لا لتجارة حقوق الإنسان الأوروبية

لا للشراكة الأوروبية

نضال نعيسة

 

لاشك بأن موضوع أي شراكة، أو تعاون بين أي طرفين في العالم، ومنه ما يقال عن الشراكة الأوروبية السورية،  يشكل في نهاية المطاف، مصلحة مشتركة لكلا الطرفين الموقعين عليها، وإن كانت مصلحة بعض تطغى على مصلحة آخر. فالاتحاد الأوروبي، وأوروبا والغرب، بشكل عام، وتاريخياً، وحين يسعون لأية خطوة من هذا القبيل فلأن لهم مصلحة كبرى فيها.

 والأهم من هذا وذاك، فهذه الدول التي “تتصدق” بالشراكة، ليست، جمعية خيرية، و”وكالة من غير بواب”، للغادي والبادي، ولا من أجل عيون السوريين، أو غيرهم، وهي مدروسة بالميليمتر لجهة ما ستجلبه من فوائد للأوروبيين، وفائدتهم كبيرة وعليا، بالمشاركة الاقتصادية مع سوريا، ولولا ذلك لما اقتربوا منها، وكلنا يعلم المقولة التي تتكلم عن “رأس المال الجبان”. ففي سوريا الكثير من المزايا الاقتصادية والاجتماعية والتجارية النادرة، والتي قد لا تتوفر في أي من دول الجوار، أو حتى في المحيط المتوسطي برمته. ولا يسع المرء إلا أن يقف مع كل خطوات تلاق إنساني ينعكس في النهاية انفتاحاً وأخوة وعولمة إنسانية فيما بين شعوب الأرض قاطبة، شريطة أن تكون قائمة على الاحترام المتبادل، وتنعكس إيجاباً، رفاهاً، ونماءً، وخيراً،  على جميع الشعوب. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، سورية ليست دولة عادية، ولا هي من الدول “الفقيرة،، والمستجدية والمديونة التي ترزح تحت وطأة الحاجة والديون والعوز، بحال من الأحوال. وإلى اليوم فهي تطعم معظم دول الجوار قمحاً، وحبوباً، ولحوماً، وخضاراً، وفواكه، وتمدّ أكثر من دولة مجاورة بالماء وبالكهرباء تلك الأعصاب الاقتصادية الحيوية الهامة. ولم تكن، إلا كذلك على مر التاريخ. إذ يخبرنا التاريخ، مثلاً، بأن منطقة حوران السورية الجنوبية، لوحدها، والتي كان يقطنها أكثر من عشرين مليوناً من الناس، كانت تطعم الإمبراطورية الرومانية، وتتصدق عليها بالقمح، وبعض المنتجات الغذائية والزراعية الأخرى. واليوم، أيضاً، فسورية دولة زراعية، وتجارية، وسياحية، وبترولية، وصناعية  …إلخ، إضافة إلى الطاقة البشرية الخلاقة، والكوادر الجرارة في شتى الاختصاص والمهارات النادرة والذوق الرفيع في كل شيء، وهي الأهم وهذه عوامل ومزايا قلما نجدها في دولة أخرى، وهي تكفي ذاتها بذاتها، وتجتمع فيها كل العوامل التي تجعل منها بلداً ناجحاً ورائداً على أكثر من مستوى ومقياس.وتستطيع أن تصدر وتغطي من إنتاجها الزراعي ما يكفي الاتحاد الأوروبي المتعطش للسلعة الزراعية ذات الجودة العالية والطبيعية العضوية Organic   والرخيصة (هذه بحد ذاتها ميزة سورية نادرة بالنسبة للأوروبيين)،  وأزمة الألبان الأوروبية الأخيرة ومشتقانها ، تنذر بمستقبل مظلم للمنتج الأوروبي.

 

 ويبدو أن الاتحاد الأوروبي المستفيد الأول من هذه الشراكة وهذه البنية التحتية الجاهزة أرضاً وشعباً وثراء وإمكانيات،  ولعدة اعتبارات. لكن بعضاً من أطرافه، تلح وتظهر هذه الشراكة باعتبارها، هدية، أو تصدقاً، أو عطفاً على سورية. لا بل أن البعض أدرجه كمادة وشعار على رأس مشروعه الانتخابي، كما فعل وزير الخارجية الهولندي مكسيم فيرهاغن الذي استخدم هذا الموضوع لأسباب انتخابية داخلية، تتلاءم وطموحاته السياسية بان يصبح رئيساً للحكومة، ولوّح بالاعتراض على توقيع الشراكة، وتجميدها حتى بعد التوقيع، وفي هذا نوع من الابتزاز والغطرسة المرفوضة، وتسييس لقضية محض اقتصادية فيها منفعة متبادلة للطرفين. إنه سلوك لا يليق، البتة، لا بوزير خارجية محترم، ولا ببلد عظيم وعريق كسوريا، له مكانة استثنائية في قلب التاريخ البشري حيث انطلق منها أول حرف، وأول لحن في الفضاء الإنساني. وللعلم فإن نفس هذا الوزير، الذي يتباكى على همروجة حقوق الإنسان، كان قد صوّت في تناقض مفضوح، ضد تقرير غولدستون في جنيف، وهذا ما يدلل على الازدواجية المفضوحة الفجة، والفظة، التي تميز تعامل الأوروبيون بها في موضوع حقوق الإنسان، والتي أصبحت مادة للتندر، كما أنها وسيلة للضغط والابتزاز والحصول على مكاسب وتنازلات، سياسية واقتصادية، على حساب هذا البلد والشعب أو ذاك. ولن نتكلم عن التاريخ الأوروبي  الاستعماري الملطخ بالانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان، وعن تواطؤ الأوروبيين، وانخراطهم مع الأمريكيين في الحرب المدمرة والكارثية ضد العراق، والسجون الطائرة التي أزكمت الأنوف في كل مكان، والتي يبدو، فيها، دائماً، أن حقوق الإنسان لا تعني لهم أي شيء وباتت تستعمل فقط للابتزاز . كما لن نتكلم عن هرولة الأوروبيين، وغيرهم، وغضهم الطرف عن ممارسات أبشع وأفظع، وبما لا يقارن، ولا يقاس لدول في المحيط والجوار، لا تقيم وزناً للتسامح، وتنكل بالمرأة والأقليات، ونراهم يتراكضون مثنى، وثلاثاً، وأرباعاً، نحوهم من أجل الحفاظ على تدفق النفط الخام إلى ميناء “روتردام”، لا بل إن زعيمهم الذي علمهم السحر، امتشق السيف اليعربي، وشبع رقصاً وشخلعة، على أشلاء ضحاياه، وضحايا الأوروبيين من فقراء فلسطين، ولبنان، والعراق.

 

 بالمختصر المفيد، ومن الآخر، وما نريد قوله، هو أن ما يسمى بقضية حقوق الإنسان ما هي إلا شماعة غايتها الحصول على مزيد من التنازلات وفرض شروط تصب في مصلحة الأوروبيين، في الآخر، وقد تكون مجحفة بحق سوريا والسوريين. فحقوق الإنسان، والمرأة بشكل خاص، والأقليات، في سوريا، ليست بذاك القدر والسوء الذي يحاول البعض تصويره، وتضخيمه واللعب عليه، طمعاً في ابتزاز وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وتجارية، وإن أي تدخل في الشؤون السورية الخاصة والداخلية هو أمر مرفوض من عموم الشعب السوري، وقد علمنا التاريخ أ؟ن حقوق الإنسان لا تعني شيئاً للأوروبيين أمام مصالحهم التجارية والاقتصادية والاستثمارية.

 

إن سورية التي وقفت سداً منيعاً، وبعز وفخار ضد مشاريع الهيمنة الاستعمارية، وأسقطت الشرق أوسطية، لا يمكن لها، ولا يجب أن ترضخ، للابتزاز الأوروبي عبر أزعومات لا تبغي، أبداً، “وجه الله”.  فما عجز عن تحقيقه جورج بوش، وأساطيله، ومارينزه، لا ينبغي أن يمنح هكذا وعلى طبق من ذهب للأوروبيين، من أجل شراكة قد لا تسمن ولا تغني من جوع، في نهاية المطاف، وسوريا وسيادتها، وكرامتها  ليست موضوع مساومة، أو مقايضة على الإطلاق. فكما قلنا، سابقاً، الاتحاد الأوروبي، ليس جمعية خيرية، وإذا تبدى لسورية مصلحة ما، في هذه الشراكة، فللاتحاد الأوروبي ألف مصلحة ومصلحة بها، وللتذكير يكفيه ما فيه من أزمات اقتصادية ومعيشية وبطالة وإفلاس وكساد، ما زال يتخبط فيها حتى اللحظة، ويبدو أن الشراكة مع سوريا وغيرها ستكون طاقة أمل له للخروج منها، في حين لم يكن للأزمة الاقتصادية العالمية على سوريا،  نفس تلك الآثار التي تركتها على الاقتصادات الأوروبية، وكانت سوريا على الدوام مستقلة اقتصادياً، وبعيدة كل البعد عن تلك الأزمات، بسبب استقلال وكفاية اقتصادية مميزة.

 

فليأخذوا اتفاقهم وشراكتهم، و”بلاويهم” السوداء كلها، ويرحلوا، فسورية، كانت ولا تزال وطناً للسوريين، تكفيهم، وتؤويهم، وتعطيهم  تعيش بخيراتها وثرواتها، وشعبها الطيب العظيم، وتعرف كيف تدبر أمورها وشؤونها، وليست بحاجة ، لا للأوروبيين، ولا غيرهم، تشاركهم كي تعيش.

 

رد واحد

  1. 
    بغض النظر عن الأسباب و الدواعي التي كانت وراء تراجع حكومة دمشق عن توقيع إتفاقية الشراكة مع الدول الأوربية , فإن هذا القرار كان صائبا و حكيما . لا يخفى على أحد بأن الولايات المتحدة و الدول الأوربية جعلت من توقيع مثل هذه الإتفاقيات مجالا للتدخل يالشؤون الداخلية لبلدان الطرف الثاني من المعادلة . إن توقيع هذه الإتفاقيات ما هو الا تحقيقا لمصلحة مشتركة و منافع متبادلة بين الأطراف الموقع , و لا تدخل تلك الإتفاقيات في باب المعونات أو الهبات أو الدعم الإقتصادي الذي يخفي خلفه اسباب سياسية في أغلب الأحيان . و الجميع يعلم بأن مجالات التعاون الإقتصادي من المفروض أن تنفع كل الأطراف الموقعة على مثل هذه الإتفاقيات . لقد جعلت الدول الغنية من تلك الإتفاقيات مجالا خصبا لدس أنفها في شؤون الدول بحيث باتت تمس أمن و سيادة بعض الأطراف المشاركة ,ووصلت حدا لا يمكن السكوت عنه . إن دمشق سنت سنة حميدة بوقف توقيع الإتفاقية التي وصل حد التوقيع عليها الى إذلال سورية . و لو أن هذا المنهج الأوربي مطبق على جميع الدول لكان الأمر مفهوما و لإعتبر نهجا حميدا في العلاقات الدولية . و لكننا نلمس وجود إنتقائية شديدة في إستخدام هذا النهج الإذلالي .و يحق لنا أن نسأل الدول الأوربية عما إذا كانوا قادرين على ن تطبيق هذا النهج مع إسرائيل التي تعبث بحقوق شعب فلسطين رغم وجود قرارات دولية واضحة ضد تل أبيب تفرض على العدو الصهيوني الإنسحاب من الأراضي العربية المحتلة و تمنع بناء المستوطنات ..؟ إن محاولة الدول الغنية السيطرة على سياسة البلدان النامية عن طريق الإتفاقيات بات أمرا مزعجا لأن الهدف كما يبدو ليس له علاقة بإحترام حقوق الإنسان كما يتم الزعم إعلاميا , بل يخفي أهدافا أعمق من ذلك . ثمة قوى كبرى تدفع سورية الى تقديم التنازلات حول عدد من الملفات الإقليمية , و حكومة دمشق مازالت ترفض و تقاوم تلك المحاولات الظاهرة و الباطنة . نقول لدمشق أن كلمة ” لا ” يجب أن يسمعها أولئك الذين يظنون أن لإتفاقياتهم بلسما شافيا من الأمراض الإقتصادية متناسين بأن أبواب سورية ستفتح أمام بضاعاتهم التي أصابها الكساد دون أن تطلب منهم دمشق أن يكونوا أكثر عدلا في التعامل مع بقية البلدان . من المؤسف أن معظم الدول العربية لا تستطيع مقاومة التدخل الأجنبي بشؤونها الداخلية و يتم في معظم الأحوال الموافقة بسهولة و يسر على مطالب الدول الكبرى رغم أنها تتعارض مع الصالح العام للبلد . نتمنى أن تتمكن سورية من صد و رد هذا العدوان الذي يختفي تحت توقيع معاهدة شراكة إقتصادية , كان من الممكن أن تكون مفيدة لكل الأطراف لولا أن دهن الأوربيون باطنها بسم ناقع , لذلك رفض السوريون بشجاعة تناول ما قدم لهم .

اترك رد