ضد من ترفع الدعوى ؟ :ضد المثقفين؟؟ أم ضد وزراء الثقافة ومصالح من وضعهم؟

 نضال نعيسة يرفع دعوى  من أجل التحقيق  ومعاقبة المسؤولين  عن أكبر مقبرة عقلية جماعية في العالم:

 السيد لويس مورينو أوكامبو- المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية – لاهاي/ المحترم: السادة والسيدات القضاة أعضاء المحكمة/ المحترمين: السادة والسيدات أعضاء هيئة الادعاء/ المحترمين: مقدم هذه الدعوى الجزائية أحد الرعية الناجين من المحرقة الفكرية والثقافية العربية الكبرى التي جرت وتجري بالمدارس والمعاهد والجامعات والمؤسسات الثقافية العربية، وبالأصالة عن نفسي، وبالنيابة عن عشرات الملايين من ضحايا المحرقة والمجزرة الكبرى التي استهدفت على مر عهود وعقود العقل البشري، وما زالت تستهدف أدمغة سكان ما كان يسمى بالوطن العربي، سابقاً، والشرق الأوسط التعيس لاحقاً، عبر تسميمهم المتعمد بالجهل، والخزعبلات، والغيب والأساطير والخرافات الفتاكة القاتلة، وتشويه الحقائق، وتحريف التاريخ، وتزييف الوقائع والأحداث. موضوع الدعوى القضائية: تم بحمد الله وفضله، العثور على أكبر مقبرة فكرية وعقلية جماعية في العالم، فيما يسمى بالوطن العربي، وتوجيه الاتهام الرسمي لوزراء التربية والثقافة العرب، من المحيط الغافي، إلى الخليج الساهي، باعتبارهم القائمين على التربية والتعليم والثقافة، وذلك بسبب التورط والمشاركة العلنية، وعن سابق قصد وترصد وتصور، بالقيام بملايين من عمليات غسل الدماغ الجماعية، والإبادات الفكرية، وبمجازر عقلية جماعية تستهدف عقول الطلاب والدارسين وعموم الرعايا في هذه المنطقة المنكوبة فكرياً، والمصنفة رسمياً عالمثالثياً، وتضم هذه المقبرة الجماعية الفكرية والعقلية الأكبر في العالم، حتى الآن، جرّاء المجازر المتكررة التي يرتكبونها ، رفاة 300 مليون عقل، وجدت بحالة رثة متحجرة ومحنطة ومتجمدة ومتكلسة ولا يمكن إصلاحها وإعادة تأهيلها، بفعل عمليات القصف الفكري الظلامي السجادي المتواصل عليها، وتفخيخها، وتسميمها، وإصدار أحكام إعدام رسمية عليها بفعل مناهج لا يقبلها عقل، ولا يمكن تصورها بحال، وما آل إليه ذاك العقل نتيجة لحجره المتعمد ونفيه وإقصائه عن التيارات التنويرية والليبرالية والنهضوية الإنسانية، وحبسه في أكفان الماضي التليد الذي لم تنجب البشرية مثله من قبل، حسب ما يقولون في مناهجهم المدرسية ويسممون به تلك العقول الغضة الفتية والطرية، كما تم التأكد، رسمياً، من وجود حوالي المائة مليون أمي، حسب إحصاءات جامعتهم العربية، لم يتلقوا أي تعليم، أو ثقافة، ولا يعرفوا كيف “يفكون الحرف، أو يستطيعون التمييز بين الألف وخشبة التلفون، وعذراً من مقام محكمتكم الموقرة لهذا التعبير البلدي والسوقي “السوفاج”"، واعتبار ذلك كدلائل إثبات وبرهان، لا تقبل الدحض، ولا الفنيد ولا الاستئناف أو النقض. الشرح: ولما كنت أحد الناجين من المحرقة المذكورة التي استهدفت عقول وأفكار وأبناء جيلي، وأبناء أجيال سابقة، ولاحقة، ونظراً لما أسفرت عنه تلك المجازر الفكرية وعمليات الغسل ونقص التروية الدماغية الفكرية الجماعية من حال بائس يرثى له في عموم المنطقة وعلى مختلف الصعد والميادين ولاسيما استشراء الإرهاب وثقافة الموت والقتل وقصف الأرواح والحروب الأهلية والانقسامات ، وتسميم عقول الأجيال والناشئة وتحويلهم إلى أشباه آدمية تعيش على الوهم وإقحام ثقافات بائدة تقلب المفاهيم، وتنسف المنظومات الأخلاقية والعقلانية والمنطقيات المتعارف عليها، وتحرف الأطفال عن التفكير العلمي السليم عبر اعتبار بعض القتلة والسفاحين ومجرمي الحرب البدو الكبار، وعصابات غنائم الحرب وقطاع الطرق، أبطالاً، وفاتحين وقديسين ومبشرين ووضع أسمائهم في الأناشيد الوطنية وإطلاق أسماء بعضهم الاستفزازية على الشوارع والمنشآت والمرافق العامة والمدارس ، واعتبار الغزو والاستيلاء على أراضي الغير وسلبهم أموالهم بطولات وفتوحات وسبي النساء والاتجار بهن وترويج النخاسة وتجارة الرقيق الأبيض واغتصاب النساء والصغيرات باعتبارها فضائل ومكرمات وأعمالاً بطولية، ولعلم مقام المحكمة الموقرة، فإن نفس هؤلاء الوزراء، وأقرانهم، وأسلافهم، هم من فرخوا ابن لادن ورهطه الكبار، وكان لهم الفضل في تشرفنا بمعرفة أولئك القتلة والإرهابيين الذي روعوا العالم بإجرامهم الدموي، وخرجوا من عباءات ثقافتهم وتربيتهم، وبإشراف بعض من هؤلاء الوزراء الميامين. ونظراً لأهمية التربية والتعليم والتثقيف في بلورة الشخصية وتوجهيهه، فإن هذه المناهج المتخلفة والبدائية ما زالت تسمم، وتخرج حتى اليوم أنصاف المتعلمين ومشاريع الإرهابيين المحتملين، وتلقن العقول الصغيرة، وتحشوها بالأساطير والخزعبلات والخرافات والغيبيات والفكر العنصري البدوي النازي الاستعلائي غير الإنساني، ولما كانت الجرائم الفكرية والثقافية والأذي المعنوي الواقع على العقل والنفس له، من حيث النتيجة، نفس تأثير الجرائم الواقعة على الجسد والبدن، ومحاربة التيارات الحداثية والتنويرية والإنسانية، ولما كان وزراء التربية والثقافة العرب هم المسؤولون عن القطاعات الفكرية والثقافية والعقلية التي تولد هذا الوضع الخطير، فإنني أتوجه ضدهم رسمياً بتهم ارتكاب مجازر عقلية وإبادة وغسيل دماغ جماعية، والتجهيل، وتبييض القتلة السفاحين، والتطهير الفكري، والتحريض على العنف والقتل نشر ثقافة الكراهية والعنصرية والحقد والحض على الإرهاب وتجميله وتسويغه بشتى الذرائع. وألتمس، على الفور، من مقام محكمتكم الموقر، توجيه الاتهام رسمياً لهؤلاء الوزراء الجناة، من قتلة العقل والفكر والروح والضمير، وجلبهم بموجب مذكرات اعتقال رسمية إلى الهايغ، وإخضاعهم لمحاكم علنية، مع ضرورة توفير هيئة دفاع قانونية كي تأخذ العدالة والقضاء العادل مجراه الصحيح. ونأمل بحيثيات الحكم إصدار إدانات تجرم، وتطال هؤلاء، وأمثالهم، ووتحظر تعيين أي وزير تربية أو ثقافة مستقبلاً، لا يلتزم بالمعايير الإنسانية والتنويرية والنهضوية المعروفة عالمياً، ومنع أي منهم من مزاولة عمله، أو التوجه إلى وزارته اعتبارا من تاريخ هذه الدعوى، وإخضاعهم، لاحقاً، وفي مراكز الإصلاح التي ستكون مقرهم المقبل، لدورات تأهيل في الفكر الإنساني العصري التنويري الحديث والنبيل، بدل الفكر الصحراوي الأصفر الذي عملوا ويعملون على ترويجه. الإجراءات القضائية المطلوبة: إصدار مذكرات جلب وقبض فورية بحق المذكورين أعلاه فرداً فرداً، والحجر عليهم، فوراً، والحجز على منشوراتهم من قبل اليونيسكو والأمم المتحدة، بسبب خطرهم الكبير على العقل الإنساني والجنس الفكري التنويري، واصطحاب هوياتهم الشخصية، ومناهجهم التدريسية والكتب التي ينشرونها في وزاراتهم، كشاهد إثبات، وصور مصدقة من حكوماتهم لمراسيم تعيينهم الوزارية، باعتبارها أيضاً شاهد إثبات على قبولهم التورط والمشاركة في المجازر الفكرية والإبادات العقلية الجماعية، وعمليات غسل الدماغ المتعمد. بكل احترام التوقيع: أحد ضحايا المجزرة الفكرية العربية الكبرى، وعمليات التطهير العقلي، والإبادات الدماغية الجماعية.

28 تعليقات

  1. دعوة لديها جدارة ابتدائية للنظر بها وهي لاتملك صلاحية ضد وزراء الثقافة والتربية بل أيضا وأولا الإعلام .. على الأقل بقرينة التغييب المقصود لمدرسة دمشق المبعدة والممنوعة والمقوعة عن أن تقدم خدماتها إلى امة هي أحوج ماتكون الى المنطق الحيوي ويكفي الدعوى صلاحية إدانة الإقصاء المقصود لباحثي مدرسة دمشق منذ اربعين عاما عن مجمل المشهد الرسمي الثقافي والإعلامي والتربوي العربي .. إذا لم يكن أكثر من مجرد الإقصاء.. من سجن ونفي .. وترويع ..
    ولكن ثمة ملاحظة واحدة وهي أن الدعوى يجب ان ترفع أيضا ضد الإحزاب والهيئات الخاصة والمعارضة .. لكونها في غالبيتها تتحوى مصالح أحادية مضى عصرها وضد العصر بقرينة كونها تغيب الشكل الحيوي لمصالح شكل جوهراني كلي مزدوج المعايير .. باسماء مختلفة تارة ماركسية واخرى قوميه أو اسلامية والأدهى أنها يمكن ان تكون تمارس ازدواجية المعايير باسم الحرية العدل وحقوق الإنسان

  2. من هو كاتب هذا المقال يا أستاذ يا محرر؟ هل لكم ان تخبرونا؟ ومن هو صاحب هذه الدعوة الجهنمية والجنونية؟ والله ما حدا بدو محاكمة ع عقلو الا كاتب المقال

  3. يجب فعلا محاكمة اولئك الذين قتلوا ووأدوا العقل ا

  4. الصديق نصال
    تحية الحياة وبعد
    أولا معذرة عن عدم ذكر إسمكم في النسخة الأولى
    ثانيا : نعم الوزراء مسؤلين .. ولكن أليس الرؤساء والملوك مسؤلين قبلهم ؟ وأليس من يدعمهم من قوى الهيمة مسؤل أيضا..
    ولكن المسؤل الأمبر هم من يعد نفسه مثقفا ولايدقق بصلاجية ثقافته ..ويمارس الثقافة كسلعة في سوق النخاسة .. لاحظ المقفين الماركسيين كيف كانوا يتاجرون بماركسيتهم وإذا بهم بين ليلة وضحاها من مبشري الحقبة البوشية ..
    ولاحظ أيضا المثقفين الإسلاميين الذين كانوا يدافعوا عن المعسكر الأمريكي بوصفه معسكر الإيمان كيف أصبحوا بعد قلب ظهر المجن لهم منذ انتاهاء الحاجة اليهم مع سقوط الإتحاد السوفياتي

    ولاحظ الكثير مثقفي مما يدعو بحقوق الإنسان والتمدن والمجتمع الأهلي لايتورعون عن خدمة أحزاب وأنظمة محلية واقليمية وعالمية أقل مايمكن قرأنته فيها هو قرائن مصالح كونها مزدوجة المعايير ..
    ثم من هم الذين يعتمد عليهم مسؤلي قوى الهيمنة ووأذنابهم المحليين من حكام ووزراء؟ أليس كثير منهم من المثقفين الذيم يحونون منطقهم الحيوي ؟؟
    لذلك فلنبدأ بحاسبة أنفسنا أولا

  5. بالقطع، لم يكن هناك على مر التاريخ شيء اسمه دولة عربية واحدة، بالمفهوم الحديث والمعاصر للدولة، أو كما نعرف الدولة بشكلها الحالي والراقي، منظومة مؤسسية تعمل وفق هرميات تراتبية على رقعة جغرافية محددة ومحترمة ومعروفة من الأرض، لا تطمع بغيرها ولا يطمع غيرها بها، ولها مجموعة من القوانين ودستور ينظم سير أمورها، أي بالتحديد مفهوم ما بعد الدولة الدينية، أو القبلية أو الأبوية حيث تهيمن فئة عرقية، أو عائلية، أو كهنوت ديني بشكل مطلق على مقاليد وأمور وثروات العباد وتكون حرة التصرف بشؤونهم . ( دول منظومة الخليج الفارسي ما زالت تعيش حتى اليوم هذا الشكل القبلي الأبوي من الحكم، ومع ذلك لا تتورع عن تسمية نفسها بالدول، ففي وزارة واحدة، مثلاً، يكون هناك عشرة وزراء، أو أكثر، من أصل أحد عشر وزيراً، مثلاً، 0 ( هذا الآخر وزير دولة لا يهش ولا ينش)، من السلالة المؤلهة، والمنزّهة، والحاكمة بأمرها وأمر الله).

    وقبل سايكس وبيكو، مثلاً، فقد توزع أحفاد وملوك وأمراء السلالة الهاشمية القادمين بشرعية قبلية وتاريخية ودينية مطلقة للانقضاض حكم دول مثل العراق وسوريا، ( وربما كانت النية لديهم لتوزيع البقية الباقية من حملة الدماء المقدسة والأمصال الزرقاء النادرة على باقي الأمصار الناطقة بالعربية، هذا والله أعلم)، ووحدهما طيبا الذكر، المرحومان بإذنه تعالى، سايكس وبيكو، هما اللذان وضعاً أسساً وحدوداً قانونية دولية لدرء تلك الظاهرة، وخلـّصـا شعوب المنطقة من هذا الكابوس الأسود الرهيب، وذلك بضبط الوضع المنفلت ذاك ورسم حدود وأشكال جديدة غير قبلية وغير دينية لدول المنطقة المنبثقة حديثاً. ولولا تلك المكرمة والفضيلة السايكس بيكوية التاريخية الغراء، لكان أمراء بني هاشم وقريش وزعماء القبائل النجدية والحجازية وبني عبد شمس وجحش(هناك قبيلة كبيرة بهذا الاسم وليس تهكماً)، يصدّرون تباعاً، وتوهب لهم البلدان العريقة كجوائز ترضية، و”حلوان لهذا وذاك”، للتسلط على رقاب وصدور أبناء المنطقة بشرعيات مطلقة ومقدسة ولا تقبل النقاش، كما فعل أسلافهم الغزاة رضوان الله عليهم أجمعين. ولا يستبعد اليوم في حال سقوط سايكس وبيكو، ولا سمح الله، ولأي سبب كان، أن يعود أولئك الغزاة البرابرة، بشكل ما، لسيرتهم الأولى في تصدير وتسليط الولاة والرعاة والحكام والخلفاء والسيافين الحفاة المتعطشين للدماء وقطع الرقاب.

    هناك أمثولة جد خطرة تحدث في الوقت الراهن، مذ ولّي فتى شبه أمي وجاهل، على مقادير الحكم في لبنان، قادماً من الجنوب الصحراوي، المتطلع بغيرة تاريخية للقبض على دول الشمال المزدهرة حضارياً وتجارياً واجتماعياً، وهي تمثل لو عممت في غير مكان، أو أخذت أبعاداً توسعية أخرى، سابقة وبداية نهاية سايكس بيكو، وانهياراً لخرائط دول المنطقة الحديثة العصرية التي رسمها الرجلان، والعودة بها مرة أخرى للشكل الأبوي الهيراركي القبلي المقدس القديم، أي العودة للصراع الأزلي المقيم. ولولا سايكس وبيكو لربما كان يحكم اليوم تونس الجميلة، مثلاً، شيخ بدوي من رعاة الشاء والأبل وأصحاب الاسطبلات، ولكم أن تتخيلوا هنا حجم الكارثة وهول المأساة.

    لم تكن ما تسمى بالدولة العربية القديمة، أو إن شئتم ما يسمى بالحضارة العربية، أي شِلـَلَ العصابات، وقطاع الطرق الغازية، التي استولت على أراضي الغير، بالقوة، ودمرت الحضارات، وأخضعتها لسلطانها بحجة نشر دين من عند الله، إلا تكريساً للنمط الإمبراطوري الاستعماري المعروف الذي كان سائداً في تلك العهود البشرية القديمة والمتقادمة، ولم تأت في الحقيقة بثورة إيديولوجية وتنظيمية أو إدارية ، و تحدث أي تحول بنيوي جوهري على صعيد تغيير أنماط الحكم وبناء الدول، أو إدارة البلدان كما يتشدق الخطاب “إياه”، كي نقول، فعلاً، أنها مثلت نقلة نوعية في التاريخ.

    كانت تنهار خلافة، وولاية، وتقوم مكانها خلافة العائلة أو السلالة، وتعطى البيعة لسياف جديد أشد فتكاً، وويلاً، من سلفه “الصالح”، رضوان الله عليه، يسطو على الحكم بالقوة ويستجلب البيعة بالإرهاب. وما يسمى بالحضارة العربية ما هي في الواقع إلا منظومة عسكرية إمبراطورية غازية لا حدود معروفة لها حسب النمط العصري، وتضم وحواضر ممالك وإمارات وولايات العصابات وقطاع الطرق والطلقاء وأمثالهم ممن استولوا على مقاليد الأمور بقوة السيف والإرهاب، وحافظوا عليه بالعنف والقتل والتقتيل والاغتيالات والتصفيات. ولم يحدث أن كان هناك أي تطور لما يعرف بشكل دولة ومؤسسات حكم ومصالح مشتركة لمجموعات سكانية تمثل تطلعاتهم ومصالحهم وتحافظ عليها كما يخبرنا علم الاجتماع السياسي الحديث، أو انتقال من نمط إنتاجي، وتشكل مجتمعي إلى آخر، يحتم تطوراً على صعيد شكل الحكم وكما حدث بالتطور المنطقي الغربي المتحول جدلياً وصيرورياً وعلمياً وإنتاجياً، وفق سيرورات تاريخية مدركة من أطوار مشاعية إلى أخرى زراعية ثم صناعية وإمبريالية وألترا إمبريالية ونهاية تاريخ كما اعتقد فوكوياما…إلخ

    والبنى الإيديولوجية التي كانت تقوم عليها كل “حضارة عربية” قديمة، هي نفس تلك البني التي قامت وتقوم عليها البنى الإيديولوجية الذرائعية للاستعماري الاستيطاني القديم والحديث ، أي السطو على أراضي الغير بقوة السلاح وإخضاعهم وفرض ثقافة عليهم واستعمارهم واستغلالهم ونهب ثرواتهم والإتيان بالخراج إلى المركز وإفقار الشعوب واستغلالها، ما استطاعوا لذلك سبيلاً, وإلى اليوم مثلاً، هناك الكثير من المغرمين والحالمين والعاشقين لما يسمى بالحضارة العربية، يتوقون لإعادة احتلال واستعمار إسبانيا التي يسمونها الأندلس، ويسيل لعابهم لذلك وليفرضوا عليها نمط وأسلوب حياتهم وهذا خرق فاضح للقانون والشرعية الدولية لا يسمح به أحد.

    وحسب المفهوم الحديث للدولة الحديث فلم يكن لما يسمى بالحضارة العربية أو ما أطلق عليه بالدولة العربية القديمة، أية حدود سياسية معترف بها، أو أي شكل لدولة منظمة ومؤسسة وفيها تدوال سلمي ودوري للسلطة …إلخ، فحيث كانت تصل عصابات الغزو، وقطعان القتلة والنهب وسبي النساء والسلب وقطاع الطرق، كان يطلق عليه تجنياً حضارة عربية، وهو بالمفاهيم العصرية احتلال غير شرعي واغتصاب وقضم للأراضي (كما يطلقون اليوم على ما تفعله إسرائيل بالضفة والقطاع)، وسطو مسلح وبقوة السلاح …إلخ، ، وهذا ما يذكرني بمقولة لأحد أركان الصهاينة يقول فيها حدود إسرائيل هو حيث تقف وتصل الدبابات الإسرائيلية، ولكن في حالتنا كانت حدود الدولة العربية حيث كانت تقف الفرس والبعير العربية الأصيلة، وحيث ينصب “الشادر” والخيمة وبيت الشعر البدوي ويتواجد السياف وقاطع الرقاب العربي…..

    لقد كان سايكس وبيكو هما أول من وضع خريطة سياسية للمنطقة، وهما بذلك وضعاً حداً قانونياً وسياسياً، وإطاراً جغرافياً أممياً يمنع تعديات البدو على دول الجوار، والعبث باستقلالها، وهما بذلك كرّما الشعوب، وأسـْدَيـَا بذلك خدمة العمر للأنظمة الحالية التي كانت ستزول باسم المقدس والشرعية البدوية والقبلية الدينية، شعوب لها أرضية للانهزام والاستسلام الطوعي أمام الطوعي والمقدس والتخلي عن الذات الوطنية وحتى الكرامة والحرية الشخصية أمام الأسطرة المروية، وتتمتع بقابلية واستعداد فطري وثقافي ووراثي غريب للذوبان والانهزام الحضاري أمام “حتوتات” زمان. فلقد أعطى سايكس وبيكو للدولة شكلاً تنظيمياً وسياسياً وإدارياً حديثاً وعصرياً لم تكن تلك القبائل البدوية لتتوصل إليه لولا مساعدة هذين الشخصين الذين يلقيا اليوم كل جحود وإنكار. ويحاول القوميون العرب، اليوم، إعادة إحياء دولتهم القبلية البدوية التي لم يعرفوا غيرها خلال 1400 عام، دولة تتناهشها الحروب الطائفية والقبلية الطاحنة والخلاف على الخلافة. إذ لأنه وبعد سقوط آخر معاقل دولة الخلافة، وكل الحمد والشكر لله تبارك وتعالى، لم يعد هناك خلاف على الخلافة، أو تنطع للحكم باسم الخلافة، وصار محظوراً اليوم في ظل سايكس وبيكو أن يتكلم أحد عن دولة الخلافة، أو التعدي على حدود الدول باسم المقدس، ومن تسول له نفسه أن يفعل ذلك، فالميثاق الأممي والفصل السابع بانتظاره، كما حصل مع صدام حسين الذي حاول، مقلداً سيرة أجداده، العبث بخريطة سايكس وبيكو، وإحياء تقاليد الغزو. ( والقوميون العرب، لا يدرون أنهم بدعوتهم لما يسمى بالوحدة العربية، وتمزيق أوصال سايكس وبيكو، إنما يعتدون على شرعية دولية تتبناها الأمم المتحدة، ولا تسمح البتة العبث بها، ومن هنا لن تتحقق دعوتهم تلك، مطلقاً، بمشيئة الله ورعايته، ولن يسمح بها المجتمع، ولن يكون هناك، وتحت أي ظرف، وفي ضوء المعطيات الدولية الراهنة، والعلاقات المتطورة بين الشعوب، أية محاولة للعودة لنمط التشكلات الإمبراطورية الاستعمارية الأبوية الدينية غير المؤطرة سياسياً وقانونياً وجغرافياً، في هذه المنطقة أو في غيرها. و(يخوض حلف الناتو اليوم غمار حرب شرسة لمنع قيام امبراطوريات دينية لا حدود لها كما فعلت الطالبان التي أعلنت أنها دولة الخلافة وسمى الملا عمر نفسه أمير المؤمنين وحاول غزو نيبويورك وواشنطن عبر الاعتداء عليهما في الحادي عشر من سبتمبر، وأحداث سبتمبر، في إحدى قراءتها هي إعادة إحياء الحلم الأسطوري الغزووي الظامئ الكامن في العقل الباطن والشيفرة الوراثية لدعاة الدولة الدينية).

    لقد كان لسايكس وبيكو الفضل في إيقاف الحروب العربية القبلية، والغزوات البينية، ولجم الاندفاعات الطائفية والقبائلية البدوية التي لم تكن تتورع عن غزو بعضها البعض وإسقاط خلافات وإقامة خلافات وولايات وأمصار ومحميات وإقطاعات هنا وهناك توزع على المحظيين والمرضي عنهم والأتباع وأبناء الأشراف، (هكذا يسمون). وحده صدام حسين الذي حاول العودة إلى التاريخ ما قبل السايكس بيكوي، متمثلاً سيرة أجداده الأطهار، عليهم رضوان الله أجمعين، متجاوزاً قواعد سايكس وبيكو وحدود وشكل الدول الحديثة التي تتكلم العربية، فتم تصحيح وجهة نظره، وبقية القصة معروفة. أن سايكس وبيكو هي ساعة ضبط سياسية وجغرافية للقبائل والعشائر وعصابات الغزو البدوية كي لا تهجم بعضها على بعض ويأكل القوي فيها الضعيف.

    وكم هو ضروري أن ترتفع النصب التذكارية التكريمية لسايكس وبيكو، في عموم المنطقة، فهما أول من علم الأعاريب الشكل الحديث للدول العصرية ذات الحدود المحترمة والمصانة من غزو القبائل الهمجية، وهي التي حافظت على شكل الدول الحالية، وجعلت منها دولاً ومنهم رجال دولة، ورؤساء وزراء، ووزراء، بعد أن كانوا مجرد شيوخ قبائل ورجال عصابات يغزون بعضهم بعضاً، وقطعاناً تائهة، وهائمة على وجوهها تحت شمس الصحراء الحارقة،. فحافظوا على تراث الرجلين وفضلهما. وذلك أقرب للتقوى، لعلكم تفلحون.

  6. أمانة في عنقك لماذا تبذل جهدا في هذا الإتجاه؟
    وانت – قبل غيرك – يعرف أنه مطلوب فقط من قبل مسؤلي ثقافة مصالح بيكو ..؟ اليس كذلك؟

    لماذا تعتب على وزاراء القفافة والتربية والإعلام الذي تعينههم أنظمة وصلت الى الحكم بدعم من قوى الهيمنة العالمية التي تدعم وتتمسك بتلابيب سايكس بيكو …. فلماذا لاتهتكم بمايفيد الناس ويزعج الحكام ومصالح الشرذمة والإنقسام والدول الفاشلة ؟
    على سبيل المثال : كنا قد طلبنا أن تكتب معرفا وناقدا لكتاب أضاحي منطق الجوهر
    وكنت من بين المعدودين على الأصابع الذين يوزع الكتاب عليهم منذ شهرين؟؟
    لايطلب تعربفه ونقده من أجلنا .. بل من أجلك كحامل قلم ويكتب مقال يوميا .. وقبل أن يكزن من أجل القراء .. الذين يبحثون عن مايعمق ثقافتهم النقدية الحيوية ..

    فالطلب هو من أجلك شخصيا بوصفك كاتبا من حقه ومن واجبه رفع مشعل الثقافة النقدية النويرية .. ويطمح الى توظيف قلمه المثقف بشكل نقدي حر لاتكبله مصالح صغيرة عابرة ..
    فمن يقرأ ذلك الكتاب أي كتاب : أضاحي منطق الجوهر ويفهمه لايكتب مألا ليعري من يخون منطقه الحيوي ..
    فماهي مصالحك في التعب هنا..هل جماعة سايكس بيكونه وانظمته ينقصها ايمانا به ..؟ وهي تصلي لرب مصالحها شكرا مع كل مثقف يخر صريعا على موائدها و تشكره في كل يوم تزداد فيه ثرواتها المنهوبة .. .. فهل تطالب بحصتك ؟؟ وانت مهمش؟؟ ام تدفع ضريبة وخوة لمن ورثوك وورثونا مع اهلنا واحفادنا ؟؟
    ..يعني فعلا شيئ يبعث على الغضب..1
    أنا أعرف ان شعار سوريا اولا او لبنان اولا او أريحا اولا لها مصالحها

    ولكني أعرف أن المثقف نضال نعيسة ليس له مصلحة في انفاق أي وقت أو جهد في مصالح التجزئة والشرذمة ..و إن كان عليه أن يدفع ضريبة أو خوة لمصالح التجزئة والشرذمة .. إلا إذا كانت معلوماتي قاصرة
    نورنا.. انارك الله

  7. أرسل الصديق نضال :
    أمانة في عنقك بس انتظر الجزء الثاني من هذا المقال.
    وكل المودة والاحترام

  8. بانتظارك ياحبيب
    حدثت نفسي كثيرا عن مبعث مصالحك المعروضة أعلاه .. فإن كانت للنقد فأنت لاتنتقد غير الذين يدفعون ثمن الإنقسام والتشرذم وسطوة أحزاب و أحكام مصالح سايكس بيكو:
    من استئلال لبنان إلى القومية الفلسطينية الأوسلوية .. الى ناهبي النفط العربي ..وازلامهم .. وانت لست منهم وابعد عن ان تعتقد بوجود جوهر ثابت مستقل حتمي مطلق..
    فماذا تريد؟؟ ولماذا – مرة أخرى- لاتصرف وقتك بمايعمق العقل النقدي الحيوي ؟؟
    سؤال بانتظار ردك الذي يوضح كون الساحة العربية تعرف مثقفين ..غير الذين تفرخهم انظمة سايمس بيكو

  9. لا يليق بالإنسان أن يخضع لأي سلطة غير سلطة القانون

    جاد الكريم الجباعي : موقع الأوان 25/10/2009
    الوضع السليم أو الصحيح، منطقياً وتاريخياً، أنّ السياسة تتأسّس في الثقافة، وتنبع منها، وتنبني عليها، وتستمدّ منها لا عناصر وجودها فحسب، بل أفكارها ومبادئها وقيمها وتصوّراتها الإستراتيجية والعملية أيضاً، ثمّ تعيد إنتاجها. الثقافة حاضنة السياسة وأساس العنصر الأخلاقيّ، الذي يفترض أن يلازمها، ولا ينفكّ عنها، أو تنفكّ عنه. لأنّ السياسة، منذ نشوئها، فاعلية جماعية، بل اجتماعية، من المرجّح أنّها نشأت مع نشوء الملكية الخاصة وتقسيم العمل وتوزيع عوامل الإنتاج، واقترنت بها. وأنّ جدلها الداخليّ كان دوماً، ولا يزال، جدل الحرية والسلطة، ومن هنا تنبع قيمتها وأهميتها وضرورتها.
    الثقافة والسياسة حقلان أو مجالان متعارضان، وحدّان جدليّان، في كلّية عينيّة، إذا انتفى أحدهما ينتفي الآخر بالضرورة. مجال الثقافة هو مجال الحرية؛ ومجال السياسة هو مجال السلطة. لذلك يتحوّل كلّ منهما إلى الآخر، وينتفي فيه، في حركة لا تفتر ولا تتوقّف ولا تنتهي، لأنّهما شكلان من أشكال الوجود الاجتماعيّ والإنسانيّ، و”التاريخ تنويعة على الأشكال، أو سمفونية متموّجة على لحن الشكل ومبدأ التشكل”، بتعبير الياس مرقص.
    ولعلّه من قبيل المفارقة أنّ الحرية لا تتعيّن، ولم تتعيّن في تاريخ البشر إلا في الملكية، التي هي أساس السلطة، وفي فعل التملك؛ بدءاً بالملكية الطبيعية، أعني ملكية الفرد لذاته، وتملكها جسداً وروحاً، ولا فرق. وفي ملكية الأرض، وتملّكها، وصولاً إلى ملكية وسائل الإنتاج الصنعية، وملكية العمل، وما ينتج منهما، سبيلاً إلى تملك العالم بالمعرفة والعمل. ومن ثمّ فإنّ الحرية في أصلها ومبدئها هي حرية الفرد في التفكير والتعبير، وفي توجيه حياته الوجهة التي يريد. وأنّ السلطة بالتعريف حدّ على الحرية، داخليّ وخارجيّ، ذاتيّ وموضوعيّ، يحدّها ويحدّ منها. وهي في أصلها ومبدئها أيضاً سلطة الفرد على ذاته، التي غدت غير مرّة، وفي غير مكان، سلطة العقل والضمير، ببعديهما: الفرديّ والجماعيّ، على التراجح، ثمّ سلطة القانون.
    ولا يخلو أن يكون العقل متعسّفاً حين يفسد الضمير، ويضمر العنصر الأخلاقيّ في السلطة أو يغيب. ولعلّ الأمر كان كذلك، ولا يزال. أجل، كان العقل متعسّفاً وكلبياً، في الغالب، ولا يزال كذلك. فالإنسان لم يبدأ بعد، لأنّ الحرية لم تصر بعد سلطة الفرد على نفسه، كما يجسّدها القانون، بصفاته: العامة والمجردة والأخلاقية، أي لأنّ الحرية لم تصر بعد قانوناً أخلاقياً عاماً، ووازعاً داخلياً في الفرد والجماعة. فلا يزال الإنسان غريباً عن الإنسان، إن لم يكن ذئب الإنسان، يشهد على ذلك نزاع الهويات، ومظاهر الهمجية التي تجتاح العالم.
    لا ُتعرَف الحرية، ولم ُتعرَف، في بادئ الأمر، إلا بالسلب؛ أي بمعارضة السلطة، بوصفها نقيضها الجدليّ، أعني السلطة التي “تنبع من كلّ شيء”، بتعبير ميشيل فوكو، لأنّ معرفتها بالإيجاب مشروطة بمعرفة الذات. فالحرية والسلطة حدّان جدليان لا يقوم أي منهما إلا بالآخر، ولا يستغني أحدهما عن الآخر، وانتفاء أحدهما يعني انتفاء الآخر بالضرورة. ومعروف أنّ العبودية قامت على تملّك الأرض وتملّك أجساد العبيد وأنفسهم، فهي سيطرة مطلقة على الملكية الطبيعية، وتقسيم حدّيّ للعمل، بين الأحرار والعبيد، بعد تقسيم العمل بين النساء والرجال، أو في سياقه.
    ويبدو لنا اليوم أنّ الاستبداد، في أيّ زمان ومكان، لم يكن ممكناً إلا بسيطرة السلطة السياسية على المجال الثقافي سيطرتها على مجالات الإنتاج الاجتماعي، واستتباع المثقفين واستمالتهم أو تهميشهم والتنكيل بهم. بل إنّ سيطرة السلطة السياسية على مجالات الإنتاج المادية لم تكن ممكنة إلا بعد السيطرة على المجال الثقافي، بوصفه مجالاً روحياً وأخلاقياً عاماً ومشتركاً بين أفراد الجماعة المعنية. ويبدو لنا أيضاً أنّ السيطرة على المجال الثقافي شكل مقنَّع من أشكال الاستعباد والاستتباع، تحت اسم جديد هو الولاء. فلم يخل الاستبداد، في يوم من الأيام، من استعباد واستتباع، ومن ولاء وبراء. آية ذلك أنّ الاستبداد كان دوماً في حاجة إلى سلطة الدين الوضعيّ، من حيث سيطرة الأخير على عقول الرعايا وضمائرهم.
    “المستبدّ يساوي بين رعاياه على أنّهم لا شيء”، وأنهم ملك يمينه وطوع بنانه، وهو وليّ أمرهم ووليّ نعمتهم، وبعضهم فائضون عن الحاجة. هؤلاء الفائضون عن الحاجة هم المثقّفون، بوجه عام، باستثناء من استثناهم الكواكبي في كتابه، “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، أي من يطلق عليهم اليوم اسم التقنويين ومثقّفي السلطة. التقنويون لأنهم محايدون حيادَ العلوم التي يعملون بها، ومثقّفو السلطة لأنهم يميلون مع كلّ ريح، ويتمجَّدون بمجد السلطان.
    في البلدان، التي لا تزال ترزح تحت نير الاستبداد، لا تزال السياسة تسيطر على الثقافة وتستتبعها، ولا يزال المستبد ينظر إلى المثقفين على أنهم فائضون عن الحاجة، سوى المنضوين منهم في المؤسسات الأيديولوجية والإعلامية والأمنية، ولا سيما الموالين ولاء خالصاً، إذ الولاء هو الرائز والمعيار، لا الكفاية العلمية والثقافية، ولا الجدارة الأخلاقية. ومن الجدير ذكره هنا أنّ المؤسسات الأيديولوجية والإعلامية والأمنية هي الأركان الثلاثة التي يقوم عليها النظام الشمولي، أو الاستبداد المحدث. ولا يقتصر الأمر في ذلك على السلطة السياسية، بل يتعدّاها إلى “المعارضة”، إذ لا يختلف موقف الأحزاب الأيديولوجية “المعارضة” من الثقافة والمثقفين عن موقف السلطة ومن يواليها من الأحزاب الأيديولوجية، وقد اختزلت جميعها الفكر إلى أيديولوجية والثقافة إلى إعلام كاذب وناقص. السلطة الشمولية و”المعارضة الشمولية” نسق واحد، من وجوه كثيرة.
    الفكر والثقافة لا يحتملان مبدأ: إمّا مع .. وإمّا ضدّ..، بل هما فضاء مفتوح على ممكنات شتّى واحتمالات شتّى وخيارات شتّى، كلها متساوية في القيمة والمشروعية، على اعتبار أنها خيارات أفراد أحرار مختلفين في كل شيء، ومتماثلين في الإنسانية والوطنية. انحيازات الأفراد وتفضيلاتهم وإيماناتهم كلّها مشروعة ومتساوية في القيمة، لا يحقّ لأحد أن يصنّفها في أحد بابي الصواب أو الخطأ، الخير أو الشرّ، الإيمان أو الكفر، الوطنية أو العمالة، كما هي الحال عندنا. واللافت أنّ كثرة من الـ “مثقّفين” يتشاركون مع السياسيين في التصنيف، أي في التكفير والتخوين. الحاكم محكوم بحكمه، ومحكوم فيه، ومحكوم له أو محكوم عليه، سياسياً كان الحاكم أم مثقفاً. هذه طبيعة الأمور. من يمنح نفسه حقّ التصنيف وإطلاق الأحكام القطعية، على الأفراد والجماعات، لا على الأفكار والمنظومات الفكرية والأخلاقية، ولا ينظر إلى الآخرين إلا بوصفهم أنماطاً وأصنافاً، من يمنح نفسه هذا الحقّ مستبدّ بالفعل أو بالقوة.
    فإنّ للإصلاح، الذي نعتقد أنه لا يزال حاجة ضرورية وملحة للمجتمع، ومن ثم للسلطة والمعارضة، على السواء، مداخل شتى، كلّ منها يفضي إلى الآخر، على اعتبار المجتمع والدولة “كلية عينية” أو وحدة جدلية. أحد المداخل الضرورية هو تأسيس، أو إعادة تأسيس حقل ثقافيّ وطنيّ، واستقلال هذا الحقل عن السياسة استقلالاً تاماً، أي استقلال الفضاء الروحي والأخلاقي، فضاء الحرية، الذي تتأسّس فيه الوحدة الوطنية، عن السلطة السياسية، ولا سيما أنّ الوحدة الوطنية يفترض أنها ثابتة وراسخة ودائمة، أما السلطة السياسية، أعني السلطة التنفيذية، فمتغيّرة، بحكم قابليتها للتداول. فلا تتجلّى الحرية في شيء أكثر مما تتجلّى في الثقافة، بدءاً من حرية التفكير وحرية التعبير.
    ولما كان الاستبداد، في أحد وجوهه، مصادرة للحريات العامّة والخاصّة والشخصية، تفضي إلى إنتاج وإعادة إنتاج ثقافة نمطية ليس لها من وظيفة سوى تسويغ الاستبداد وتبريره، وتعزيز قيم التبعية والولاء، فإنّ كسر احتكار الثقافة، ثمّ استقلال المجال الثقافي، وجعل الفكر والثقافة حاكمين على الأيديولوجية والإعلام، الأوّل، أي الفكر، لأنّ طبيعته نقدية، على طول الخطّ، والثانية، أي الثقافة، لأنّ طبيعتها عامّة أو عمومية، على طول الخطّ، مدخل ضروريّ لإصلاح يربح منه الجميع وينعم به الجميع.
    لا يليق بالمثقف أن يستمدّ مشروعيته من أيّ سلطة سياسية أو أيديولوجية، رغم قدرتهما، مجتمعتين أو منفردتين، على “تسويق” المثقّف وإشهاره محلّياً وإقليمياً وعالمياً. فإنّ مشروعية المثقف إنّما تنبع من قدرته على الخلق والإبداع وإنتاج المعنى، وإنتاج القيم الأخلاقية والجمالية، والخلق والإبداع، في أحد أهمّ وجوههما، نقد وهدم، على هدي العقل الكونيّ والقيم الإنسانية العامّة. أن يكون المرء مثقفاً يعني أن يؤكّد اختلافه وحريته واستقلاله في الفكر والسلوك.
    الطبيعة النقدية للفكر، والطبيعة الوطنية، العامة، للثقافة المؤسّستان على كونية العقل وكلية الإنسان، أي على ما هو كونيّ وإنسانيّ بالتلازم الضروريّ، والمؤسّستان على الحرية، بطبيعة الحال، هما القاعدة الروحية الملازمة للقاعدة المادية، التي تقوم عليها الوحدة الوطنية، وهما، من ثمّ، أساس السياسة الوطنية الرشيدة. وممّا يؤكد أهمّية المدخل الذي نقترحه، والذي أكّدناه مراراً، أنّ السلطات الشمولية، في غير مكان، أخذت ترخي قبضتها شيئاً فشيئاً عن بعض مجالات الإنتاج الاجتماعي، بتوسيع الهامش المتاح للقطاع الخاص، ولكنها لا تزال تحكم سيطرتها على المجال الثقافي مستعينة بمؤسّسات الدين الوضعي الأكثر تأخّراً من بين مؤسسات المجتمع المدني، وتمعن في قمع أيّ مظهر من مظاهر الحرية.
    هذه المقاربة تطرح من جديد مسؤولية المثقف، لا عن تغيير المجتمع، ولا عن إقامة الفردوس على الأرض، واستئصال جذور الشرّ من العالم..، بل مسؤوليته عن الحرية، بدءاً بحريته هو نفسه وانطلاقاً منها؛ لأنّ حريته تفترض حرية الآخر، بل تقتضيها ضرورة، ولا تتأسس إلا عليها. حسب المثقف اليوم أن يكون حرّاً؛ وأن يدافع عن حريته الشخصية، ويتحمّل تبعاتها، قبل أيّ شيء آخر. فإنّ دفاع المثقف عن حريته الشخصية وعن استقلاله وذاتيته، وعن كرامته الشخصية، هو، في المبدأ والمآل، دفاع عن الحرية، بوجه عامّ، وعن حرية الفكر والثقافة، بوجه خاصّ، ودفاع عن الكرامة الإنسانية. المثقف يعلِّم بسلوكه مثلما يعلِّم بفكره وأدبه وفنه. ورجل السياسة هو أوّل من يفترض أن يتعلّم من المثقف. المثقف أستاذ السياسيّ، شاء هذا الأخير أم أبى، لأنّ وجوده السياسيّ، مجرّد وجوده، بهذه الصفة، معتمد على الثقافة وعلى المثقفين، ولأنّ السياسة بنت الثقافة وخلاصتها الأخيرة، فكما تكون الثقافة تكون السياسة. ومن ثمّ فإنّ نقد السياسة، ولا سيما السياسة العارية من أيّ قيمة إنسانية ومجتمعية، والتي لا تعدو كونها قوة إرغام وإكراه، من أبرز مهمّات المثقف الذي يستحق اسمه.
    نقد السياسة يتعدّى نقد السطح السياسي وواقع الولاية على البشر إلى نقد البنى والعلاقات والقيم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية التي جعلتها كذلك، ولا سيما البنى ما قبل المدنية وما قبل الوطنية، وإلا فلا فرق بين مثقف السلطة والمثقف “المعارض” للسلطة القائمة في بلاده، سوى أنّ الأوّل يمدح والآخر يهجو. الهجاء لا يهدم والمديح لا يبنى. النقد هو ما يهدم ويبني.
    الثقافة إنتاج وإبداع، والمثقف منتج، لا للأفكار والتصوّرات والحقائق العلمية والعقلية فحسب، بل للقيم الروحية، المعرفية والأخلاقية والجمالية، التي تقتضيها، في كلّ مرحلة من مراحل التطوّر، عملية إنتاج المجتمع لذاته، وتحديد اتجاه سيره، ووتائر نموّه وتقدمه.
    المجتمعات تنتج ذاتها، وتعيد إنتاجها، وليس من إنتاج ممكن بلا معرفة وبلا ثقافة. التقدّم هو اندماج الثقافة بالعمل، بوجه عامّ، واندماج العلم بالعمل، بوجه خاص. العناصر الإنسانية والكونية الأصيلة، في أيّ ثقافة، هي العناصر القابلة للاندماج في العمل، أي العناصر القابلة للتحقق في الواقع مادياً وأخلاقياً، أو مادياً وروحياً إذا شئت. ذلكم هو معيار حيوية أيّ ثقافة وقدرتها على مواكبة الزمن، أي على تجديد ذاتها ونقد ذاتها باستمرار، والنقد والتجديد معاً يقتضيان الحرية والاستقلال.
    القوّة العارية، قوّة العدد، وقوّة الشوكة والعصبية، وقوّة السلاح، وقوّة المال…، القوّة، التي باتت هي المعبود الوحيد في زماننا، ليست المعنى الأخير للحياة، وليست المعنى الأخير للتاريخ الإنساني. لم يعد يليق بالإنسان أن يخضع لأيّ سلطة غير سلطة القانون

  10. لا يليق بالإنسان أن يخضع لأي سلطة غير سلطة القانون

    الوضع السليم أو الصحيح، منطقياً وتاريخياً، أنّ السياسة تتأسّس في الثقافة، وتنبع منها، وتنبني عليها، وتستمدّ منها لا عناصر وجودها فحسب، بل أفكارها ومبادئها وقيمها وتصوّراتها الإستراتيجية والعملية أيضاً، ثمّ تعيد إنتاجها. الثقافة حاضنة السياسة وأساس العنصر الأخلاقيّ، الذي يفترض أن يلازمها، ولا ينفكّ عنها، أو تنفكّ عنه. لأنّ السياسة، منذ نشوئها، فاعلية جماعية، بل اجتماعية، من المرجّح أنّها نشأت مع نشوء الملكية الخاصة وتقسيم العمل وتوزيع عوامل الإنتاج، واقترنت بها. وأنّ جدلها الداخليّ كان دوماً، ولا يزال، جدل الحرية والسلطة، ومن هنا تنبع قيمتها وأهميتها وضرورتها.
    الثقافة والسياسة حقلان أو مجالان متعارضان، وحدّان جدليّان، في كلّية عينيّة، إذا انتفى أحدهما ينتفي الآخر بالضرورة. مجال الثقافة هو مجال الحرية؛ ومجال السياسة هو مجال السلطة. لذلك يتحوّل كلّ منهما إلى الآخر، وينتفي فيه، في حركة لا تفتر ولا تتوقّف ولا تنتهي، لأنّهما شكلان من أشكال الوجود الاجتماعيّ والإنسانيّ، و”التاريخ تنويعة على الأشكال، أو سمفونية متموّجة على لحن الشكل ومبدأ التشكل”، بتعبير الياس مرقص.
    ولعلّه من قبيل المفارقة أنّ الحرية لا تتعيّن، ولم تتعيّن في تاريخ البشر إلا في الملكية، التي هي أساس السلطة، وفي فعل التملك؛ بدءاً بالملكية الطبيعية، أعني ملكية الفرد لذاته، وتملكها جسداً وروحاً، ولا فرق. وفي ملكية الأرض، وتملّكها، وصولاً إلى ملكية وسائل الإنتاج الصنعية، وملكية العمل، وما ينتج منهما، سبيلاً إلى تملك العالم بالمعرفة والعمل. ومن ثمّ فإنّ الحرية في أصلها ومبدئها هي حرية الفرد في التفكير والتعبير، وفي توجيه حياته الوجهة التي يريد. وأنّ السلطة بالتعريف حدّ على الحرية، داخليّ وخارجيّ، ذاتيّ وموضوعيّ، يحدّها ويحدّ منها. وهي في أصلها ومبدئها أيضاً سلطة الفرد على ذاته، التي غدت غير مرّة، وفي غير مكان، سلطة العقل والضمير، ببعديهما: الفرديّ والجماعيّ، على التراجح، ثمّ سلطة القانون.
    ولا يخلو أن يكون العقل متعسّفاً حين يفسد الضمير، ويضمر العنصر الأخلاقيّ في السلطة أو يغيب. ولعلّ الأمر كان كذلك، ولا يزال. أجل، كان العقل متعسّفاً وكلبياً، في الغالب، ولا يزال كذلك. فالإنسان لم يبدأ بعد، لأنّ الحرية لم تصر بعد سلطة الفرد على نفسه، كما يجسّدها القانون، بصفاته: العامة والمجردة والأخلاقية، أي لأنّ الحرية لم تصر بعد قانوناً أخلاقياً عاماً، ووازعاً داخلياً في الفرد والجماعة. فلا يزال الإنسان غريباً عن الإنسان، إن لم يكن ذئب الإنسان، يشهد على ذلك نزاع الهويات، ومظاهر الهمجية التي تجتاح العالم.
    لا ُتعرَف الحرية، ولم ُتعرَف، في بادئ الأمر، إلا بالسلب؛ أي بمعارضة السلطة، بوصفها نقيضها الجدليّ، أعني السلطة التي “تنبع من كلّ شيء”، بتعبير ميشيل فوكو، لأنّ معرفتها بالإيجاب مشروطة بمعرفة الذات. فالحرية والسلطة حدّان جدليان لا يقوم أي منهما إلا بالآخر، ولا يستغني أحدهما عن الآخر، وانتفاء أحدهما يعني انتفاء الآخر بالضرورة. ومعروف أنّ العبودية قامت على تملّك الأرض وتملّك أجساد العبيد وأنفسهم، فهي سيطرة مطلقة على الملكية الطبيعية، وتقسيم حدّيّ للعمل، بين الأحرار والعبيد، بعد تقسيم العمل بين النساء والرجال، أو في سياقه.
    ويبدو لنا اليوم أنّ الاستبداد، في أيّ زمان ومكان، لم يكن ممكناً إلا بسيطرة السلطة السياسية على المجال الثقافي سيطرتها على مجالات الإنتاج الاجتماعي، واستتباع المثقفين واستمالتهم أو تهميشهم والتنكيل بهم. بل إنّ سيطرة السلطة السياسية على مجالات الإنتاج المادية لم تكن ممكنة إلا بعد السيطرة على المجال الثقافي، بوصفه مجالاً روحياً وأخلاقياً عاماً ومشتركاً بين أفراد الجماعة المعنية. ويبدو لنا أيضاً أنّ السيطرة على المجال الثقافي شكل مقنَّع من أشكال الاستعباد والاستتباع، تحت اسم جديد هو الولاء. فلم يخل الاستبداد، في يوم من الأيام، من استعباد واستتباع، ومن ولاء وبراء. آية ذلك أنّ الاستبداد كان دوماً في حاجة إلى سلطة الدين الوضعيّ، من حيث سيطرة الأخير على عقول الرعايا وضمائرهم.
    “المستبدّ يساوي بين رعاياه على أنّهم لا شيء”، وأنهم ملك يمينه وطوع بنانه، وهو وليّ أمرهم ووليّ نعمتهم، وبعضهم فائضون عن الحاجة. هؤلاء الفائضون عن الحاجة هم المثقّفون، بوجه عام، باستثناء من استثناهم الكواكبي في كتابه، “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، أي من يطلق عليهم اليوم اسم التقنويين ومثقّفي السلطة. التقنويون لأنهم محايدون حيادَ العلوم التي يعملون بها، ومثقّفو السلطة لأنهم يميلون مع كلّ ريح، ويتمجَّدون بمجد السلطان.
    في البلدان، التي لا تزال ترزح تحت نير الاستبداد، لا تزال السياسة تسيطر على الثقافة وتستتبعها، ولا يزال المستبد ينظر إلى المثقفين على أنهم فائضون عن الحاجة، سوى المنضوين منهم في المؤسسات الأيديولوجية والإعلامية والأمنية، ولا سيما الموالين ولاء خالصاً، إذ الولاء هو الرائز والمعيار، لا الكفاية العلمية والثقافية، ولا الجدارة الأخلاقية. ومن الجدير ذكره هنا أنّ المؤسسات الأيديولوجية والإعلامية والأمنية هي الأركان الثلاثة التي يقوم عليها النظام الشمولي، أو الاستبداد المحدث. ولا يقتصر الأمر في ذلك على السلطة السياسية، بل يتعدّاها إلى “المعارضة”، إذ لا يختلف موقف الأحزاب الأيديولوجية “المعارضة” من الثقافة والمثقفين عن موقف السلطة ومن يواليها من الأحزاب الأيديولوجية، وقد اختزلت جميعها الفكر إلى أيديولوجية والثقافة إلى إعلام كاذب وناقص. السلطة الشمولية و”المعارضة الشمولية” نسق واحد، من وجوه كثيرة.
    الفكر والثقافة لا يحتملان مبدأ: إمّا مع .. وإمّا ضدّ..، بل هما فضاء مفتوح على ممكنات شتّى واحتمالات شتّى وخيارات شتّى، كلها متساوية في القيمة والمشروعية، على اعتبار أنها خيارات أفراد أحرار مختلفين في كل شيء، ومتماثلين في الإنسانية والوطنية. انحيازات الأفراد وتفضيلاتهم وإيماناتهم كلّها مشروعة ومتساوية في القيمة، لا يحقّ لأحد أن يصنّفها في أحد بابي الصواب أو الخطأ، الخير أو الشرّ، الإيمان أو الكفر، الوطنية أو العمالة، كما هي الحال عندنا. واللافت أنّ كثرة من الـ “مثقّفين” يتشاركون مع السياسيين في التصنيف، أي في التكفير والتخوين. الحاكم محكوم بحكمه، ومحكوم فيه، ومحكوم له أو محكوم عليه، سياسياً كان الحاكم أم مثقفاً. هذه طبيعة الأمور. من يمنح نفسه حقّ التصنيف وإطلاق الأحكام القطعية، على الأفراد والجماعات، لا على الأفكار والمنظومات الفكرية والأخلاقية، ولا ينظر إلى الآخرين إلا بوصفهم أنماطاً وأصنافاً، من يمنح نفسه هذا الحقّ مستبدّ بالفعل أو بالقوة.
    فإنّ للإصلاح، الذي نعتقد أنه لا يزال حاجة ضرورية وملحة للمجتمع، ومن ثم للسلطة والمعارضة، على السواء، مداخل شتى، كلّ منها يفضي إلى الآخر، على اعتبار المجتمع والدولة “كلية عينية” أو وحدة جدلية. أحد المداخل الضرورية هو تأسيس، أو إعادة تأسيس حقل ثقافيّ وطنيّ، واستقلال هذا الحقل عن السياسة استقلالاً تاماً، أي استقلال الفضاء الروحي والأخلاقي، فضاء الحرية، الذي تتأسّس فيه الوحدة الوطنية، عن السلطة السياسية، ولا سيما أنّ الوحدة الوطنية يفترض أنها ثابتة وراسخة ودائمة، أما السلطة السياسية، أعني السلطة التنفيذية، فمتغيّرة، بحكم قابليتها للتداول. فلا تتجلّى الحرية في شيء أكثر مما تتجلّى في الثقافة، بدءاً من حرية التفكير وحرية التعبير.
    ولما كان الاستبداد، في أحد وجوهه، مصادرة للحريات العامّة والخاصّة والشخصية، تفضي إلى إنتاج وإعادة إنتاج ثقافة نمطية ليس لها من وظيفة سوى تسويغ الاستبداد وتبريره، وتعزيز قيم التبعية والولاء، فإنّ كسر احتكار الثقافة، ثمّ استقلال المجال الثقافي، وجعل الفكر والثقافة حاكمين على الأيديولوجية والإعلام، الأوّل، أي الفكر، لأنّ طبيعته نقدية، على طول الخطّ، والثانية، أي الثقافة، لأنّ طبيعتها عامّة أو عمومية، على طول الخطّ، مدخل ضروريّ لإصلاح يربح منه الجميع وينعم به الجميع.
    لا يليق بالمثقف أن يستمدّ مشروعيته من أيّ سلطة سياسية أو أيديولوجية، رغم قدرتهما، مجتمعتين أو منفردتين، على “تسويق” المثقّف وإشهاره محلّياً وإقليمياً وعالمياً. فإنّ مشروعية المثقف إنّما تنبع من قدرته على الخلق والإبداع وإنتاج المعنى، وإنتاج القيم الأخلاقية والجمالية، والخلق والإبداع، في أحد أهمّ وجوههما، نقد وهدم، على هدي العقل الكونيّ والقيم الإنسانية العامّة. أن يكون المرء مثقفاً يعني أن يؤكّد اختلافه وحريته واستقلاله في الفكر والسلوك.
    الطبيعة النقدية للفكر، والطبيعة الوطنية، العامة، للثقافة المؤسّستان على كونية العقل وكلية الإنسان، أي على ما هو كونيّ وإنسانيّ بالتلازم الضروريّ، والمؤسّستان على الحرية، بطبيعة الحال، هما القاعدة الروحية الملازمة للقاعدة المادية، التي تقوم عليها الوحدة الوطنية، وهما، من ثمّ، أساس السياسة الوطنية الرشيدة. وممّا يؤكد أهمّية المدخل الذي نقترحه، والذي أكّدناه مراراً، أنّ السلطات الشمولية، في غير مكان، أخذت ترخي قبضتها شيئاً فشيئاً عن بعض مجالات الإنتاج الاجتماعي، بتوسيع الهامش المتاح للقطاع الخاص، ولكنها لا تزال تحكم سيطرتها على المجال الثقافي مستعينة بمؤسّسات الدين الوضعي الأكثر تأخّراً من بين مؤسسات المجتمع المدني، وتمعن في قمع أيّ مظهر من مظاهر الحرية.
    هذه المقاربة تطرح من جديد مسؤولية المثقف، لا عن تغيير المجتمع، ولا عن إقامة الفردوس على الأرض، واستئصال جذور الشرّ من العالم..، بل مسؤوليته عن الحرية، بدءاً بحريته هو نفسه وانطلاقاً منها؛ لأنّ حريته تفترض حرية الآخر، بل تقتضيها ضرورة، ولا تتأسس إلا عليها. حسب المثقف اليوم أن يكون حرّاً؛ وأن يدافع عن حريته الشخصية، ويتحمّل تبعاتها، قبل أيّ شيء آخر. فإنّ دفاع المثقف عن حريته الشخصية وعن استقلاله وذاتيته، وعن كرامته الشخصية، هو، في المبدأ والمآل، دفاع عن الحرية، بوجه عامّ، وعن حرية الفكر والثقافة، بوجه خاصّ، ودفاع عن الكرامة الإنسانية. المثقف يعلِّم بسلوكه مثلما يعلِّم بفكره وأدبه وفنه. ورجل السياسة هو أوّل من يفترض أن يتعلّم من المثقف. المثقف أستاذ السياسيّ، شاء هذا الأخير أم أبى، لأنّ وجوده السياسيّ، مجرّد وجوده، بهذه الصفة، معتمد على الثقافة وعلى المثقفين، ولأنّ السياسة بنت الثقافة وخلاصتها الأخيرة، فكما تكون الثقافة تكون السياسة. ومن ثمّ فإنّ نقد السياسة، ولا سيما السياسة العارية من أيّ قيمة إنسانية ومجتمعية، والتي لا تعدو كونها قوة إرغام وإكراه، من أبرز مهمّات المثقف الذي يستحق اسمه.
    نقد السياسة يتعدّى نقد السطح السياسي وواقع الولاية على البشر إلى نقد البنى والعلاقات والقيم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية التي جعلتها كذلك، ولا سيما البنى ما قبل المدنية وما قبل الوطنية، وإلا فلا فرق بين مثقف السلطة والمثقف “المعارض” للسلطة القائمة في بلاده، سوى أنّ الأوّل يمدح والآخر يهجو. الهجاء لا يهدم والمديح لا يبنى. النقد هو ما يهدم ويبني.
    الثقافة إنتاج وإبداع، والمثقف منتج، لا للأفكار والتصوّرات والحقائق العلمية والعقلية فحسب، بل للقيم الروحية، المعرفية والأخلاقية والجمالية، التي تقتضيها، في كلّ مرحلة من مراحل التطوّر، عملية إنتاج المجتمع لذاته، وتحديد اتجاه سيره، ووتائر نموّه وتقدمه.
    المجتمعات تنتج ذاتها، وتعيد إنتاجها، وليس من إنتاج ممكن بلا معرفة وبلا ثقافة. التقدّم هو اندماج الثقافة بالعمل، بوجه عامّ، واندماج العلم بالعمل، بوجه خاص. العناصر الإنسانية والكونية الأصيلة، في أيّ ثقافة، هي العناصر القابلة للاندماج في العمل، أي العناصر القابلة للتحقق في الواقع مادياً وأخلاقياً، أو مادياً وروحياً إذا شئت. ذلكم هو معيار حيوية أيّ ثقافة وقدرتها على مواكبة الزمن، أي على تجديد ذاتها ونقد ذاتها باستمرار، والنقد والتجديد معاً يقتضيان الحرية والاستقلال.
    القوّة العارية، قوّة العدد، وقوّة الشوكة والعصبية، وقوّة السلاح، وقوّة المال…، القوّة، التي باتت هي المعبود الوحيد في زماننا، ليست المعنى الأخير للحياة، وليست المعنى الأخير للتاريخ الإنساني. لم يعد يليق بالإنسان أن يخضع لأيّ سلطة غير سلطة القانون
    جاد الكريم الجباعي : موقع الأوان 25/10/2009

  11. الصديق جاد يقودم مصالحه في هذا المقال من خلال جملة مفتاحية هي :
    “ولعلّه من قبيل المفارقة أنّ الحرية لا تتعيّن، ولم تتعيّن في تاريخ البشر إلا في الملكية، التي هي أساس السلطة، وفي فعل التملك؛ بدءاً بالملكية الطبيعية، أعني ملكية الفرد لذاته، وتملكها جسداً وروحاً، ولا فرق. وفي ملكية الأرض، وتملّكها، وصولاً إلى ملكية وسائل الإنتاج الصنعية، وملكية العمل، وما ينتج منهما، سبيلاً إلى تملك العالم بالمعرفة والعمل. ”

    وبمقايسة سريعة لهذه المصالح المفتاحية يمكن قرأنة قرائن مصالح صراعية ذات جذر شكل جوهرامي جزئي.. وقرائن هذا الحكم هو في جعل الملكية اساس الحرية بدلا من جعل الحياة .. فالموتى يملكون ويورثون ويقدسون ولكنهم ليوا احرارا بل يقيدهم الموت حتى عن التصرف بمالكياتهم

    أما طور شخصنة المصالح المعروضة فهو اخفاء ..لكونه يعلي مصالح ماهو ادنى ويصغر ويغيب مصالح ماهو اعلى وهو الحياة ..

    ولكون المقال وضع في مداخلة لها علاقة بمسؤلية الثقافة والمثقفين والمسؤلي عن الثقافة فإن المتابع لتاريج الصديق جاد الكريم اليساري المتطرف طوال حقبة وجود الإتحاد السوفيانتي يسأل كيف يكون المقف أمينا وغير مسؤل عن مقبرة العقل العربي إذا كان قد قضى عمره في نفي حق الملكية واذا به في عهد بوش بدأ باكتشاف قدسيتها ..؟
    فمن هو المسؤل عن المقبرة الجماعية؟؟

  12. حمزة رستناوي: مقالك وخزة دبوس في جسد لم يألف الألم؟

    الصديق نضال
    أتفهم دواعي كتابتك هذا المقال كتحريض على الفعل الايجابي و تجاوز العقلية المنتجة “للتخلف و الفوات الحضاري” و هو مقال يحتفي باللغة يوظف تقنيات المبالغة و السخرية و التحريض لايصال هدفه في تنبيه جسد ” الأمة”
    و لكنها ..و للمفارقة لا تستجيب؟
    فما الذي يسلبها مناعتها ؟
    نعم هم – وزراء الثقافة و التربية – بحاجة لمحاكمة , محاكمة و جردة حساب أمام الرأي العام؟
    و لكن الرأي العام عندنا مشكوك في أهليته؟
    أليس كذلك ؟- أتفهم الاعتراضات حول هذه النقطة تحديدا؟
    ففي الجزائر و فلسطين و مصر و الصومال و العراق ..الخ هذا الرأي العام متواطئ مع جلاديه و مستغليه .. و ينتخب من يفترض به أن ينبذهم؟
    لذلك – من وجهة نظري – أرى أن القضية ذات أبعاد كبيرة
    و تتطلب عمل على مستويات متعددة بما فيها أهل القرار التربوي و الاعلامي و الثقافي؟
    و هؤلاء في مجتمعاتنا توابع في فلك السياسي .
    فيا ترى كيف نعيد أهلية المجتمعات و انتصارها لمصالحها الحيوية و المشروعة جدا
    كيف نحول بينها و بين الحجب التي تحول بينها و بين البداهة الكلية للمصالح المشتركة؟
    الصديق نضال:
    أطروحتي هي التالية :
    نحن كبشر في مجتمعات عربية و إسلامية سورية ..الخ
    مازلنا نأكل و نشرب و نتنفس و نتلقى و نعيش منطق الجوهر الثابت .
    ما هو منطق الجوهر؟
    للإجابة هو :
    ” أولا ً: هو المنطق الذي يدعى حقا ً لا يقبله لغيره
    ثانيا ً: و هو الذي يميز بين الكائنات, والناس تمييزا ً عنصريا ً ثابتا ً .. وهو الذي يخوّل أصحابه ادعاء امتلاكهم للحقيقة المطلقة دون غيرهم.
    إن منطق الجوهر بادعائه الثبات فإنه ينافي البرهان.. فكل الكائنات تتغير, وتتحرك.. فتظهر وتتنوع وتزول تبعا لطرائق تشكلها..
    ثالثا ً: إن منطق الجوهر بادعائه التمايز الكلي , والنهائي بين البشر ينافي البداهة, فالبشر جميعا من رحم واحد- و ليس المقصود هنا بالضرورة المعنى العضوي لكلمة رحم.
    رابعا ً: :إن منطق الجوهر بادعائه التمايز العنصري بين البشر فإنه ينافي الأخوة الإنسانية .
    خامسا ً: إن منطق الجوهر بادعائه التمايز, يبرر ازدواجية المعايير , والعبودية .. و الاحتلال , والاستغلال, والاستبداد ..ويضحي بالحرية بوصفها رمزا ً للكرامة الإنسانية .. وتعبيرا ً أسمى عن إرادة الحياة..
    ولذلك فمن يؤمن بمنطق الجوهر فانه عمليا ً يرتكب جريمة موصوفة في القوانين الدولية المعاصرة ومنها قوانين حقوق الإنسان والشعوب.”
    و ما نشاهده من احتلال و استبداد و حروب أهلية و فقر و أمية و انتهاكات لحقوق الانسان و غياب حس المواطنة ليست سوى تظاهرات و أعراض لمنطق الجوهر الثابت.
    الجوهر الديني
    الجوهر القومي
    الجوهر الطائفي
    الجوهر العشائري
    الجوهر الشخصي الانتهازي..الخ
    و الفاعلين السياسيين و الاجتماعيين و من ضمنهم رجال الدين و رجال الحكم و المؤسسة التربوية, و قوى الهيمنة الامبريالية و الصهيونية كلهم متواطئين في ذلك.
    الصديق نضال
    أعرف أن مقالك ليس أكثر من وخزة دبوس في جسد لم يألف الألم ؟
    و المصارحة بحقيقة مرضه بعد ؟!
    و ليكن هدفنا البحث عن مرجعية منطقية برهانية للمحكمة التي تعتزم اطلاقها.
    على بركة الله
    حمزة

  13. هل الوحدة العربية ضرورية؟؟

    فشلت الكثير من محاولات الوحدة أو الاتحاد والاندماج بين ما يسمى بدول عربية، وتبدو الفكرة اليوم في ضوء المعطيات الجيوبوليتيكية والتطورات العولمية والتحالفات والاستقطابات الإقليمية والدولية، والخلافات العربية العربية وتباين المصالح والاتجاهات والسياسات والاهتمامات ضرباً من الخيال والمستحيل. ومع ذلك يعلق كثير من سكان المنطقة الناطقين باللغة العربية آمالاً عراضاً على تحقيق الوحدة العربية فيما بين شعوب المنطقة، وتتخذها الكثير من الجماعات والهيئات والمنظمات والأحزاب هدفاً لها ومحوراً لعملها السياسي.. وقد انشغلت المنطقة بهذه الفكرة حتى اليوم، قرابة القرن ، من دون أن يتحقق أي أمل نحو هذه الوحدة المأمولة. وقد غنى لها الشعراء، وصعدت أنظمة وهبطت أخرى، ووصلت أحزاب للسلطة، وقامت حروب وجرت تصفيات، واغتيلت شخصيات، وسجنت شعوب، وفـثرملت تنميات، ولعب عبد الناصر بمشاعر الناس زمناً طويلاً… إلخ وكله في سبيل هذه الفكرة الجذابة، كما غنت فرقة موسيقية مكونة من عشرات المطربين العرب أغنية شهيرة بعنوان الحلم العربي، ألهبت الشارع بأدائها وبفكرتها الرومانسية الطوباوية، التي تدغدغ الخيال، ولفها اليوم النسيان، كما لف غيرها من تداعيات الفعل الوحدوي العربي.

    وتعتبر فكرة الوحدة العربية فكرة سلفية أصلاً، ومفهوماً يتعلق إلى حد كبير بالتفكير الأسطوري الذي هيمن ردحأً طويلاً من الزمن في سماء المنطقة والذي كان وقوده الأساسي الفكر الديني الذي انطلق في سمائها في بدايات القرن السابع الميلادي. وفي الحقيقة، إنه لمن الصعب جداً الفصل بين الفكر الديني والفكر القومي، فكلاهما مكمل للآخر، ونابع من الآخر، ( في الخطاب والنص الديني هناك الكثير من التركيز على العرب والعربية)، وقد يبدو الخطاب الديني والخطاب القومي واحداً في الكثير من المفاصل، والمحاور وهناك الكثير من المشتركات فيما بينهما. ولا تستطيع أحياناً التفريق بين ما يقوله خطيب جمعة وإمام مسجد، وبين ما يرغي ويزبد به داعية قومي أو مسؤول حزب وحدوي، وقد لا يجد المتابع فرقاً بين قناة تبث فكراً قومياً، وبين قناة دينية تبث دعاية وفكراً سلفياً. وحين هزمت الفكرة الدينية المتمثلة رمزياً بسقوط دولة الخلافة، حلت محلها رسمياً على نحو تبادلي، فوري وعجيب، الفكرة القومية لتتابع مسيرتها، وتكمل مشوارها الأبدي و”الرسالة الخالدة” المستوحاة من عمق الخطاب الديني.

    وأبطال، وأيقونات القوميين العرب المحببة وملهميهم، ومثلهم الأعلى، كسيدنا خالد بين الوليد، رضي الله عنه، وصلاح الدين الأيوبي، وسيف الدولة الحمداني، وسيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وطارق بن زياد، وأسامة بن زيد….إلخ هم أنفسهم أبطال ورموز وأيقونات وملهمي المتدينين والمؤمنين والمتشددين والجماعات الدينية الأخرى. ووزراء الثقافة في بعض معظم الدول العربية يمكن أن يلعبوا، أو بالأحرى يقومون بنفس وظيفة وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية، ويطلقون نفس الخطاب.

    ومن دون النظر إلى هذه الاعتبارات، كلها، فإن ثمة خطورة كبرى في فكرة القومية العربية وهي القضاء على فكرة العامل الوطني، وإلغاء الشخصية الوطنية الخاصة، والانتماء الخاص لحيز مكاني وزماني، هو الأساس في بناء أي تطور ودفع أية تنمية وتحقيق أية إنجازات، فأوباما، مثلاً، كما غيره كثيرين، من أصل كيني وغير أمريكي، لكنه أصبح بطلاً وطنياً أمريكياً وهذا هو جوهر الفكر الوطني الحديث الانتماء لأرض والإخلاص لوطن، وهذا ما لا يقبله الفكري القومي العربي العنصري. فلا مكان ها هنا للأمة المصرية، أو السودانية، أو المنظومة الخليجية، أو الأمة العراقية، والكويتية والبحرينية، التي لكل منها سمات ديمغرافية وبشرية وجينات وراثية خاصة، ودماء تجري في عروق كل شعب، ما يدحض فكرة العرق العربي الصافي والخالص الواحد. والغاية من وجود الفكرة القومية، أو من أوجد الفكرة القومية، كان يسعى فقط، كي يعود، ويتمكن “البدوي العربي”، مرة أخرى، والذي لا ينتمي، أصلاً، للبلدان الأخرى في المحيط، من حكم أية دولة أخرى في المنطقة والتسلط عليها تحت اليافطة القومية، ويكون ذلك مبرراً له بشكل شرعي وقانوني، لا بل أسطوري. ويغزو اليوم دول عربية، (وهّا أمر غير قانوني ويهدد الهويات الوطنية)، بعض ممن يطلق عليهم “مفكرون قوميين”، يسرحون ويمرحون ويأكلون ويشربون، وما شاء الله عليهم، وينظـّرون، ويضعون الحلول، وبعضهم قادم من دولة إسرائيل أيضاً، ويحمل جواز سفرها.

    وبعيداً، أيضاً، عن الكثير من الأبعاد والمضامين الدينية واللاهوتية والأسطورية للفكرة، وتداعياتها الأخرى، فإن ثمة ملاحظة هي الأهم، وهي قدرة بلد لوحده، أو بلدان منفصلة، كل على حدة، للنهوض والقيام وتحقيق الرفاه الاجتماعي والازدهار، بدل انتظار “الحلم العربي” الذي قد يأتي وقد لا يأتي.( تصوروا أنهم يطلقون عليه، ويا لمحاسن الصدف لقب الحلم، وهذه، بالطبع، ليست من عندياتنا).

    فالكل يعلم، ولن نأـي بجديد، أن الحضارات المصرية والسورية والعراقية، وغيرها لم تغب عن سماء المنطقة، ولم يكن لها من حاجة للاتحاد مع غيرها حتى تحقق إنجازاتها التاريخية تلك. وتعيش اليوم دولة مثل مصر، سياحياً، على أمجاد الحقبة الفرعية، التي قدمت وتقدم شواهد وأوابد خالدة تحكي قصص تلك الشعوب العظيمة التي سكنت المكان، وأبدعت وأعطت الإنسانية، ولم تكن بحاجة للتوحد مع جزر القمر، كما يحلم القوميون اليوم، كي تستطيع الحياة والبقاء وتكسب عوامل القوة والمجد مثلما يلهج أحبابنا القوميون العرب. وتغفو سورية، من بابها لمحرابها، على كنوز من الأوابد، بحيث شبهها بعض الآثاريين بالمتحف المفتوح في الهواء الطلق، ما يدلل ويقول على عظمة هذا الوطن التاريخية ومكانته السامية والراقية بين الأمم واكتسابه، وحيداً ومن دون أن تساعده اليمن والصومال وتكونان معه، لكل عوامل القوة وبناء الأمجاد والحضارات، منذ الأزل، أومن دون الحاجة للتوحد مع موريتانيا أو دارفور وجيبوتي. (تبدو الفكرة القومية ها هنا عامل حط مؤلم للشأن الوطني وتصغير واحتقار له أرفضه جملة وتفصيلاً فأنا كسوري ابن لحضارات عظيمة قادر على بناء وطن عظيم بإمكانياتي الذاتية المتوفرة). وحين غزا الأمريكيون العراق لم يسل لعابهم إلا للأوابد والآثار البابلية التي نهبوها، وسبوها، وأخفوا بعضها، فيما لم يقتربوا من أي مما يسمى بالآثار الإسلامية، هذا إن وجدت من الأساس، فالعربي البدوي رحال، ومتنقل بين مضرب وآخر، ولا يترك عادة وراءه أي أثر، وقد يبدو هذا البعد الجيني والنفسي عاملاً مفسراً، وشارحاً لندرة وقلة الآثار الإسلامية في البلاد التي “غزوها”، رغم امتداد ما يسمى بالحضارة العربية لأكثر من 1400 عام.

    ولم تتدهور وتنقرض تلك الحضارات، وتختفي من الوجود إلا بعد ظهور ما يسمى بالعرب على مسرح التاريخ، في المنطقة، بمنظومتهم السلوكية والإيديولوجية، باعتبارهم، فقط، معطلين للتاريخ ومفرملين لحركته. تلك الحضارات فعلت فعلها في التاريخ من دون، ضرورة، أو حاجة أن يتوحد، وقتها، البابلي مع الشامي أو المصري أو غيره. واليوم هناك دول كثيرة في العالم، صغيرة وكبيرة، تحقق المعجزات الاقتصادية والقفزات النوعية والازدهار الاجتماعي من دون الحاجة للانضمام والتوحد مع الغير. فقد يكون العامل الوطني دافع شحن “عصبوي”(ذاك الذي تحدث عنه ابن خلدون)، أكثر من العامل القومي الفضفاض والعريض. صحيح أن اجتماع عدة دول ومنظومات ومجتمعات قد يحقق عامل قوة أكبر، لكن الأصح أيضاً، أن دولاً كثيرة قد تتمكن من تحقيق معجزات وطنية واقتصادية لوحدها، والأمثلة كثيرة ها هنا، من كوريا الجنوبية، إلى ما ليزيا، وسنغافورة، وتايوان، واليابان…إلخ. هذه جميعها لم تنتظر أن تتوحد مع أحد، أو تعيش على أي حلم وحدوي كي تقفز قفزاتها الخارقة. لا بل إن دولة مثل كوريا الجنوبية تعيش حالة فصل وانفصام وتقطيع أوصال، مع الشقيق الشمالي، ما يفند الكثير، وينسف من مقولات وخزعبلات وأراجيف الوحدويين والقوميين.

    وتحقق اليوم الكثير مما يسمى بالدول العربية، رغم طابعها الريعي غير الإنتاجي، نوعاً من التوازن المعيشي، والأمان الاجتماعي، والرفاه الحياتي لمواطنيها، والقوة والمنعة الذاتية، ، وما قد لا تستطيع دولة الوحدة المنشودة تحقيقه، وذلك من دون أن تتحقق الوحدة العربية و”آه، يا للعجب وكيد القوميين العرب؟؟”. فهل اتحد الفرنسي مع غيره، أو الإنكليزي، والألماني، وحتى التركي كيف يصل إلى ما وصل إليه؟

    وفي المنطقة اليوم، هناك دول قوية، وذات إمكانيات هائلة، وموارد بشرية جرارة وعظيمة، وثروات طبيعية، وموقع جغرافي وبنية تحتية ملائمة، ومستقلة ذاتياً…إلخ، مؤهلة لبناء قوة ذاتية، وتصبح مركز ثقل إقليمي، أكثر من اتحادها ووحدتها مع أية دولة أخرى، لا بل قد تكون الوحدة عبئاً ووبالاً وشؤما عليها، كما حصل في الوحدة السورية المصرية حيث اجتاح المصريون سوريا بشكل ولد وألهب العامل الوطني السوري. كما لنا أن نتخيل الكارثة لو اتحدت الأردن مع السودان، أو قطر مع مصر، أو تونس الرائعة مع الصومال، ولبنان مع ليبيا، على سبيل المثال لا الحصر. وإقليمياً، قد استطاعت تركيا وإيران مثلاً، ومن دون التعريج على الأنموذج الصهيوني لحساسيته وخلل مقايساته في كثير من المفاصل رغم قوته، أن تصبح أقطاباً إقليمية بارزة ومهابة الجانب.

    وإن دولة مثل سوريا، من خلال الإمكانيات العظيمة والهائلة التي تتمتع بها، ومكامن القوة الكثيرة، والموروث الحضاري العريق لشعبها، والموارد البشرية الهائلة المدربة والماهرة في كافة الاختصاصات، تبدو اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، ومن دون الإنصات للتشويش المريض والرخيص الذي يتعمد البعض إطلاقه من هنا وهناك، مرشحة لمحاكاة الكثير من النماذج البشرية الناجحة. وفيما بعد لو أتت ما يسمى بالوحدة العربية، فيما بعد، فيا أهلا ومرحباً بها وبهم، ولكن انتظار كل شيء، وتأجيله لحين نضوج شروط تحقيق وحدة العرب واندماجهم، فهو ضرب من اللهو والعبث، وتضييع للوقت، والمقامرة فيما قد يحدث وقد لا يحدث. وقد أثبتت الأحداث والتطورات أن التفاهمات الإقليمية، مع غير العرب، قد تبدو أنجع وأنجح وأكثر منفعة وفائدة وسرعة إنجاز، والمثل التركي، ماثل وحاضر ها هنا بقوة.

    وشخصياً، ومنطقياً، قد لا تـُرفض فكرة اتحاد كيانات سياسية، من الأساس، في كيانات أكبر كما الاتحاد الأوروبي، مثلاً، أو أي شكل آخر، ولكن تعليق كل أمل، حتى الروح الوطنية بها، فهو أمر مرفوض وغير مقبول بالمرة وهو من قبيل المماطلة وتمويت أية فرصة أو دعوة للنهوض والقيام. فلم تكن فكرة الوحدة العربية، حتى الآن، إلا مضيعة وهدراً لوقت هذه الشعوب وإمكانياتها طوال هذه السنين السالفة، وانتظاراً لغودو، وربما إمام غائب آخر، قد يأتي وقد لا يأتي، ولم يعرف خيرها من شيرها، لا بل تم ربط كل شيء بها. إنها، بالمطلق، ليست سوى محاولة أخرى لتحقيق حلم أسطوري ما، يراود مخيلات البعض، وكانت من بنات أفكار بعض المغامرين والطوباويين والحالمين، بوطن أسطوري، ذي بعد ومضمون ديني، يحيي أمجاد “الماضي التليد”،( أي لا يوجد تطلع للمستقبل أو نظرة إليهم بل نكوص للماضي وهذا هو شغلهم الشاغل الماضي)، وهذا من صلب الخطاب القومي، لا بوطن عصري يكون بوتقة وعامل أمان وتعايش لأبنائه يحقق لهم التقدم والازدهار والرفاه الاجتماعي.

  14. الصديق نعيسة
    المنطق الحيوي- كما تعلم – لايقر بصلاحيات ومصالح جوهرانية ثابتة مستقلة حتمية مطلقة سواء أكانت عقائدية او فئوية او فردية ..وسواء أكانت دينية او غير دينية والمصالح العربية والإسلامية التي تعرض شكل جوهراني هي مصالح متدنية الحيوية .. ولكن ماهو أكثر دنوا وقصا في الحيوية هو الإصرار على رؤية أي شكل او مصلحة وفق درجة واحدة من الصلاحية ..

    والمداخلة المنشورة لكم أعلاه والتي.. يتم بها التشكيك بأولوية الوحدة العربية تصر على تقديم صورة جزئية عن العروبة .. أقل مايقال عنها منافاة البرهان ..دون ان يعني ذلك كونها غير موجودة بشكل جزئي .. وستبقى موجودة ولكنها ليست الأكثر حيوية .. وبدلا من نقد صلاحياتها الجوهرانية يجري عرض مصالج جوهرانية أكثر تحنطا واسطورية .. ومنافاة للبرهان..
    كاهي قرائن هذا الحكم ؟

    لنتوقف إذن – وعلى سبيل المثال عند هذا المقطع المفتاحي :

    “فالكل يعلم، ولن نأـي بجديد، أن الحضارات المصرية والسورية والعراقية، وغيرها لم تغب عن سماء المنطقة، ولم يكن لها من حاجة للاتحاد مع غيرها حتى تحقق إنجازاتها التاريخية تلك.”

    ولم تتدهور وتنقرض تلك الحضارات، وتختفي من الوجود إلا بعد ظهور ما يسمى بالعرب على مسرح التاريخ، في المنطقة، بمنظومتهم السلوكية والإيديولوجية، باعتبارهم، فقط، معطلين للتاريخ ومفرملين لحركته. تلك الحضارات فعلت فعلها في التاريخ من دون، ضرورة، أو حاجة أن يتوحد، وقتها، البابلي مع الشامي أو المصري أو غيره.”

    عامة أهل الإختصاص الذي يشمل كل من اطلع على كتاب مدرسي عن التاريخ ..مهما كان قاصرا اوموجزا في عرض مصالح التاريخ فسوف بجد أن محاولات التوحيد لم تنته.. بين هذه المجتمعات الى اليوم .. ضمن أطر مختلفة ..وصلاحيات مختلفة من اللغة الى العلم الى العقائد الى التجارة ..إلى السياسة والإدارة عبر أشكال كثيرة منها : الهجرات او الحروب او المعاهدات ..التي فرضتها وحرستها تولزنات القوي..

    وأكثر من ذلك فما يسميه بالحضارة السورية او العراقية او المصرية .. شهدت بدورها حركات تفتت وتوحيد بحسب توازنات القوب الداخلية والخارجية ..ولم تنشأ هطذا مرة مواحدة والى الأبد

    المنطق الحيوي يعلمنا كون الحكم بماينافي البرهان هو قرينة اعتلال بداهة مصالح .. ولكن اذا كانت المصالح تعرض للتعميم .. فهذا يعني تحول إلإعتلال الى مرض معد.. لاتنفع فيه القفازات والكمامات التي يراد بها تجميل المرض وتبريريه
    بل الكي ..كما يقول العرب ..

    فهل من رد برهاني يبرهن ان الشعوب السورية او المصرية او العراقية هي مختلفة جوهريا عن من يعيش اليوم ليس في المنطقة العربية فقط بل في العالم اجمع ..؟
    وهل من برهان في كون طلب الوحدة العربية ليس أكثر من طلب الوحدة الفرنسية او الألمانية او الأمركية ..
    وهل من برهان في كون طلب الوحدة يغني حيويتنا لتصبح أكثر تنوعا واتساعا ..وبالتالي اكثر قدرة على التحرر من القصور ؟
    وهل من برهان كون وحدة وادي النيل او وادي الرافدين .. او الوحدو السورية لماتبقى من سوريا بعد تفتيتها هو أفضل من زيادة تفتيتها ..
    وهل من برهان في كون الذين يدعون انتماءا الى الحضارة السورية يلا ختلفون فيما بينهم حتى على الإسم :: من فينيقيين الى آرامين ..الى كنعانين ..الى كلدان الى آشورين ألى سريان..وهل الدعوة الى اقل من هذه التسميات غير وارد؟؟

    المنطق الحيوي يعلمنا ان قبول الأدنى في حال توفر الأعلى هو قرينة طور شخصنة اخفائي واضح ..
    فكيف اذا كان طور الإخفاء تحوى مصالح صراعية بجذر شكل جوهراني منافي للبرهان؟

    وكم هم عدد الأنطمة العربية والعاليمية التي تنفق وتصلي لتعطيل مسرة الوحدة ..ليس للعرب فقط بل لماتبقى من
    سوريا او عراق او فلسطين ..؟
    وكم هم عدد وزراء الثقافة العرب الذيم يبحثون عمن يذكر بضرورة واولوية الوحدة العربية ؟؟
    فلماذا تطلب محاكمتهم؟
    ومن الجدير بالمحامكمة اولا؟
    من له مصلحة بترسيخ شراذم كيانات . ؟ أو من هو ضحية تلك الشرذمة ؟

    سؤال صعب؟؟ أليس كذلك ؟

  15. : مجلة جدل 24/10/2009
    تندرج مقاربتنا للحداثة السياسية في الفكر العربي الحديث والمعاصر من خلال اعتبارها إشكالية، نظراً لما أثارته من جدالات وتفسيرات وتأويلات فاقمت في التباسها بدلاً من أن تمزق الأردية الأيديولوجية المحايثة لمختلف مستوياتها ومفاعيلها في الطرف المتلقي لها والمحتك بها تحت راية التثاقف. أقول ذلك لأن السجالات حولها لا تنفك تتناسل وتتعدد القراءات المذهبية، الأحادية البعد، في شأنها للنظر في كيفية صرفها في العالم العربي الإسلامي.
    منها من رأت في الحداثة الوافدة منقذاً يخلِّصها من عصور الظلامية(1) ومنها من أقرت بها ولكن نددت بالجانب الاستعماري العسكري والسياسي الذي رافقها. ومنها من تعاملت معها على نحو اختزالي من خلال تفضيل حداثة دولة على دولة أخرى، أو تيار فكري على تيار آخر. ومنها من وجدت فيها، بعد (الاستقلالات الوطنية) وجوداً استعمارياً اقتصادياً. ومنها من توسمت فيها كل ذلك ماعدا استعمارها الثقافي(3). إلا أن بعضها انتظر أطروحات هنتغتون (صدام الحضارات) وأطروحات فوكاياما (نهاية التاريخ)- بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وانفراط المنظومة الاشتراكية، ثم أحداث 11 أيلول 2001- حتى خلص إلى أن المعركة مع الآخر الغربي هي حرب حضارية بامتياز، أو صليبية.
    بناءً على ما تقدم تتدافع في ذهننا جملة مساءلات تتعلق بكيفيات التعامل مع هذه الحداثة المستجلبة، والمفاهيم التي حكمتها، طريقة تسييد تجسداتها في آلة الدولة التحديثية، وأنماط إدراك رموزها وتوظيف مغازيها وموضوعاتها، وحقول اشتغالها بعد استيطانها، ثم التساؤل عن ماهية المستوى الشرعي لصياغة المعارف حين تم إقحامها في فضاء ثقافي أو اجتماعي تاريخي معين، وتبريرها، فيما بعد، في المتخيل ليصار إلى إكراه الناس الموسومين بـ (التقليديين) على الصمت، وذلك عبر اصطناع صورة (متخيلة) عن ذاتيتهم ليس في واقعهم المعيش بل هيكلة الدولة بما يتناسب مع تكريس ثقافة المنتصر على ثقافة المنكسر المستلب والمرغم على الرضوخ حتى استئصال ممانعته(4).
    لاشك قد تكون الحداثة السياسية المستدخلة أفقاً ضرورياً يحطم أغلال الضيق لثقافة محلية ظلت محبوسة في تكرار فصمها عن عالم قد تغير، فتصبح الحداثة الوافدة، آنذاك، وسيلة لإدخال التنوع والنسبية. ولكنها في ظل علاقة غير متكافئة بين ثقافتين مختلفتين، تستحيل، بالنسبة إلى الثقافة الواقعة تحت الضغوط الخارجية(5) والتفكيك والتفتيت، إلى مجرد شعار أجوف.
    وهنا لا تكون المثاقفة التحديثية المتمناة سوى عملية تبرير سطحية لصالح سياسة الثقافة المهيمنة، مادامت هذه الأخيرة تُتخذ مصدراً وحيداً للمعنى والقيمة. إلا أن، لتسويغ هذا المنحى استدعت كل الحجج الممكنة من قبل الحداثيين العرب، مفادها: تأخر السكان، جهلهم، فقدانهم الحس المدني، نزعتهم المحافظة الفطرية، تعصبهم العقدي (للدين أو للتقاليد) قبليتهم وجهويتهم. كل هذه المعطيات التوصيفية اعتبرت من هذه النخب (المستنيرة) خصائص ثابتة لكل مجتمع منحط إن لم نقل (شرقي).
    لقد كان الهاجس الأساسي إذن لهذه النخب الحداثية هو اللحاق بأسرع السبل بالنظام الغربي لسد ثغرات التأخر المتراكم حيال أوربة التي نُظر إليها على أساس المخبر السحري القادر على علاج المسائل المطروحة عليها. بذلك لم يعد نقل الإشكاليات الغربية هذا إلى الوعي العربي مجرد الترسيمة لمكوِّنات أصول الفكر العربي الحديث المعاصر فحسب، وإنما المحدِّد شبه الكامل لرؤية هذه النخب للعالم. بموجب هذا التوجه سيصبح النموذج الغربي وبشكل دائم مستخدماً كمرجع لتقويم أو تبخيس كل المستويات وأشكال الوعي، الذي على أساسه سيتم الطمس أو الكشف عن وقائع الأشياء(6).
    لذلك، لم يعد الحداثويون، الراغبون من دون توقف شرعنة المحاكاة والنظام القائم، يهدفون إلى إنجاز إمكانات فعل، أو تثمير إرث وإنما على العكس إقصاء كل ما يبدو لهم مدللاً على دونية ما. إلا أن تعويض هذه الدونية يعني الانفصال عن الحس المشترك للاصطفاف إلى جانب الدولة الحديثة. إن الصعوبة الكبرى التي اعترضت هؤلاء الناشطين تكمن في التناقض مابين إرادتهم في التطابق مع إلهام مُقبل من الخارج وهمهم في الانطلاق من الحس المشترك والحس السليم.
    إن هذا الفُصام على الصعيد الفكري يحمل في طياته بذور تدمير بنى النظام التقليدي. ولقد جاءت القيم الجديدة المُستدخلة عنوة لتزلزل وجود النظام السابق وشروطه ونظم إنتاجه، من دون أن تنتج بالمقابل تغيراً متوائماً على مستوى العلاقات الاجتماعية ودون أن تنجب ميداناً مناسباً للخلق والإبداع المحليين، هذا فضلاً عن غياب العدالة والحرية. وهو السبب الذي جعل حركات المعارضة، للنخب الحداثوية في السلطة، تنخرط مضطرة في أحزاب سرية وبعضها نما خارج الأحزاب والبنى السياسية الثقافية الحديثة لاستنادها، في الغالب، إلى القبلية والطائفية والاثنية، أو اعتمادها على حركات خلاصية أو دينية. كل هذه المؤشرات تشي بقوة عن تذمر جماعي، لكنها صُنفت بالبربرية ضد الحضارة من قبل النخب التي تستأثر بمقاليد السلطة. وهذا سيظل يجري مادام هناك نظام سلطوي من شأنه أن يصادر قبلياً كل شيء غير مُفكر فيه، ومكبوت وغير مُعلن عنه، ويسد ويحظر ويُعيق المعرفة لدى الناس.
    كما أن هذا الفصام سيمتد مادام ثمة شبكة معقدة وكثيفة من قنوات النقل الثقافي الحديث، ويُعمم مادامت الحاجة إلى تدجين وترويض العصاة تستشري على شكل تبعية دائمة(6).
    إذا كان الخطاب الحداثوي في موضع آخر يردد صدى الخطاب الوافد ولم ولن يكف عن إسقاط إخفاقات الحداثة على السكان بذريعة أنهم بقية من بقايا الثقافة الموسومة بالتقليدية، فهذا يعني أنه لم يحاول وضع هذه الحداثة موضع المساءلة. وكذلك إن التعلق المبالغ فيه بأشكال التماهي التقليدي والمعيش على نحو واقعي ما هو إلا رد فعل يتناسب طرداً مع ما تؤول إليه الأمور من فقدان الذات نسبياً. وهو يُشير بمعنى من المعاني إلى البحث عن الهوية تجاه غياب الأجوبة المتوائمة التي تمكن من التكيف مع التغيرات الاجتماعية التاريخية التي تعيشها المجتمعات في طريق النمو بشكل مأساوي.
    وعلى عكس ما يسانده الداعون إلى العقلانية والعلموية، فإن كيفية استدخال هذه الحداثة ذاتها، هي التي تُلغِّم الأسس الأخلاقية والمادية للمجتمع العربي. وليس استمرار البنى التقليدية الموصوفة بالبدائية واللاعقلانية، وهذا يعود بالدقة إلى القرن التاسع عشر حين أرسيت معالم التحديث من قبل السلطة المركزية العثمانية عبوراً بفريق محمد علي باشا حتى اليوم.
    ابتداءً من هذا العصر، لم تكف كل هذه النخب، ولن تكف عن نسج الحجج التي تسوغ الفشل المتعاقب للحداثة المتمناة على غرار نموذج الحداثة الغربية. فتارة يعزى الفشل إلى التشبث بالتقاليد الموصوفة باللاعقلانية والمعادية للعلم، وطوراً يعزى إلى الدين بالذات وعلى الأخص إلى الإسلام بذريعة أن هذا الأخير من طبيعته يميل إلى الخلط الدائم مابين الزمني والإلهي أو يعزى إلى عبادة الكلمة وبلاغتها وإلى غياب الروح التاريخية، وبالنهاية إلى الصدمة النفسية الناجمة عن الهجمة الغربية حسب البعض. هذه المسوِّغات شجعت أنصار الثورة الشاملة على الإعلان بأن التحديث ليس ممكناً إلا إذا تخلى العرب عن ماضيهم وعن بحثهم عن هوية وهمية، وقبلوا بمعانقة الحداثة الكونية بصورة نهائية.
    إن هذا السجال الدائم والمكرِّس للتنافر مابين العقل واللاعقل، وما بين العقلاني واللاعقلاني لا يعمل، في الواقع، إلا على التسويف من أجل تفادي، لا بل تأخير، المراجعة الضرورية الجذرية لكل هذا الفائض من الأفكار الجاهزة، بحيث صار بقدر ما يستمر التمذهب العقدي لهذه الأفكار بقدر ما تتعمق القطيعة مابين النظرية والممارسة، وما بين الواقع والوعي حتى اختزلت العقلانية نتيجة هذه الكيفية إلى مجرد خطاب عقيم يبرر الأفعال اللاعقلانية للحداثويين. وهذا لأن المعرفة التي يتصرف فيها مجتمع معين ما، ليس بمقدورها أن تكون ثمرة مجرد تفكير مجاني وإنما ثمرة نضال مستمر حيث تتعارض فيه القوى الاجتماعية المتطلعة إلى بناء نوع من الإجماع من أجل أن تسيطر على زمنها على نحو أفضل وتتحمل هي بالذات مسؤولياتها بما يساعدها على تفتح حساسياتها الإنسانية في فضاء حر وعادل.
    لعل هذا ما يفسر اليوم ضمن هذه المعطيات التماهي الوطني يجري أكثر مع مكوِّنات المجتمع الأهلي بدلاً من الدولة، لكون هذه الأخيرة برزت بالأحرى، كأداة للقسر والقمع. بحيث صار في كل مكان تُطرح مسالة الهوية، يعود الوعي العربي إلى الماضي لينهل منه الإلهام والسند. لذلك باتت الدولة ليس محجوبة الثقة عنها فحسب، وإنما مرفوضة بلا توقف، لأنها أبعد من أن تكون مرجعاً وسنداً للوحدة، لا بل أفرزت ولا تزال هي ذاتها مسبِّبات لتُفاقم التوتر على مستوى الحياة والوعي وتمزق المجتمع واحتمالات الانفجار.
    إن (الدولة الوطنية) التي تُريد لنفسها أن تكون حداثية قوية، لا تتغذى هنا على فلسفة عقلانية منتجة، وإنما على العكس تعيش من تعميم مشاعر الخوف والإحباط إلى حد بات المجتمع الأهلي رهين السلاح الغذائي الذي تُشهره سياسة المركز، والدولة العصرية مشغولة في الأطراف، باستقدام المحاسيب إلى طرفها للاستثراء وتعزيز سلطتها من جهة، ثم تضخيم أجهزتها الأمنية لصالح توسيع وتسليط آلات الرقابة والعقاب على المجتمع من جهة أخرى(7).
    إذن، إن الطلاق من جهة مابين المجتمع التقليدي القائم على جماعة المعتقد والدولة المفروضة كأداة غريبة وقامعة من جهة أخرى، هو الذي سبب تفكيك علاقات السلطات والشرعية والسيادة وحال بذلك دون تأسيس لأي إجماع اجتماعي مدني يستطيع أن يحدث صدى، بنوع من الأنواع، مناظراً للدولة الوطنية الغربية، وهي النموذج المقلِّد بلا جدوى.
    ففي سياق كهذا من الفصام بين الدولة والمجتمع سوف لا تكف السياسة عن مفاقمته بفعل العنف المعلن أو الناعم. وسوف يكون هذا الأخير من الآن فصاعداً مصدراً وحيداً للسلطة. ثم سوف تتلاقى الدولة والجامع والكنيسة. لكن ستظهر بالمقابل لها فئات جديدة تزعم الهيمنة في “مملكة الحقيقة” تحت رايات إيديولوجية مختلفة، بعضها من اليسار وبعضها الآخر من اليمين، الأول تحت راية (العلمية) والثاني تحت راية (الحاكمية لله)(8).
    ضمن هذا السياق تتحول بسهولة الكونية الإنسانية والقومية- الليبرالية أو الاشتراكية- إلى عقائد مصنَّمة لا تخدم إلا بإسدال ستار مكثف على الصراعات من أجل السلطة، أو من أجل مصالح أقل كبراً: المركنتيلية (الاتجارية) الوحشية. والانقلابات التي ستخرج عنها لا تهتم بأي مثال. وهي أقرب ما تكون مصممة على إحياء الذكريات لانعتاق عابر. فسوف تجتهد للتأكيد على أنها السلطة الوحيدة التي تملك المشروعية، وهذه الأخيرة ليست شيئاً آخر إلا العنف. لأن جوهر السلطة في غالب الأحيان هو العداوة (المسماة النجاح) والإخضاع، والتخويف (المسمى الانضباط). بذلك يتحول التقديس إلى سلسلة من الإجراءات، والمعرفة إلى مجموعة من الوصفات، والحكومة إلى نظام من التهديد الدائم والاختلال بالتوازن، الإيديولوجيات الموسومة بالفلسفية أو العلمية إلى مجموعة من المنطوقات المكرورة المرهبة، والأخلاق إلى سور من المحظورات، والعلم إلى مجرد سلعة مُصنَّمة. المسار الذي يجعل ثروات البلاد والبشر أكثر عرضة للاستباحة من القوى الخارجية وأكثر قابليةً من ذي قبل لتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ.
    فالسؤال اليوم هل السلطات العربية الحاكمة “التحديثية” والنخبة العاملة في ظلها، المستأثرة بمقاليد البلاد والعباد تريد تأبيد مقدور الحديث القائل « كما تكونون يولى عليكم » لا بالقول «كما يُولى علينا» – بالوكالة والاستقواء بالخارج واستضعاف الداخل- يُراد أن نكون؟
    الحواشي
    (1) كما جاء في أطروحات الليبيراليين العلمانيين في القرن التاسع عشر.
    (2) كما ورد في خطاب الإسلاميين الإصلاحيين من نفس الفترة.
    (3) كما رشح عند القوميين العرب اليساريين.
    (4) راجع مؤلفنا “الفصام في الفكر العربي المعاصر” ، دار الفكر، دمشق 2008 من ص19 إلى 35.
    (5) المرجع نفسه، ص35- 49.
    (6) المرجع نفسه، الفصل الثاني.
    (7) المرجع نفسه، الفصل السابع.
    (8) المرجع نفسه.

  16. وهل تحققت الوحدة العربية وعرفنا طبعها وطبيعتها وحيوتها وهويتها يا دكتور؟ هل هو برهاني أن تحكم على الأموات والغيب؟ هل هذا من الحيوية في شيء؟ هل الغيبي هو أيضاً صرورة حركية نسبية احتمالية يمكن مقايسته حيوياً وتطبيق المسطرة الحيوية عليه؟ ألا ترى أن استحالة ولادتها قد يكون مرده إلى عقم طبيعي متأصل لا يؤمل علاجه؟ هل من الممكن افتراض ذلك والقياس عليه؟ ثم ألا ترى أنه من الاعتلال المرضي الخطير التعويل على الغيب؟ وكيف سنحكم على مولود لم نره هل هو ذكر أم أنثى جميل أم قبيح فحل أم خصي حيوي أو غير حيوي مريض أم طبيعي…إلخ؟ إن أولى أدوات ومنطلقات البحث العلمي هي علاج الظواهر الموجودة لا ضرب الودع والرمل والحكم على ظواهر عدمية ولدت في مخيلات البعض من أتباع وعشاق السلف الصالح رضوان الله تبارك وتعالى عليهم أجمعين. لم انتظار هذا الكائن الخرافي أو “ورقة اليانصيب”، التي ستنقلنا من حال إلى حال برمشة عين؟ لك تحيتي ومودتي واحترامي

  17. الأصدقاء الأفاضل

    الصديق نضال نعيسة

    كانت وما زالت فكرة “الوحدة العربية” عبارة عن تحميلة هيرويينة فعلت فعلها بنجاح باهر حين أدمن عليها كل من أعتقد أنه لا حياة ولا تقدم بلا وحدة.
    تاريخيا لم يتحد العرب ولا مرة بالصورة التي يتم تخيلها من قبل الوحدويون الذين جعلوا من الوحدة صنما يعبد لتمرير شخصياتهم وشخصناتهم بأقل الجهود والتكاليف, طالما أن الأرض مهيئة لاستقبال هكذا تعويذات.
    وعصريا يثبت الواقع ان فكرة الوحدة العربية قد افرنقعت والى الأبد والحمد لله والدليل أن بعض الدول العربية بدأت تلتفت الى محيطها بغض النظر عن جنسيته, فالغرب العربي يمد نظره شمالاً الى أوروبا وجنوبا الى افريقيا بعدما تقيأ شرقه العربي. وهذه سورية كفرت بالدول الفاقدة جزئيا لسيادتها من الدول العربية والتفتت الى محيطها الجغرافي التركي والايراني, ومهما كانت نتيجة هذا التحول فهو أفضل من الموت السريري الماثل في التقوقع حول الدول العربية منها فقط.

    مع المحبة

  18. الوحدة يمكن ان تحدث فقط لوجود توازن قوى يفرضها .. والرغبة بالوحدة أقل العزامل تأثيرا .. كما ان الإنفصال يحدث والرغبة بالإنفصال أقل العزامل تأثيرا ..

    مارأي الأصدقاء نعيسة وامين أن يقوم احدهم بتفريق عائلة كل منكما ؟؟ ويمنع كل منكما وكل فرد من افراد عائلة كل منكما من مجرد حمل الكنية النشتركة؟

    من قال ان ان اولادكما لن يكونوا في حال افضل؟
    ومن سيؤكد ان أحد الآولاد لن يصرح بتصريحات يشتم فيها أصله ؟ ولن يستعر حتى من ذكر كنية ابيه ؟
    أليس الأفضل لكما ان تقولا لأولادكما وزوجاتكما :
    افرنقعوا .. كفانا وحدة واتحادا!.. هو اتحاد الفقر والتهجير والتعتير.. الذي لم يجلب علينا غير حسد الجيران ..و المصائب ..

    أليس من الوارد – بعد ذلك- اذا تحسن حال اي منكما لصدفة ليس له يد فيها .. ان يقول: أنا الآن سعيد لكوني غير مضنطر لمشاركة احد في ماتبقى لي من ديار.. وبئر اليترول الذي اكتشفه غيري هو لي وحدي ..
    واليس من المتوقع ان يقول : وانتم اولادي سأبر عليكم بالسماح لكم بالحج الى بيتكم العتيق ؟؟
    واليس ان لطلب توقيع طالب تأشيرة الزيارة ..أن يزور صامتا .. لايذكر حراس الإنفصال وهب الثروات بشيئ.. وان يقبل الدخول خافض الرأس ..موقعا على شرط ان لاتسأل – مجرد سؤال – لماذا يحق لأبناء تكساس أخذ النفط من ديار ابيهم وهم وارباحه وهم يحرمون حتى من زيارته؟

    الأصدقاء الكرام
    المنطق الحيوي لايقول بعروبة جوهرانية ثابتة .. ولا بعائلة جوهرانية ثابتة.. ولكن بمصالح وصلاحيات متعددة الدرجات ويمكن قياسها بدقة ولايمكن رفضها تحت طائلة مخالفة البداهة الكونية والإضطرار للوقوع في مرض نقص البداهة المعدي..

    وإذا اكنشف احد اولادكم او احفادكم أنه ورث مصيبة الشرذمة والإنفصال ونادى لتجاوزها .. قولوا له انت تبحث عن غيب غير برهاني .. مستحيل الحدوث .. ولاتقولوا :
    ان السبب هو ضعفكم ا او خوفكم كم ان تضربكم القوى التي تحرس الشرذمة .. بل قولوا لهم ..ليس لنا صلاحية رؤية وممارسة البداهة الكونية للمصالح المشتركة .. خيانتها والتنكر لها .. والا لماذا تلجأ القوى والمجتمعات للتنامي عمقا واتساعا ؟؟

    يؤسفني فعلا أن مثل هذه البداهة تحجبها مصالح عند اي كان ..
    فكيف بكما وانتما ونحن من ضحايا الإنفصال اولا..ولكن ليس أخيرا .. فثقافة الإنفصال ومصالح التجزئة تنتج ثقافتها والخاسر من سثقف نفسه وغير بها مجانا؟؟
    أما من يثقف بها لقاء اجر- وبئس الأجر- فيمكن ايجاد عذر له بكونه أعمى البصر والبصيرة .. أما من يقفأ عينه بيده ولايصرخ في وجه مصالح من سجنه في قواقعه .. فيداه أو كنا وفوه نفخ ..
    والمنطق الحيوي ليس بنفخ القرب الفارغة ..ولن بالتذكير بخوائها وكيفية ملئها؟؟
    ومن لايقر بكون الوعاء الأكبر يتسع للأصغر وليس العكس.. نهديه اغنية : بتلوموني ليه ؟ لو شفتم عينه ؟
    يفقؤها ..بيدييه ؟؟

  19. العزيز المكرم الفيلسوف رائق

    شكرا للتواصل وأرجو المعذرة

    فأنا لا أستطع القراءة للسيد نضال وهو يبدو لي شخصية سيكوباثية تعاني من رهاب الاضطهاد لا علاقة له بالفكر الجاد وأرجو تفهم هذا الموقف الجوهراني غير الحيوي، فقد فشلت في مقاربة هذا المخلوق حيويا ولكم ولمن يشارك الحوار الجاد كل محبة واحترام

    د. محمد العمار

  20. العزيز الأستاذ رائق تحية طيبة. بصدق لا أعلم من هو الدكتور العمار وهذه أول مرة أسمع باسمه وهذا ليس مهم، لكن اسمح لي بتحيته تحية المودة والاحترام وكل ما أرجوه ألا يتعب نفسه ويقرأ، مستقبلاً، لأي سيكوباتي بعد اليوم، فأنا أخشى عليه جدا أن يصاب بالعدوى السيكوباتية والعياذ بالله. وإلأى الدكتور العمار إن اقتحام المقدس والتابوهات وتجريفها وخلخلتها عبر التاريخ ليس سيكوباتية يا صديقي إلا إذا كان لك مفهوم آخر عن السيكوباتية، إن من غيروا العالم وزلزلوا أركان الموروث حسب وصفك وتقييمك هم سيكوباتيين وأعتقد لن يصدقك أحد بهذا الطرح حتى أي سيكوباتيين. أرجو ألا يكون اختلاف الرأي مدعاة لمحاولة الإساءة لمن نختلف معهم وأذيتهم بشكل شخصي وتجريحي. وأعترف لك بمعاناتي من رهاب الاضطهاد، وقد راجعت أكثر من طبيب عقلي فقال لي باستحلة علاج العقل العربي والمسلم جراء هذا الثقل والحمولة الوراثية الزائدة والهائلة التي كسرت ظهري، وأعتقد أنه ليس على المريض حرج، ومن غير الحيوي واللائق أن نعاير بعضنا بعاهاتنا وأمراضنا التي أورثنا إياها مقدسكم يا دكتووور. وأخيرا يا دكتور من هو اللا سيكوباتي في ظل هذا القهر المزمن المقيم؟ وهل أفهم منك بأنك بمنأى عن رهاب اضطهاد الموروث لك ولكل أبناء مجتمعاتنا؟” إذا كان جوابك بلا، فلا حول ولا قوة إلا بالله؟ وتحية سيكوباتية للجميع

  21. ..الأستاذ العزيز علي الأمين: تحية طيبة، بالتأكيد الاستثمار السياسي لا يقل براعة عن الاستثمار الاقتصادي والمالي، وإن سلعة “الوحدة العربية”، لاقت رواجاً وحققت أرباحاً كبيرة لكثيرين، ولكن لكل بضاعة “أجل”و أعمار. أؤكد على طوباوية وأسطورية الفكرة أولاً وأخيراً وارتباطها بشمولية الفكر العربي والإسلامي بشكل عام. وتحية المودة والاحترام لشخصكم الكريم

  22. الصديق الدكتور عمار أرجو ان لا اكون قد ازعجتك بنشر رسالتك محررة؟؟ وربما محورة ..ولكن
    كما تعلم , فإن أهمية الحوار ليس في كونه مع الصديق نعيسة او غيره بشكل شخصي بل تأتي اهميته من كون مصالح التماهى مع مايعرضه نعيسة ليس خاصا به بل ويتحواها الكثيرون
    بوصفها أكثر صلاحية ..
    الحوار يفيد من يقرأه ولو بعد الف عام لجهة امتلاكه اداة قياس صلاحية المصالح بما يتسق مع البداهة الكونية
    ويرفع مستوى حوار المصالح من مستوى السفسطة والثرثرة بلا ضوابط الى مستوى الحوار المنطقي الحيوي
    ويقينا من الوقوع بمرض نقص البداهعة بشكل سريع وفعال ودامغ تحت طائلة أن لايستطيع المعاند والذي تأخذه العزة بالإثم او الذي يخون منطقه الحيوي ان ينظر الى وجهه في المرآة ؟؟

  23. عبد الباري الشايع يرد على الأمين :
    قال السيد الأمين اعلاه مؤيد الإنفصالات ..:
    عصريا يثبت الواقع ان فكرة الوحدة العربية قد افرنقعت والى الأبد والحمد لله” والرد هو : هناك من يحمد الله على وجود مغفلين يدعمون اعدائهم مجانا ويحونون منطقهم الحيوي.. بلا مبرر..
    أليس من مصالح من كان وراء الإنفصال واستمراره ؟ ومن كان وراء سايكش بيكو وامثال مصالحهما المعادية لحق العرب في دولة موحدة ومستقلة يحمد الله على وجود مغفلين يخونون منطقهم الحيوي؟

  24. أعتذر للسيد نعيسة عن وصفي إياه بالسيكوباثي، وأعترف أننا جميعا سيكوباثيين إلى حد ما، لكن أرجو أن يتفهم موقفي من انتاج (فكري) (تكفيري) يقوم على الشتيمة، وتسكنه إدانة التراث غير النقدية، وقراءته غير التاريخية التي تقابل تقديس السلفيين للنموذج التاريخي فيما أسميه اغتراب الزمان بتقديس تجربة بشرية في مكان آخر فيما أسميه اغتراب المكان، وأرجو أن أتمكن من قراءته مستقبلا ومقاربة بعض أنتاجه مقاربة نقدية والسلام لكل من يشارك في الحوار.

    أخوكم د. عمار

  25. وليس يصح في الإفهام شيء***إذا احتاج النهار إلى دليل

    هذا من أقوال المتنبي العلوي الحيوي العظيم الذي يقضي بعدم اللجوء إلى البرهانية ولا ضروريتها في الكثير من الأحيان لأنها بداهة كونية طبيعية ومعروفة لا تحتاج لبرهان ودليل يا دكتورنا العظيم. فعندما تقول أن العرب حمير وخنازير وذئاب بشرية وغجر وحوش ومتخلفين وووحدتهم العربية ضرب من الخيال والمستحيل ولا علاقة لهم بالكون وبالبداهة…إلخ فهذا كضوء النهار لا يحتاج لأي برهان ودليل وتاريخهم الطويل أكبر شاهد ودليل وأنت لا تخدم أحدا بذلك سوى المنطق الحيوي والحقيقة التي هي كعبة الحيويين

  26. ..العزيز نضال نعيسه السلام عليكم …وعلى جميع المحاورين..

    قرأت لك جملة جميله جدا جدا…وهي نصلح محيطنا ثم إن أتت الوحده العربيه فيا مرحبا بها وبهم..في الحقيقة هذه زبدة الكلام…أن لا أتوقف لمجرد مرض حصان أو فرس أو بعير أو شاة أو ..أو…أو ..تمرد على القافلة بكل تفصيلات القافله من معنى ..تقدم تطور إنفتاح ..ونضوج ..وسير إلى الأمام بخطوات ثابته ..ليس من الحكمة..أن نتوقف ..حتى ..نستنهض..كبوة..العير..في..بطن وادي…حتى نسير..عندما نجد..جمعا يجد في السير بمفرده ويتقدم ويرقى القمم فلا شك أنه سيثير فضول من هم على تخوم..الهاوية..وتتفتح عيونهم أكثر ..وتؤجل النعاس..المستديم حتى تبلغ الهمم ..مبالغها…هذا من جهه..

    أما من جهة مقابلة فإذا أحلنا النص..على مقايسات لصديقنا د.رائق النقري…للقياس عليه…فسأجد..أني استحضرت بيتا من أشعار..بني يعرب يطوي الحكمة..والبداهة فكيف سنقيس عليه….((إذا الرماح إجتمعن أبين تكسرا وإذا افترقن تكسرت آحاد))هذا القول لايتبع لأي فئوية دينية لا سلفية ولا صوفية ولا مذهبية…إنما هو منطق حيوي مبني على التجربة ذات الناتج المنطقي الغير قابل للجدل…وهو أن كسر مجموعة من الرماح يصبح صعبا جدا أو يكاد يستحيل…إذا اجتمعت..وسوف يكون كسرها سهلا للغاية إذا حاولنا كسرها آحاد…هذا منطق بديهي ومطلق البداهه…

    فالناس والعقلاء صديقنا نضال تبحث عن الحكمة والقوة حتى ولو حلمت بها لمجرد الحلم يا رجل بعض الخيال العلمي اصبح حقيقه..فربما؟؟ دعنا ودعهم ربما نصيب يوما بخيالنا الوحدوي الولايات العربية المتحدة..ما رأيك بهذا المسمى…إنه رنان يدق له القلب أليس كذلك….؟؟؟
    حلم الوحدة أو وجوب الوحده أو أفضلية الوحده هو خيار منطقي عقلاني ومثالي وفطري لنأوي بين الأمم بالوحدة العربية المنشودة إلى ركن((تجمع الرماح))لا إلى تفرقها…

    لكن مشكلتنا هو وضع العربه أمام الحصان…ننادي بالوحده ونحنا من داخلنا شراذم عقول وبقايا امه..نريد أن نأكل بعضنا..لا يسع بعضنا بعضا…ولا نتقبل..فكرة…حرية الإعتقاد وحرية الرأي…لنعيش…كبني إنسان أولا ثم نبحث عن العروبه في طيات…تاريخنا ..ونقلد..من سادوا…ولا نستذكر من بادوا…..((حقا إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم))…نغيير أنفسنا كأفراد…لا نغدر لا نسرق لا نحسد لا نكذب..لا نشهد الزور لا نؤذي جارنا…لا نغتاب أخانا..لا..لا…نصلح نفوسنا…وبيوتنا…فيصلح المجتمع…بكل بساطه..عندما تكون هذه هي السمة عند الناس فستكون الأرض بأقطارها …امة واحدة…

  27. ان الحلم بالوحدة العربية لا شك ما فتئ يدغدغ مشاعر كل ناطق بالعربية، ومن كثرة الدغدغة نام ونامت قدراته وفعاليته وصار نهباً لوحوش الأرض على تنوعها تعضه وتنهش لحمه ووهو يحسب عضّها دغدغة وملاطفة وتقبيل.
    أما آن للنائم أن يوحد الدايم ويقوم من سباته الذي بدأ مع رحيل بني الأحمر من الأندلس الى هذه اللحظة؟ أين هذه الوحدة؟ ما شكلها؟ أأبقى نائما أحلم بالوحدة التي نادها أحدهم : اقبلي …طيف وحدة كيفما شئت اقبلي فجائت وذهبت باسرع مما اتت ونحن نائمون!
    ان الدعوة للوحدة العربية هي كدعوى تعليق الجرس في عنق القط من قبل الفئران, فحين يعلق الفأر الجرس في عنق القط , تأمن الفئران على حياتها وتحل كل مشاكلها, كذلك عندما تتحد البلاد العربية تحل مشاكلها كلها وتسبق الغرب والشرق بسنين ضوئية من العلم والمعرفة.
    هل هو مغفل من استفاق وقيم وضعه وانطلق ليرمم جسمه المنزوع من أمه بعملية قيصرية اجريت بأدوات مجرثمة؟ ام أنه فاقد الصلاحية؟ ام ان الحيوية على هوى من ادعى انه حيوي؟ ما هو مستوى الحيوية في كلمات لا تجد لها اية صلاحية على ارض الواقع؟
    ان سألت طفلا صغيرا عن ماهية الوحدة العربية سيجيبك نفس اجابة الكبير: لا يدري
    كان الأولى لمن اتهم ان يعطنا خطة حقيقية يقبل بها العرب لقيام وحدتهم التي تتم بعد مئة سنة أو مئتين مصادق عليها من قبل البرلامانات العربية, وان لم يستطع فلاباس ان يعود ليكمل حلمه باجاد الوحدة عله يهتدي الى حل أو ميثاق سحري وعندها سنقول له “صح النوم”

  28. الدكتور العزيز محمد: شكرا لكم على كلماتكم الرقيقة واعتذاركم اللطيف المقبول من قبلي. لا أ‘تقد أبداً أنك أخطأت في وصفنا جميعاً بالسيكوباتيين، والأحرى العصابيين، فنحن جميعاً إن لم نكن سيكوباتيين وعصابيين ونقديين ونتحسس آلام هذا الواقع ومفارقاته المؤرقة، فلن ننطق بكل هذا. إن الصراعات التي تتولد في ذواتنا وفي دواخلنا إزاء ما نراه أزمات كبرى، وما يراه غيرنا تراثاً رائعا وخالداً علينا بعثه وإحياؤه من جديد، هي التي تحفزنا على القول والشطط أحيانا في القول ورفع الصوت والهذيان التي كلها ظواهر عصابية وسيكوباتية ناتجة عن الألم والتمزق النفسي، ومن هنا لم يكن واجبا الاعتذار طالما أنك تقول الحقيقة وكان اعترافك بأننا جميعا سيكوباتيين وأضيف عصابين هو عين الحق والصواب. أصدقائي لنتصور العكس، تماماً، ماذا لو صمت نضال ننعيسة، ورائق النقري، وعلى الأمين، ومحمد العمار، وحمزة رستناوي، وكل تلك العقول المنشغلة بالشأن العام وحال المجتمعات، وانجروا وراء صغائر الحياة كما يفعل العوام، هل سيكون الوضع عندئذ طبيعياً، أم أكثر من مخاطر وتداعيات السيكوباتية، وربما الجنون المطلق؟ هل تقبل أن نصمت يا صديقي؟ أم علينا الكلام والصراخ والعويل والتلويح بكلتا يدينا طلبا للنجدة والمساعدة والخلاص، وحتى لو قيل عنا سيكوباتيين ومجانين ..إلخ؟ هل توافقني على الصمت والانسحاب أم على العصابية والسيكوباتية؟ ألا ترة أن السكوباتية ضرورة حتمية احتمالية نسبية في حالة الأ‘اريب؟ سلام أيها الرفيق؟

اترك رد