج العملية، بدون أن يلقي بالا بالضرورة للسياق التاريخي، أو للبناء الاجتماعي، أو للظروف الثقافية السائدة.
وينطبق ذلك على نظرية الديمقراطية في المقام الأول، فهذه النظرية لها جذور تاريخية ترتد إلى الفكر اليوناني القديم، وإلى ديمقراطية أثينا التي كانت تجربة فذة في ممارسة الديمقراطية المباشرة. غير أن نظرية الديمقراطية تطورت عبر القرون وتعددت أشكالها وتنوعت ممارساتها. بحكم اختلاف أنماط المجتمعات التي طبقت فيها من ناحية، وبسبب نوعية السياقات التاريخية. ولو رجعنا إلى تاريخ القرن العشرين لاكتشفنا في هذا المجال وقائع مهمة تثبت أن الفجوة بين النظرية والتطبيق قد تكون عميقة حقاً. خذ على سبيل المثال الانتخابات الديمقراطية التي صعدت بـ”أدولف هتلر” إلى السلطة. وكيف أنه في فترة وجيزة قلب النظام الديمقراطي الألماني، ليصبح أسوأ نموذج للحكم الديكتاتوري، الذي يقوم على القمع السياسي والبطش بالناس.
وإذا تأملنا هذه الواقعة التاريخية، نتوصل إلى فكرة أساسية مفادها أن الديمقراطية ليست مجرد إجراءات تنحصر في تنظيم الانتخابات الدورية النزيهة، والتي تترتب عليها عادة أن الحزب السياسي الذي يحصل على الأغلبية من حقه أن يشكل الحكومة. ولكن الديمقراطية أيضاً نسق من القيم. يقوم على أساس سيادة القانون، واحترام الشرعية، والاعتراف بالآخر. وهكذا إذا كان هتلر قد نجح في ظل انتخابات ديمقراطية نزيهة إلا أن المشكلة -كما ظهرت في الممارسة- هي أنه لم يكن يؤمن بقيم الديمقراطية ولا بفضيلة تداول السلطة، ولذلك انقلب على النظام وحوله إلى ديكتاتورية بشعة.
وهناك مثل آخر بالغ الأهمية، ويتعلق بالنظام السياسي الفرنسي. وذلك لأن هذا النظام بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 اتسم بحدة الصراع السياسي بين الأحزاب الفرنسية المتعددة، واحتدام شهوة الرغبة في الوصول إلى السلطة بأي ثمن، والتمتع بامتيازاتها الوفيرة، ما أدى إلى تساقط الوزارات. فكانت تشكل وزارة ما وبعد شهرين أو ثلاثة تسقط، نتيجة الصراعات السياسية وتشكل وزارة جديدة، وتبقى فترة قصيرة ثم تسقط. وقد أطلق علماء السياسة على هذه الظاهرة وأمثالها أمراض الديمقراطية!
ويبدو أن هذه الأمراض لم يشف منها النظام السياسي الفرنسي إلا بجراحة عميقة أجراها له الجنرال “ديجول” بطل تحرير فرنسا بكل ثقله التاريخي، لأنه حول النظام إلى نظام رئاسي، ويتضمن سلطات ضخمة لرئيس الجمهورية. وقد أتاح ذلك للنظام السياسي الفرنسي الجديد استقراراً سياسياً نادراً في عالم اليوم، مما سمح لعملية تداول السلطة وفق نتائج الانتخابات الرئاسية أن تتم بصورة حضارية غير مسبوقة.
وقد يقول قائل إن ما سقناه عن هتلر وديجول يمثل نموذجين تاريخيين فات أوانهما. ويبقى السؤال: ماذا عن المشهد الديمقراطي الراهن وخصوصاً في الدول المتقدمة في المقياس الديمقراطي؟ سنناقش مثلين: الأول من الولايات المتحدة في إدارة “جورج بوش”، التي استمرت ثماني سنوات كاملة، والثاني من فرنسا بعد نجاح “ساركوزي” في الانتخابات لكي يصبح رئيساً للجمهورية الفرنسية.
إن تجربة “بوش” كرئيس للولايات المتحدة شابها الالتباس منذ بداياتها، وذلك لأنه حدثت ارتباكات لا حدود لها في عملية عد الأصوات، إلى درجة تكاد تقترب من الحكم بأنها كانت انتخابات مزورة، تدخلت فيها عوامل شتى لتفقدها موضوعيتها. ومعنى ذلك أن الديمقراطية الأميركية ظهر أن بها شوائب من عند المنبع، ونعني منذ مراحل الترشيح الأولى حتى مرحلة عد الأصوات. ولاشك أن عملية تمويل المرشحين لمنصب رئاسة الجمهورية، والتي تصل إلى مئات الملايين من الدولارات، من شأنها في حد ذاتها أن تشكك في موضوع تكافؤ الفرص بين المرشحين من ناحية، والتساؤل من ناحية أخرى عن مصالح الممولين من كبار رجال الأعمال ومديري الشركات في هذا التمويل. غير أن “المحافظين الجدد” الذين كونوا إدارة جورج بوش الأولى والثانية، دفعوه دفعاً لكي يختطف النظام السياسي الأميركي بكامله، ويعطي نفسه -على عكس الدستور- الحق في شن الحرب بعد عملية إخضاع منظمة لأعضاء الكونجرس وذلك بعد أحداث 11/9.
استفاد “بوش” بتشجيع من “المحافظين الجدد” من جو الرعب الذي ساد المجتمع الأميركي بعد الأحداث الإرهابية الشهيرة، وأعلن حربه والتي كان شعارها “من ليس معنا فهو ضدنا”. وكانت أول خطوة خاطئة اتخذها هي شن الحرب على أفغانستان وغزوها عسكرياً. وهكذا أوقع “بوش” -بدون أن يدرس- الولايات المتحدة في المستنقع الأفغاني. ولم يأخذ لا هو ولا جنرالاته الدرس من الهزيمة العسكرية الأميركية القاسية في حرب فيتنام. وقد أورث “بوش” الرئيس “أوباما” كارثة أفغانستان، مما اضطره إلى أن يزيد عدد القوات العسكرية الأميركية هناك، أملا في نصر حاسم يسمح له بالانسحاب بدون أن يفقد ماء وجهه!
ولم يكتف “بوش” بمغامرة غزو أفغانستان الفاشلة، ولكنه تمادى -تحت ضغوط المحافظين الجدد- فانطلق لغزو العراق عسكرياً ضد الشرعية الدولية، وضد اتجاهات الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن. وها هي الولايات المتحدة الأميركية تسحب قواتها بعد هزائم مذلة من المدن العراقية، تمهيداً للانسحاب النهائي من العراق في عام 2011.
والسؤال الآن: كيف استطاع “بوش” رئيس الجمهورية الأميركية -على رغم الدستور الأميركي والأعراف الدستورية المستقرة- اختطاف النظام السياسي وتوريط المجتمع الأميركي بكل فئاته في حربين لم يخطط لهما تخطيطاً استراتيجياً صحيحاً، وبدون أي فكرة عما ستفعل القوات الأميركية بعد الغزو؟ وأسوأ من هذا كله أن قرارات الغزو المتعجلة، تجاهلت أهمية معرفة التاريخ الاجتماعي الفريد لكل من أفغانستان والعراق!
فأي نظام ديمقراطي ذلك الذي يسمح لرئيس الجمهورية، بدون استشارة كافية من المجالس النيابية، عن طريق عرض الحقائق كاملة بدلا من البيانات المزورة، بأن يدفع البلد إلى حرب بطريقة عشوائية أدت إلى هزيمة كارثية؟ومعنى ذلك أن هناك عيوباً جسيمة اعتورت المعمار الديمقراطي الأميركي، مما يدعو إلى التفكير في حلول لعلاجه.
والنموذج الثاني هو النظام السياسي الفرنسي. فقد نجح “ساركوزي” بعد معركة انتخابية مظفرة، وأصبح رئيساً للجمهورية خلفاً لشيراك، الذي هو آخر الرؤساء الفرنسيين المحترمين من زاوية احترام التقاليد الدستورية والأعراف الاجتماعية.
جاء “ساركوزي” بشخصيته الفريدة التي تريد أن تهيمن على مجمل الفضاء السياسي الفرنسي. وقام بتهميش رئيس الوزراء والوزراء وأخذ يصدر خطاباته في كل شيء من السياسة إلى الاقتصاد إلى التعليم والبحث العلمي. وأراد أن يعيد صياغة المجتمع الفرنسي تحت شعارات الليبرالية الجديدة التي لا تتحدث إلا عن الاستثمار والجودة والتنافسية، حتى لو أدى ذلك عملياً إلى إقصاء طبقات اجتماعية كاملة، أو إلغاء الضمانات الاجتماعية لطبقات الفقراء. ومعنى ذلك أن ساركوزي الذي نجح في انتخابات ديمقراطية لاشك فيها، قد اختطف النظام الفرنسي تحت شعارات الديمقراطية.
هل يعني ذلك أن النظرية الديمقراطية تحتاج إلى مراجعة عميقة على ضوء الممارسة حتى في الدول المتقدمة في المقياس الديمقراطي؟ يبدو أن الإجابة على هذا السؤال المحوري هي نعم!
البحث عن الديمقراطية الضائعة!
صحيفة الاتحاد الاماراتية – الأربعاء 8 تموز/ يوليو 2009
السيد يسين
«الحل» غير موجود… هل تعرفونه؟ أين هو؟
ياسين الحاج صالح: الحياة 12/7/2009
لطالما ووجه شعار «الإسلام هو الحل» باعتراضات محقة، غير أنها تنصب من دون استثناء على مدرك «الإسلام» لا تتعداه إلى مدرك «الحل». هذا ينال فوراً من جذريتها، بل يردها إلى اعتراضات محض إيديولوجية. يحصل أن يحشد المعترضون حججاً سياسية وتاريخية واجتماعية بغرض «إثبات» أن الإسلام ليس هو الحل، أو لا يمكن أن يكونه، لكن مع التسليم بأن «الحل» موجود هناك، وأنه شيء آخر: الاشتراكية، الديموقراطية، العلمانية، الوحدة العربية…
والحال ان «الحل» غير موجود.
وافتراض وجود كائن غير موجود، وتمحور تفكيرنا العام حوله، هو منبع الخرافات السياسية الذي لا ينضب في ثقافتنا المعاصرة، أو منبع سقم معرفتنا السياسية، على نحو ما كان الإكسير أو حجر الفلاسفة منبع خرافات الخيميائيين، أو لخرافة الخيمياء.
ليس هناك شيء هو «الحل». هناك معالجات بشرية جزئية، نسبية، قابلة للتعديل، متطورة، لأوضاع بشرية معقدة كثيراً أو قليلاً.
لكن ما هي المشكلة؟ ولماذا لفكرة الحل هذا الحضور الكاسح؟
بقدر ما أن «الحل» غير موجود، فإن «المشكلة» (بحرف كبير، لو كان متاحاً في العربية) غير موجودة أيضاً. هناك مشكلات متنوعة، دنيوية، تاريخية، لا فرادة فيها. لكن ربما تكون صفاتها الأبرز في ما يخص العرب المعاصرين هي اختلاطها وتداخلها وتراكبها وإزمانها، وما يبثه ذلك في النفس من تشوش.
ماذا يعني التشوش؟ يعني اختلاط العالم بالوجدان، أو الدفق الحسي غير المنظم، الفاقد للشكل. لدينا قوى وأوضاع وأحوال… لا شكل لها. منها بالمناسبة «الإسلام»، ومنها «الغرب»، ومنها «الدولة».
وما لا شكل له هو مشكلة، اختلاط وضياع، لا يتحدى الإدراك وحده بل والإحساس بالعالم والتوجه فيه وحس القياس والتناسب والموقع والوضع…، أي كل ما يضمن توطّن العالم والثقة به والتوجه السديد فيه. وبقدر ما إن الثقافة صنع للأشكال والصور، ضبط للقوى والفاعليات الحية بقواعد وأصول وأشكال منظمة، أي أيضاً صنع المفاهيم والتصورات والقيم، فإنه يسعنا القول إننا نعاني من قصور ثقافي. ثقافتنا مقصرة في إنتاج الأشكال والصور والقواعد التي تنظم مجمل القوى التي تعتمل ضمن عالمنا، أو تنزع غرابتها وخارجيتها.
صنع الأشكال يحول المشكلات إلى مسائل، أوضاع متشكلة وإن تكن غير مستقرة. المسائل تقبل حلولاً خلافاً للمشكلات. حلولها مسألة جهد ووقت. المشكلات تشوش واختلاط وإبهام، فلا تنحل بأي جهد وأي وقت. والمشكلات التي لا تسعف الثقافة (بمعنى واسع للكلمة: «الحضارة»، الفاعلية البشرية التشكيلية والتحويلية بعامة) في تحويلها إلى مسائل نظرية وعملية، محلولة مبدئياً، تتحلل. ولما كانت المشكلات شعوراً مشوشاً، فإن تحللها يعني تشوشاً مركباً، أو تحالف إبهام العالم مع تشوش الشعور. تبدو أحوالنا اليوم محصلة تحلل مشكلات متراكبة.
ولعل هذا الوضع المبلبِل الذي لا يستبين منه مخرج هو في أساس فكرة «الحل». تنفلت شروط حياة الناس من تحكم أيديهم وأذهانهم، تغمرهم المشكلات غير المستوعبة عقلياً وعملياً، فيشعرون بالضياع والعجز، فيحلمون بالخلاص. «الحل» تناسخ من تناسخات الخلاص الديني. وهو نسختنا الخاصة من «نهاية التاريخ».
ولا يبدو أن المثقفين أقل حيرة وتشوشاً من غيرهم، ولا هم أقل تلهفاً وتعجلاً على الخروج من عالم الفوضى واللاشكل المحيط بهم. لكنهم بدل صنع الأشكال، وهو عمل عسير بلا ريب، ينتحلون أشكالاً جاهزة. مسائل وحلولها. أو حلول ومسائلها. هذا مرغوب اقتصادياً (أقل مشقة)، وممكن (هناك عرض عالمي لأشكال مجربة، وكذلك ذخر «ذاتي»: «التراث»). لكنه في أصل انفصال المسائل/ الحلول عن المشكلات. المفاهيم يمكن أن تنتقل من ثقافة إلى ثقافة، ومن ماضي الثقافة ذاتها إلى حاضرها، لكن الفهم لا ينتقل. والقوانين قد تنتقل من خارج إلى داخل، ومن ماض إلى حاضر، لكن الحقوق لا تنتقل. الأفكار تنتقل، وليس التفكير. المنتجات تنتقل خلافاً لفاعلية الإنتاج.
الفهم والحق والإنتاج والتفكير… هي صناعة الأشكال بالعمل على المشكلات.
هناك خلل في نظام صنع الأشكال، الثقافة بالمعنى الواسع. يفشل «الحل»، الشكل المأخوذ من «الماضي» أو من «الخارج»، فتبدو المسألة زائفة، فتُنكر المشكلة ذاتها. تتعفن أو تتحلل. وعلى هذا النحو يسهم المثقفون، صانعو الأشكال المفترضون، في رفع منسوب التشوش والاختلاط العام. يحصل هنا أن ينفض بعضهم أيديهم، معلنين براءتهم، وناسبين الأمر كله إلى جوهر فاسد دخل طور الانقراض! ويحصل أن تعتبر عبارات منبرية جوفاء ومكرورة كهذه إلى آخر صيحة في مجال «التنوير»!
لم يكتب تاريخ الثقافة العربية المعاصرة. ربما لا يزال الأمر مبكراً. لكنه في وجه أساسي منه تاريخ الحلول الفاشلة والمسائل المصطنعة، والمشكلات المتحللة. وهو تاريخ صراع «الحلول»، خرافات بعضها أشد تخريفاً من بعض، لكن الخرافة عنصرها جميعاً. قد تنسب بعضها نفسها الى الأصل وبعضها الى العصر، بعضها الى العلم وبعضها الى الحرية، بعضها الى العقد وبعضها الى العقل، لكنها خرافية على حد سواء.
ولعل في أصل كل هذا الوضعية الخرافية أولوية «العمل»، الخروج من المتاهة، الخلاص. نفترض أن الجماعات التي تعاني الضياع أكثر من غيرها تحلم بالخلاص أكثر من غيرها. ومن لهفة الخلاص تنبثق ما يمكن تسميتها «ميتافيزيقا الحل»، السعي وراء أشكال كبرى، تنظم العالم وتنزع إبهامه، شموس منيرة. وأبرز هذه اثنتان: «الإسلام» و«الحداثة».
لكن لمَ يبدو مع شمس هي «التنوير» ذاته، وأخرى هل «الذات» و «الحل» أن مخلوقات الظلام، الأشباح والعفاريت والشياطين والمسوخ والغيلان… (الأصولية والامبريالية والطائفية والمؤامرة والانقراض…)، وفيرة في عالمنا؟ وهل تشهد هذه القوى التي لا شكل لها أو المختلة الأشكال إلا على أننا نعيش في قلب الخرافة؟
… «الحل» غير موجود. مثله في ذلك مثل الرخ والعنقاء والخلاص والإكسير وعالم كامل من كائنات لا كيان لها ولا شكل. ثمة حلول «علمانية» دنيوية، جزئية، نسبية، متغيرة، قابلة للتصحيح؛ وثمة جهود إنسانية تضاف لبعضها، وربما تحسن تحكمنا بأوضاع متفلتة مختلطة. هذا عمل موصول، هادئ، دائب، صبور، عادل. ليس «نضالاً» ولا «جهاداً» ولا «ثورة»، صارت ثلاثتها، بفعل التلهف للخلاص، معتَصماً لكل ضروب اللاتناسب والتهويل والإفراط والخروج على القياس، للخرافات وكائناتها الشبحية التي لا شكل لها.
وثمة صيرورة لا يسبح في نهرها مرتين، ولا تكف عن ولادة العجيب، لكننا ربما ننفرد بالعبوس حيالها والتوجس منها، بدل الإقبال عليها والانشراح لها. نشعر أننا لم نقم بواجبنا إن لم ننثر حولنا جواً من التشاؤم والقنوط والانقباض.
نشتبه بأن هذه السيكولوجيا الملازمة لميتافيزيقا الحل، لا تنشد المحال إلا لأنها مدمنة على اليأس.