:من البنيوية..الى التفكيكية ! أرادوها شراباً.. فكانت سراباًَ..!

من البنيوية و التفكيكية الى الحيوية ! دحض وبديل ب12 نقطة على الأقل !!

http://damascusschool.wordpress.com/2009/04/08/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%8A%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D9%84%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%8A%D9%88%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5-%D8%A7%D9%84%D8%A7/

وضحاء..:
البنيوية.. أرادوها شرابا.. فكانت سرابا..!

المفهوم:
اشتقت البنيوية من لفظ (البنية)، التي تعني: تكوين الشيء، أو الكيفية التي شُيِّد عليها.
ويُقصد بها في علم اللغة مجموعة مركبة من العناصر المتماسكة، والمتداخلة فيما بينها، بحيث تُلغى فكرة التفرّد؛ بل يتوقّف كل عنصر على بقية العناصر الأخرى، ومدى علاقته بها؛ فتكون البنيوية عبارة عن دراسة العلاقات بين البنى المختلفة في النص الأدبي.
وقد لخّص القول (دي سوسير) – الذي يُعدّ أبو البنيوية- بأنها (تنظيم … يعبّر عن تماسك العلاقات داخل ذلك النص الموحّد).
أما عالم الاجتماع ليفي شتراوس فإنه يعرّفها بأنها (مجرد منهج أو نسق يمكن تطبيقه على أي نوع من الدراسات)
يُفهم من ذلك أن البنيوية نظرية قائمة على تحديد وظائف العناصر المترابطة الداخلة في النص.

البنيوية الغربية:
إن أول من أسس منهج البنيوية العالم اللغوي السويسري (فردينان دي سوسير 1913م)، في محاضراته التي ألقاها عن ثنائية اللغة والكلام، وثنائية المحور التاريخي التطوري، والمحور التزامني الوصفي، إضافة إلى ثنائية علمي اللغة: الداخلي و الخارجي.
وقد قامت البنيوية على هذه الثنائيات اللغوية المتقابلة، وإن كان سوسير –كما أشرت سابقاً- لم يعبِّر بلفظ (البنية) وإنما (نظام) ؛ ولكن اختلاف اللفظ لا يُشكِل مادام يقصد المعنى نفسه للبنية. وقد استفاد سوسير من مبادئ المذهب التجريبي الذي تبنته الدراسات اللغوية.
وبعد حقبة من الزمن تنقلنا من سويسرا إلى روسيا حيث الشكلانيين الروس؛ الذين وضعوا أسساً منهجية مستقلة عما يريده النظام الشيوعي من تركيز على المضمون. وذهبوا إلى أن قيمة الوسيلة الأدبية تعتمد في الأساس على علاقتها مع الوسائل الأدبية الأخرى.
ومن المؤسسين لهذه المدرسة (رومان جاكبسون)؛ الذي التحق بعد ذلك بمدرسة (براغ)، وقد عمد إلى رسم بياني كامل بيّن فيه عوامل التواصل الكلامي بتوزيع المرسل والمرسل إليه، الذين يعدهما من أهم عناصر التواصل الستة في الوظائف اللغوية . وقد كان السبّاق بلفظة (البنيوية) كمنهج نقدي .
وبعد براغ والشكلانيين أثبتت مدرسة (النقد الجديد) في أمريكا وإنجلترا ضرورة عزل النص عمّا يؤثر فيه، وعدُّوا الأعمال الأدبية أشياء مجردة بعيدة عن العوامل الخارجية !!!
أما ليفي شتراوس العالم الأنثروبولوجي فقد جعل النموذج اللغوي مقوِّماً في دراسة الكليّات، وهذا الاعتماد يسّر تمازج العلوم الإنسانية؛ الذي تجسّد بلقاء هذا العالم بـ(جاكبسون) ليتعاونا في تحليل نص لبودلير (القطط)، يصبح وقتها الميلاد الفعلي للمنهج البنيوي في النقد الأدبي .
بعد ذلك كان اهتمام علماء النفس بالشعور واللا شعور على أساس أنهما بنى لغوية، فنجد (جاك لاكان) يؤسس علم النفس البنيوي القائم على أن البنية الشاملة للغة هي بنية لا شعورية، وأن لا وجود لأية علاقة مباشرة بين النفس و التجربة .
وكذلك الفرنسي (جان بياجيه) ، الذي جعل للبنية ثلاث خصائص لا بد أن تتسم بها: هي الكلية؛ فتتكون البنية من عناصر داخلية خاضعة لقوانين النسق. والتحول؛ وهو سلسلة من التغيرات الباطنة تحدث داخل النسق. والتنظيم الذاتي؛ فتنظم البنية نفسها لتحفظ لها وحدتها، وتساهم في طول بقائها .
وكان للناقد الفرنسي (رولان بارت) إسهامات في البنيوية، ولكنه في آخر عمره انتقدها، ونأى عنها إلى التفكيكية .

البنيوية العربية التراثية:
لم يكن النقد العربي القديم بأدواته يستطيع تحليل النص الأدبي كما يقوم به أصحاب البنيوية الآن؛ إلا أن هناك بعض البدايات والنظرات التي تشابه إلى حدٍ ما ما يقوم به البنيويون اليوم.
فحينما يكشف هؤلاء عن العلاقات المتشابكة في النص فأولئك بدورهم كانوا يبحثون عنها أيضا وإن لم تكن نفس العلاقات. فعبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز تحدّث عن العلاقات النحوية في النص، وتأثيرها في التعبير الأدبي. إضافة إلى أن نظريته الشهيرة (النظم) كانت تشبه إلى حدٍ كبير ما يعرف بالتوليد في النص، و أن ليس للمفردة المجردة مزية حتى تدخل في سياق معين، وهذا ما عرفناه لدى البنيويين؛ الذين يعتمدون في أسسهم على أن العلاقات بين العناصر في النص هي المحور، ولا يعتدّ بالعنصر الواحد بذاته.
ويرى حسام الخطيب أنه كما دافع ابن قتيبة والمرزوقي وابن خلدون عن وحدة البيت في القصيدة، فإن البنيويون أيضا يهتمون بهذا الأمر، إلا أنني أخالفه هذه الفكرة؛ فما عرفته عن هذا المنهج هو اهتمامه بالنص الأدبي كوحدة متكاملة.
أيضاً ممن كانت له إشارات ولمحات فيما يتصل بهذا المنهج الناقد العربي (حازم القرطاجني ق6 هـ) حين أشار إلى البعض عناصر الاتصال في النص لدى البنيويين . إضافة إلى محاولاته في النظرة الكلية للنص الأدبي.

البنيوية العربية الحديثة:
لم تنتشر البنيوية في العالم العربي كما كانت في الغرب تتوزع في كل المجالات، سواء العلوم الإنسانية، أم غيرها من البحتة. فقد تمركز هذا المنهج في النقد الأدبي دون غيره.
وقد بدأت في أواسط الستينيات حين نشر (محمود أمين) في مجلة (المصور) مطلِقاً على هذه المناهج: (الهيكلية)، وبعدها توقف الزحف حتى نهاية السبعينيات فقد نشر العديد من النقاد والأدباء العرب دراساتهم التي اتجهت اتجاهي البنيوية: الشكلاني، والتكويني، وإن كان للتكوينية النصيب الأكبر من الانتشار.
وهاهو ذا شكري عيّاد في مقالته (موقف من البنيوية) يوضح مدى تقبّل النقاد العرب لهذا المنهج حين يحاول وضع تصور للبنيوية بين مناهج النقد الأخرى معلِّلاً لولادتها، ومدى علاقتها بالمناهج الأخرى كالسميولوجية.
بينما هناك من يرى أن هذا الاستقبال قد توزّع لثلاثة مشارب مختلفة:
1- الترجمة من النظريات النقدية الغربية إلى اللغة العربية.
2- مراجعة الموروث العربي؛ للخروج بأوجه اتصال وتقابل بينه وبين ما لدى النقد الغربي.
3- التطبيق، وتناول النصوص العربية القديمة والحديثة، وإسقاط النظريات النقدية عليها.

وقد ظهرت المحاولات النقدية إلا أنها ظلت محدودة ومتواضعة، رغم تحفّزها وطموحها المتردّد للتوازي مع ما وصل إليه النقد الغربي.. هل هذا الجهد من أجل تحقيق معرفة بعلاقات النص، أم أنه مجرد مواكبة للتطور النقدي؟
وبعدها نجد مقالات د. الغذامي، قبل كتابه (الخطيئة والتكفير) يؤكد فيها أن لا ثمة ناقد بنيوي صرف؛ وإنما البنيوية كمنهج نقدي حاضرة في أغلب الممارسات النقدية. ولا يكتفي بهذا الجانب التنظيري، وإنما يحاول التطبيق على بعض النصوص الأدبية .

آراء بعضهم:

يرى د. المسدّي أن البنيوية تجرأت على النص وأزاحت ما كان يحيط به من هالة قدسية تعيق عن الرؤية الموضوعية المتأنية، إضافة إلى أن (موت المؤلف) كانت الفكرة الجانية عليها.
لـ د. سعد أبو الرضا لمحات:
1. أن النظرة المادية لواقع النص أو ما يتصل به تجعل الاتجاه البنيوي يتجاوز حدوده في تحليل النصوص المقدسة.
2. حينما يؤمن هذا الاتجاه بالواقع دون غيره في تحليل النص، فيتجاهل ما فوق الواقع والقيم الأخلاقية؛ فذلك –بلا شك- ينافي تحقيق التفاعل بين النص والمتلقي فضلا عن الإخلال بالاعتقاد الإسلامي.
3. الإيمان الأعمى والمطلق من أصحاب هذا المنهج بما يكتبون، يجعلهم رافضين لكل نقد أو ملحوظة؛ مما يمنع التواصل المثمر للرفع من قيمة النقد.
4. حرص البنيويين على عزل النص عن صاحبه (موت المؤلف) يمنع من معرفة ظروف هذا النص المساهمة في تحليله.

يقول شكري عيّاد إن هذا التناقض هو ديدن الحضارة، الساعية لتحويل كل عمل إنساني إلى نظام مجرد؛ لكن الأدب اصطدم بها، فهو –كما نعلم- يعبر عن حالة الإنسان الشعورية.

ويعتقد د. حمودة أن فشل البنيوية الحقيقي هو عجز المنهج عن تحقيق المعنى، وإن سلّم بنجاحه في تحليل اللغة إلا أنه ينفي كفاءته في تحليل النصوص .

وبعد هذا..

نشأة البنيوية لم تكن نقدية، وإنما لغوية.
لم يستأثر النقد الأدبي الغربي بهذا المنهج؛ وإنما شمل أغلب العلوم من إنسانية وغيرها؛ بعكس انحصاره عربيا في النقد الأدبي.
بعض من النقاد الذين تبنوا البنيوية في بداياتها، نفضوا أيديهم عنها بعد أن تبين قصورها في تحليل النصوص، كالفرنسي رولان بارت.
لا يحق تجاهل وجود بعض نقاط الالتقاء بين النقد العربي القديم على بساطة أدواته، والغربي الحديث في هذا المنهج.
ظهور ما يسمى بـ (ما بعد البنيوية)، نشأت على أنقاض البنيوية، وحاولت تفادي ما كان في الأولى من عيوب؛ كقضية (موت المؤلف) التي ساهمت بشكل كبير في زوال المنهج.

أخيرا.. تبقى البنيوية أحد المناهج التي حلّت على ساحة النقد بعد العلوم الإنسانية، وانتشرت كالنار في الهشيم في أصقاع الغرب، وحاول أصحابها الرفع من شأنها، وإطالة عمرها. إلا أن مبادئها نفسها هي من اغتالتها؛ لعدم استطاعتها الوفاء بما يستحقه النص الأدبي.
فاندثرت بعدما كُتبت لها الحياة والاستمرار حقبة من الزمن.. إذ هكذا سنة الحياة.
وستظل البنيوية منهجاً له حسناته كما سيئاته، يُستفاد منه بشكل جزئي –كما هو حال أغلب المناهج النقدية-؛ مما يؤكد الدعوة إلى الاستفادة من جميع المناهج بعيداً عن سيئاتها المضرة بالنص الأدبي.

About these ads

10 تعليقات

  1. للنقد عدة مناهج ..

    اذكر منها

    ((المنهج التاريخي))

    يعنى المنهج التاريخي في دراسة الأدب بالأسباب الخارجية التي تستحكم في بلورة الظاهرة الأدبية وإخراجها إلى حيز الوجود ..ويركز هذا المنهج على عدت أفكار منها:

    1/حياة الأديب أو سيرته الذاتية
    2/البيئة التي عاش فيها وتأثره بها
    3/سياق النص أو تاريخه :
    والمراد به الموضوع الذي تتحدث عنه القصيدة

    4/ثقافة المجتمع:
    بمعنى أن يلم الدارس بالثقافة السائدة في الحقبة التاريخية التي وجد فيها النص ليتمكن من تفسيره

    ((المنهج النفسي ))
    ويركز على العالم النفسي للأديب لأنه يرى أن هذا الأسلوب ييسر تفسير النتاجات الأدبية لأنه ثري بكثرة أفكاره
    وهو يعني بالظواهر اللغوية التي يستشف منها المشكلات النفسية والسلوكية للأديب

    ((المنهج البنيوي))

    البنيوية حركة منهجية تحلل الظواهر اللغوية وفقا لمبادئ علم اللغة وتهتم بالبنى وما تحمله من ترابط داخلي بحثا عن نسق لغوي يربط بين تلك البنى و إبراز الفوارق والاختلافات بينها لإظهار صور من التضاد أو الثنائيات الناجمة عن تضاد ظاهر بين اللغة والكلام
    فالنص عند أصحاب البنيوية يشكل هذا التضاد أي التنازع بين الكلام واللغة
    ومن عيوب هذا المنهج ..انه يركز على النص بشكل لغوي

    ولا تركز على ظروف الأديب

    http://www.alsaher.net/mjales/t2472.htmlة

  2. البنيوية التكوينية
    الخميس, 14 آب/أغسطس 2008 21:56 سليم ساعد السلمي نقد ومراجعات – نقد وتحليل
    تقويم المستخدم: / 1
    الأسوأالأفضل

    تعد البنيوية التكوينية أو التوليدية، فرع من فروع البنيوية، نشأ استجابة لسعي بعض المفكرين والنقاد والماركسيين، للتوفيق بين أطروحات البنيوية في صِيغيتِها الشكلانية وأُسس الفكر الماركسي أو الجدلي في تركيزه على التفسير المادي والواقعي للفكر والثقافة عموماً.

    ولما كانت هذه المناهج الأدبية الحديثة محور النقاش عند العديد من النقاد والدَّارسين أردتُ أن أكون واحداً من الذين يقلبون صفحات الكتب للحصول على معلومات قد تكون لدى طالب العلم والمعرفة الخلقية حول هذه المناهج.ومن هنا تناولت دراستي منهج البنيوية التكوينية وهو أحد المناهج سالفة الذكر، وتقوم هذه الدراسة على توضيح معنى البنيوية التكوينية( التوليدية)، ومن ثم الحديث عن المفاهيم والمعايير التي تتَضَمْنُها البنيوية التكوينية، و انتقلتُ للحديث عن خطوات المنهج البنيوي التكويني في النقد الأدبي ومنهج غولدمان في التحليل البنيوي التكويني، ثم تناولت الحديث عن أبرز أعلام هذا المنهج، ومن ثم انتقلت للحديث عن البنيوية التكوينية في العالم العربي والمآخذ التي تدور حول المنهج البنيوي التكويني.

    ومن أبرز المراجع التي اعتمدتُ عليها في كتابة هذا البحث كتاب ( البنيوية التكوينية والنقد الأدبي) للوسيان غولدمان، وكتاب ( فضاء النص الروائي) لمحمد عزام، وكتاب ( ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب) لمحمد بنيس وغَيْرِها من المصادر والمراجع.

    الجـــــانب الأولــــــ،

    معنـى البنيويـة التكوينيـة:

    قال ابن رشيق: ( التوليد) أن يستخرج الشاعر معنى من معنى شاعر تقدّمه أو يزيد فيه زيادة، فلذلك يسمّى (التوليد)، وليس (باختراع) لما فيه من الأقتداء بغيره، ولا يقال له أيضاً( سرقة) إذا كان ليس آخذاً على وجهه، مثل ذلك قول امرئ القيس:
    سموتُ إليها بعدما نام أهُلها
    سمُوَّ حَبَابِ الماءِ حالاً على حالِ

    فقال عمر بن عبدالله بن أبي ربيعة، وقيل وضاح اليماني:
    فأسقط علينا كسقوط الندى
    ليلةَ لا ناهٍ ولا زاجرُ

    فولّد معنى مليحاً أقتدى فيه بمعنى امرئ القيس، دون أن يشركه في شيء من لفظة، أو ينحو نحوه إلا في المحصول، وهو لطف الوصول إلى حاجته في خفية(1).

    وكلمة البنيوية التي تشتق منها البنائية هي نزعة مشتركة بين عدّة علوم كعلم النفس، وعلم السلالات لتحديد واقعة بشرية بالنسبة إلى مجموع مُنظم، فهي نظرية قائمة على تحديد وظائف العناصر الدّاخلية في تركيب اللغة، ومُبينة أن هذه الوظائف المحدّدة لمجموعة من الموازنات والمقابلات هي مندرجة في منظومات واضحة، وليس للأعضاء وجود مستقل إلا من خلال تحديد وظائفها العامة (2).

    ويتضح “إن مفهوم البنية (Structure)، ومفهوم التكوين (Genese) هما الأساس الذي تقوم عليه البنيوية التكوينية ” (3).

    التكوين أو التوليد لا يتضمن أي بعد زمني يعيد الشيء المدروس إلى تاريخ ولادته ونشأته. فالبعد الزمني في هذا الشأن ثانوي جداً ولا يخفي غُلدمان عدم أرتياحه لكلمة بنية لخشيه من الثبات والسكون اللذين يمكن إضفاؤهما عليها، فيقول في هذا الشأن” تحّمل كلمة بنية، للأسف،انطباعاً بالسكون. ولهذا فهي غير صحيحة تماماً. ويجب ألا تتكلم عن البنى؛ لأنها لا توجد في الحياة الاجتماعية الواقعية إلا نادراً ولفترة وجيزة، وإنما نتكلم عن عمليات تشكل البنى” (4).

    ومن هذا المنظور فإن البنية التي يأخذ بها غولدمان ترتبط بالأعمال والتصرفات الإنسانية، إذ يكون فهمها محاولة لإعطاء جواب بليغ على وضع إنساني معين؛ لأنها تُقِيم توازناً بين الفاعل وفعله أو بين الأشخاص والأشياء. فصفة التكوين أو التوليدية هنا تعني الدلالية، دون الرجوع إلى النشأة بالضرورة.

    وقد أشار عبد السلام المسدّي في كتابه قضية البنيوية بهدف هذا المصطلح من منظور غولدمان إلى إقامة توازن بين العالم الخارجي( الذي يحيط بالإنسان ويرسل إليه الحروب والفتوحات والنزوحات والاختلال مثلاً)، والعالم الداخلي( الذي ينبعث من الإنسان والمجموعة البشرية بغية التفاعل أو الرفض)، ويرى غولدمان أن هذا التوازن يتبدل من مجتمع إلى آخر ومن حقبة زمنية إلى أخرى(5).

    الجــــانب الثــــاني

    المفاهيم والمعايير المنهجية التي تتضمنها البنيوية التكوينية:

    * البنيـة الدلاليــة:

    يفترض مفهوم البنية الدلالية، الذي أدخله غولدمان، لا فقط وحدة الأجزاء ضمن كلية والعلاقة الداخلية بين العناصر، بل يفترض في نفس الوقت الانتقال من رؤية سكونية إلى رؤية دينامية، أي وحدة النشأة مع الوظيفة بحيث نكون أمام عملية تشكل للبنيات متكاملة مع عملية تفككها. إن مفهوم البنية الدلالية يشكل الأداة الرئيسية للبحث في أغلب الوقائع الماضية والحاضرة، مع ذلك فهنالك عدد من قطاعات الواقع التي يبدو أنها تقتصر على مفهوم البنية، من حيث أننا لا نستطيع فصل الجوهري عن العرضي ولا دمجها في بنيات أوسع، فيما يتعلق بمقولة البنية يشير غولدمان إلى أنها، مع الأسف، ذات رنين سكوني، مما يجعلها غير دقيقة دقة صارمة، لذلك لأننا نصادف في الحياة الاجتماعية الواقعية بنيات قليلة بل بالأحرى نصادف عمليات لتشكل البنيات، عمليات يمكن وضعها في علاقة مع البنيات الذهنية الخاصة لا بأفراد بل بالمجموعات وبالطبقات. إن اتجاه تشكل البنية نحو بنية جديدة، الخاص بالمؤلفات الفلسفية الكبرى، وبالمؤلفات الأدبية والفنية، يعبر عن نظام وعن انسجام الموقف العام للإنسان تجاه المشاكل الرئيسية التي تطرحها العلاقات القائمة بين الناس والعلاقات القائمة بين الناس والطبيعة، في حين أن تفكك البنيات يعبر عن المسافة التي تفصلها عن البنيات القديمة وعن المواقف التي كانت المجموعة الاجتماعية تسعى نحوها في الماضي(6).

    ويؤكد غولدمان أن البنيات الذهنية والوجدانية والبنيات السلوكية هي دوما بنيات تاريخية، يؤثر بعضها على بعض تأثيراً متبادلاً، وتتدامج ضمن بنيات تحتويها وتشملها. والنتيجة أنه لا يوجد أي سبب يدفع إلى التوقف في التحليل عند كتابة ما أو عند نتاج أو عند فردية المؤلف أو حتى عند الوعي الجماعي(7).

    ويوصي غولدمان النقد الأدبي، بتبني منظور واسع، لا يغفل التحليل الداخلي للنتاج، واندراجه ضمن البنيات التاريخية والاجتماعية ولا يغفل كذلك دراسة السيرة الذاتية ونفسية الفنان، كأدوات مساعدة. كما يدعو إلى إدخال النتاج في علاقة مع البنيات الأساسية للواقع التاريخي والاجتماعي(8).

    * رؤيـــة العالـــم:

    لا يأخذ غولدمان مقولة رؤية العالم في معناها التقليدي الذي يشبهها بتصور واعٍ للعالم، تصور إرادي مقصود، بل هي عنده الكيفية التي يحس فيها وينظر فيها إلى واقع معين، أو النسق الفكري الذي يسبق عملية تحقق النتاج: إن ما هو حاسم، ليس هو نوايا المؤلف بل الدلالة الموضوعية التي يكتسبها النتاج، بمعزل عن رغبة مبدعة وأحياناً ضد رغبته، ويرى غولدمان، في منظور مادي جدلي أن الأدب والفلسفة من حيث أنهما تعبيران عن رؤية للعالم- في مستويين مختلفين- فإن هذه الرؤية ليست واقعة فردية بل واقعة اجتماعية تنتمي إلى مجموعة أو إلى طبقة. وتبعاً لبرهنته، فإن أي رؤية للعالم هي من وجهة نظر متناسقة ووحدوية حول مجموع واقع وفكر الأفراد الذي يندر أن يكون متناسقاً ووحدوياً باستثناء بعض الحالات. لا يتعلق الأمر هنا بوحدة ميتافيزيقية ومجردة، بدون جسم ولا شكل، بل يتعلق الأمر بنسق فكري يفرض نفسه، في بعض الشروط على مجموعة من الناس توجد في شروط مشابهه، أي على بعض الطبقات الاجتماعية(9).

    * القيمـــة:

    إن إحدى المعايير الأساسية لقيمة النتاج- حسب غولدمان- هي مقدار تمثيلها لرؤية متناسقة للعالم على مستوى المفهوم وعلى مستوى الصورة اللفظية أو الصورة الحسية. إن التفسير العلمي لنتاج ما لا ينفصل عن إبراز قيمته الفلسفسية أو الجمالية، مما يفترض استخراج الرؤية المعبر عنها والتأويل الموضوعي لها. نحن نعرف مع ذلك أن الرؤية المتناسقة ليست هي المعيار الصالح الوحيد. وفي العلوم تتدخل الحقيقة، أما في الفن فإن المعايير تناسب الواقعية. وتضيف البنيوية الفرنسية بأنه يمكن القول أن نظرية علمية ما تأخذ قيمتها حين يعترف بها كنظرية خاطئة، في حين أن عملاً فنياً ما لا يمكن أن يكون غريباً كل الغربة عن كل واقعية- كما يحدث في العلم المعاصر- دون أن يفقد بذلك قيمته الجمالية. وإذا كان الفرق بين العلم والفن أمرا بديهيا، فإننا نعرف بأننا لا ننجح في فصل المعنى الأكسيولوجي المضفي على الواقعية(10).

    يعلن غولدمان أنه يناصر الفكرة التي تبلورت في علم الجمال التقليدي، والتي تعرف القيمة كـ ( توتر متجاوز ومتغلب عليه) بين الثراء الحسي والوحدة التي تنظم هذا التعدد في مجموع متناسق. ويبدو هذا المنظور صادقاً بقدر ما يكون التوتر هو في نفس الوقت توتراً أكبر ومتغلباً عليه بصورة أكثر، أي بقدر ما يكون الثراء والتعدد الحسي للنتاج كبيرين، وبقدر ما يكون عالم النتاج عالما منظماً صارماً ويشكل وحدة بنيوية. فإن التناسق الذي يعتبر هو أيضاً رغم عدم كفايته كمعيار أساسي بجانب رؤية العالم وبجانب السمة التوترية للنتاج(11).

    إن القيم الحقيقية في مفهوم غولدمان، ليست هي القيم التي يعتبرها الناقد أو القارئ كذلك، بل هي القيم التي تنظم ضمنياً مجموع عالم النتاج. ومن البديهي في هذا المنظور أن لكل نتاج في حد ذاته قيمه الخاصة. حين يتعلق الأمر بالفن، فإن وجود القيم ليس وجوداً مفهومياً ومجرداً، وجوداً يأخذ في وعي المبدع صورة أخلاقية، والتي عبر عنها لوكاش قائلاً بأن ( أخلاقية الروائي تصبح مشكلة جمالية للنتاج). أي أن الأمر لا يتعلق هنا بقيمة النتاج بل بالقيم التي يستدمجها، لذلك من غير الكافي أن تكون القيم الأخلاقية المعنية قيماً أساسية حتى يكون العمل الفني ناجحاً من وجهة نظر علم الجمال(12).

    أن القيم الفكرية الحقيقية لا تنفصل عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي بل بالعكس تتكئ عليه، وهي تدقيقات في غاية الأهمية، رغم أن إطار حل المشكلة يمر عبرها بصعوبة. وبالفعل فإن الميكانيزم الملموس لتقييم النتاج مفقود فيها. إن فكرة أهمية المضمون ( المأخوذة من لوكاش)، وواقع أننا أمام كائنات ملموسة وواقعية أنه يتعين علينا في تقديراتنا أن نأخذ ثراء ووحدة العالم المبدع بعين الاعتبار، ولكنها تبقينا في نفس المنظور العام. وإن التحليلات الملموسة التي يقوم بها المؤلف تنطلق في معظمها من الأعمال الفنية ومن مؤلفين معروفين، ومع أننا نتفق مع المواقف المبدئية لغولدمان- إلا أننا نأسف لواقعة أعماله تشعر المرء بضرب من (المضمونية) وأن المشاكل (اللغة) لا تعالج إلا في مدى ضعيف(13).

    * النتــــــاج:

    النتاج حالة خاصة ومتميزة للسلوك الإنساني في المعنى الذي يتعين فيه على السلوك الإنساني أن يعبر عن بنية دالة تنتمي لا إلى الفرد بل إلى المجموعة أو إلى الطبقة التي يمثلها هذا السلوك. إن التفاعل المتبادل بين الذات والموضوع مصوغة بصورة في منتهى الدقة، مبرهنة على أنهما بعيدان عن أن يكونا متموضعين في قطبين متعارضين تعارضاً كلياً أو أنهما لا يتداخلان فيما بينهما. إن الموضوع العالم الطبيعي والاجتماعي هو جزء كبير منه منتوج للأنشطة الإنسانية أي للذات إذن، في حين أن البنيات التي تحكم نشاط الذات وفي المقام الأول المقولات الفكرية والقيم- هي منتوج التطور التاريخي للعالم الطبيعي والاجتماعي(14).

    * الفــن:

    إن تصورات غولدمان المتعلقة بطبيعة الفن ليست تخليلات داخلية للفن( باستثناء بعض الحالات) بقدر ماهي مقدمات لإنشاء منهجية ضرورية للبحث، وليس من الصحيح أن الفن يقوم في شكل مستقل عن المضمون أو يمكن أن يأخذ صفاءه بواسطة اقتراب أكبر من الحياة الواقعية ومن الصراعات الطبقية ، لذلك لا يمكن تقدير قيمة نتاج ما من خلال مضمونه، باسم بعض المذاهب أو بعض المعايير. فالفنان لا ينسخ الواقع، بل يبدع كائنات وأشياء تشكل عالماً موسعاً وموحداً إلى هذا القدر أو ذاك، عالما ذا تناسق ومنطق داخلي منظوراً إليه من زاوية معينة(15).

    وعليه يقول غولدمان أنه:

    1. لا يتعين علينا، في فهم النتاج، إيلاء اهتمام خاص للنوايا الشعورية لمؤلفه؟.
    2. لا يتعين تقدير أهمية الفرد تقديراً زائداً ، خلال التفسير؛ لأن التفسير هو قبل كل شيء، البحث عن ذات فردية أو جماعية بحيث يكون للبنية الذهنية التي تسود النتاج الفني دور وظيفي ودلالي بالنسبة لهذه الذات.
    3. ليس لـ ( التأثيرات) أية قيمة تفسيرية بل أنها هي ذاتها تشكل عناصر يلزم تفسيرها.
    4. إن قيمة طريقة التفسير ليست واحدة في منظور علم الاجتماع البنيوي وفي منظور التحليل النفسي، ولكنها ليست مع ذلك متعارضة بل هي بالأولى متكاملة.
    5. إن نظام القواعد الخاصة بالنتاج ليست أبدا محايثة ولا موجودة قبل البنية الاجتماعية، بل العكس إن هذا النظام هو نتيجة عمليات تحويل اجتماعية شمولية(16).

    الجـــــانب الثـــــالث

    خطوات المنهج البنيوي التكويني في النقد الأدبي:

    الخطـــوة الأولـــى: البدء بقراءة ألسنية للنص، وذلك عن طريق تفكيك بنياته إلى وحداتها الصغرى الدّالة، وذلك باكتشاف( البنية السطحية) للنص، وبيان بنيات الزمان والمكان فيه. ثم تركيب هذه الاجزاء للخروج منها بتصور (البنية العميقة) للنص، أو رؤية العالم كما تجسدت في الممارسة الألسنية للنص(17).

    الخطـــوة الثانيــــة: إدماج هذه البنيان الجزئية للوحدات الدالة في بنية أكثر اتساعاً. وتفكيك هذه البنية الأشمل، أيضاً، للعثور على دلالتها الشاملة. وبهذا ننتقل من ( النص الماثل) إلى النص الغائب)، وذلك أن النص الماثل ليس ذرة مغلقة على نفسها، بل هو نتاج اجتماعي تاريخي، يعّبر عن طموحات فئة اجتماعية أو طبقة اجتماعية. وبذلك تصبح قراءة النص الأدبي كشفاً لبنياته المتعددة، ثم ادماجها في البنية الاجتماعية لبيئة المبدع وعصره(18).

    وهكذا تبحث البنيوية التكوينية في أربع بنيات للنص هي:

    1- البنية الداخلية للنص.

    2- البنية الثقافية أو (الايدولوجية).

    3- البنية الاجتماعية.

    4- البنية التاريخية. وهذه البنيات متكاملة ومتفاعلة فيما بينها. فإذا كانت القراءة الداخلية للنص تقدم لنا خطوة نحو فهم القوانين المتحكمة في البنية الداخلية، فإن هذا الفهم بحاجة إلى تفسير. وهذا ما ينبغي التماسه في البنية الثقافية. غير أن هذا التفسير يظل مجرداً ، إذا لم يتحول إلى فهم ، فيصبح بدوره بحاجة إلى تفسير، مما يستدعي مقاربة البنية الثالثة( الاجتماعية) (19).

    الجــــانب الرابــــــع

    منهج غولدمان في التحليل البنيوي التكويني:

    يمكن تحديد منهج غولدمان في النقد البنيوي التكويني في النقاط التالية:

    1. دراسة ما هو جوهري في النص، وذلك عن طريق عزل بعض العناصر (الجزئية) في السياق، وجعلها كليات مستقلة.
    2. إدخال ( العناصر) الجزئية في( الكل)، علماً بأننا لا نستطيع الوصول إلى كلية لا تكون هي نفسها عنصراً أو جزءاً، فجزئيات العالم مرتبطة ببعضها بعضاً، ومتداخلة بحيث يبدو من المستحيل معرفة واحدة منها دون معرفة الأخرى، أو دون معرفة الكل.
    3. دمج العمل الأدبي في( الحياة الشخصية لمبدعه).
    4. إلقاء الأضواء على ( خلفية النّص) الاجتماعية، وذلك بدراسة مفهوم( العالم) عند الجماعة التي ينتمي إليها الكاتب، والتساؤل عن الأسباب الاجتماعية والفردية التي أدت إلى هذه الرؤية كظاهرة فكرية عبّر عنها العمل الأدبي في زمان ومكان محددين. وهذه الرؤية هي ظاهرة من ظواهر الوعي الجمالي الذي يبلغ ذروة وضوحه في نتاج المبدع(20).

    الجــــانب الخــــامس

    البنيويــة التكوينيــة ( أبرز الرواد):

    ومن أبرز أعلام البنيوية التكوينية ما يلي:

    1. لوسيان غولدمان:

    ولد لوسيان غولدمان ببوخارست سنة 1913م، وقضى طفولته فـي مدينة بوتوزالن فـي رومانيا حيث أتم دراسته. بعـد البكالوريس هيأ إجازة فـي الحقوق في بوخارست حيث احتك أول مرة بالفكر الماركسي، انتقل سنة 1933م إلـى فيينا حيث اكتشف الأعمال الثلاثة الكبرى للوكاش (الروح والأشكال)، (نظرية الرواية)، (التاريخ والوعي الطبقي). بعد تحرير فرنسا عاد إلـى باريس وحصل على منصب ملحق المركز الوطني للبحث العلمي، ثم علـى منصب مكثف للأبحاث، فـي هذه الأثناء هيأ رسالة دكتوراه فـي الأدب بعنوان: ( الإله المختفي، دراسة في الرؤية المأساوية فـي ” أفكار” باسكال ومسرح راسين) وهـي دراسة تحليلية ماركسية للأدب بدلالة البنيات الذهنية الجماعية التي أنشأتها المجموعات الاجتماعية. ثم ألف غولدمان- بطلب من اميل برييه- (العلوم الإنسانية والفلسفة) الذي ظهر سنة 1952م(21).

    نشر سنة 1959م ( أبحاثاً جدلية) وهـي مجموعة أبحاث حول علم اجتماع الأدب والفلسفة. سنة 1964م أصبح مدير قسم علم الاجتماع الأدبي فـي مؤسسة علم الاجتماع فـي جامعـة بروكسيل الحرة. وأصدر( من أجـل علم اجتماع الرواية)، وركز اهتمامه فـي الفترةالأخيرة من حياته علـى مشاكل المجتمع الغربي المعاصر، وكتاباه الآخيران (البنيات الذهنية والإبداع الثقافي) و( الماركسية والعلوم الإنسانية)، يعبران عن اهتمامه النظري بالعوامل التي يمكن أن تسمح للمجتمع الغربي بالاتجاه نحو الاشتراكية(22).

    ويعد لوسيان غولدمان أحد أهم الأعلام في منهج البنيوية التكوينية، فهو الذي أرسى دعائم هذا المنهج حين أعتمد بعض مقالات أستاذه جورج لوكاش، وطورها، فشغل النقد الأوروبي، كما فعل دولان باورت في النقد العالمي، والبنيوية التكوينية اتجاه نقدي يرى أن المنهج البنيوي الشكلاني قد وصل بالنقد إلى الطريق المسدود، حين اقتصرعلى النص وحده دون أن يربطه بظروفه الاجتماعية، فجاء المنهج البنيوي التكويني ليرفد الدراسة النصية للأدب بدراسة الوسط الاجتماعي الذي ابدعه(23).

    ” ويستهدف لوسيان غولدمان من وراء بنيويته التكوينية رصد رؤى العالم من الأعمال الأدبية الجيدة عبر عمليتي الفهم والتفسير بعد تحديد البنى الدالة في شكل مقولات ذهنية وفلسفية. ويعد المبدع في النص الأدبي فاعلاً جماعياً يعبر عن وعي طبقة اجتماعية ينتمي إليها، وهي تتصارع مع طبقة اجتماعية أخرى لها تصوراتها الخاصة للعالم. أي إن هذا الفاعل الجماعي يترجم آمال وتطلعات الطبقة الاجتماعية التي ترعرع في أحضانها، ويصيغ منظور هذه الطبقة أو رؤية العالم التي تعبر عنها بصيغة فنية وجمالية تتناظر مع الواقع”(24).

    ويقدم المنهج البنيوي التكويني كما يرى محمد بنّيس في كتابه ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب على مبدأين عبّر عنهما غولدمان :

    المبدأ الأول: كما قال غولدمان: “إن أول معاينة عامة يرتكز عليها الفكر البنيوي تكمن في أن كل تأمل في العلوم الإنسانية يحدث لا من خارج المجتمع، بل إن هذا التأمل جزء –تقل أو تكبر أهميته حسب الوضعية بطبيعة الحال- من الحياة الثقافية لهذا المجتمع، ومن خلالهما، للحياة الاجتماعية العامة، بالاضافة إلى أن التكوين الخاص للفكر، وبالمقياس نفسه حيث إن الفكر جزء من الحياة الاجتماعية، يغير قليلاً أو كثيراً، حسب أهميته، وفعاليته، هذه الحياة الاجتماعية نفسها(25).

    المبدأ الثاني: فيقول عنه “إن الفكرة الثانية الأساسية لكل علم اجتماع جدلي وتكويني بنيوي هو أن الأفعال الإنسانية أجوبة شخص فردي أو جماعي، تؤسس محاولة لتغيير وضعية معطاة في اتجاه ملائم لتطلعاته. وهذا يعني أن كل سلوك، وبالتالي كل فعل إنساني، له خاصية دالة ليست دائماً واضحة، ولكن الباحث يجب عليه عن طريق عمله اظهارها(26).

    فهذان المبدآن يوضحان كل الخطوات العلمية التي ينهجها المنهج البنيوي التكويني في قراءته لكل مظاهر السلوك أو الفعل الإنساني في مرحلة من مراحله التاريخية وهما يحددان العلاقة الجدلية الموجودة بين القراءة الداخلية والقراءة الخارجية لكل عمل أدبي ومدى تفاعلهما؛ لأن كل داخل بحاجة إلى خارج يفسره.

    2- جورج لوكاش:

    يعد لوكاش من أهم الأعلام الذين أهتموا بالمنهج البنيوي التكويني، وذلك بالقول، إن جل الجهود التي بذلت في نطاق هذا المنهج كانت موجهة بالدرجة الأولى إلى الأعمال الروائية، مما يعطي الإنطباع بأن نظرية الرواية قد بدأت – مع هذا المنهج بالذات- تأخذ طريقاً نحو الشكل. وليس من قبيل الصدفة أن يكتب ” لوكاش” نفسه كتاباً يحمل عنوان ” نظرية الرواية” سنة 1920م(27).

    من المعروف أنه كان من بين من بلور فكرة ” رؤية العالم” تلك التي تبناها بعده ” غولدمان” ؛ ففي دراسة عن ” والترسكوت” ربط الرؤية الفكرية لهذا الكاتب بتصور عن التاريخ بدأ يتشكل فـي أوروبا تحت تأثير فلسفـة ” هيجل” ، وهو تصور يؤمن

    بالتطور ولكن في حدود الاصلاحات الجزئية التي لا تغير الواقع بشكل تام(28).

    وقد ألمَحَ لوكاش لرؤية العالم بـ ” المفهوم التاريخي الفلسفي” . وفي دراسته أيضاً عن ” بالزاك والواقعية الفرنسية” أسهب في تحليل الخلفيات الفكرية، والايدولوجية التي كانت وراء ابداع بالزاك ” لرواياته” ، فوجد عنده إيماناً بمبادئ الأرستقراطية، وفي الوقت نفسه ميلاً ملموساً نحو مناقضة هذا الفكر الأرستقراطي نفسه، ومن خلال هذه الاسس الفكرية التي َوجَّهَتْ أعمال ” بالزاك” ، أثار ” لوكاش” موضوعاً شديد الأهمية فيما يتعلق ببناء نظرية الرواية، وهو التفاوت الموجود احياناً بين الانتماء الاجتماعي، والانتماء الفكري للكاتب. ولقد كانت هذه النقطة بالذات لا تعطى اهتماماً كبيراً من طرف النقاد الجدليين الأوائل؛ ولهذا السبب فإن لوكاش كان من أوائل من نبهوا بشكل واضح إلى ضرورة احتياط الناقد من الوقوع في الخطأ الفادح الذي ينشأ عن النظرية الميكانيكية في تفسير أعمال الروائيين، اعتماداً على أنتماءاتهم الاجتماعية أو اعتماداً على معتقداتهم التي يعلنون عنها بشكل مباشر، فعندما يتعلق الأمر بالابداع الروائي فإنه قد يحدث أحياناً تفاوت كبير بين المعتقدات النظرية والايدولوجية للكاتب وبين الرؤية الفكرية التي تتحكم في عمله أو بعض أعماله، فالإبداع يجرد المبدع أحياناً حتى من افكاره الراسخة(29).

    الجـــانب الســـادس

    البنيوية التكوينية في العالم العربي:

    يمكن القول بأن البنيوية التكوينية أكثر المذاهب النقدية الغربية انتشاراً في العالم العربي، وعلى نحو لم يتح للفرع الآخر من البنيوية وهو البنيوية الشكلانية. ويمكن القول أيضاً إن سر هذا الانتشار يعود إلى هيمنة الاتجاهات الماركسية تحديداً، في أكثر البيئات النقدية العربية. فحين تأزمت تلك الاتجاهات وجد بعض النقاد العرب مخرجاً مؤاتياً في شكل نقدي يجمع بين تطورات النقد الغربي الحديث، لا سيما ما نزع منه نحو العلمية، وبين الأسس الماركسية التي قامت عليها البنيوية التكوينية في الغرب، كما رأينا عند غولدمان. ومن النقاد العرب السائرين في هذا الاتجاه، أو ما يقرب منه: المغربيان محمد برادة، ومحمد بُنيّس، واللبنانية يمنى العيد. صدر عن هؤلاء وغيرهم دراسات تحليلية عديدة منها دراسة يمنى العيد في معرفة النص (1983م)، ودراسة محمد برادة وتنظير النقد العربي (1979م). كما صدر كتيب تعريفي مترجم بعنوان البنيوية التكوينية والنقد الأدبي (1984م) تضمن دراسات لعدد من أعلام البنيوية التكوينية في فرنسا خاصة(30).

    الجـــانب الســـابع

    المآخذ التي وجهت حول المنهج البنيوي التكويني:

    1. المجهود الكبير الذي بذله غولدمان خاصة، كان موجهاً في أغلبه إلى توضيح المرتكزات الفلسفية لعلاقة الرؤية بالوعي والواقع.
    2. ضرورة إخضاع العمل الروائي إلى التحليل الداخلي في الخطوة الأولى التي دعاها مرحلة الفهم.
    3. لم يستطع أن يخصب نظرية الشكل الروائي بوضع أو اقتراح الوسائل والأدوات العملية التي تُمكن في القيام بذلك التحليل، حيث يقر معتمداً على حدسه الخاص في كشف بنية النص الدالة.
    4. دراسة الأعمال الروائية من الداخل عند غولدمان بقى مُجرد مبدأ نظري ليس له ما يوازيه من الوسائل، والتقنيات التي تُسهل انجازه على مستوى التطبيق.
    5. عند دراسته للأعمال “مالدو” الروائية؛ إذ تراه ينتقل بين النصوص دون خطة واضحة حتى أن القارئ لا يستطيع إطلاقاً أن يتعرف إلى المقاييس التي تتحكم في أسلوب اكتشاف الناقد للبنيات الدالة في العمل(31).

    الخاتمة

    أهـــم النتائــج:

    ومن خلال ما تقدم من عرض مفصل للشخصيات يمكن للباحث أن يخلص إلى أبرز النتائج:

    1. بيان معنى البنيوية التكوينية، وما آلت إليه من توليد وبنية وتكوين، وتوضيح هذه المفاهيم.
    2. بيان المفاهيم والمعايير المنهجية التي تضمنها البنيوية التكوينية ،وما بها من مفاهيم البنية الدلالية، ورؤية العالم والقيمة والنتاج والفن.
    3. توضيح خطوات المنهج البنيوي التكويني في النقد الأدبي.
    4. بيان منهج غولدمان في التحليل البنيوي التكويني.
    5. بيان أبرز رواد البنيوية التكوينية، حيث يُعد لوسيان غولدمان، وجورج لوكاش من أهم أعلام هذا المنهج.
    6. توضيح البنيوية التكوينية في العالم العربي، والمآخذ التي وجهت حول هذا المنهج.

    قائمـــة المصـــادر والمراجــــع:

    1. غولدمان، لوسيان وآخرون، البنيوية التكوينية والنقد الأدبي، مؤسسة الأبحاث العربية، ط2، بيروت، لبنان، 1986م.
    2. عزام، محمد، فضاء النص الروائي –مقارنة بنيوية تكوينية في أدب نبيل سليمان-، دار الحوار للنشر والتوزيع، ط1، اللاذقية، سوريا، 1996م.
    3. لحمداني، حميد، النقد الروائي والإيديولوجيا- من سوسيولوجيا الرواية إلى سوسيولوجيا النص الروائي- المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت، الحمراء، الدار البيضاء، الشارع الملكي، 1990م.
    4. جمال، شحيد، في البنيوية التكوينية، مجلة المعرفة، السنة التاسعة عشرة، العددان 225- 226، تشرين الثاني (نوفمبر) كانون الأول، (ديسمبر) 1980م.
    5. الرويلي، ميجان، البازعي سعد، دليل الناقد الأدبي، -إضاءة لأكثر من خمسين تيار ومصطلحاً نقدياً معاصراً- المركز الثقافي العربي، ط2، 2000م.
    6. المسدي، عبدالسلام، قضية البنيوية دراسة ونماذج، وزارة الثقافة، ط1، تونس، 1991م.
    7. حمداوي، جميل، مدخل إلى البنيوية التكوينية، مقال على شبكة الانترنت، موقع منبر الوطن.
    8. بنيس، محمد، ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، مقارنة بنيوية تكوينية، دار التنور للنشر، ط2، 1985م.
    9. طبانة، بدوي، معجم البلاغة العربية، دار العلوم للطباعة والنشر، الرياض، 1982م.
    10. عبدالنور، صبور، المعجم الأدبي، دار العلم للملايين، ط2، لبنان، بيروت، 1984م.

    الحواشي:

    1. بدوي طبانة، معجم البلاغة العربية، دار العلوم للطباعة والنشر، الرياض، 1982م،ص948.
    2. صبور عبد النور،المعجم الأدبي، دار العلوم للملايين، ط2، لبنان، بيروت،1984م، ص52.
    3. حميد لحمداني، النقد الروائي والإيديولوجيا، – من سوسيولوجيا الرواية إلى سوسيولوجيا النص الروائي- المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت الحمراء، الدار البيضاء، الشارع الملكي، 1990م، ص68.
    4. شحيد جمال، في البنيوية التكوينية، مجلة المعرفة، السنة التاسعة عشر، العددان(225، 226)، تشرين الثاني( نوفمبر) كانون الأول، (ديسمبر)، 1980م، ص29.
    5. عبد السلام المسدي، قضية البنيوية، دراسة ونماذج، وزارة الثقافة، ط1، تونس، 1991م، ص208.
    6. لوسيان غولدمان وآخرون، البنيوية التكوينية والنقد الأدبي، مؤسسة الأبحاث العربية، ط2، بيروت، لبنان، 1986م، ص46.
    7. المرجع نفسه نفسه، ص47.
    8. المرجع نفسه ، ص48.
    9. المرجع نفسه، ص48
    10. المرجع نفسه ص49.
    11. المرجع نفسه، ص50
    12. المرجع نفسه، ص50.
    13. المرجع نفسه ، ص50.
    14. لوسيان غولدمان، البنيوية التكوينية والنقد الأدبي، ص51.
    15. المرجع نفسه، ص52.
    16. المرجع نفسه، ص53.
    17. محمد عزام، فضاء النص الروائي، مقارنة بنيوية تكوينية، ص42.
    18. المرجع نفسه ، ص41 .
    19. المرجع نفسه ، ص42.
    20. محمد عزام، فضاء النص الروائي:( مقارنة بنيوية تكوينية في أدب نبيل سليمان)، ص47.
    21. لوسيان غولدمان وآخرون، البنيوية التكوينية والنقد الأدبي، ص11/12.
    22. المصدر نفسه، ص21.
    23. محمد عزام، فضاء النص الروائي،ص 42-43.
    24. جميل حمداوي، مدخل إلى البنيوية التكوينية، مقال على شبكة الانترنت، موقع منبر الوطن.
    25. محمد بنيس، ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب،( مقارنة بنيوية تكوينية) دار التنور للنشر، ط2، 1985م، ص333.
    26. نفسه، ص333.
    27. حميد لحمداني، النص الروائي والإيديولوجيا، ص61.
    28. نفسه، ص61.
    29. نفسه، ص62.
    30. نفسه، ص61.
    31. نفسه، ص62.

    سليم ساعد السلمي

    الاسم : سليم ساعد المقعي السلمي .
    اسم الشهرة : سليم ساعد المقعي السلمي .
    مكان وتاريخ الميلاد : الغريف ، 10/7/1984م .
    البلد الأصلي: المملكة العربية السعودية.
    مكان الإقامة الحالي : الأردن / الكرك .
    البريد الالكتروني: saleem.11@hotmail.com
    التخصص الجامعي : اللغة العربية وآدابها .
    الشهادة الجامعية: بكالوريوس، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ماجستير، أدب ونقد.
    مُبتعث من قبل وزارة التعليم العالي بالمملكة العربية السعودية إلى جامعة مؤتة بالمملكة الأردنية الهاشمية .تابع القراءة >>

  3. التفكيكية في النقد الحديث
    بسم الله الرحمن الرحيم
    يعد التفكيك deconstruction أهم حركة مابعد بنيوية في النقد الأدبي فضلاً عن كونها الحركة الأكثر إثارة للجدل أيضاً. وربما لا توجد نظرية في النقد الأدبي قد أثارت موجات من الإعجاب وخلقت حالة من النفور والامتعاض مثلما فعل التفكيك في السنوات الأخيرة، فمن ناحية نجد أن بعض أعمدة النقد مثل ج.هيليس ميلر وبول دي مان وجيفري هارتمن وهارولد بلوم)، هم رواد التفكيك على الصعيدين النظري والتطبيقي على الرغم من تباين أسلوبهم وحماسهم، ومن ناحية أخرى نجد أن الكثير من النقاد الذين ينضوون تحت خانة النقد التقليدي يبدون سخطهم من التفكيك الذي يعدوه سخيفاً وشريراً ومدمراً. ولم يخلو أي مركز فكري في أوروبا وأمريكا من الجدل في قيمة هذه النظرية الجديدة في النقد.‏
    ويمثل التفكيك الحركة الاكثر اثارة للجدل الاهم في اتجاه ما بعد البنوية و يقوم على اليات الهدم والبناء من خلال القراءة ، فالتفكيك يستخدم ” للدلالة على نمط قراءة النصوص بنسف ادعائها المتضمن انها تمتلك اساساً كافياً ….” و لعل من البديهي لدى القارئ ان مصطلح التفكيك يعتمد على الهرمنيوطيقا الذي يمارس من خلاله القارئ تفكيك النص فالقارئ ” يحدث عنده المعنى ويُحدثه ، ومن دون هذا الدور لا يوجد نص او لغة او علامة او مؤلف . ومن هنا فان أي مناقشة للتفكيك لابد أن تبدأ بالقارئ ، وتجربة القارئ التي لا يوجد قبل حدوثها شيء ” فهو يفكك النص ويعيد بناءه على وفق آليات تفكيره . يعد التفكيك أهم حركة ما بعد البنيوية في النقد الأدبي فضلاً عن كونها الحركة الأكثر إثارة للجدل أيضا.. ، ويستخدم التفكيك (( للدلالة على نمط من قراءة النصوص بنسف ادعاها المتضمن أنها تمتلك أساسا كافيا في النظام اللغوي الذي نستعمله ، كي تُثبت بنيتها ووحدتها ومعانيها المحددة ..)) .
    ويعد دريدا الاسم الأكثر اقترانا بالتفكيك ، فقد طرح آراءه في ثلاثة كتب نشرت في سنة 1967 وهي (حول علم القواعد) و (الكتابة والاختلاف ) و(الكلام والظواهر) والمفهوم العام لهذه الكتب يدور على نفي التمركز المتمثل في الثقافة العربية ، هذا النفي يعني نفي الحضور الذي يرى فيه دريدا انه (مدلول متجاوز)، ولذلك يبحث دريدا عن المنطوق او أفضلية الكلام على الحضور سعياً منه في قلب المعنى وإسقاطه من اللغة .. فهو يرى ” إن اللفظ الاستعاري للترجمة او النسخ خطير ، لكونه خطير يفترض نصاً موجوداً في الان ، نصاً جامداً ، حضوراً لا انفعالياً لتمثال ، لحجرة مكتوبة او لوثيقة …” ان عمل دريدا ” عمل مفكك De-constructeur لكونه قد اعاد النظر في المفاهيم التي تاسس عليها الخطاب الغربي الذي لا يعدو ان يكون خطاباً ميتافيزيقياً ، وليس هناك بديل يقدمه دريدا ، بل إن مشروع عمله لا يمكن ان ينحصر في دائرة محددة أنها مغامرة لا يمكن التنبؤ بنتائجها ولكن يمكن معرفة سمعتها ونقصد هدم الميتافيزيقيا .. ” ،ولهذا يقود التّفكيك، إذن، هجوماً ضارباً وحرباً شعواء على الميتافيزيقيا في قراءة النّصوص: فلسفيّةً كانت أو غير فلسفيّة. ويُقصد بالميتافيزيقيا التي يستهدفها التّفكيك في هجومه: “كلّ فكرةٍ ثابتةٍ وساكنةٍ مجتثّةٍ من أصولها الموضوعيّة، وشروطها التّاريخيّة”. فالميتافيزيقيا لا تكفّ عن الاستيطان في النّصوص وإنتاج الثّنائيّات المتعارضة، وتفضيل أحد الحدّين على الآخر: دالّ/مدلول، خارج/داخل، واقع/مثال، الواقع/الحلم،الخير/الشّرّ، الشّرق/الغرب، المذكّر/المؤنّث…. الخ. فتُستغلّ هذه الثّنائيّات في الممارسة العمليّة. ولهذا يتّسم التّفكيك بطابعٍ سياسيٍّ فضلاً عن كونه استراتيجيّةً فلسفيّةً لأنّه يتقدّم باتّجاه النّصوص، لا لكي يهدم ويُقوّض المنطق الذي يحكم النّصّ فقط، وإنّما، أيضاً، لكي يفضح المتيافيزيقيا. يسعى التّفكيك إلى كسر الثّنائيّات الميتافيزيقيّة: داخل/خارج، دالّ/مدلول، واقع/مثال…. لإقرار حقيقة (المتردّد اللاّيقينيّ) في عبارة (لا هذا.. ولا ذاك). وأنطلاقاً من خلفتيه الدينية والتي انطلقت منها التفكيكة وهي ما دفعته إلى القول بوجود خلخلة في المثالية الدينية المتمثلة في سيطرة اللوغوس / الكلمة في الكتاب المقدس فهو حدد في كتابه ( علم الكتابة ) وفي الصفحات الاولى بان عمله ليس الهدم للمثالية في اللوغوس بقدر ما تثمل خلخلة ” لكل المعاني التي تتحد منتاءها من اللوغوس ، وبالخصوص معنى الحقيقة …” ، يقول د. غسان السيد : ((لقد جاءت اللّحظة الحداثويّة الأوربيّة التي نقلت الإنسان من واقعٍ إلى واقعٍ آخر مختلفٍ تخلخلت فيه كلّ الثّوابت السّائدة التي جمّدت العقل البشريّ لقرونٍ طويلةٍ. فتشكّل وعيٌ جديدٌ معارضٌ بصورٍ كلّيّةٍ للوعي اللاّهوتيّ الذي أراد توحيد العالم حول مركزٍ عقائديٍّ موحّدٍ يتجسّد فيه المعنى الوحيد للحقيقة التي لا تقبل النّقاش. ومنذ تلك اللّحظة تميّز الفكر الغربيّ بالقدرة على مراجعة ما أنجزه واشتغل عليه حتّى وإن كان يقع ضمن ثوابته. وولّد هذا الأمر خطاباً مختلفاً عمّا هو سائدٌ، خطاباً يريد أن يقطع كل الجسور مع الماضي، ومع أي نقطة إحالة مرجعية ثابتة. ويتمثّل هذا الخطاب، بصورةٍ خاصّةٍ، في خطاب جاك دريدا، الذي جاء في الأساس ليفضح الخطاب الغربيّ الذي لم يستطع في مراحله كلّها التّخلّص من مركزيّةٍ حادّةٍ تتحكّم في الوعي الجماليّ والقيميّ للإنسان.‏ ((
    و يبدأ دريدا رؤيته في تحليله التفكيكي من تشريحه للارض ،فهو ينطلق من ” البقعة السطحية ل ( بقعة الأرض) والتي تظهر وحدها للعيان ، يتم البحث بواسطة التنقيب الذي لا يفتت ما اكتشفته لاول مرة عن الطبقات التحتية السابقة (زمانياً) والتي غطت منذ امد بعيد ، بل ظلت دوماً مخفية وهكذا فان التمييز بين المحسوس والمعقول ليس امراً بديهياً لانه ( لا يمكن الإبقاء على التعارض … بين الدال signans والمدلول signatum ، بدون ان تجلب نحو الذات كل جذورها الميتافيزيقية اللاهوتية .. ) ويمكن الحديث عن أهم المعطيات النقدية التي قدمها دريدا لمشروعه النقدي التفكيكيّ من خلال النقاط الآتية:‏
    1ـ الاختلاف : Difference.‏: يشير المصطلح الأول (الاختلاف) إلى السماح بتعدد التفسيرات انطلاقاً من وصف المعنى بالاستفاضة، وعدم الخضوع لحالة مستقرة، ويبين (الاختلاف) منزلة النصية (Textaulity) في إمكانيتها تزويد القارئ بسيل من الاحتمالات، وهذا الأمر يدفع القارئ إلى العيش داخل النص، والقيام بجولات مستمرة لتصيد موضوعية المعنى الغائبة، وترويج المعنى ـ حسب دريدا ـ يخضع دائماً للاختلاف، والمعنى من خلال الاختلاف يخلق تعادلات مهمة بين صياغات الدوال والاطمئنان النسبي إلى اقتناص الدلالة.‏ ان المضي في عدم تحديد ماهية اللفظ ودلالته وضعت المتلقي في دوامة يصعب الخروج منها . ان دريدا اكابتراتيجي يقظ بصور الاختلاف كمعارض في ذاته ، (( كيف وفي نفس الوقت يمكن التفكير في الاختلا(أ)ف كدورات اقتصادي .. ومن وجهة اخرى التفكير فيه كانفاق بدون تحفظ ، كفقدان لحضور لا يعوض ، كاستهلاك لا رجعة فيه للطاقة ، بل كاندفاع موت وعلاقة بكل اخر يعيق ظاهرياً ياكل اقتصاد …)) انها النهاية التي لا يمكن البحث لها عن بداية او العكس وهكذا تصبح الدوال والمدلولات عند دريدا في ضياع …
    2ـ نقد التمركز:‏ Critique of centricity‏ : ويُقدم المعطى الثاني من معطيات دريدا (نقد التمركز)، إمكانية كبيرة في فحص منظومة الخطاب الفلسفي الغربيّ عبر قرونه الممتدة زمنياً، والمكتسبة لخصوصية معينة في كلّ لحظةٍ من لحظاتها، بوصفها المراحل المتعاقبة للبناء التدريجي للفكر الأوربي الحديث، ويكشف هذا المعطى في الوقت نفسه عن التأمل الفلسفي المتعالي، ويعمل على تعريته، وتمزيق أقنعته بوصفها رواسب حجبت صورة الحقيقة.‏ويُصر دريدا على أنّ لكل تركيب مركزاً سواء كان تركيباً لسانياً أم غير لساني، فلسفياً أم غير فلسفي، وحمل التراكيب لمراكز محددة يعطي أهميةً لحركة الدوال، لأنّ المركز ـ حسب دريدا ـ هو الجزء الحاسم من التركيب، إنّه النقطة التي لا يمكن استبدالها بأي شيء آخر ويجب التفريق بين أهمية المركز بالنسبة للتركيب النصي، وبين نقد التمركز، فالمركز شيء إيجابي لحركة الدلالة والمعنى، أما التمركز فهو شيءٌ مُفتعل يضفي المركزية على من هو ليس بمركز، ويقود ذلك إلى احتكار التكثيف (Decondense)، واستبداد النموذج (Exemplarity) بمعنى قيام بنية مركزية تدعي لوحداتها النموذج المتعالي الذي يصح تطبيقه على كلّ نص، في زمان غير مقيّد، وتَوجُه دريدا في هذا الإطار كان منصباً على نقد التمركز بوصفه دلالة سلبية، ومدح المركز بوصفه العنصر المشع للدلالة، والنقطة التي ينبثق منها اختلاف المعنى.
    3ـ نظرية اللعب: Theory of play.‏ ويشير المعطى الثالث (نظرية اللعب) إلى تمجيد التفكيكية لصيغة (اللعّب الحرّ) اللامتناهي لكتابة ليست منقطعة تماماً عن الإكراهات المغيّبة للحقيقة، وتأكيد المعطى الثقافي للفكر والإدراك، وغياب المعرفة السطحية المباشرة، واستلهام أفق واسع من المرجعيات الفكرية المماثلة، والفلسفية المعقدة، والنظم المخبوءة، وطرائق التحليل الخاصة، وتتبنى التفكيكية في هذا السياق وبشكل واضح تطبيق استراتيجيات نصية وخطابية للقراءة تقلل من أهمية أيّة إحالة واثقة على منظومات (الابستيمولوجيا، والأخلاق، والحكم الجمالي) ليغدو التحليل التفكيكي ـ بعد ذلك ـ شعارات، وكلمات سرٍّ مفرغة ـ على حدّ تعبير نورس ـ من أي مضمون معرفي أو أخلاقي أو جمالي.‏
    4ـ علم الكتابة: Grammatogy.‏ أما المعطى الرابع (علم الكتابة) فيميل إلى منظومة دقيقة بنى عليها التفكيك أغلب مقولاته، ونقدَ من خلالها مسيرة العقلانية النسبية، وتشكل خطابها الفلسفي، واستحداث هذه المنظومة يعبر عن موقف التحليل التفكيكي من عصور اختزال الكتابة، وتهميش الدال، ونزعة التمركز حول العقل والصوت، ومجمل المعطى لعلم الكتابة (Grammatology) يعدّ نقداً لثنائية سوسير (الدال والمدلول)، ورؤيته لدور العلامة وفاعليتها في بناء النص، فالدال عند سوسير هو تشكّل سمعي وبصري، وصورة لحمل الصوت، وقد عدّ دريدا ذلك تمركزاً حول الصوت، وصورة واهمة لحمل المعنى، وقد اقترح دريدا استبدال (العلامة) بمفهوم الأثر (Trace) بوصفه الحامل لسمات الكتابة، ولنشاط الدال، وقد تحولت اللغة وفقاً لذلك من نظام للعلامات ـ كما هي عند سوسير ـ إلى نظام للآثار ـ كما هي عند دريدا ـ وتعين تلك الآثار على ترسيخ مفهوم الكتابة، وتوسيع اختلافات المعنى المُتحصل من نشاط دوالها، لذلك عدّ دريدا علم الكتابة “بأنّه علم للاختلافات”.‏
    5ـ الحضور والغياب: Presence and Absenceأما المعطى الأخير (الحضور والغياب) فيشكل تتويجاً نقدياً للمعطيات السابقة، لأنّه يمثل الثمرة المعرفية للتحليل التفكيكي، والهوية المحدِدة لـه، وهو الأصل في الرصيد النقدي للطرح التفكيكي، لأنّ جميع إجراءات المسيرة النقدية للتفكيك تخضع لحضور الدوال وتغييب المدلول، فضلاً عن أنّ معطيات (الاختلاف، ونقد التمركز، ونظرية اللعب، والكتابة) تبرز فيها بشكل مباشر ثنائية الحضور والغياب، وقد انطلق دريدا من خلال هذه الثنائية ـ إلى جانب المعطيات السابقة ـ لنقد توجه الخطاب الفلسفيّ الغربيّ، وتقويض أُسسهِ من خلال كشف تناقضاته واللّعب بأنظمته وممارساته، وتحويل معادلته المعرفية من (ميتافيزيقيا الحضور) ـ حسب مصطلح دريداـ إلى غياب المعنى واختلافه وتعدده.‏ إنّ المراهنة التفكيكية تتجه صوب (الغياب) انطلاقاً من كون المعنى الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي غير مستقر، وغير محدد، ولذلك أسباب عديدة منها: انحدار النزعة الإنسانية وتلاشيها في أُطر التحليل المعاصر (الفلسفي، والنقدي)، وتعدد التحولات المعرفية القاضية بنشوء المذاهب والتيارات الجديدة المُحمّلة بالفكر والمعطى الثوري، فضلاً عن إثارة بعض النزاعات المعرفية والثقافية القاضية بطرح تظاهرات فكرية، ومعانٍ مختلفة، تقود إلى التحول والتناحر بين النصوص.‏ فاللفظ / الصوت / الحضور يمثل عنده ( امتياز الان – الحاضر – mainten ani present امتياز ((يحدد مبدأ الفكر الفلسفي ذاته ..)) ، ان دريدا وفي اطار تفكيره ((قد افصح عن نوعية العلاقة القائمة دوماً بين الحضور او الوعي والصوت ، وهي علاقة لم يغطي لها حتى هوسر لنفسه ( آلا يتأسى امتياز الحضور أو الوعي والصوت ، انها بديهية لم تحط ابداً باهتمام الفينومينولوجيا ..) .

    http://www.alfaseeh.com/vb/showthread.php?25105-%C7%E1%CA%DD%DF%ED%DF%ED%C9-%DD%ED-%C7%E1%E4%DE%CF-%C7%E1%CD%CF%ED%CB

  4. د. عبد العزيز حمودة.. وداعًا رائد المقاومة بالنقد الأدبي

    د. عبد العزيز حمودة
    بقلم: مجد عبد الفتاح
    بعد رحلة حافلة بالعطاء توفِي الدكتور عبد العزيز حمودة- أستاذ الأدب الإنجليزي بكلية جامعة القاهرة- عن عمر يناهز الثامنة والستين عامًا.

    الدكتور عبد العزيز حمودة وُلد عام 1937م بقرية دلبشان مركز كفر الزيات بمحافظة الغربية، وتلقَّى تعليمه الأولي بطنطا، ثم التحق بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية جامعة القاهرة حتى تخرَّج عام 1962م ليُبتَعث إلى جامعة كورنيل الأمريكية للحصول على درجة الماجستير في الأدب المسرحي عام 1965م، ثم حصل على الدكتوراه من نفس الجامعة عام 1968م، وعاد إلى جامعة القاهرة ليعمل بتدريس النقد والدراما والأدب المسرحي، كما عمل أستاذًا للدراما بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وأستاذًا للنقد المسرحي بأكاديمية الفنون، وتدرَّج في عمله الأكاديمي حتى تم اختياره عميدًا لكلية الآداب عام 1985م حتى يوليو 1989م، ثم عمل مستشارًا ثقافيًّا لمصر بالولايات الماحدة الأمريكية، وبعد العودة عمل بكلية الآداب ثم تولى رئاسة جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا ليستقيل منها بعد موقفه الحاسم من الإدارة؛ بسبب قبول الطلاب دون الاهتمام بالمجموع والمستوى.

    تميَّز الدكتور حمودة بأنه كان مثقَّفًا كبيرًا وإنسانًا نبيلاً كما يقول الناقد الدكتور حامد أبو أحمد- عميد كلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر- فكان مثقفًا كبيرًا وجريئًا في نقد تيار الحداثة الذي أفسد النقد الأدبي وجعله تابعًا تغريبيًّا، وأدى إلى تشويه النقد، فمما يذكر له أنه وقف في خندق ثقافة المقاومة واللجوء إلى التراث في مواجهة الحداثيين، وأضاف أن الدكتور عبد العزيز قدم رؤيةً معارِضةً تمامًا لرؤية الحداثيين العرب، وكشف طريقتهم في التأليف والاستعانة بالكتب الأجنبية، كما أنه من كتَّاب المسرح السياسي التقليدي، وقدم له المسرحُ مسرحياتٍ في طيبة وليلة الكولونيل الأخيرة، والرهائن، والظاهر بيبرس، والمقاول، وهذه الأعمال تحتاج إلى دراسة وتسليط الأضواء عليها.

    أما الدكتور محمد عناني- أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة- والذي ينتمي إلى ذات مدرسة الدكتور عبد العزيز حمودة فيقول: إن حمودة ناقد أدبي بالتكوين والحرفة، وقد تعلم النقد في الجامعة المصرية والجامعات الأمريكية، ومارَس النقد بالكتابة والمحاضرة والمشاركة في الندوات والمؤتمرات.

    النقد اليساري
    ويوضح الدكتور عناني أن الدكتور حمودة جاء في وقت كان فيه النقد التطبيقي يمرُّ بأزمة، وهو ما حبَّب رشاد رشدي في تكوين جماعة النقاد، وبناءً على مذهب ما يسمى بالنقد الجديد (وهو النقد التحليلي) مارسنا هذا في الستينيات حتى بداية السبعينيات ومعنا الدكتور حمودة، ثم انقضَّ اليسار بكل قواه؛ ليفرض على الساحة مذهبًا أيديولوجيًّا، وهو قياس العمل الفني لمدى قيمته الأيديولوجية لا قيمته الفنية.

    ثم اضطُّر حمودة إلى الانسحاب من الساحة في الثمانينيات عندما رأى التيار الجديد (نظرية النقد الحديثة) وروادها فرنسيون يهود ومهاجرون روس يهود، مثل دريدا وباكوفسكي وغيرهما، وهؤلاء كانوا منعدمي الأيديولوجيا إلا إيمانهم بالعنصرية اليهودية، وكانوا يدعون إلى هدم كل شيء، بما في ذلك هدم الإيمان بالله، وساعدهم في ذلك الواقع الأوروبي المنصرف عن الدين.

    وعندما لاحظ حمودة أن الوسط الأدبي منبهر بهذه النظرية دون إدراك كامل للفلسفة وراءها فكتب كتابه (المرايا المحدبة) 1998م، واتخذ فيه موقفَ العداء والهجوم، ورفض النظرية الحديثة استنادًا إلى موقفها الإيديولوجي الذي لا يتفق مع تقاليدنا ومعتقداتنا وتراثنا، وكان هناك أستاذ أمريكي هاجم دريدًا في كتاب (تهافت التفكيكية) وبيَّن أنها فاسدة الفكر والفلسفة، وهاجم حمودة كلَّ هذه المدارس، أما في كتابه الثاني (المرايا المقعرة) والثالث (الخروج من التيه)، فحاول تقديم

    http://www.ikhwanonline.com/Article.asp?ArtID=23319&SecID=290

  5. “التفكيكية” مصطلح ينتمي لعائلة من المصطلحات المتداولة في الدراسات النقدية المعاصرة، وهو مصطلح مثير للجدل بسبب ما يتضمنه معناه – كما سيرد – من مفاهيم معادية للغيبيات (الميتافيزيقا). وقد تمحور الاهتمام في التفكير النقدي العربي حول هذا المصطلح أمثاله بعد أن توقفت جهود كانت تستهدف إبداع نظرية نقدية عربية.

    وكما هو الحال في معظم مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية مثلت قضية السياق الذي تنشأ فيه الأفكار وتنمو وتتطور قضية خلافية بين من يرون الظاهرة الإنسانية تتطور وفق قوانين ثابتة لا تتأثر بالسياق الحضاري الذي تنشأ فيه، ومن يرون كل فعل وفكرة انعكاسا لرؤية حضارية تتضمن بالضرورة – بشكل ظاهر أو مضمر – تصورات عن الذات والآخر والكون وما وراء الكون. وعلى كل حال فإن واقع الدراسات النقدية العربية مشغول بمدارس النقد ذات المنشأ الغربي من ظاهرية وبنيوية وتفكيكية و. . . . .

    وسواء كان دافع الانشغال الخوف من تبعية ثقافية تطرق الأبواب مترافقة مع تبعية اقتصادية وسياسية وإعلامية تعطي مشروعية لهذه المخاوف أو كان دافعه الرغبة في اللحاق بقطار يتحرك بالفعل وفي رحلته محطات عديدة، فإن من المفيد إدارة نوع من الحوار الإيجابي حول هذه الأفكار والمدارس النقدية.

    التفكيك / التقويض

    أول مظاهر الجدل هو ما دار حول المقابل العربي للفظ الإنجليزي DECONSTRUCTION”” ، فبينما يرى الدكتور محمد عناني أن استخدام مصطلح التفكيكية هو استخدام موفق، فالتفكيك الذي اشتق منه المصدر الصناعي هو فك الارتباط أو حتى تفكيك الارتباطات المفترضة بين اللغة وكل ما يقع خارجها (1) يذهب مؤلفا “دليل الناقد الأدبي” إلى أن مثل هذه الترجمة لا تقترب من مفهوم صاحب النظرية، وإن كانا يقران أن مصطلح “التقويضية” الذي يستخدمانه يعيبه هو الآخر العيب نفسه، ولكنهما يفضلانه، فهي (أي النظرية) لا تقبل – حسب ما يذهب إليه نقاد عرب – البناء بعد التفكيك. فصاحب النظرية يرى أن الفكر الماورائي الغربي صرح أو معمار يجب تقويضه وتتنافى إعادة البناء مع المفهوم، فكل محاولة لإعادة البناء لا تختلف عن الفكر المراد هدمه، وهو الفكر الغائي (2).

    ظهرت التفكيكية / التقويضية على يد الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا في ثلاثة كتب أصدرها عام 1967 (3) ، وقد بدأ دريدا نظريته بنقد الفكر البنيوي الذي كان سائدا آنذاك بإنكاره قدرتنا على الوصول بالطرق التقليدية على حل مشكلة الإحالة، أي قدرة اللفظ على إحالتنا إلى شيء ما خارجه، فهو ينكر أن اللغة “منزل الوجود” ويعني بذلك القدرة على سد الفجوة ما بين الثقافة التي صنعها الإنسان والطبيعة التي صنعها الله. وما جهود فلاسفة الغرب جميعا الذين حاولوا إرساء مذاهب على بعض البدهيات أو الحقائق البدهية الموجودة خارج اللغة إلا محاولات بائسة كتب عليها الفشل. وقد وصف دريدا مواصلة هذا الطريق بأنها عبث لا طائل من ورائه وحنين إلى ماض من اليقين الزائف (4) عبر عنه الفكر الغربي بألفاظ لا حصر لها عن فكرة المبادئ المركزية مثل: الوجود، الماهية، الجوهر، الحقيقة، الشكل، المحتوى، الغاية، الوعي، الإنسان، الإله (5).

    ورغم هذه الخصائص التي تتصف بها النظرية فإن دريدا يصر على عدم ارتباط مشروعه بالعدمية بل يرى أن قراءته التفكيكية / التقويضية قراءة مزدوجة تسعى إلى دراسة النص دراسة تقليدية أولا لإثبات معانيه الصريحة ثم تسعى إلى تقويض ما تصل إليه من معان في قراءة معاكسة تعتمد على ما ينطوي عليه النص من معان تتناقض مع ما يصرح به، أي أنها تهدف إلى إيجاد شرخ بين ما يصرح به النص وما يخفيه. وبهذا تقلب القراءة التفكيكية / التقويضية كل ما كان سائدا في الفلسفة الماورائية. ويرى دريدا أن الفكر الغربي قائم على ثنائية ضدية عدائية يتأسس عليها ولا يوجد إلا بها مثل: العقل / العاطفة، الجسد / الروح، الذات / الآخر، المشافهة / الكتابة، الرجل / المرأة (6).

    التفكيكية / التقويضية كمنهج نقدي

    في كل قراءاته يقوم دريدا بسك مصطلحات يشتقها مما هو قيد الدراسة ولا يتأتى فهم النظرية إلا من خلال متابعة هذه المصطلحات والكيفية التي تعمل بها داخل النص المدروس، وجميعها تستعصي على الوجود إلا نتيجة تفاعلها داخل نصها، وأهم هذه المصطلحات كما صاغها دريدا:
    الانتشار أو التشتيت “DIFFERENCE”
    الأثر “TRAC”
    الاختلاف / الإرجاء “DEFFERANCE”
    ويطلق جاك دريدا على مثل هذه المصطلحات التي يشتقها من المادة قيد الدراسة “البنية التحتية” (7).

    – الأثر “TRAC” :

    صب دريدا جام غضبه على ما زعم البنيويون أنه طموح إلى اتباع المنهج العلمي، فالعلم في نظره – مثله في ذلك مثل الدين والفلسفة الميتافيزيقية – يقيم نظامه على ما يسميه “الحضور” ومعناه التسليم بوجود نظام خارج اللغة يبرر الإحالة إلى الحقائق أو الحقيقة. وهو يبسط حجته على النحو التالي: “تحاول الفلسفة الغربية منذ أفلاطون تقديم أو افتراض وجود شيء يسمى الحقيقة أو الحقيقة السامية المتميزة” أو ما يسميه هو “المدلول المتعالي” أي المعنى الذي يتعالى على (أو يتجاوز) نطاق الحواس ونطاق مفردات الحياة المحددة. ويمكن في رأيه إدراك ذلك من خلال مجموعة من الكيانات الميتافيزيقية التي احتلت مركز الصدراة في كل المذاهب الفلسفية مثل: الصورة، المبدأ الأول، الأزل، الغاية، الهيولي، الرب، ويمكن اعتبار اللغة المرشح الأخير للانضمام لهذه القائمة (8).

    فمفهوم “الأثر” في التفكيكية / التقويضية مرتبط بمفهوم الحضور الذاتي ودريدا يرى في الأثر شيئا يمحو المفهوم الميتافيزيقي للأثر وللحضور (9). وهدف دريدا هو تفكيك الفلسفة وتفكيك تطلعاتها إلى إدراك الحضور عن طريق ما حاول إثباته من أن عمل اللغة نفسه يحول دون الوصول إلى تلك الغاية. وفي مقابل التركيز على المقابلة بين الدال والمدلول (اللفظ والمعنى) عند سوسير يرفض دريدا أسبقية المدلول على الدال، لأن تصور سوسير كان يعني وجود مفاهيم “حاضرة” خارج الألفاظ (10).

    – الاختلاف / الإرجاء “DEFFERANCE” :

    هذا المصطلح سبب مشكلة في الترجمة بسبب الالتباس الحتمي المرتبط به، فترجمه البعض (الاختلاف والإرجاء) (11) وترجمه آخرون (الاختـ(ت)ـلاف) (12) ، أما الدكتور عبد الوهاب المسيري فترجم هذا الاصطلاح إلى “الاخترجلاف” وهي كلمة قام بنحتها من كلمتي “اختلاف” و”إرجاء” على غرار كلمة “LADIFFERANCE” التي نحتها دريدا من الكلمة الفرنسية “DIFFER” ومعناها أرجأ والكلمة “DIFFERENCE” بمعنى اختلاف وتحمل معنى الاختلاف (في المكان) والإرجاء (في الزمان). ويرى دريدا أن المعنى يتولد من خلال اختلاف دال عن آخر، فكل دال متميز عن الدوال الأخرى ومع ذلك فهناك ترابط واتصال بينهما، وكل دال يتحدد معناه داخل شبكة العلاقات مع الدوال الأخرى، لكن معنى كل دال لا يوجد بشكل كامل في أية لحظة (فهو دائما غائب رغم حضوره)، وهكذا فالاخترجلاف عكس الحضور والغياب بل يسبقهما (13).

    – الانتشار أو التشتيت “DIFFERENCE”:

    هذا المصطلح وأصله الإنجليزي “DISSEMINATION” ، كانت ترجمته هو الآخر موضوع اختلاف بين النقاد العرب، فبينما اختار الرويلي والبازعي ترجمته “الانتشار والتشتيت” اختار المسيري ترجمته “تناثر المعنى”، والكلمة يستخدمها دريدا في مقام كلمة دلالة وهي من فعل “DISSEMINAT” بمعنى: يبث أو ينثر الحبوب، وللكلمة معان أهمها: أن معنى النص منتشر فيه ومبعثر فيه كبذور تنثر في كل الاتجاهات ومن ثم لا يمكن الإمساك به. ومن معانيه أيضا: تشتيت المعنى – لعب حر لا متناه لأكبر عدد ممكن من الدوال، تأخذ الكلمة معنى وكأن لها دلالة دون أن تكون لها دلالة أي أنها تحدث أثر الدلالة وحسب (14). ويأخذ مصطلح تناثر المعنى بعدا خاصا عند دريدا الذي يركز على فائض المعنى وتفسخه وهو سمة تصف استخدام اللغة عامة (15).

    بين الفلسفة والأدب

    لم يبرز تأثير فلسفة دريدا في النقد الأدبي إلا في كتابات نقاد جامعة ييل وبخاصة بول دي مان، ويصور دي مان العلاقة بين الأدب والفلسفة بقوله: “إن الأدب أصبح الموضوع الأساسي للفلسفة ونموذجا لنوع الحقائق (أو الحقيقة) التي تطمح الفلسفة لبلوغها” ويعني ذلك أن الأدب لا يزعم أنه يحيل القارئ إلى الواقع الحقيقي خارج اللغة فهو تعريف خيالي، وتاريخ الفلسفة حسب تصور دي مان كان رحلة طويلة في دنيا الإحالة أو الإحالية، وإلى المضمون بعيدا عن الوعي بذاته، أي بأن الفلسفة استمدت أصولها من مصادر بلاغية أو من علم البلاغة نفسه. ويستند دي مان هنا على قول دريدا بأن الأدب يمكن اعتباره حركة تفكيك ذاتية للنص، إذ يقدم لنا معنى ثم يقوضه في آن واحد، فالأدب أقرب ما يكون إلى تجسيد مبدأ الاختلاف. وهو يحتفل بوظيفة الدلالة وفي الوقت نفسه بحرية عمل الكلمات في نطاق الطاقات الاستعارية وألوان المجاز والخيال دون الجمع بين المتناقضات فلا يصل أبدا إلى الوحدة (16).

    وأهم ما يلاحظ هنا هو أن هذا التصور للأدب باعتباره نصوصا متداخلة ينفتح بعضها على بعض ولا يجد النص منها حدودا تمنعه من تجاوز ذاته بدلا من التصور القائم على وجود نص مستقل أو كتاب مغلق يناقض تعريف الأدب الذي جاء به النقد الجديد باعتباره عملا يتمتع بالوحدة العضوية. وتستند النظرية كذلك إلى ما يطلق عليه “خبرة القارئ” أو تجربة قراءته للنص وهو مرتكز يؤدي آخر الأمر إلى التصالح بين المعاني وتوحيد القوى المتصارعة وإحالة النص والقارئ جميعا في آخر المطاف إلى العالم الخارجي، ومن ثم يقول التفكيكيون – والكلام لجيفري هارتمان- إن الحقيقة الشعرية كانت تستمد حياتها في نظر النقد الجديد من العالم الخارجي باعتباره حقيقة فوق الواقع اللغوي أي متعالية عليه (17).

    ويرى التفكيكيون أن المزية الأولى للأدب ترجع إلى أنه خيال أو كذب، فالشعر يحتفل بحريته من الإحالة وهو واع بأن إبداعاته ذات أساس تخيلي، ولذا فإنه لا يعاني مثلما تعاني النصوص الأخرى من مشكلة الإحالة إلى خارج النص وهو ما يلخصه أحد شراح النظرية – فيرنون جراس – بقوله: “ترجع أهمية الأدب في ظل التفكيكية / التقويضية إلى طاقته على توسيع حدوده بهدم أطر الواقع المتعارف عليها، ومن ثم فهو يميط اللثام عن طبيعتها التاريخية العابرة، فالنصوص الأدبية العظيمة دائما تفكك معانيها الظاهرة سواء كان مؤلفوها على وعي بذلك أم لا من خلال ما تقدمه مما يستعصي على الحسم. والأدب أقدر فنون القول على الكشف عن العملية اللغوية التي تمكن الإنسان بها من إدراك عالمه مؤقتا وهو إدراك لا يمكن أن يصبح نهائيا أبدا” (18).

    لا شيء خارج النص:

    تشكل هذه العبارة أساسا من أهم أسس النظرية التفكيكية / التقويضية وقد عبر دريدا عن ذلك بقوله: “لا يوجد شيء خارج النص” ومعنى ذلك رفض التاريخ الأدبي التقليدي ودراسات تقسيم العصور ورصد المصادر لأنها تبحث في مؤثرات غير لغوية وتبعد بالناقد عن عمل الاختلافات اللغوية. ويعتبر التفكيكيون أن الغوص في الدلالات وتفاعلاتها واختلافاتها المتواصلة تعد معادلا للكتابة، فمن حق كل عصر أن يعيد تفسير الماضي ويقدم تفسيره الذي يرسم طريق المستقبل، فالتفسيرات أو القرارات الخاطئة المنحازة هي السبيل الوحيد لوضع أي تاريخ أدبي بالمعنى التفكيكي. وقد طبق جيفري هارتمان هذه القناعة على أعمال لودذوورث قتلت بحثا فانطلق بحدود تفسيراته لشعره وكتب مقالات مستوحاة من النص دون أن تتقيد به تحفل بالتوريات اللفظية بأشكالها المختلفة وإحالات الألفاظ والتعابير إلى أعمال سواه ومن ثم احتمالات التناص مظهرا في ذلك براعة يحسده عليها الشباب ولا يوافقه عليها الشيوخ لهدم المعاني التي ألفتها الأجيال على مدى قرنين من الزمان (19).

    وحسب الدكتور محمد عناني فإن المذهب يشهد في التسعينات تحولا عجيبا يسمى “استخدام المصطلح دون مضمونه”، فالنقاد التفكيكيون أصبحوا يسخرون من القول بأن للغة وظيفة عقلانية أو معرفية وقد أجروا تعديلات غريبة على مفهوم العلاقة بين اللغة والواقع أو الحقيقة فبدأوا يرصدون حركة اللغة من الخارج عن طريق رصدها في تلافيف النص أو النص الباطن مثل الرغبات الجنسية (فرويد) أو المادية الماركسية أو ما وصفه نيتشة بالنزوع إلى التسلط وإرادة القوة. منهم من يقول إن هذه الرغبات غير العقلانية تساهم في عملية الدلالة على المعنى أكثر مما تساهم فيه المعرفة العقلية، وإن كان الدكتور عناني يصف هذه الاتجاهات الجديدة بأنها تنتفع بالتفكيكية / التقويضية دون أن تكون تفكيكية / تقويضية (20).

    منتقدو التفكيكية / التقويضية

    من بين ردود الأفعال التي أثارتها النظرية انتقادات عديدة لعل أهمها في نظر ميجان الرويلي وسعد البازعي أنها رغم قدرتها التقويضية على زعزعة المسلمات التقليدية الميتافيزيقية الغربية تصل في النهاية إلى “عماية محيرة”، فدريدا لم يقدم بديلا عن مسلمات الميتافيزيقا الغربية بعد أن قوضها. بل إن البديل نفسه كما يرى دريدا نفسه سيتسم بسمات الميتافيزيقا لا محالة، لذا اكتفى دريدا بالتقويض. ويذهب الرويلي والبازعي ويشاركهما في ذلك عبد الوهاب المسيري إلى أن التفكيكية / التقويضية تدين بمنهجها لممارسات التفسير التوراتي اليهودي وأساليبه. فكل ما فعله دريدا هو نقل الممارسات التأويلية للنصوص المقدسة اليهودية وتطبيقها على الخطاب الفلسفي مرسيا بذلك دعائم ما ورائية لاهوتية مألوفة لتحل محل الميتافيزيقا الغربية، أما المسيري فيرد الأفكار الرئيسة في نظرية دريدا إلى أصولها اليهودية، ففي مداخل: الأثر، تناثر المعنى، الهوة، الكتابة الكبرى والأصلية، التمركز حول المنطوق، من موسوعته يورد تأصيلا فكريا تاريخيا لهذا الأثر الواضح ليهودية دريدا وللفكر اليهودي في نظريته النقدية (21).

    وقد نقل الدكتور عبد العزيز حمودة في “المرايا المحدبة” نماذج عديدة من النقد الذي وجه للتفكيكية / التقويضية في الغرب، فمثلا ليتش يقول في تمهيده لدراسته عن التفكيكية / التقويضية إنها باعتبارها صيغة لنظرية النص والتحليل تخرب كل شيء في التقاليد تقريبا وتشكك في الأفكار الموروثة عن العلاقة واللغة والنص والسياق والمؤلف والقارئ ودور التاريخ وعملية التفسير وأشكال الكتابة النقدية، وفي هذا المشروع فإن الواقع ينهار ليخرج شيء فظيع (22).

    أما جون إليس وهو أحد أشهر منتقدي التفكيكية فيقول: “هناك وسيلة يلجأ إليها التفكيك / التقويض للحفاظ على صلاحيته: تتم صياغة الموضوعات في مصطلح جديد وغريب وهو ما يجعل المواقف المألوفة تبدو غير مألوفة، ومن ثم تبدو الدراسات المتصلة غير متصلة. إن الهجوم على نظرية إحالة المعنى يترجم إلى هجوم على ميتافيزيقا الحضور برغم أن الاثنين يعبران عن الرأي الساذج القائل بالعلاقة بين الكلمات والأشياء، لكن المصطلحات تجعل الموضوع يبدو مختلفا” (23).

    وفي النهاية:

    لا شك في أن هذه الورقة المختصرة غير مناسبة نظرية التفكيك وإن كانت قد عرضت أهم ملامحها ومرت على أهم الانتقادات الموجهة لها. وقد يكون في ترجمة مثل هذه النظريات النقدية إفادة عظيمة لدرس تاريخ الآداب والفلسفات الغربية، فهي نشاط فكري بشري ينبغي ألا نكون غافلين عن الإحاطة به، أما التغافل عمدا عن موقف النظرية من الغيب والإنسان والمنظومات القيمية الراسخة في حضارتنا فهو خطر عظيم يهدد أول ما يهدد الأدب العربي الذي يبلغ عمره الآن أكثر من سبعة عشر قرنا حافلة بالعطاء الثري تحت ظل منظومة قيمية عربية إسلامية ينبغي أن تكون حاضرة عندما نتفاعل مع أية نظرية وافدة.

    هوامش

    1- محمد عناني (دكتور)، المصطلحات الأدبية الحديثة: دراسة ومعجم إنجليزي/ عربي، الشركة المصرية العالمية للنشر – لونجمان، الطبعة الثانية، سنة 1997، ص 131.
    2- ميجان الرويلي (دكتور) وسعد البازعي (دكتور)، دليل الناقد الأدبي، دون ناشر، 1415 هـ، ص 49 – 50.
    3- محمد عناني (دكتور)، المصطلحات الأدبية الحديثة، سبق ذكره، ص 132.
    4- محمد عناني (دكتور)، المصطلحات الأدبية الحديثة، سبق ذكره، ص 133.
    5- رامان سلون، ترجمة جابر عصفور (دكتور)، النظريات الأدبية المعاصرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، مصر، سلسلة آفاق الترجمة، سنة 1995، ص 163 – 164.
    6- ميجان الرويلي (دكتور) وسعد البازعي (دكتور)، دليل الناقد الأدبي، دون ناشر، 1415 هـ، ص 50.
    7- ميجان الرويلي (دكتور) وسعد البازعي (دكتور)، دليل الناقد الأدبي، دون ناشر، 1415 هـ، ص 54.
    8- محمد عناني (دكتور)، المصطلحات الأدبية الحديثة: دراسة ومعجم إنجليزي/ عربي، الشركة المصرية العالمية للنشر – لونجمان، الطبعة الثانية، سنة 1997، ص 135 – 136.
    9- ميجان الرويلي (دكتور) وسعد البازعي (دكتور)، دليل الناقد الأدبي، دون ناشر، 1415 هـ، ص 55.
    10- محمد عناني (دكتور)، المصطلحات الأدبية الحديثة: دراسة ومعجم إنجليزي/ عربي، الشركة المصرية العالمية للنشر – لونجمان، الطبعة الثانية، سنة 1997، ص 137 – 138.
    11- محمد عناني (دكتور)، المصطلحات الأدبية الحديثة: دراسة ومعجم إنجليزي/ عربي، الشركة المصرية العالمية للنشر – لونجمان، الطبعة الثانية، سنة 1997، ص 138.
    12- ميجان الرويلي (دكتور) وسعد البازعي (دكتور)، دليل الناقد الأدبي، دون ناشر، 1415 هـ، ص 60.
    13- عبد الوهاب المسيري (دكتور)، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية – نموذج تفسيري جديد، دار الشروق، مصر، الطبعة الأولى، 1999، المجلد الخامس، ص 426.
    14- عبد الوهاب المسيري (دكتور)، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية – نموذج تفسيري جديد، دار الشروق، مصر، الطبعة الأولى، 1999، المجلد الخامس، ص 437.
    15- ميجان الرويلي (دكتور) وسعد البازعي (دكتور)، دليل الناقد الأدبي، دون ناشر، 1415 هـ، ص 66.
    16- محمد عناني (دكتور)، المصطلحات الأدبية الحديثة: دراسة ومعجم إنجليزي/ عربي، الشركة المصرية العالمية للنشر – لونجمان، الطبعة الثانية، سنة 1997، ص 143 – 144.
    17- محمد عناني (دكتور)، المصطلحات الأدبية الحديثة: دراسة ومعجم إنجليزي/ عربي، الشركة المصرية العالمية للنشر – لونجمان، الطبعة الثانية، سنة 1997، ص 145 – 146.
    18- محمد عناني (دكتور)، المصطلحات الأدبية الحديثة: دراسة ومعجم إنجليزي/ عربي، الشركة المصرية العالمية للنشر – لونجمان، الطبعة الثانية، سنة 1997، ص 147.
    19- محمد عناني (دكتور)، المصطلحات الأدبية الحديثة: دراسة ومعجم إنجليزي/ عربي، الشركة المصرية العالمية للنشر – لونجمان، الطبعة الثانية، سنة 1997، ص 148.
    20- ميجان الرويلي (دكتور) وسعد البازعي (دكتور)، دليل الناقد الأدبي، دون ناشر، 1415 هـ، ص 54.
    21- ميجان الرويلي (دكتور) وسعد البازعي (دكتور)، دليل الناقد الأدبي، دون ناشر، 1415 هـ، ص 54 – عبد الوهاب المسيري (دكتور)، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية – نموذج تفسيري جديد، دار الشروق، مصر، الطبعة الأولى، 1999، المجلد الخامس، ص 420 إلى 440.
    22- عبد العزيز حمودة (دكتور)، المرايا المحدبة من البنيوية إلى التفكيك، سلسلة عالم المعرفة، رقم 232، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1998، ص 291 – 292.
    23- عبد العزيز حمودة (دكتور)، المرايا المحدبة من البنيوية إلى التفكيك، سلسلة عالم المعرفة، رقم 232، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1998، ص 296.
    * قدمت هذه الورقة في الورشة النـقدية التي نظمتها “دائرة الثقافة والإعلام” بحكومة الشارقة – دولة الإمارات العربية المتحدة – إبريل 2000 للفائزين بجوائز الدورة الثانية من “جائزة الشارقة للإبداع العربي”. وقد فاز كاتب الورقة بالمركز الثاني في مجال المسرح. ونشرت في مجلة “الآطام” السعودية (إصدارة دورية تعنى بالإبداع والدراسات الأدبية تصدر عن نادي المدينة المنورة الأدبي) – العدد الثامن – شعبان 1421 – نوفمبر 2000 – الصفحات: 47 – 58.

    http://www.ofouq.com/today/modules.php?name=News&file=article&sid=1824

  6. اعتمد النقد الأدبي في تحليله للنصوص الأدبية في القرن الماضي على عدة مناهج نقدية جديدة لم يألفها الخطاب النقدي التقليدي بكل تياراته التاريخية والنفسية والاجتماعية من قبل، والتي ظهرت ابتداء من البنيوية، مرورا بالأسلوبية والتفكيكية ونظريات التلقي والتأويل وغيرها، ولعل التفكيكية واحدة من أهم هذه المناهج التي قدمت محاولات جادة لتفسير وتأويل النصوص الأدبية، وظهرت كرد فعل مباشر للبنيوية التي أرجعت التفسيرات للنص فقط فالنص بالنسبة لها مغلق.

    و لم تخرج التفكيكية- في مجمل ما استعملت له – عن كونها قراءة للنص دون أي قواعد ومفاهيم إجرائية خاصة، فهى دراسة للأدب ولحروف الهجاء ولمقاطع الكلمات والقراءة والكتابة وفق ما عرفها الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا.

    وتعد التفكيكية إحدى مدارس الفلسفة والنقد الأدبي القائلة باستحالة الوصول إلى فهم متكامل أو على الأقل متماسك للنص أيا كان، فعملية القراءة والتفسير هي عملية اصطناعية محضة يقوم بها القاريء الذي يقوم بالتفسير، بالتالي يستحيل وجود نص رسالة واحدة متماسكة ومتجانسة.

    فالوصول للحقيقة في التحليلات النصية في المشروع التفكيكي محال ، ودور التحليل في هذا المشروع هو تحريك تفسيرات متعددة في قراءة نص معين.

    والفكرة الأساسية التي ترتكز عليها المدرسة التفكيكية هي أنها تنظر إلى الثقافة و الفلسفة الإنسانية على أنهما نصوص، فالقصة نص، و القصيدة نص، و الكتاب الفلسفي نصّ، و اللوحة نصّ، و المبنى المعماري نصّ، كما تعتبر الكتابة شكلٍ أدنى من أشكال إيصال المعنى، و تفضل عليها الصوت، وقد استعيرت الكلمة من حقل استخدامها الأصلي العمارة إلى ميدان الفكر، لتصبح مصطلحاً يدل على وضع غالبية التقاليد الميتافيزيقية والفلسفية الغربية.

    الميلاد:

    وتمثل فرنسا المهد الأول للتفكيك حينما استخدمه الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا في أواخر الستينات من القرن العشرين، بهدف تفكيك بنية الخطاب مهما كان نوعه وجنسه، وتفحّص ما تخفيه تلك البنى من شبكة دلالية ثم انتقلت التفكيكية إلى أمريكا عبر رحلة قادها دريدا لتسود بذلك التفكيكية الساحة النقدية الأمريكية في السبعينات، ويتأثّر بها العديد من المؤلفين والنقاد لتهيمن بذلك أفكار دريدا على الساحة الأدبية.

    معطيات:

    ويرتكز دريدا في مشروعه النقدي على بعض المعطيات النقدية وهي:

    – الاختلاف حيث يشير إلى السماح بتعدد التفسيرات انطلاقاً من وصف المعنى بالاستفاضة ، وعدم الخضوع لحالةٍ مستقرةٍ،
    مما يدفع القاريء إلى العيش داخل النـص ، والقيام بجولات مستمرة لتصيّد موضوعية المعنى الغائبة، والاختلاف في المشروع النقدي التفكيكي يقوم على اختلاف الدوال ، وينتج عنه اختلاف المدلول ،ويتخذ الاختلاف شكل الثنائيات المتقابلة أو المتضادة كالخير ـ الشر ، الطبيعة ـ الحضارة ، والعلاقة بين الدال والمدلول في هذه الثنائيات المتضادة تقليدية وليست منطقية ، وتختلف باختلاف السياق الواردة فيـه ، ويترتب على ذلك أنّ المعنى الأدبي لا يمكن أن يكون محدداً أو واضحاً.

    – نقد التمركز حول العقل حيث يمكننا من فحص منظومة الخطاب الفلسفي الغربيّ ويكشف هذا المعطى عن التأمل الفلسفي المتعالي ، ويعمل على تعريته ، وتمزيق أقنعته بوصفها رواسب حجبت صورة الحقيقة ، ويهدف دريدا من نقد التمركز حول العقل إلى تحطيم الأصل الثابت للمعنى بوصفه مصدراً ، وتقويضه وتحويل كل شيء إلى خطاب ، وتذويب الدلالة المركزية ، ومن خلال هذه العملية تتحول الكتابة إلى أهمية قصوى ، وإعلان دريدا عن هدم التمركز ، هو إعلان عن تدمير جميع الدلالات التي تجد مصدرها في دلالة اللوجوس.

    – يشير المعطى الثالث ( نظرية اللعب ) إلى تمجيد التفكيكية لصيغة اللّعب الحرّ اللامتناهي لكتابة ليست منقطعة تماماً عن الإكراهات المغيّبة للحقيقة ، وتأكيد المعطى الثقافي للفكر والإدراك ، وغياب المعرفة السطحية المباشرة ، واستلهام أفق واسع من المرجعيات الفكرية المماثلة ، والفلسفية المعقدة ، والنظم المخبوءة ، وطرائق التحليل الخاصة ، وتتبنى التفكيكية في هذا السياق وبشكل واضح تطبيق استراتيجيات نصية وخطابية للقراءة تقلل من أهمية أيّ إحالة واثقة على منظومات ( الابستيمولوجيا ، والأخلاق ، ليغدو التحليل التفكيكي ـ بعد ذلك ـ شعارات ، وكلمات سرٍّ مفرغة من أي مضمون معرفي أو أخلاقي أو جمالي.

    – علم الكتابة يعدّ نقداً لثنائية سوسير-عالم لغويات – الدال والمدلول ورؤيته لدور العلامة وفاعليتها في بناء النص ، فالدال عند سوسير هو تشكّل سمعي وبصري ، وصورة لحمل الصوت ، وهو ما اعتبره دريدا تمركزاً حول الصوت، وصورة واهمة لحمل المعنى ، واقترح استبدال العلامة بمفهوم الأثر، فالعلامات لا تؤدي وظيفتها إلا في حدود قابليتها للتكرار في سياقات مختلفة، مع غياب المتكلم أياً كان، والأثر هو كلّ عنصرٍ يتأسس من آثار العناصر الأخرى في النسق ، عبر لعبة الاختلافات المتعددة التي تفضي إلى خلق فواصل بين عناصر اللغة ، وهذا يحيل إلى وجود الاختلاف في داخل أنساق النص.

    – الحضور والغياب يشكل تتويجاً نقدياً للمعطيات السابقة ، لأنّه يمثل الثمرة المعرفية للتحليل التفكيكي ، والهوية المحدِدة له ، وهو الأصل في الرصيد النقدي للطرح التفكيكي ، لأنّ جميع إجراءات المسيرة النقدية للتفكيك تخضع لحضور الدوال وتغييب المدلول ، فضلاً عن أنّ معطيات الاختلاف ، ونقد التمركز ، ونظرية اللعب ، والكتابة تبرز فيها بشكل مباشر ثنائية الحضور والغياب ، وقد انطلق دريدا من خلال هذه الثنائيــة ـ إلى جانب المعطيات السابقة ـ لنقد توجه الخطاب الفلسفيّ الغربيّ ، وتقويض أُسسِه من خلال كشف تناقضاته واللّعب بأنظمته وممارساته ، وتحويل معادلته المعرفية مـن ميتافيزيقيا الحضور ـ حسب مصطلح دريدا إلى غياب المعنى واختلافه.

    المعطيات التي ارتكز عليها التفكيك عند دريدا توضح أنّ كلّ شيء مؤقت في المشروع التفكيكـي ، لأنّ جميع التراكيب والبنى في حالة مستمرة لا نهائية ، وقد تأتى ذلك من انحطاط النموذج الإنساني أمام النص ، وإنكار التقاليد الإبداعية لولادة النتاج البشري ، وعدم الثقة بالحقيقة المطلقة ، وارجاع كلّ شيء إلى عدم ثبات.

    الثقافة العربية‏:

    ولعل رواج التفكيكية في التجربة النقدية العربية كان بسبب انتشار الترجمات العديدة لمؤلفات الرواد أمثال رولان بارث وجاك دريدا، حيث انتقلت التفكيكية الى الخطاب النقدي العربي المعاصر في منتصف الثمانينات من القرن الماضي مع الناقد السعودي عبدالله الغذامي، ثم انتشرت وتعززت مكانتها بفعل كتابات عدد من النقاد العرب مثل علي حرب وعبد الملك مرتاض وسعد البازعي وميجان الرويلي وغيرهم، و صاحب هذا الانتشار تعدد في ترجمة المصطلحات التي تنبني عليها، فعبدالله الغذامي يسميها التشريحية، والتهامي الراجحي يسميها الهدم، وشكري عزيز ماضي يسميها اللابناء أو النقد اللابنائي، وعبدالملك مرتاض يسميها التقويض أو نظرية التقويض، وميجان الرويلي يسميها النقض، ويبقى مسمى التفكيكية الأكثر شهرة والأوسع تداولاً.

    بين مؤيد ومعارض:

    ولا توجد نظرية أثارت جدلا واسعا على الساحة الأدبية مثلما فعلت التفكيكية، حيث تباينت ردود فعل كبار المفكرين والمثقفين الغربيين والعرب إزائها ، فوصفها البعض بأنها ثورة ضد الهيمنة غير العادلة للإيمان المطلق بمعنى الكلمات واستخدامها المخصوص في الثقافة الغربية، واعتبرها البعض تهديداً للأعراف الأخلاقية والثقافية الراسخة، كما اتهمها آخرون بالعدمية من حيث إيمانها بالإمكانية اللامحدودة للتأويل، ورأى البعض أنها حركة تخريبية لا تهدف إلا لتقويض جميع الأساسيات المعرفية للثقافة الإنسانية، في حين رأى بعض فلاسفة الدين أمثال جون دي كابوتو أن التفكيكية هي تعبير بالغ القوة عن “الأيقونية”، والتي تستطيع أن تساعدنا في الوصول إلى إدراك هائل للذات الإلهية التي تقع وراء كافة المثل.

    http://www.womanmessage.com/articles.aspx?cid=3&acid=191&aid=15574

  7. ليس التفكيك مجرد تقنية وإنما منحنى فكري يخترق النصوص الفلسفية ويرمي الى ما يحجبه الخطاب ويستبعده فيما هو يقوله ، أي تعرية آلياته في توليد المعنى ، أو إجراءاته في إنتاج الحقيقة، أو ممارسته في إخفاء سلطته وحقيقته ، كما يتعدى التفكيك النصوص الى سواها، فيعمد الى خلخلة الأبنية والممارسات وتفكيك الأنظمة الأجتماعية والسياسية والأخلاقية، للكشف عن مدى التلاعبات الكامنة وراء الأنساق التي تشكل الأسس التي تقوم عليها هذه الأبنية ، وقد ادى كل ذلك الى تحطيم النموذج الذي يصوغ الحقيقة و يحتكر الطريق إليها، والحقيقة اصبحت أشبه ما تكون بالصناعة التي ينجزها الفرد والمجتمع، ولم تعد هناك حقيقة متعالية . سواء بالمفهوم الفلسفي أو الديني، فلكل نموذج قيمته.. لا شك في ذلك ، ولكل قيمة حقيقتها من خلال مستوى النظر ومستوى القياس . لقد اخترق التفكيك الحواجز المنصوبة في ميادين المعرفة ومجالات الفكر، وهنا أصبحنا أمام ثورة معرفية قلبت كافة اليقنيات والمسلمات رأسا على عقب .
    وللأسف الشديد ان الفكر العربي المعاصر المسجون في أطره الدينية التقليدية لم ولن يتعرف أو يستبطن هذه الثورة الكبرى في المدى المنظور على الأقل، فما فتئ المفكرون العرب لا استثني أحدا منهم إلا الندرة القليلة ، واقعون تحت اسر الثنائيات… التجديد والتراث، الأصالة والمعاصرة ، التواصل والإنقطاع ، التعريب والتغريب ، الرفض والتبني ، الموت والحياة، الوجود واللاوجود ، العقل واللاعقل، الأسطورة والحقيقة ..الخ . إن الرهان هنا في تبني استراتيجية التفكيك لنثر هذا الفكر هباء تذروره رياح المعرفة التي نصنعها نحن وليس التاريخ أو الدين أو الأساطير . أعرف انني في هذا المقال أدخل المناطق المحرمة في عقول المثقفين العرب المتنورين .. وأكثر ما يزعجني بهذه الصدد الجابري الذي حط من قيمة التفكيك . وجاء كل مشروعه أو ما يطلق عليه مشروع إعادة القراءة للتراث الإسلامي في ذات النسق المدرسي الكلاسيكي. وكذلك طه عبد الرحمن في مشروعه الفلسفي التراثي التجديدي . ومحمد عواد في نقده للعقل التواصلي..و هشام صالح في نقده لجيل دولوز و هابرماس .
    يُمثل التفكيك نظرية نقدية شاملة تبغي إعادة قراءة النصوص الفلسفية والمعرفية والثقافية والإبداعية
    ويمكن الحديث عن أهم المعطيات النقدية التي قدمها دريدا صاحب النقدي التفكيكيّ من خلال النقاط الآتية :الاخــتلاف ، نقد التمركـز ،علم الكتابـة ، . أنّ هذ العناصر تحيل الى القول بأن كلّ شيء مؤقت في المشروع التفكيكـي ، لأنّ جميع التراكيب والبنى هي في حالة صيرورة دائمة ، وقد تأتى ذلك من انحطاط النموذج الإنساني أمام النص ، وإنكار التقاليد الإبداعية لولادة النتاج البشري ، وعدم الثقة بالحقيقة المطلقة ، وترجيع كلّ شيء إلى عدم ثبات ،
    إنّ تلمس الحقيقة في التحليلات النصية في المشروع التفكيكي هو محال ، وهناك تفسيرات مختلفة للنصوص لكنها لا تستند إلى حقائق نهائية ، ودور التحليل في هذا المشروع هو تحريك تفسيرات متعددة في قراءة نص معين ، ووفقاً لذلك لا تمثل اللغة انعكاساً طبيعياً للعالم ، لأنّ بنية النص هي التي تنظم ترجمتنا الفورية للعالم ، وهي التي تخلق مجموعة تجاذبات تسهم في فهم الحقيقة التي تتصف في المشروع التفكيكي بأنّها نسبية .لقد اكتشف جاك ديردا أنّ تاريخ الفكر الغربي من مجموعة ثنائيات متعارضة ومتضادة ( الرجـل ـ المرأة ، الخير ـ الشر ، العقل ـ اللاعقل ، الخطاب ـ الكتابة ، … ) ويشكل الطرف الثاني نقـداً ، وجانباً سلبياً للطرف الأول دائما في نظام الثنائيات هذا مما يجعل المعرفة تدور بين المجالين ثم تجعل النص هو المحور الذي يحرك الحقيقة بالإتجاه الذي يريد حتى يتحول هذا النص الى نظام خطاب يصعب اختراقه
    الاختلاف: يشير هذا المصطلح عند ديردا إلى السماح بتعدد التفسيرات انطلاقاً من وصف المعنى بالتمدد وبالاستفاضة والقابلية والرجوع المحوري ، وعدم الخضوع لحالةٍ مستقرةٍ ، ويبين الاختلاف تعدد منزلة النصية في إمكانيتها التي تزود القارئ بسيل من الاحتمالات الممكنة ، وهذا الأمر يدفع القارئ إلى العيش داخل النـص ، لاقتناص الدلالة المرادفة للمعنى . إنّ المعطيات السابقة تقود إلى أن يغدو كل معنى مؤجلاً بشكل لا نهائي ، وكل دال، يقود إلى غيره من أنظمة الدوال ، دون التمكن من الوقوف النهائي على معنى محدد ، وتغدو عملية التوالد للمعاني مستمرة انطلاقاً من اختلافاتها المتواصلة ، التي تبقى مؤجلة ضمن نظام الاختلاف ، وتظل محكومة بحركة حرّة لا تعرف الثبات والاستقرار ، وكل هذا يشحن الدوال ببدائل لا نهائية لها من المدلولات ، الأمر الذي يكشف أنّ هناك بناءاً وهدماً متواصلين من أجل بلوغ عتبة المعنى .
    التمركز : يقول ديردا عن هذا المصطلح أنه إمكانية كبيرة لفحص منظومة الخطاب الفلسفي الغربيّ عبر قرونه الممتدة زمنياً ، والمكتسِبة لخصوصية معينة في كلّ لحظةٍ من لحظاتها ، بوصفها المراحل المتعاقبة للبناء التدريجي للفكر الأوربي الحديث ، ويكشف هذا المعطى في الوقت نفسه عن التأمل الفلسفي المتعالي ، ويعمل على تعريته ، وتمزيق أقنعته بوصفها رواسب حجبت صورة الحقيقة .
    والحقيقة إنّ تقويض التمركز يؤدي إلى تحطيم كلّ المراكز ، وتفكيك أنظمتها بدءاً من مركز كلّ شيء وهو ( الإله ) وهو سبب مركزي لكل الأحداث ، مروراً بمركز الحقيقـة ، وانتهاءً بمركز العقلانية ،
    وتتحدد رؤية التفكيك لفلسفة الميتافيزيقا على أنّها نظام مركزيّ من ناحية أنّ كلّ وحدة من وحداتها يرجع إلى مركزية ( الإله ) ، أو ( الإنسان ) ، أو ( العقل ) ، وقد دخلت هذه المراكز الثلاثة في علاقة جدلية عبر مراحل تطورها إلى أن وصلت إلى التفكيك .
    اتسمت المرحلة الأولى بكون ( الإله ) هو مركز كلّ شيء ، وهو الأصل لكلّ الموجودات ، ، وفي المرحلة الثانية تخلخلت مركزية الإله ، واعتقاد الإنسان أنّه يستطيع أن يتربع على عرش هذه المركزية ، وفي المرحلة الثالثة طردت العقلانية المركز ، وأصبح اللاوعي ، أو اللاعقلانية هو المركز وأصل الأشياء ، ووصلت المرحلة الأخيرة إلى الشواطئ التي خلخلة كل تلك المراكز ، بحيث أصبح لكل تركيبٍ ونصٍ مركزاً خاصاً به ، يمثل المَعين الأساس للمصدر النهائي للعقل .
    وقد تركت كل مرحلة من تلك المراحل أثراً في التحليل التفكيكي ، فالأولى تتسم بسيادة السلطة البابوية وسريان الحكم الكنسي الذي مزّق حضور الإنسان بإحالته المستمرة إلى الميتافيزيقا في كل تفاصيل حياته ومظاهره الاجتماعيـة ، أما المرحلة الثانية فتمثل ردّة الفعلٍ على سلطة الكنيسة ، وتسلّم لإمكانية التواصل والإبداع بعيداً عن الاستناد إلى حكم يوظفه رجال الدين طبقاً لرغباتهم ، ولمصالح الأحكام اللاهوتية غير المُقنِعة ، وفي المرحلة الثالثة لم يستطع الإنسان قيادة رغباته وتطلعاتـه ، بل لم تقدم له عقلانيته طوق نجاةٍ لأزماته المتكررة ، وهذا ما دفعه إلى اللامعقول ، واللاوعي ، أو ممارسة فعل الأضداد على طول سلوكياته ، وتمثل هذه المرحلة تصورات ما بعد الإنسان وتوصف بأنّها مرحلة تأليهٍ لقدرات الإنسان ، وتأرجحٍ بين تمثيل وظيفة النص ، وإلغاء النموذجية الفردية الإنسانية التي هي أصل في خلق النص
    أنّ مهمة الاستراتيجية التفكيكية هي تفادي تسكين المتعارضات الثنائية الميتافيزيقية ، فمن خلال اختلافها يتولد المعنى وقد مثلت هذه المهمة الخطوة الأولى في نقد التمركز ، لأنّ ولادة المعنى كانت محكومة بسلطة اللوجوس ، والدلالات المتأتية من خلال هذه السلطة هي دلالات ذات صفة منطقية وعقلية
    إنّ هدم التمركز ، هو إعلان عن تدمير جميع الدلالات التي تجد مصدرها في دلالة اللوجوس ، وتفكيكها ، وتذويب رواسبها المتعاقبة ، انّ جميع التحديدات الميتافيزيقية هي غير قابلة للفصل عن هيئة اللوجوس الذي يحط من قيمة الكتابة المنظور إليها بوصفها وساطة لتحقيق القصد ، ويقود من ثمّ إلى السقوط في المعنى أو خارجيته و إلى تحطيم الأصل الثابت للمعنى بوصفه مصدراً ، وتقويضه وتحويل كل شيء إلى خطاب ، وتذويب الدلالة المركزية ، ومن خلال هذه العملية تتحول الكتابة إلى أهمية قصوى ، ويصبح الاهتمام بالكلام مضمحلاً ، ولا شك أنّ التمركز حول العقل في الفلسفة قد نهض على الاهتمام بالكلام على حساب الكتابة ، وقد فتح هذا التوجه مركزاً آخر هو التمركز حول الصوت .
    وقد شكلت نقطة اللوجوس بحدّ ذاتها تشعباً دلالياً ، وتفرعاً إيحائياً ، نظراً لما تحمله من موروث فلسفي ولغوي ، المنطوق على حساب المكتوب ، تحيل مفردة اللوجوس التي تختص بقِوى التحكم بالكون إلى فضاءات ثلاثة : فضاء اللغة والتشكل اللساني ، فضاء الفكر والعمليات الذهنية ، فضاء الكون وتُشكل هذه الفضاءات المُعادل الحقيقي لمصدر العقلانية في الكون كلّه والتعالي ، إنّه قضية فكرية ، وفلسفيـة ، وطروحات معرفية أشبه ما تكون بمتاهةٍ سادت بنية الفكر الانساني . إنّ الجدلية القائمة بين المركز ، والتمركز هي جدلية بين فعل السلطة والتسلط ، أي أنّ المركز يمارس سياسته في تنشيط حركة الدلالة ، وترتيب الأنساق ، ويتيح خلق بدائل مستمرة في أنظمة مختلفة ، أما التمركز فيمارس تسلطه ونفوذه في الإحاطة ببعض مصادر إنتاج المعنى وتفعيله كالعقل ، والكتابة …الخ ، ويقود إلى تمحور الخطاب حول نموذج معين
    إنّ هدم التمركز ، هو إعلان عن تدمير جميع الدلالات التي تجد مصدرها في دلالة اللوجوس ، وتفكيكها ، وتذويب رواسبها المتعاقبة ، انّ جميع التحديدات الميتافيزيقية الحقيقية هي غير قابلة للفصل عن اللوجوس الذي يحط من قيمة الكتابة منظور أنها وساطة لتحقيق القصد ، ويقود من ثمّ إلى السقوط في خارجية المعنى ثم إلى تحطيم ذلك الأصل الثابت للمعنى بوصفه مصدراً ، وتقويضه وتحويل كل شيء إلى خطاب ، وتذويب الدلالة المركزية ، ومن خلال هذه العملية تتحول الكتابة إلى أهمية قصوى ، ويصبح الاهتمام بالكلام مضمحلاً ، ولا شك أنّ التمركز حول العقل في الفلسفة الأوربية قد نهض على الاهتمام بالكلام على حساب الكتابة ، وقد فتح هذا التوجه مركزاً آخر هو التمركز حول الصوت.
    وقد شكلت نقطة اللوجوس بحدّ ذاتها تشعباً دلالياً ، وتفرعاً إيحائياً ، نظراً لما تحمله من موروث فلسفي ولغوي ثم راحت تشكل المعادل لمصدر العقلانية في الوجود الإنساني برمته
    علم الكتابة: تعتبر الكتابة ذلك الفضاء الذي شكل مركزية من نوع خطير في سياق التحولات في مفاهييم الدلالة النهاية للنص ذلك أن القارئ عادة ما يخضع للصيغ النمطية التي تنصب في قوالبها النصوص . فيقع تحت التأثير المباشر والغير مباشر للكتابة على حساب الرأي المخالف الذي من الممكن أن يستعيد الوعي حال قراءة ما هو مكتوب ثم يحوله الى منطوق الى صوت يبلغ تأثيره في على الذات مرما بعيد قبل أن يوثر على المتلقي الآخر . فيتحول المنطوق بفعل التقادم الى ما يسمى بالخطاب الشفهي المتداول ثم يعود مرة أخرى الى تثبيته كتابيا لمارس دوره التاثيري من جديد ثم يتحول الى منطوق وهكذا تستمر لعبة الخطاب والكتابة الى ما لانهاية حتى تتوارى الحقيقة داخل نمطية النسق الكلامي والنسق الاجتماعي والتاريخي .

    http://www.elaphblog.com/posts.aspx?u=3128&A=37881

  8. خلل المعالجات الكلامية او اللغوية او الاسلوبية يكمن في كونها لخص العالم باللغة أو الكلام او الرموز او الاسلوب او اللفظ او الكتابة
    وهنا مقتل كل هذه المقاربات لكون ماوراء اللغة والكلام والاسلوب والنصوص هو نفسه ماوراء الحجر والشجر والبشر
    أي الحياة بأولويتها … ووحدتها .. وقنونتها التي يعيشها الجميع من الحجر الى الشجر فالبشر
    ومنطق الحياة ايمكن برهنة كونه منطق شكل حركي حيوي احتمالي احتمالي نسبي
    ولكن النسبية والاحتمالية بالمعنى الحيوي لاتعني انعدام القنونة .. بل احتمالية ونسبية مقنونة تعيد انتاج الجياة بأشكال متعددة تؤكد وحدة الحياة واولويتها وقنونهتا ..
    مشكلة دريدا – وقد كان مع فوكو لستاذا في جامعة باريس الثامن التي تخرجت منها ودرست فيها – هي كمشكلة فوكو والبنيوين الذي راعهم ماوصلت اليه الماركسية من ارهاب شمولي استبدادي باسم العلم ..كما هالهم ادعاء المدنية الغربية  لأستعمار وقتل شعوب العالم الثالث؟؟
    ولذلك ونفورا من أية شمولية او قانونية تم القاء االالطفب مع مياهه الوسخة
    وبذلك دشنوا عجزا فوق عجز
    فبدلا من فهم الحركات الماركسية والنازية والقومية والرأسمالية والدينية والوجودية ..الخ بوصفها أيقونات لمنطق الجوهر الأحادي الثابت وتفهم مصالحها التي كانت نتمترسة بعناد وغطرسة احزاب وتقنيات غرب القرن العشرين.. وماتزال .. رغم كونها …آخذة بالتلاشي ببطئ .. فإن المهمة ألاساس كانت وماتزال هي في محاولة اكتشاف ورؤية المنطق الحيوي المشترك فيها وفي صيروراتها العملية قبل النظرية

    كون ادعاء الحقيقة المطلفة ماركسيا او طينيا او قوميا ..الخ هو أمر لايستند الى حقيقة برهانية لايعني امكانية دحض مصالح القول ابكون عامة الناس تحب الحياة ما لايعوقهم عائق ؟
    أليس كذلك ؟

  9. دراسة علمية تشكك في وجود قواعد واحدة للغات في الدماغ البشري

    جيزون بالمر- موقع BBC- علوم و تكنلوجيا

    ترى نظرية القواعد العامة أن اللغات تشترك في خصائصها لأنها من وحي الدماغ البشري
    شككت دراسة جديدة في صحة نظرية “القواعد العامة” او “النحو الكلي” كما يطلق عليها البعض، والقائلة إن لجميع اللغات البشرية صفات وقواعد مشتركة لكونها ميزة إنسانية مرتبطة بتكوين الدماغ البشري.
    واعتمدت الدراسة التي نشرت في مجلة نيتشر على الأساليب التي تتبعها البيولوجيا الارتقائية للتدقيق في مراحل تطور القواعد في عدد من أسر اللغات المختلفة.
    و أظهرت نتائج الدراسة ان أسر اللغات تلك تطورت بطرق مختلفة، مما جعل الباحثين يستنتجون ان التطور الثقافي، لا الدماغ، هو المحرك وراء التطور اللغوي.
    وقال مايكل دن قائد الفريق الباحث وهو عالم لسانيات بمعهد ماكس بلانك للسانيات النفسية في هولندا ان المقاربة التي اعتمدها شبيهة بدراسة لنبات البازلاء قام بها غريغور ميندل، واصبحت في نهاية المطاف من اصول علم الوراثة.
    وقال مايكل دن لبي بي سي “ميندل كان يدرس الاختلافات بين افراد جيل من النباتات ويدرك كيفية ارتباطها ببعضها، ومن ثم يلم بالآليات التي تحكم العملية الوراثية.”
    و أضاف دن: “استنتج ميندل ان هناك آلية تنتقل بها البيانات الوراثية من خلال ملاحظته لمختلف التغييرات التي تطرأ على نبات من جيل لآخر، وذلك بالضبط ما نحن بصدد فعله، لكن في مجال اللسانيات.”
    ومن الخصائص التي ركز عليها الباحثون في دراستهم موقع حروف الجر و مجروراتها (أي هل تأتي قبلها ام بعدها) وموقع الفاعل بالنسبة للمفعول به في أربع اسر لغوية مختلفة، وهي الهندية-الاوروبية واليوتو ازتك ولغات البانتو واللغات الاسترونوزية.
    وجمع الفريق الباحث قاعدة بيانات عن كل أسرة من أسر اللغات الاربع مكونا اربع شجرات تصور تطور اللغات وتفرعها عن اصولها، مما اعطاهم فكرة واضحة عن المراحل التي سلكتها كل اسرة.
    ويجزم فريق الدكتور مايكل دن بان “الاسر المدروسة تطورت كل بطريقتها الخاصة وليس وفق قواعد موحدة، وهو ما يتنافي مع نظرية القواعد العامة واسعة الاقبال.”

  10. مصطلحات ادبية: البنيوية والنقد البنيوي والبنيوية التكوينية

    البنيوية والنقد البنيوي
    (Strocturalism and Struetualist Criticim)
    شبكة النبأ: ظهرت البنيوية كمنهج ومذهب فكري على أنها ردة فعل على الوضع (الذري) (من ذرة: أصغر أجزاء المادة) الذي ساد العالم الغربي في بداية القرن العشرين، وهو وضع تغذى من وأنعكس على تشظي المعرفة وتفرعها إلى تخصصات دقيقة متعددة تم عزلها بعضها عن بعض لتجسد من ثم (إن لم تغذ) مقولة الوجوديين حول عزلة الإنسان وانفصامه عن واقعه والعالم من حوله، وشعوره بالإحباط والضياع والعبثية، ولذلك ظهرت الأصوات التي تنادي بالنظام الكلي المتكامل والمتناسق الذي يوحد ويربط العلوم بعضها ببعض، ومن ثم يفسر العالم والوجود ويجعله مرة أخرى بيئة مناسبة للإنسان.
    ولا شك أن هذا المطلب مطلب (عقدي) إيماني، إذ أن الإنسان بطبعه بحاجة إلى (الإيمان) مهما كان نوعه. ولم يشبع هذه الرغبة ما كان وما زال سائداً من المعتقدات الأيديولوجية، خاصة الماركسية والنظرية النفسية الفرويدية، فقد افتقرت مثل تلك المذاهب إلى الشمول الكافي لتفسير الظواهر عامة، وكذلك إلى (العلمية) المقنعة، ظهرت البنيوية (ولعلها ما زالت) كمنهجية لها إيحاءاتها الإيديولوجية بما أنها تسعى لأن تكون منهجية شاملة توحد جميع العلوم في نظام إيماني جديد من شأنه أن يفسر علمياً الظواهر الإنسانية كافة، علمية كانت أو غير علمية. من هنا كان للبنيوية أن ترتكز مرتكزاً معرفياً (إبستيمولوجيا).
    فاستحوذت علاقة الذات الإنسانية بلغتها وبالكون من حولها على اهتمام الطرح البنيوي في عموم مجالات المعرفة: الفيزياء، والرياضيات، والانثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، والفلسفة والأدب. وركزت المعرفة البنيوية على كون (العالم) حقيقة واقعة يمكن للإنسان إدراكها. ولذلك توجهت البنيوية توجهاً شمولياً إدماجياً يعالج العالم بأكمله بما فيه الإنسان.
    البنيوية التكوينية
    (Genetie Structuralism)
    البنيوية التكوينية، أو التوليدية، فرع من فروع البنيوية نشأ استجابة لسعي بعض المفكرين والنقاد الماركسيين للتوفيق بين طروحات البنيوية، في صيغتها الشكلانية، وأسس الفكر الماركسي أو الجدلي، كما يسمى أحياناً، في تركيزه على التفسير المادي الواقعي للفكر والثقافة عموماً.
    أسهم عدد من المفكرين في صياغة هذا الاتجاه منهم المجري جورج لوكاش، والفرنسي بيير بورديو. غير أن المفكر الأكثر إسهاماً من غيره في تلك الصياغة هو الفرنسي الروماني الأصل لوسيان غولدمان. وكانت طروحات غولدمان نابعة وبشكل أكثر وضوحاً من طروحات المفكر والناقد المجري جورج لوكاش الذي طور النظرية النقدية الماركسية باتجاهات سمحت لتيار كالبنيوية التكوينية بالظهور وعلى النحو الذي ظهرت به، في الوقت الذي أفاد فيه أيضاً من دراسات عالم النفس السويسري جان بياجيه، وقد أشار غولدمان إلى تأثير بياجيه تحديداً في استعماله لمصطلح (البنيوية التكوينية): (لقد عرّفنا أيضاً العلوم الإنسانية الوضعية، وبتحديد أكثر المنهج الماركسي بتعبير مماثل تقريباً (استعرناه، علاوة على ذلك، من جان بياجيه)، هو البنيوية التكوينية.
    ………………………………………
    متعلقات
    البنيوية والتاريخ: أهمية السر وعلاقته بالمعني تكرار الوصول إلي روح المعني يقتل سحر البنيوية (1)
    إنّ نهاية الستينيات وبداية السبعينيات كانت المخاض الحقيقي للتحول الذي حدث في النظرية النقدية البنيوية. وساهمت عوامل عدة في حدوث هذا التحول، وأنا أعتقد أنّ الذي قام بكشف ظهر البنيوية هو الرواية، بوصفها جنساً أدبياً ذا صلة مرجعية بالعالم الخارجي، فلا يمكن اختزالها إلي مجرد مجال صالح للتطبيقات اللسانية الصرفة. وعلي هذا الأساس، فقد كانت الدراسات الخاصة بتحليل العناصر الشكلية والدلالية للرواية تفعل فعلها في تعرية المنطق البنيوي. إذْ كشفت الدراسات التي تعني بتحليل السرد أنّ الأعمال الروائية تفترض قارئاً أو مؤلفاً ضمنيين. مما يعني أنّ المنطق البنيوي في تجريد النصّ من السياقات المرتبطة به وجعله عالماً مكتفياً بذاته، قد بدأ يتقلقل. وعلي أثر ذلك، فقد استشرت رغبة محمومة للبرهنة علي تهافت المنطق البنيوي الذي ازدهر إبّان الخمسينيات والستينيات في فرنسا بصحبة الدراسات اللسانية وحركة التحليل النفسي الجديد التي يقودها جاك لاكان. لقد قام عدد من النقاد بتفسير الكيفية التي تصاغ بها شخصية المؤلف ضمن النظام النصّي للرواية، وهذا خرق لفرضية أساسية من الفروض البنيوية، وهي فرضية موت المؤلف التي أرادت البنيوية أن تحاكي بها خطاب العلوم الذي تجرد من هيمنة المؤلف منذ القرن السابع عشر علي عكس الخطاب الأدبي، كما يشير إلي ذلك فوكو في جينالوجيا المعرفة. ثم انتقلت هذه الدراسات السردية لتفسير قضية أخري ذاتِ روابط يقع بعضها خارجَ النصّ، فيما يقع بعضها الآخر في النصّ نفسه، وهي الطريقة التي تصاغ بها وجهة النظر point of view في العمل الروائي، بوصفها نظام الأفكار المنقول بوساطة الضمائر المستعملة في الرواية، وطريقةَ سردها سرداً فنياً موهماً القارئ بحقيقة ما يجري من أحداث.
    إنّ الأمر الجدير بالانتباه هنا، هو أنّ وجهة النظر تصحب معها بالضرورة أفكاراً وتحيزات اجتماعية أو أيديولوجية. وعلي هذا الأساس كان تطور الرواية يتقدم باتجاه تحديث تقنيـة الراوي، من خلال تعدد الرواة في عمل واحد، لا لمسوّغٍ يتعلق بالبنية اللسانية للنصّ وإنما لغرضِ خلقِ نمطٍ من أنماط التأثير والاستجابة، وكذلك لغرض خلق ضرب من ضروب الحوار مع الخارج ذي العلاقة بالبنية الاجتماعية أو بالتعاقب التاريخي، وما يصاحبهما من تغيرات شاملة. وقد اعترف تودوروف بأنّ وجهة النظر ربما تحمل خطاباً ايديولوجياً يتم عرضه من خلال البنية السردية للرواية. فالقبول، إذن، بفرضية (وجهة النظر) بحسب إشارة تودوروف يعني القبول بفرضية (التاريخ) التي تشكل القيمة الجمالية والدلالية للأعمال الأدبية بعامة. إنّ القارئ يتقمص الشخصية الروائية ذاتَ وجهة النظر، ويسعي إلي كشف الطابع المنطقي لبنائها، وربما تتعارض كثير من اعتقاداته مع اعتقادات تلك الشخصية، ولكنه يبحث في النهاية عن انسجامها مع طبيعتها وأفعالها. وهذا هو المنطق الذي يتحكم بالعلاقة بين القارئ العادي والعمل الروائي. وقد انشغل عدد من نقاد الأدب بالبحث عن معايير تلك العلاقة، التي تربط القارئ بالرواية. وساهم ذلك في خلق جدل نقدي حول الصلة المفترضة والمثيرة للقارئ بالتركيب الفني لعناصر العمل الأدبي. علي النحو الذي تمثل في ما قام به واين بوث في كتابه بلاغة الرواية rhetoric of fiction.
    فقد أراد بوث في العام 1961 أنْ يبحث في مجمل الخصائص الشخصية للمؤلف الضمني الذي اقترحه في كتابه الآنف الذكر، ومعروف أنّ مفهوم المؤلف الضمني هو أحد المفاهيم الأساسية التي أوحت لآيزر في صياغة مفهوم القارئ الضمني implied reader الذي هاجم به الفرضية البنيوية التي تستبعد من النصّ العناصر الخارجية. واشترك هذا المفهوم ومفاهيم أخري في كتاب بوث في زحزحة كثير من الاعتقادات البنيوية السائدة، وفي تحويل مركزية الخطاب النقدي من مركزية نصية إلي مركزية تتعلق بالنص وبأفعال القراءة معاً، وبعمليات التأويل التي زعمت اتجاهات ما بعد البنيوية أنها تضيف إلي النص نصاً آخر تُملأ به الفجوات، التي هي جزء أساسي من بناء العمل الأدبي.
    لقد زعم بوث أنّ النصوص الروائية المتخيلة كلها توحي بـ: مؤلف ضمني يرتبط به القارئ في أثناء القراءة (وقال:) إنّ المؤلف الضمني لكل رواية هو شخص ما يجب أنْ أتفق، إلي حد كبير، مع معتقداته إذا ما كان عليَّ أنْ أستمتع بعمله. وعلينا أن نعترف هنا، بأنّ عدداً من الدراسات الخاصة ببنية القصة والرواية كانت تجلّي فكرة انفتاح النصّ علي سياقات متعددة، كانت بمثابة البداية لخلق أزمة منهجية في المقاربة البنيوية. فقد ظهرت (أعمال روملهارت 1975، وماندر، وجونسن 1977، وستين وجلين 1979، وآخرون وهي تشدد علي بنية القصة) وهنالك مقالان علي قدرٍ كبيرٍ من الأهمية ينسبان للغوي الاجتماعي الأميركي وليم لابوف (الأول مكتوب بالاشتراك مع جوسيا وولتسكي، ظهر في Helms في العام 1967 تحت عنوان: تحليل السرد، الحكاية الشفاهية في التجربة الشخصية. والثاني ظهر في هيأة الفصل التاسع من لسانيات لابوف في: Inner city وقد عنون بـ: التجربة التحويلية في التركيب السردي… وهما يرغبان في فحص سرود كثيرة، ليشرعا، ويرويا خصائص السرد اللسانية والشكلية ووظائفها). إنّ الشيء المهم في هذه الدراسات هو أنها أظهرت أنّ البنية اللغوية لم تعد وحدها كافية لتجلية المعني الأدبي، فهنالك فجوات في النصّ نفسه بحاجة إلي إيضاحات تأتي من خارج بنيته. وعلي هذا الأساس كانت هنالك عودة منهجية إلي كلّ علمٍ يساهم في إعادة ربط الدلالات البعيدة للنص التي تم إقصاؤها منه حتي لا يكون وثيقة مرجعية خالصة، وإنما بناءً تخييلياً مخصوصاً يأخذ بنظر الاعتبار مسألة تطور الجنس الأدبي.
    صراع ضد البنيوية
    وإضافة إلي العامل الخاص بالرواية التي تمردت علي التقنين اللساني، فثمة عامل آخر جدير بالالتفات، هو الصراع الذي كان يخوضه النقاد اليساريون ضد البنيوية، متمثلاُ بجورج لوكاش، وبتلميذه الناقد الروماني الأصل لوسيان جولدمان في مجموعة من كتبه، ككتاب (الإله الخفي) الصادر في العام 1955 عن دار جاليمار في باريس، وكتاب (من أجل علم اجتماع الرواية) الصادر في العام 1964 عن دار جاليمار أيضاً، وكتاب (علم اجتماع الإبداع الأدبي). لقد ساهم جولدمان كثيراً في مناهضة البنيوية بصورتها الفرنسية، واشترك في الندوة الشهيرة التي أقامتها جامعة جونز هوبكنز في العام 1966 ببحث موسوم بـ(البنية: الواقع الإنساني والمفهوم المنهجي) وهو أحد البحوث التي عمِلت مع بحث جاك دريدا الموسوم بـ(البنية واللعب والعلامة في خطاب العلوم الإنسانية) علي شطر الندوة شطرين: الأول يقوده بارت وتودوروف ولاكان، والثاني يقوده جولدمان ودريدا. وأدي ذلك إلي احتضان (جامعة ييل) جاك دريدا الذي اجتمع حوله عدد من النقاد المناهضين للبنيوية، فأسسوا ما عُرف بـ(مجموعة نقاد ييل) التي ضمت (بول دي مان وجيوفري هارتمان و هيلز ميللر وآخرين). وقد ترك جولدمان أثراً واسعاً في النقد الانكليزي، ففي إحصائية قام بها الدكتور جابر عصفور بيّن فيها الترجمة الواسعة لكتب جولدمان إلي الانكليزية، إذ تُرجمت له تسعةُ كتب من سنة 1964 إلي سنة 1980. ويأسف جابر عصفور علي عدم العناية الكافية من جانب النقد العربي بترجمة أيّ عمل من أعمال جولدمان في ذلك التاريخ. ويبدو لنا أسفُ جابر عصفور مقبولاً لأنّ السبعينيات شهِدت بداية تدهور البنيوية في فرنسا، وبداية ظهور اتجاه جمالية التلقي في جامعة كونستانس في ألمانيا. وفي ميدان الفلسفة كان جاك دريدا يدعو في العام 1966 في ندوة جامعة جونز هوبكنز إلي (تفكيك ميتافيزيقا الحضور التي تنعكس في فكرة البنية نفسها). ولم تكن القراءة التفكيكية سوي تعارضٍ مع (المبدأ الذي يقول بأنّ في لغة النص يكمن الأساس الخاص بالنسق الذي يشتمل علي عمل وظيفي كاف… وان النص يمتلك نسقاً لغوياً أساسياً بالنسبة لبنيته الخاصة، التي تمتلك وحدة عضوية، أو نواةً ذاتَ مدلول قابل للشرح). وقد تنبه البنيويون أنفسهم إلي شيء من تلك الأزمة، فهذا جيرار جينيت يعتقد أنه بما أن الأدب (نتاج لغة، وبما أن البنيوية… منهج لساني بامتياز، فاللقاء الأكثر احتمالاً ينبغي أن يحدث بالتأكيد في ميدان المواد اللسانية: فالأصوات والأشكال والكلمات والجمل تؤلف الموضوع المشترك بين اللساني والفقيه اللغوي الذي يدرس النصوص إلي درجة أنه أمكن في البدايات الحماسية للحركة الشكلانية الروسية تحديد الأدب كلهجة بسيطة والنظر إلي دراسته كملحق بمبحث اللهجات العام فالمنهج البنيوي يعني بتماثلات في النص نفسه ويغض الطرف عن تماثلات مرجعية أخري كان يدافع عنها جولدمان ولوكاش وآخرون. فهذا المنهج يريد أن يعثر (في الشفرة علي الرسالة التي تبرز من خلال تحليل بني ماثلة، ولا تكون (الرسالة) مفروضة من الخارج بأحكامٍ إيديولوجية مسبقة). لقد خلقت تلك التحليلات اعتقاداً باغتراب الإنسان عن النصوص التي صنعها هو، ومن هنا فقد هتف الطلاب، في ثورتهم المعروفة في العام 1968 التي أطاحت بحكومة ديجول، ضد البنيوية، ورفعوا شعار (فلتسقط البنيوية).
    البنيوية اللسانية والنقد الأدبي(2)
    ظهرت البنيوية اللسانية في منتصف العقد الثاني من القرن العشرين مع رائدها فرديناند دو سوسير من خلال كتابه” محاضرات في اللسانيات العامة” الذي نشر في باريس سنة 1916م . وقد أحدثت هذه اللسانيات البنيوية قطيعة إبستمولوجية(معرفية) مع فقه اللغة والفيلولوجيا الدياكرونية. وكان الهدف من الدرس اللساني هو التعامل مع النص الأدبي من الداخل وتجاوز الخارج المرجعي واعتباره نسقا لغويا داخليا في سكونه وثباته . وقد حقق هذا المنهج نجاعته في الساحتين اللسانية والأدبية حينما انكب عليه الدارسون بلهفة كبيرة للتسلح به و استعماله منهجا وتصورا ومقاربة في التعامل مع الظواهر الأدبية والنصية واللغوية. وأصبح المنهج البنيوي أقرب المناهج إلى الأدب لأنه يجمع بين الإبداع و وخاصيته الأولى وهي اللغة في بوتقة ثقافية واحدة، أي يقيس الأدب بآليات اللسانيات قصد تحديد بنيات الأثر الأدبي وإبراز قواعده وأبنيته الشكلية والخطابية. إذاً، ماهي البنيوية؟ وماهي مرتكزاتها؟ ومفاهيمها؟ وكيف تطورت في النقدين: الغربي والعربي؟ وإلى أي مدى يستطيع هذا المنهج أن يحيط بالنص الأدبي من جميع جوانبه؟
    2- مفهوم البنيوية ومرتكزاتها المنهجية:
    البنيوية طريقة وصفية في قراءة النص الأدبي تستند إلى خطوتين أساسيتين وهما: التفكيك والتركيب ، كما أنها لا تهتم بالمضمون المباشر، بل تركز على شكل المضمون وعناصره وبناه التي تشكل نسقية النص في اختلافاته وتآلفاته. ويعني هذا أن النص عبارة عن لعبة الاختلافات ونسق من العناصر البنيوية التي تتفاعل فيما بينها وظيفيا داخل نظام ثابت من العلاقات والظواهر التي تتطلب الرصد المحايث والتحليل السانكروني الواصف من خلال الهدم والبناء أو تفكيك النص الأدبي إلى تمفصلاته الشكلية وإعادة تركيبها من أجل معرفة ميكانيزمات النص ومولداته البنيوية العميقة قصد فهم طريقة بناء النص الأدبي. ومن هنا، يمكن القول : إن البنيوية منهجية ونشاط وقراءة وتصور فلسفي يقصي الخارج والتاريخ والإنسان وكل ماهو مرجعي وواقعي ، ويركز فقط على ماهو لغوي و يستقرىء الدوال الداخلية للنص دون الانفتاح على الظروف السياقية الخارجية التي قد تكون قد أفرزت هذا النص من قريب أو من بعيد. و يعني هذا أن المنهجية البنيوية تتعارض مع المناهج الخارجية كالمنهج النفسي والمنهج الاجتماعي والمنهج التاريخي والمنهج البنيوي التكويني الذي ينفتح على المرجع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتاريخي من خلال ثنائية الفهم والتفسير قصد تحديد البنية الدالة والرؤية للعالم.
    3- أنواع البنيوية:
    إذا تأملنا البنيوية جيدا وبعمق دقيق باعتبارها مقاربة ومنهجا وتصورا فإننا سنجد بنيويات عدة وليس بنيوية واحدة: فهناك البنيوية اللسانية مع دوسوسور ومارتنيه وهلمسليف وجاكبسون وتروبوتسكوي وهاريس وهوكيت وبلومفيلد…، و البنيوية السرديةNarratologie مع رولان بارت وكلود بريمون وجيرار جنيت…، والبنيوية الأسلوبية stylistique مع ريفاتير وليو سبيتزر وماروزو وبيير غيرو، وبنيوية الشعر مع جان كوهن ومولينو وجوليا كريستيفا ولوتمان…، والبنيوية الدراماتورجية أو المسرحية Dramaturgie مع هيلبو… أو البنيوية السينمائية مع كريستيان ميتز….، والبنيوية السيميوطيقية مع غريماس وفيليب هامون وجوزيف كورتيس…، والبنيوية النفسية مع جاك لاكان وشارل مورون ، والبنيوية الأنتروبولوجية خاصة مع زعيمها كلود ليڤي شتراوس الفرنسي وفلاديمير بروب الروسي، والبنيوية الفلسفية مع جان بياجيه وميشيل فوكو وجاك دريدا ولوي ألتوسير…
    4- مفاهيــــم البنيوية:
    تستند البنيوية إلى مجموعة من المصطلحات والمفاهيم الإجرائية في عملية الوصف والملاحظة والتحليل وهي أساسية في تفكيك النص وتركيبه كالنسق والنظام والبنية والداخل والعناصر والشبكة والعلاقات والثنائيات وفكرة المستويات وبنية التعارض والاختلاف والمحايثة والسانكرونية والدياكرونية والدال والمدلول والمحور التركيبي والمحور الدلالي والمجاورة والاستبدال والفونيم والمورفيم والمونيم والتفاعل، والتقرير والإيحاء،والتمفصل المزوج ….الخ.
    وهذه المفاهيم ستشتغل عليها فيما بعد كثير من المناهج النقدية ولاسيما السيميوطيقا الأدبية والأنتروبولوجيا والتفكيكية والتداوليات وجمالية القراءة والأسلوبية والموضوعاتية..
    5- البنيوية في العالم الغربي:
    يعد كتاب Ferdinand de Saussure فرديناند دوسوسير “محاضرات في اللسانيات العامة” الذي ظهر سنة 1916م أول مصدر للبنيوية في الثقافة الغربية، ذلك أن سوسير اعتبر اللغة نسقا من العناصر بينها تفاعلات وظيفية وصفية. وحدد للمنهجية البنيوية مرتكزات أساسية كاللغة والكلام واللسان، والدال والمدلول، والسانكرونية والدياكرونية، والمحور الأفقي والمحور التركيبي، والتقرير والإيحاء، والمستويات اللغوية من صوتية وصرفية وتركيبية ودلالية…
    وقد تفرعت البنيوية اللسانية السوسورية إلى مدارس لسانية كالوظيفية الوصفية مع أندري مارتيني A.Martinet ورومان جاكبسونR.Jakobson وتروبوتسكوي Troubetzkoy وكوگنهايم، ،والگلوسيماتيمكية مع هلمسليف Hjelmslev، والتوزيعية مع بلومفيلدBloomfield وهاريس Harris وهوكيتHockett… لتنتقل البنيوية مع نوام شومسكي Chomsky إلى بنيوية تفسيرية تربط السطح بالعمق عن طريق التأويل. ومع فان ديك وهاليداي، ستتخذ البنيوية اللسانية طابعا تداوليا براجماتيا ووظيفيا.
    وأول من طبق البنيوية اللسانية على النص الأدبي في الثقافة الغربية نذكر كلا من رومان جاكبسون وكلود ليفي شتروسLévi- Strauss على قصيدة ” القطط ” Les chats للشاعر الفرنسي بودليرBaudelaire في منتصف الخمسينيات. وبعد ذلك ستطبق البنيوية على السرد مع رولان بارت Barthes وكلود بريموند Bremond وتزيطيفان تودوروف Todorov وجيرار جنيتGenette وگريماس Gremas… كما ستتوسع ليدرس الأسلوب بنيويا وإحصائيا مع بيير غيرو Guiraud دون أن ننسى التطبيقات البنيوية على السينما والتشكيل والسينما والموسيقا والفنون والخطابات الأخرى.
    6-البنيوية في العالم العربي:
    لم تظهر البنيوية في الساحة الثقافية العربية إلا في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات عبر المثاقفة والترجمة والتبادل الثقافي والتعلم في جامعات أوربا. وكانت بداية تمظهر البنيوية في عالمنا العربي في شكل كتب مترجمة ومؤلفات تعريفية للبنيوية ( صالح فضل، وفؤاد زكريا، وفؤاد أبو منصور، وريمون طحان ، ومحمد الحناش، وعبد السلام المسدي، وميشال زكريا، وتمام حسان، وحسين الواد، وكمال أبوديب….) ، لتصبح بعد ذلك منهجية تطبق في الدراسات النقدية والرسائل والأطاريح الجامعية.
    ويمكن اعتبار الدول العربية الفرانكوفونية هي السباقة إلى تطبيق البنيوية وخاصة دول المغرب العربي ولبنان وسوريا ، لتتبعها مصر ودول الخليج العربي.
    ومن أهم البنيويين العرب في مجال النقد بكل أنواعه: حسين الواد، وعبد السلام المسدي ، وجمال الدين بن الشيخ، وعبد الفتاح كليطو، وعبد الكبير الخطيبي، ومحمد بنيس، ومحمد مفتاح، ومحمد الحناش، وموريس أبو ناضر، وجميل شاكر، وسمير المرزوقي، وصلاح فضل، وفؤاد زكريا، وعبد الله الغذامي…
    الفكر الغربي: مفهوم النزعة الإنسانية.. وتحولات ما بعد الحداثة(3)
    هناك ما يشبه النزعة إلى التفكك، والرغبة في التشظي والانحسار التي تطال المرجعيات الثقافية التي تخص الفكر الغربي، وما يتصل به من قيم ومبادئ تأسست على يد فلاسفة عصر الأنوار.هذه النزعة جرى تداولها منذ عقد الستينات والسبعينات حيث الإرهاصات المعرفية المتشعبة، وتحولاتها السريعة، وكذلك ضغوطاتها المؤرقة التي تقود العالم بالضرورة إلى الانزلاق في نفق العولمة الكونية وحتمية منطقه العابر للدول والشعوب، خصوصا بنموذجه الأمريكي الرأسمالي الليبرالي. لقد أصبحت أهم المفاهيم الفكرية لمشروع الحداثة مثل المفاهيم التي لها صلة بالتطور والتقدم والعقلانية والأيديولوجيا والنزعة الإنسانية والذاتية والاستلاب والوعي تفقد بريقها وقوة تأثيرها شيئا فشيئا على الخطاب الفلسفي، بينما ظهرت بالمقابل تيارات فكرية وخطابات معرفية لها سمات النزعة البنيوية والنزعة التفكيكية والفلسفة ما بعد التحليلية وكذلك النزعة البرجماتية الجديدة. هذه الخطابات تشكل مقاربات تسعى إلى تجاوز التصورات العقلية، ومفهوم الذات العاقلة باعتبارها تمثل أساس التقليد الفلسفي الحداثي الذي خط معالمه الأولى ديكارت وكانط، لكنه من جانب آخر ظلت بعض المشاريع الفكرية تؤكد على أن الحداثة مشروع لم ينجز بعد والتي رفع شعارها فيلسوف الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت النقدية “يورجن هابرماس” حيث يرى أن نظرية الحداثة يجب أن تستند إلى التذاوت وتعتمد على التواصل المتكافئ والمتحرر من كل ضغط أو سيطرة، بحيث يقوده ذلك إلى عدم الحاجة إلى استلهام عناصر غير عقلية لنقد العقل، أو لتعبئة القوى المناوئة للحداثة والتي تشكل مقوما من مقوماتها ” أي إن هابرماس بقي متشبثا بمنطلقه الذي يؤكد على أن نقد الحداثة لا يمكن أن يتم إلا من داخلها، فلا مجال إذن للرجوع إلى النماذج العتيقة أو إلى عوالم المتخيل للقيام بفعل النقد، والقيام بعملية الرجوع هذه تخرج صاحبها من إطار فلسفة الوعي بالضرورة. من ثم فالاختلاف الحقيقي عنده هو مواجهة الحداثة بعقل أكثر حداثة، وتغيير سياق فلسفة الذات بنظرية تذاوتية نقدية قادرة على قول خطاب برهاني صالح يحوز ما يكفي من المقومات لتعليل ادعاءاته والدفاع عن حقيقة وصدق ودقة قضايا وأفعال كلامه”. لذلك نجده ميز في خطابه الفلسفي بين العقل التواصلي الفعال الذي حاول أن يبني عليه مشروعه الفكري النظري وبين العقل التقني الذي جعل إنسان ما بعد عصر الأنوار فاقدا كل دلالة تشي بإنسانيته، ومحولا إياه إلى مجرد جسد ينظر إليه كسلعة، وهذا ما أفضى بالتالي إلى وجود انشقاقات على المستوى الاجتماعي والإنساني والحياتي، الأمر الذي جعل من الفيلسوف هايدجر يقول إن التقنية هي ميتافيزيقيا العصر. ولم تسلم نظرية هابرماس من النقاش والنقد، بل فسحت المجال للنقد المضاد الذي وصل في بعض الأحيان إلى حد السجال، هنا نجد _ مثلا _ الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار في سياق سجاله الفلسفي ضد هابرماس يرى ” أن هذه النظرية تقوم على فرضية مستلهمة من هيجل وعلى فرضية ثانية هي أقرب إلى روح نقد الحكم لكانط، لكنها مثلها مثل النقد يجب أن تخضع لعادة الفحص الصارمة التي تفرضها ما بعد الحداثة على فكر التنوير، على فكر هدف موحد للتاريخ والذات اتسمت به غائية الميتافيزيقيا الغربية “.
    وإذا كان هذا النقد يميز لحظة ما بعد الحداثة عن لحظة الحداثة، فإن منطلقاتها النقدية ترتكز على رفضها التام لشعار التنوير واعتباره مجرد وهم، وإن النظريات والأفكار ما هي إلا تعبير عن إرادة السلطة، وليس فوكو ودريدا وجيل دولوز وليوتار سوى الممثلين لهذا التوجه. خلاصة القول إذا كان منطق الحداثة الفلسفية قائماً على ما هو جديد وموحد ومتعقل، فإن نظيره ما بعد الحداثي قائم على ما هو زائل ومتشذر ومفصل وفوضوي.
    إن الرجوع إلى المسألة المركزية في الفلسفة المعاصرة هو في العمق منه رجوع إلى مسألة النزعة الإنسانية التي هيمن النقاش فيها على مجمل الدراسات والأبحاث والندوات والمناظرات التي انجزت في ميادين الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية، حيث تطلق صفة النزعة الإنسانية على كل فلسفة ” تتخذ من الإنسان محورا لتفكيرها وغايتها وقيمها العليا” _ ينظر في ذلك الدكتور عبدالرزاق الدواي – موت الإنسان في الخطاب الفلسفي المعاصر – بمعنى أنها تهتم بالإنسان وتخصه بمكانة ممتازة في العالم، وفي تطور التاريخ وفي تطور سيرة المعرفة، وتعتبره كذلك قادرا على المبادرة والإبداع، وتؤكد على أولوية الوعي والإرادة في كل مشروع تأسيسي، وتنطلق من الذات والذاتية للبحث عن شروط تأسيس الموضوع والموضوعية, وتؤمن بأن المبادرات البشرية تساهم في صناعة التاريخ، وأن التاريخ يحقق نوعا من التقدم، وإن لذلك التقدم اتجاها ومعنى مرتبطين بفعاليات وأهداف بشرية متحققة، وإن هذه التصورات والأفكار تعتبر بمثابة أوهام _ كما أشرنا سابقا _ تستند على هشاشة مفهوم الإنسان وضعفه وعقم مبادراته في تغيير الحياة. وهذا الرأي ذاته هو الذي تردده التيارات الفلسفية المنتقدة للنزعة الإنسانية وإن تباينت أصواتها الفلسفية المختلفة حسب الحقل المختص، والرافد الثقافي المؤثر. وربما كان العامل المشترك الذي يسيطر على اشتغالاتهم الفكرية هو هيمنة روح التقويض والتفكيك ” تفكيك العقل والعقلانية والمبادئ والقيم والمعنى والدلالات والأهداف والغايات والتاريخ، أي تفكيك الإنسان وعالمه الثقافي ” حيث تحول الإنسان من منظور الفكر المعاصر من مشيد للحضارات ومبدع للثقافات، من سليل برومثيوس إلى مجرد نسخة جديدة عن سيزيف كما يعبر عن ذلك “jean brun”، وبدا واضحا أن الفكر المعاصر في توجهاته التفكيكية يستعيض عن فكرة الإنسان بالإحالة إلى الأنساق اللاشعورية وإبدال الذات المتكلمة باللغة كنسق مقفل مكتف بذاته، والإنسان المُنتج بنسق الإنتاج، والإنسان العالم الباحث بالمعرفة كسياق بدون ذات حتى قيل “بأن البنيات اللاشعورية هي التي تحدد بكيفية مسبقة وظيفة الفرد في المجتمع وتختفي وراء الأقنعة والشخصيات التي يتقمصها” ويمكن أن نتلمس تجلياتها بوضوح مطلق في الخطاب الأنثروبولجي البنيوي عند شتروس، والنقد الجينالوجي عند فوكو، والنقد التفكيكي عند دريدا، نقول ذلك ونحن لا نغفل الأرضية الفلسفية التي يقفون عليها خصوصا فوكو. هذه الأرضية ترجع في غالبيتها إلى نقد نيتشة من خلال الجهد الذي بذله في تقويض الميتافيزيقيا الغربية، وما يتعلق بها من مفاهيم وأفكار وتصورات.
    ……………………………………
    1- ناظم عودة، جريدة (الزمان) العدد 1339 التاريخ 2002 – 10 – 16
    2- جميل حمداوي، موقع كتابات
    3- محمد الحرز ، جريدة الوطن السعودية، 13 مايو 2004م العدد(1322) السنة الرابعة

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 149 other followers

%d مدونون معجبون بهذه: