المفكر السوري “ ميشيل كيلو” صديق تعرفته شخصيا في عام 2003 في دمشق بتحريض من الصديق المفكر الراحل ” تركي ربيعو ” وبدا لي من الوهلة الأولى طاقة حيوية متفردة .. يجمع البساطة إلى الطلاقة في التعبير المتحمس وكان ربما – من الشخصيات -الماركسية- سابقا – القليلة التي حظيت بمحبتي من الجلسة الأولى وما يزال ..حيث لاحظت فيه قدرة قيادية وغيرية وطنية صادقة , لا ترحب- فقط- بأي مساهمة حيوية من إي كان .. بل أيضا تدفعها إلى المشاركة ..
ومع كون القياس الحيوي لايتناول المؤلف أو المصدر إلا أذا كان موثقا بشكل موضوعي فإنه من المفيد – قبل مقايسة بداهة كعبة مفاتيح مصالح يعرضها في بعض مقالاته- سرد القصة الطريقة التالية التي تذكرني به كشخص , وهي غير ملزمة للقياس وتخلو من التوثيق القابل للدفاع عنه لكون ما اسرده -هنا- هو مجرد انطباعات قابلة للمراجعة :
في أيار الماضي , خلال لقاء مع أحد الأوجه الرخيصة في إعلام السوري عرفني بشخص بدين قصير بوصفه تاجر نفط ملياردير من أصل عربي من اسكندر ون وقد أتى إلى اللقاء بدون موعد ليباشرني الكلام فورا ..
- أرجوك- يا دكتور – أوقفوا هذه المعارضة .. ؟ وطننا جميل لماذا تخربوه ؟؟. الناس والله خربت بيوتهم .. أرجوك اوقفوا هذه المعارضة الأمور تحل بهدوء ..
قلت له مستغربا : هل توجه هذا الكلام لي؟
- نعم
- ولكن هل تعرف من أنا فعلا؟
- نعم , عرفت أنك معارض وقرأت إعلان دمشق الحيوي..وأحببت أن أراك لأرجوك- بالله يا دكتور – أوقفوا هذه المعارضة .. ؟بالله عليكم اشفقوا على الناس .. والله راح الناس تعلن الإفلاس..
- ولكن هل أنت قرأت فعلا بيان المعارضة الحيوي لعام 1989؟
- نعم , إي والله
- ولكن هل فهمت من قراءته كوني أني مع هذه المعارضة؟ بدون برنامج شفاف ملزم ومعلن بالسمية التدريجية ؟ بدون تنظيم قيادي مطاع؟ بدون مطق حيوي ملزم بالبداهة الكونية للمصالح المشتركة؟
- طبعا , مع عدم الموأخذه , ذاك كلام منمق للجرائد ..ولكن الحقيقة معروفة أنت ممن يحرقون البلد ..
وانتهى اللقاء , لأفاجئ بذاك الإعلامي الرخيص الذي جلبه معه ..يتهمني على قناة الدنيا – بعد يومين – بكوني صرحت له أنني أفبرك صور فيديو للخارج ..!وبحضور شهود .. ويتبرع بتعريف مشاهدي قناة الدنيا بكوني قدت في السبعينات انقلابا عسكريا فاشلا على الراحل الأسد.
لا أدري لماذا ذكرت ذلك وأنا في نيتي عرض مقايسة بداهة مصالح الصديق المفكر السوري “ ميشيل كيلو” ففي اللقاء فهمت انه إعلامي درس في ألمانيا..وبالتالي ليس مستغربا منه إعطاء الإعلام حقه في التأثير والتعيير
وسبب تذكري للحديث مع ذلك الملياردير المكرش لا يعود إلى كون ارمي الى اتهام الصديق ميشيل بتنميق الكلام .. فهل ملك الأناقة الإعلامية .. ولكني ومع كوني اعرف أهمية الإعلام وأعرف أن من آلاف التطبيقات للقياس الحيوي على مر السنوات كون أغلب إشكالاتنا ونزاعاتنا – كبشر- لاتحدث بسبب وجود اشكالات حول مصالح حقيقية بل أولا وأيضا بسبب اشكالات أولويات طريقتنا في التعبير عن مصالحنا ..
ولذلك ومع كون الإعلام يلعب دورا حاسما في تأجيج وحل اشكالاتنا .. فإن الأكثر حسما من ذلك هو اولوية الإحتواء الشفاف لمصالح مختلف الأطراف المشاركة في محصلة توازن قوى مصالح التواصل. .. أو على الأقل أولوية اقناع الحامل الاجتماعي الخصم والوزن في الصراع السياسي.
ولذلك تبدو مهمة اي سياسي يتجه الى التواصل بهدف الاصلاح ,وبخاصة مع وجود حوامل اجتماعية متعددة مهمة صعبة جدا وتزداد صعوبتها وتزداد صعوبة بزيادة الوان الطيف المشارك في الصراع .. اقله الأكثر حسما فيه!
إذا كانت تتطلب خبرة حصرية للحكم عليها , في حين تصبح اسهل في حال كونها لاتتظلب للحكم عليها أكثر من خبرة عامة الناس..
ولكوني اعتقد أن العلمانيين والعروبيين والمحازبين للفقراء – قبل غيرهم – هم من المشاركين في حسم محصلة توازن القوى السياسي في سوريا الحديثة فإن أي تواصل إعلامي يستهين بهم .. سيئودي الى إلى البعد عنه وربما اتهامه
ولكون القوى العلمانية والعروبية والمحازبين للفقراء هم الحامل الاجتماعي الحاسم في إي تغيير في سوريا – على الأقل- بقرينة كون الجيش السوري والأجهزة الأمنية منهم و يتخذونها عقيدة موجهة وتنظيما سياسيا , فإن اي مقاربة إعلامية او سياسية لن يكتب لها النجاح باستعداء او تهميش هذا الحامل..
ومن هنا فإن أشكالات الصديق ميشيل وامثاله في المعارضات السورية ذات الأصل الماركسي والعروبي والاشتراكي هي تخليهم عنها لصالح قيم موضات وشعارات مضادة فعلا لتاريخهم المتحد الاجتماعي, والمجتمع المدني, والليبرالية , وسوريا أولا .. ..وتصلح فقط لدفن مصالح القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة بالعلمانية والعروبة والاقتصاد االتنموي المحازب للفقراء
ولذلك كان مخيبا وهادر لحيويته وحيوية أمثاله مشاركتهم في اعلان دمشق , ومحزنا مراهنته وأمثاله في الرهان على تغيير الساحة الساسية السورية بتأثير إعلام لبنان ما بعد اغتيال الحريري ..
ولكون حيوية أي امة رهن بحيوية مفكريها , فمن حق الصديق ميشيل كيلو علينا بوصفه مفكرا ناشطا في الحراك السوري .. ويعرض مصالح متعددة درجات البداهة على مقياس كعبة المصالح , علينا أن نقايس مصالحه المعروضة للمحافظة على مبادهتها مشرقة كابتسامته .. وسنبأ بمقاله المعنون «دعوة المسيحية إلى العقل»،
نشر في جريدة السفير في 13 آب الماضي
Filed under: صور ناطقة
أولا نوثق المصالح المعروضة وهي من
http://www.assafir.com/Article.aspx?ArticleId=1407&EditionId=1921&ChannelId=45338&Page=3#Comments
دعوة المسيحية إلى العقل
ميشيل كيلو
يبدو أن الخراب صار عاما إلى الدرجة التي تجلعنا نغادر ونحن سعداء خير ما كان في حياتنا من عادات وتقاليد تضامنية ومفيدة. في طفولتي الأولى، اصطحبني والدي من القرية التي كان يخدم فيها كدركي إلى اللاذقية. خلال سيرنا في الشارع، كنت ارتبك واخف عندما يترك يدي أو تمر واحدة من السيارات، النادرة جدا تلك الأيام. وبينما نحن على هذه الحال، بدأ الخلق يغلقون حوانيتهم ويقفون أمامها لتلاوة الفاتحة، بينما كان المسيحيون يرسمون إشارة الصليب، ووالدي يقف باستعداد رافعا يده نحو رأسه بتحية عسكرية نظامية، بعد أن جمع قدميه بعضهما إلى بعض في وقفة انضباطية رسمية. بعد مرور الجنازة، علمت أن المتوفى كان رجلا يهوديا من آل شيحا، الأسرة المعروفة والمحترمة في لاذقية ذلك الزمن، رغم أنه لم تكن تفصلنا فترة طويلة عن مأساة فلسطين وتخلي الصهاينة العرب عنها للصهاينة اليهود .
… واليوم، تعقد في مكان محدد من دمشق حلقات رقص ودبكة وغناء، يمجد خلالها النظام القائم وتعظم رموزه، مع أن رائحة الموت تزكم أنف سوريا من مكان الرقص السعيد إلى أبواب بيوت وأحياء كثيرة يقتلها الحزن. ما الذي جرى للناس ولسوريا، حتى انقسمت إلى هذا الحد، وفقد بعض ناسها الشعور بالتضامن مع غيرهم؟ ممن يطلبون شيئا يريدونه للجميع، يفتقر إليه السوريون – بمن فيهم هؤلاء الراقصون في حضرة الموت – هو الحرية، ويعلنون في كل مناسبة أنهم يرون حتى في الراقصين أخوة لهم، وأن حريتهم هم أيضا، يجب أن تكون مضمونة بقوانين الدولة المدنية الديموقراطية، التي تستحق أن يضحي المرء من أجلها؟ أين كنا وأين صرنا؟
هذا الذي قلته هو مجرد مدخل إلى المسألة التي أريد مناقشـتها. صحيح أن الراقصين يمثلون أنفسهم فقط، بدليل أن هناك نيفا وستين صبية وشاباً مسيحيين اعتقلوا خلال الأسبوع الفائت وحده في حي باب توما، حيث يرقص هؤلاء. وصحيح أن الراقصين أحرار في أن يحبوا ويكرهوا من وما يريدون، لكن موقفهم يتحول إلى مشكلة بقدر ما يوهم بأنه يعكس حصة المسيحية السورية الرسمية من الأحداث العربية عموما والحدث السوري بوجه خاص، ويعد خروجا على تقاليد مجتمع يحترم الموتى، بغض النظر عن دينهم، وضربا من سلوك غير إنساني يصل إلى حد الرقص على جثث الآخرين، لمجرد أنهم ليسوا من طينة الراقصين، أو لأن هؤلاء يرفضون مواقفهم، مع أن بينهم ضحايا يجب أن يمتنع الراقص عن إبداء سعادته لمقتلهم هم جنود الجيش وعناصر جهاز الأمن!.
هل فاتت الراقصين هذه الحقيقة، وهل فات من يستطيعون التأثير عليهم أن رقصهم قد يفضي إلى مزيد من القطيعة والعداء بين مكونات الشعب الواحد، التي عاشت متآلفة متآخية على مر تاريخ يمتد لنيف وألف وخمسمائة عام، احترم المسلمون خلالها الوجود المسيحي في دياره، وحموه ودافعوا عنه، واعتبروه جزءا من ديانتهم الخاصة ووجودهم الثقافي والحضاري، ومكنوه من تجاوز محن وتحديات تاريخية هائلة الخطورة كالحروب الصليبية، التي دأبوا إلى اللحظة على تسميتها «حروب الفرنجة « لفصلها عن الدين المسيحي، وكالاستعمار الأوروبي، الذي لعب التبشير الديني دورا تمهيديا خطيرا في الإعداد له، ودورا لا يقل خطورة في ديمومته وسطوته، بينما لعب المسيحيون العرب، بالمقابل، دورا لا يقل أهمية في بناء وتوطيد الدولة العربية / الإسلامية، وفي التأسيس الفكري والمعرفي للثقافة التي عرفتها حقبة الازدهار التي أعقبت انتشار الدين الحنيف في أرض العرب. في حين بلغ التسامح المتبادل درجة جعلت الفهارس العربية، التي تحدثت عن علماء المسلمين، تبدأ بأسماء بن بختيشوع وحنين ابن إسحاق وسواهما من علماء الدولة والحضارة المسيحيين، من دون أن يجد مسلم واحد غضاضة في ذلك أو يسجل التاريخ أن أحدا من المسلمين اعترض على اعتبار هؤلاء العلماء المسيحيين مسلمين .
كان المسيحيون جزءا من الجماعة العربية / الإسلامية، ولأنهم رأوا أنفسهم بدلالتها، وليس بأية دلالة سياسية ضيقة، تمكنوا من لعب دورهم في حاضنة واسعة وعامة اعتبرتهم جزءا تكوينيا من نسيجها، لا حياة لها بدونهم، وبالعكس، لذلك حرصت عليهم وأبقت على إيمانهم، الذي لم يحفظ التنوع داخلها وحسب، بل وازدهر أيضا بفضل التكامل والتفاعل مع مكوناتها الإسلامية وغير الإسلامية.
بكلمات أخرى: لم تكن الجماعة – الأمة – المسلمة ترى الآخر في مسيحييها، بل كانت ترى نفسها فيهم أيضا، فهم هي، في صيغة خاصة، مغايرة. وكل مساس بهم يعد مساسا بوجودها وتكاملها وطريقتها في العيش، كما في تسامحها، الذي كان معياره الرئيس الموقف من المسيحيين وديانتهم. بينما استعرت في الوقت على جبهات التنوع الإسلامي الخاص صراعات قاسية لم تعرف التسامح في أحيان وحالات كثيرة. بدورهم، اعتبر المسيحيون أنفسهم جزءا تكوينيا من جماعة تاريخية سابقة للدولة والسياسة، فلم يروا حقوقهم بدلالتهما، لأن الجماعة نفسها لم تكن تنكر عليهم حقهم في الصعود والارتقاء داخلها، دون تمييز اجتماعي أو أخلاقي، حتى أنها سمحت لهم في بعض الحالات باستثناءات تتعلق بدورهم العسكري في الدولة، الذي كانوا عادة وتقليديا بمنأى عنه .
هل فقد مسيحيو العصور الحديثة هذا الدور وتحولوا من جزء في جماعة تاريخية إلى جزء من سلطة طارئة وعابرة، فبدلوا دورهم وغربوا أنفسهم عن حاضنتهم المجتمعية، التي كانت السلطة من خارجها معظم الوقت؟ وهل يعبر الرقص الحديث عن هذا الموقف بالطريقة الفظة التي يتقنها منخلعون عن الواقع يجهلون أو يزدرون تاريخهم، يظن من رباهم كنسيا على عنصرية دينية قاتلة أنهم يجب أن يكونوا كأسلافهم خدما للسلطة، وأن عليهم تمضية أعمارهم في اتقاء شرورها وخطب ودها ولعق قفاها؟
إذا كان هؤلاء قد أصبحوا جزءا من الســلطة، فما هي المزايا الـتي عادت عليهم من لذلك؟ هل يبرر التحاقهم بالسلطة انفكاكهم عن الجماعة التاريخية، التي لطالما انتموا إليـها وتكفلت باستــمرار وجودهم بينها، وبتمتعهم بقدر كبير من الحرية الدينية والمدنية، علما بأنها هزيمتها على يد السلطة الحالية ليست غير ضـرب من المحال أو من المصادفات العابرة؟ هل وازن هؤلاء بين الربح والخسارة، وقرروا الرقص على جثث الجماعة؟ وفي هذه الحـالة، ألا يرون ما وقع للمسيحيين في العراق، حيث كان ارتباطهم بالسلطة المسوغ الذي استخدمه مجانين الإسلاميين للقــضاء على وجودهــم في بلاد الرافدين؟ وهل فكر المسيحيون بالمعنى التاريخي الهائل للتغيير الذي يشهده العالم العربي الآن، وبانعكاساته على الجماعة التي ينتمون إليها وعليهم هم أنفسهم، ويرجح أن تعقبه حقبة نهوض غير مسبوقة ستبدل أوضاع المجتمعات والدول، ستكون قيمها متفقة لأول مرة في تاريخنا مع القيم التي يقوم عليها العالم الحديث، وستتيح مصالحة تاريخية تطوي صفحة الصراع بين عالمي الإسلام والمسيحية الأوروبية، الذي بدأ عند نهاية القرن السابع الميلادي واستمر إلى اليوم، دون أن يتأثروا هم بنتائجه، مع أنه شهد مراحل حلت خلالها هزائم جسيمة بالمسلمين؟ يبدو أن الكنائس المسيحية لا تفهم ما يجري، ولا تفكر بلعب أي دور جدي فيه، وأنها تفوت السانحة الفريدة على الجماعة التي تنتمي إليها، وهي في غالبيتها من المسلمين، وعلى نفسها، وتفضل البقاء حيث هي: إلى جانب الظلم والاستبداد، والرقص على أشلاء الأموات المظلومين.
والآن، وبما أن الدين ليس ملك الكنيسة، التي تبلد شعورها وفقدت علاقتها مع الواقع ومع حساسية المسيحية الإنسانية، ولأن للعلمانية الحق في ممارسة وفهم الدين بالطريقة التي تريدها، خارج وضد الكنيسة أيضا، فإنني أدعو العلمانيين من مسيحيي المولد إلى فتح نقاش أو عقد ندوة حول موضوع وحيد هو سبل إعادة المسيحيين إلى موقعهم الصحيح من الجماعة العربية / الإسلامية، وإلى دورهم الثقافي / المجتمعي في خدمتها، بعيدا عن أية سلطة غير سلطة الجوامع الإنسانية والمشتركات الروحية والمادية التي تربطهم بها، في زمن التحول الاستثنائي الذي لا سابقة له في تاريخ العرب، ويمثل فرصتها لامتلاك وبناء الدولة التي تعبر عن حريتها وحضورها في شأن عام عاشت المسيحية فيه وبفضله، لأنه كان مرتبطا بالدولة في مفهومها المجرد والسامي، ومنفصلا عن شأن سلطوي استبدادي الطابع والدور، مما حمى المسيحية من شرور وبطش السلطوية وغرسها بعمق حاضنتها الطبيعية، المستقلة نسبيا عن السلطة والسياسة، بفضل الإسلام وفضائه الإنساني: المتسامح والرحب .
إذا كان العلمانيون في الدول العربية المختلفة يدركون أهمية هذا التحول التاريخي، الذي يجب أن يرد المسيــحية إلى مكانها الصحيح من مجتمعاتها، فإن واجبهم يكون المبادرة إلى فتح هذا النقاش أو عقد هذا المؤتمر الذي لا بد أن يضم ممثلين عنهم يلتقون في بيــروت أو القاهرة، يتدارسون خلاله كل ما هو ضروري لرد المسيحية إلى موقعها التاريخي كجزء من المجتمع العربي / الإسلامي، يخوض معاركه ويشاركه مصيره، يفرح لفرحه ويحزن لحزنه، ويرفض اعتبار نفسه جزءا من سلطاته أو خادما لديها، فيتقاسم مع مواطنيه أقدراهم، سهلة كانت أم صعبة. بغير ذلك، لن تبقى المسيحية في هذه المنطقة، وسيكون مصيرهم كمصير النظم التي يخدمونها: على كف عفريت، خاصة إن انتصرت بالفعل جماعات الإسلام السياسي المتطرفة، التي ينتحرون اليوم انتحارا مؤكدا لشدة خوفهم غير المبرر منها، ولا يجدون طريقة يردون مخاطرها بواسطتها عن أنفسهم غير الارتباط المجنون باستبداد يعلمون تماما أنه إلى زوال مهما طال الوقت، وأن طريقهم إلى التوطن في قلوب وعقول مواطنيهم لا يمكن بحال من الأحوال أن يمر من خلاله أو على جثث ضحاياه .
باختصار شديد: إما أن تغير الكنيسة مواقفها وتعود ثانية إلى كنف مجتمعها العربي / الإسلامي، أو أن يؤسس العلمانيون كنيسة مدنية تأخذ المسيحيين إلى حيث يجب أن يكونوا، مواطنين حريتهم جزء من حرية مجتمعهم وفي خدمتها. وللعلم، فإن التاريخ لن ولا يجوز أن يرحم أحدا: كنسيا كان أم علمانيا، إن هو وقف جانبا، أو رقص على جثث من يموتون من أجل حريته!
—————————-
ثانيا
قبل إجراء القياس يسأل المقايس الحيوي – نفسه – سؤالين صغيرين :
1- هل المصالح المعروضة صالحة للقياس؟ وبأية صلاحية؟
2- من هم المؤهلين للحكم المرجعي للقياس؟ هل هم العامة من الناس؟ أم الخبراء تحديدا؟
3- ما هو مفتاح/ مفاتيح خطورة المصالح المعروضة , وكيف يمكن إعادة هندسة مصالحها بقياسي مربع أحوال وجذور المصالح ؟
الإجابة عن السؤالين الأولين هي : بعد تعرف مصالح المعروضة في المقال المعنون ب ” ميشيل كيلو : دعوة المسيحية إلى العقل”* فإنه يتضح كون المصالح المعروضة صالحة للقياس و بالحد المضطرب , لكون مرجعية الحكم محصورة – فقط – بخبراء مصالح المسيحيين في سوريا والعالم العربي الإسلامي ضمن التحولات المعاصرة داخليا وخارجيا.
الإجابة عن السؤال الثالث هي : تعرف مفاتيح الخطورة بحسب تحويها جذور مصالح ازدواجية معايير , أو / و نفي برهان الحدوث, أو / و نفي إلزام الفطرة.. ويمكن الاكتفاء بمفتاح واحد للحكم .. إلا أننا – هنا- سنتوقف عند ثلاث مفاتيح ..
يتبع
أولا: إعادة هندسة مفتاح الخطورة الأول:
” يظن من رباهم كنسيا على عنصرية دينية قاتلة أنهم يجب أن يكونوا كأسلافهم خدما للسلطة، وأن عليهم تمضية أعمارهم في اتقاء شرورها وخطب ودها ولعق قفاها؟”
1- قياس مربع أحوال المصالح:
الحكم : حال صراعي
السبب : غلبة تعبيرات مغلقة وعالية التوتر بقرينة (عنصرية , قاتلة )
قياس مربع جذور المصالح
الحكم : جذور مصالح برهان تأكيد ازدواجية معايير .
السبب: حتى في حال وجود مسيحيين تربوا كنسيا على ” عنصرية دينية قاتلة ” فهذا أمر لا يتم لكون المسيحية السورية تتحوى طرائق عقدية فئوية مختلفة جوهريا عن تلك التي يتحواها الآخر المسلم , أو غير المسلم ! أو خاصة بفئويات عقدية دينية , أو غير دينية..
والأمثلة كثيرة: فمن الماركسيين من عد عقيدته علم العلوم !وغيره بالأفيون؟
ولا حاجة لذكر أمثلة عن المسلمين المجاهرين والممارسين للتكفير والقتل لمن يخالفهم حتى ولو كانوا مسلمين ..! بينما لم نر مسيحيا واحدا تبنى قتل مسلما لكونه كذلك.. في تاريخ سوريا كله!
ثانيا: إعادة هندسة مفتاح الخطورة الثاني :
” لم تكن الجماعة – الأمة – المسلمة ترى الآخر في مسيحييها، بل كانت ترى نفسها فيهم أيضا، فهم هي، في صيغة خاصة، مغايرة. وكل مساس بهم يعد مساسا بوجودها وتكاملها وطريقتها في العيش، كما في تسامحها، الذي كان معياره الرئيس الموقف من المسيحيين وديانتهم.”
قياس مربع أحوال المصالح
الحكم : حال توحيد
السبب : غلبة تعبيرات منفتحة وعالية التوتر بقرينة (وكل مساس بهم يعد مساسا بوجودها وتكاملها وطريقتها في العيش)
قياس مربع جذور المصالح
الحكم : جذور مصالح برهان نفي إثبات الحدوث
لأسباب متعددة منها:
1- كون مفهوم الآخر التاريخ العربي الإسلامي لم يكن بهذه الشاعرية ..! لا تجاه العربي, ولا غير العربي ! ولاتجاه المسلم ,ولا غير المسلم ! بل شهد إشكالات مختلفة يعرفه تاريخ الغزو الذي استمر حتى بدايات القرن..حيث الكل يكفر الكل..! أو على الأقل يستبيحه عمليا.. إلى أن أوقفها الآخر (بريطاني-فرنسي) لمصالح استعمارية ..
2- كون استعباد الآخرين وسبيهم لم يوقفه تطبيق المصالح القرآنية بل قوانين غربية فرضت فرضا ! على العالم الإسلامي وغيره..من قرنين.. ومع ذلك , بقيت سائدة إلى ستينات القرن الماضي في الخليج وموريتانيا
3- شهد مفهوم الأخر المسيحي صلاحيات تتراوح بين التهجير من الجزيرة العربية – رغم مشاركتهم في حروبهم ضد الروم- إلى الأسلمة وتحويل غالبية من تبقى من مسحي مصر وبلاد الشام والعراق إلى مصالح (ونسة ؟وكنسة!) .. قديما .. ودفعهم إلى الهجرة من ديارهم في فلسطين والعراق حديثا..بتواطؤ غربي !
4- وصف الأخر بالذمي ( ليدفع الجزية عن يد وهو صاغر) ليس تعبيرا مسيحيا.
5- تركيا العثمانية طردت مركز كنسية إنطاكية وسائر المشرق إلى سوريا , وتركيا العلمانية – إلى الآن – ترفض السماح لها بالعودة من دمشق إلى تركيا حيث إنطاكية ما تزال محتلة..
إعادة هندسة مفتاح الخطورة الثالث: ”
:”إذا كان العلمانيون في الدول العربية المختلفة يدركون أهمية هذا التحول التاريخي، الذي يجب أن يرد المسيــحية إلى مكانها الصحيح من مجتمعاتها، فإن واجبهم يكون المبادرة إلى فتح هذا النقاش أو عقد هذا المؤتمر الذي لا بد أن يضم ممثلين عنهم يلتقون في بيــروت أو القاهرة، يتدارسون خلاله كل ما هو ضروري لرد المسيحية إلى موقعها التاريخي كجزء من المجتمع العربي / الإسلامي،”
قياس مربع أحوال المصالح
الحكم : حال صراعي
السبب : غلبة تعبيرات منفتحة وعالية التوتر بقرينة (واجب مرتين)
قياس مربع جذور المصالح
الحكم : جذور مصالح برهان نفي إلزام الفطرة
لأسباب متعددة منها:
1- وبصرف النظر عن كون العلمانية لا تعني بالضرورة عقيدة دينية .. أو معادية لأي عقيدة دينية أو غير دينية , فإن الفطرة تلزم بالدفاع عن النفس ضد الظلم أولا , ومن ثم الدفاع عن الأقربين المستضعفين.. وبالتالي فإن من البداهة الحيوية الفطرية أن يلزم مسيحي عربي علماني نفسه بعدم المشاركة بدعم أي حراك ينطوي على ظلم عملي أو نظري له.. ومن ذلك منعه دستوريا من حق الترشيح لرئاسة الجمهورية لمجرد كونه غير مسلم بالولادة , وفي سوريا التي كانت إلى قرون قليلة غالية مسيحية .. وبالتالي من ألزام الفطرة الطلب من الإسلاميين – قبل غيرهم- تبني دستور دولة معاصر يسمح فيها لمواطن سوري غير مسلم , وغير عربي الترشيح لمنصب رئيس جمهورية..
2- من البداهة الحيوية الفطرية أن يلزم مسيحي عربي علماني نفسه دعوة الأغلبية العربية الإسلامية – التي يشاركها مسؤولية المواطنة الحيوية أن يدعوها إلى العمل الجدي الملزم عمليا ونظريا لمواجهة وإدانة الاتجاهات العنصرية الإسلامية قبل المسيحية السورية ( وهي أساسا غير موجودة سياسيا , أو على الأقل ليست معلنة في الجانب المسيحي ) وذلك بجعل أولوية العمل السياسي لإلزام الحركات السياسية الإسلامية قبل غيرها تبني علمانية دستور المدينة الذي ساوى فيها نبي المصالح القرآنية مابين المسلمين واليهود والمسيحيين وغير المؤمنين في الحقوق والواجبات قبل 15 قرنا..فقط!)
3- من البداهة الحيوية الفطرية أن يلزم ناشط سوري نفسه قبل غيره– سواء أكان عربيا أم لا , مسلما أم لا – استلهام وإحياء ودعم قيم البداهة الكونية للمصالح المشتركة في التراث العربي والإسلامي.. بما هو صالح لتشييد نظام حيوي معاصر بأقل كلفة , وأقل عرضة إلى النكوص , وهو الطريق الاحتوائي السلمي التدريجي العلني .. وبالتالي , فمن البداهة الحيوية الفطرية أن يلزم ناشط سوري نفسه دعوة المحتجين السورين من أصول فئوية معينة – إسلامية أو غير إسلامية , عربية أو غير عربية- كي يلزموا أنفسهم قبل أي تحرك احتجاجي, ضمان تحرك غيرهم ليكونوا في مقدمتهم , وليس فقط معهم ! وليس فقط من أجل تزيين ديكوري ! على الأقل من أجل حفظ دمائهم أولا , ودماء موظفي الدولة المتطلعين كغيرهم الى الإصلاح , ..لكون النظام السوري لم يظهر بقوة أي طائفة, ولن يزول بفعل احتجاج طائفة واحدة !وان رفعت شعار ” لا طائفية” و “سلمية”..
قياس كعبة المصالح :
الحكم: مبادهة مضطربة!
السبب : مصالح صراع زكزاكي بجذور شكل جوهراني كلي
ملاحظة: قياس المصالح المعروضة تخص المعروض منها هنا وليس غيرها ..
* راجع :
http://www.assafir.com/Article.aspx?ArticleId=1407&EditionId=1921&ChannelId=45338&Page=3#Comments
الراعي ينطق بلسان روما … بقلم: غسان سعود
بواسطة ADMIN – 2011/09/10
نشر فى: مقالات وتحليلات
غسان سعود – الأخبار
للدول مهما بلغت عظمتها سفارة واحدة في كل دولة. وحدها الفاتيكان تملك سفارة في كل قرية في أنحاء العالم. لا يحتاج الكرسي الرسولي إلى سفارة في سوريا ولا إلى قناة «الجزيرة» أو وكالة سانا ليعرف ما يحصل في المدن السورية. سينبئه مسيحيو المدن السورية والقرى النائية، التي لا تصلها مواكب السفراء ولا كاميرات المصورين، بكل ما يحصل عندهم: كل ما يسمعونه ويشاهدونه، وكل تحليلاتهم ومخاوفهم. يوفر هؤلاء جهازاً دبلوماسياً للفاتيكان يتجاوز بعديده أهم الأجهزة الدبلوماسية والاستخبارية في العالم، فضلاً عن أن صدقية من يكتب التقرير على شاكلة اعتراف كنسيّ أكبر بكثير ممن يكتب التقرير لقاء بدل مالي.
هذه الدولة نفسها (الفاتيكان) تولي منذ عامين اهتماماً استثنائياً بما تطلق عليه «الحفاظ على الوجود المسيحي في الشرق». وقد تعاظمت مخاوفها على هذا الصعيد إلى حد الطلب من البطريرك الماروني نصر الله صفير الاستقالة وسهرت على انتخاب البطريرك بشارة الراعي بوصفه الأقدر بين زملائه المطارنة الموارنة على تحقيق التطلعات الفاتيكانية.
حين يزور الراعي فرنسا إذاً، يكون في حقيبته ملف متكامل عمّا يحصل في سوريا أعدته الدبلوماسية الفاتيكانية، يشمل هذا الملف: أولاً، معلومات ميدانية عن الأوضاع في سوريا، إضافةً إلى التحليلات والمخاوف. ثانياً، معلومات عن الخطط الأجنبية والسيناريوات الدولية لمعالجة الأزمة في سوريا (أو تصعيدها)، أعدتها الدبلوماسية الفاتيكانية التي يُروى الكثير عن نفوذها واختراقها معظم أجهزة الاستخبارات ومقاطعتها المعلومات بطريقة نادرة. ثالثاً، مجموعة أسئلة محددة وواضحة عن التدابير التي تنوي الدول العظمى اتخاذها لتضمن «الحفاظ على الوجود المسيحي في الشرق»، بعد تأكد الكنيسة من أن تدخل الغرب في الشرق لا يلحق غير الكوارث بالمسيحيين.
في فرنسا كان برنامج الراعي حافلاً، فبموازاة لقائه رئيس الدولة الفرنسية ورئيسي مجلسي الوزراء والنواب، التقى الراعي كاردينال باريس، الذي يشغل الموقع الدبلوماسي الأعلم بما تطبخه الدبلوماسية الفرنسية. ذهب الراعي حاملاً ملفاً متكاملاً. كانت أسئلته بالتالي واضحة ومحددة. يؤكد أحد الذين واكبوه في الزيارة أن غموض الأجوبة كان يدفعه إلى التصعيد أكثر فأكثر، مرة بعد مرة، بشأن الأزمة في سوريا. من يعرف الراعي جيداً، يعلم أنه خلافاً لبعض أسلافه، ليس بطريرك انفعال، بل بطريرك قلب وعقل. اختارته الفاتيكان لأنه رجل قلم وورقة وحسابات دقيقة. في هذا السياق لا بدّ من إعادة قراءة تأكيد «تفهمه لموقف الرئيس السوري بشار الأسد»، ومطالبته بإعطاء «الأسد فرصاً إضافية». ساءل الغرب في عقر داره: «عن أي ديموقراطية تتحدثون في ظل ما يحصل في العراق؟»، أجاب نفسه: «إنهم (من دون تحديد هوية الـ«هم») يستعملون الديموقراطية شعاراً لتغطية ما يقومون به»، مشيراً إلى أن «تأزم الوضع في سوريا أكثر مما هو عليه، سيوصل إلى السلطة حكماً أشد من الحكم الحالي، كحكم الإخوان المسلمين». ولا حاجة إلى الاستفسار من البطريرك عن المشكلة في حكم «الإخوان». فبالنسبة إليه، النتيجة معلومة مسبقاً: «المسيحيون هناك سيدفعون الثمن، سواء أكان قتلاً أم تهجيراً». فضلاً عن خشية الراعي من نشوء «تحالف بين الحكم السُّني في سوريا وإخوانهم السنّة في لبنان».
يؤكد بعض الذين يرافقون البطريرك تعبير الأخير في ما يخص سوريا عن قناعاته، التي ترسخت أكثر بعد سماعه كلام المسؤولين الفرنسيين. فيما يتحدث بعض المواكبين للراعي عن ثلاثة أسباب تدفعه إلى أن يقول في باريس ما لا يقوله حتى حين يستقبل السفير السوري في لبنان. وهذه الأسباب هي:
أولاً، المعلومات التي توافرت للبطريرك من مصادر متنوعة، أهمها تلك الفاتيكانية منها التي سبق الكلام عنها، عن تماسك النظام السوري وسيطرته على مختلف المدن السورية، واحتفاظه بالحد الأدنى من القوة الشعبية والقدرات التفاوضية الضروريتين لضمان استمراريته، مقابل عجز المحتجين عن الانطلاق بـ«الثورة»، في المعنى الجديّ للكلمة.
ثانياً، اكتشاف الراعي عدم وجود خطة دولية جدية لإطاحة الأسد أو حتى قرار بهذا الخصوص. ويقول أحد مرافقي البطريرك في زيارته إن الأخير سمع كلاماً من بعض المسؤولين الفرنسيين عن حق الشعوب في الحرية والديموقراطية يشبه كثيراً الكلام الذي كان يسمعه من أسلافهم عن حق اللبنانيين في الحرية والسيادة والاستقلال، كذلك سمع كلاماً جازماً بعدم وجود نية أو خطة غربية للتدخل العسكري في سوريا. وقد حرص الراعي على السؤال عن علاقة القيادة الفرنسية وأجهزة الاستخبارات بالمعارضين السوريين، ففوجئ بأن العلاقة سطحية جداً، وأن التنسيق الذي ازدهر في السنوات القليلة الماضية بين بعض أجهزة الاستخبارات الأجنبية والاستخبارات السورية لم ينقطع بعد.
ثالثاً، تأكد البطريرك من أن الغرب لا يرى أي مشكلة في التحالف مع الجماعات الإسلامية المتشددة والإخوان المسلمين، ما دام هؤلاء يوفرون مصالح الغرب. وتأكد أيضاً أنه ليس على جدول أعمال الدول العظمى أية إشارة إلى ما يعرف بحقوق الأقليات الطائفية أو المخاوف الفاتيكانية على مسيحيي الشرق. مع العلم بأن الراعي يعبّر في بعض كلامه عن خشية فاتيكانية، تتنامى يوماً تلو الآخر، من التشدد الإسلامي. والأكيد هنا أن الراعي المدافع بقوة عن «ديموقراطية لبنان التوافقية»، سينحاز إلى تحالف الأقليات في المنطقة، إذا فرض عليه الاختيار بينه وبين حكم الأكثرية في المنطقة.
ما سبق، إضافة إلى النقاشات المستفيضة مع صناع القرار الدولي، أكدا للراعي، بحسب أحد المشاركين في الزيارة، أن الرئيس الأسد في طريقه إلى تجاوز الأزمة، وهو من دون شك باق في الموقع السوريّ الأول. ولا شك في هذا السياق في أن ما من عاقل كان سيتخذ مواقف كالتي صدرت عن الراعي أخيراً لو توافر لديه الحد الأدنى من المعلومات التي ترجح سقوط النظام. ولو شكّك الراعي بنسبة واحد في المئة في أن الرئيس السوري في طريقه إلى التنحي كما تمنى عليه الرئيس الأميركي لما كان قد قال بعض (لا كل) ما قاله.
معلومات «الأخبار» تؤكد أن أحد المطارنة المقربين جداً من البطريرك سيتوجه فور عودته والراعي من باريس إلى دمشق على رأس وفد مسيحيّ كبير للقاء الرئيس السوري بشار الأسد. فموقف الراعي ـــــ الفاتيكان لا يعبّر عن الكنيسة المارونية فحسب، هذا هو موقف الكنائس السريانية والأرثوذكسية والكاثوليكية.
قبل الراعي، أعلن المعاون البطريركي للروم الأرثوذكس المطران لوقا الخوري أن «سوريا هدف لمؤامرة شريرة سوداء تضافرت عليها جميع أحزاب الشيطان في الأرض، من آلهة البطش والدمار وأبناء الأفاعي».
القلق من تداعيات الأزمة السورية على المستقبل والمصير، لا يصيب مسيحي سوريا فحسب، بل ويمتد بشكل خاص إلى لبنان، وإلى مسيحيي المشرق بعامة…ولهذا القلق ما يبرره، ولا يجوز تحت أي مبرر أو ذريعة، تجاهله أو التقليل من شأنه، أو تحويله – أحيانا – إلى ذريعة للانقضاض عليهم…وفي هذا السياق، يجدر تأمل ما يقوله البطريريك الماروني بشارة الراعي حول هذه المسألة.
يخشى “البطرك” على مسيحي سوريا من مصير مماثل للمصائر التي آل إليها مسيحيو العراق: قتل وتشريد وإحراق كنائس وتفخيخ أديرة…القوى التي فعلت ذلك في بلاد ما بين النهرين، لها ما يماثلها ومن يمثلها، في بلاد الشام، وهي وإن كانت ذات حضور أقل في المشهد السوري حتى الآن، قياساً بحضورها العراقي السابق، إلا أن أدوارها في تنامٍ مستمر، يوماً بعد آخر، حتى أن الرئيس الروسي ميدفيدف تحدث شخصياً وعلناً، عن “اختراقات” أصولية إرهابية للثورة السورية.
ويمتد قلق “البطرك” إلى لبنان، فهو يحذر من “حلف سني” يحكم البلدين المرتبطين بوحدة المسار والمصير: سوريا ولبنان، يستقوي به سنة لبنان على شيعته، إن قُدر للنظام السوري أن ينهار وأن يأتي بدلا منه، نظام حكم إسلامي، بطبعة إخوانية أو غير إخوانية…إن حصل ذلك، وقع الاستقواء، وانزلق لبنان إلى أتون مواجهة (حرب) مذهبية، سوف تجرف المسيحيين إلى خنادقها في نهاية المطاف، مهما استمسكوا بأهداب “حيادهم الإيجابي”.
“البطرك” كسَلَفِه، لم يكن يوماً “سوري الهوى”، إلا أنه بخلاف سلفه، يتبنى نظرة لمسيحيي الشرق، تتجه بهم للتكيف مع بيئتهم والاندماج بها والتعايش معها، بدل النظرة المتطرفة التي تبنّاها البطريريك صفير، والتي جعلت منه، رأس حربة ضد سوريا وحزب الله، وامتداد “روحي” لسمير جعجع وقوى 14 آذار…الصرح البطريركي يعيد قراءة المشهد اللبناني والإقليمي بعد انتخاب البطرك الجديد، وهو في قراءته الجديدة، يبدو أكثر توازناً وإنفتاحاً وإعتدالاً….أحدث العلامات اللافتة في موقف البطرك الجديد، ربطه مصير سلاح حزب الله بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لمزارع شبعا اللبنانية المحتلة، والأهم، تمكين الفلسطينيين في لبنان من ممارسة حقهم في العودة إلى وطنهم.
مواقف الكنيسة المارونية هذه، جاءت لتعزز مواقف تيار نافذ في أوساط مسيحي لبنان، التيار الوطني الحر (العوني)، الذي يتبنى عموما نظرة شرقية (وليس استشراقية) للمسألة المسيحية، يرفض استعداء سوريا برغم التاريخ الدامي لعلاقته بها…يرتبط بـ”حلف فضول” مع حزب الله، ويرى مستقبل مسيحي المنطقة بالتعاون والتعايش مع أهلها وشعوبها وطوائفها ومذاهبها، من إيران إلى سوريا، مرورا بتركيا ومصر وما بينها من ألوان وأقطار وخصوصيات وحساسيات.
أما التيار النافذ الثاني في أوساط المسيحيين اللبنانيين (الكتائب والقوات)، ومن موقع تحالفه مع الحريري والمستقبل، ومن خندق العداء لسوريا واستعداء حزب الله، فقد حمل على مواقف الكنيسة، وربط مصير المسيحيين في سوريا والمنطقة، بمصير الثورة السورية، لا بمستقبل النظام السوري، متسائلاً عن “الحكمة” في ربط مصير المسيحيين بمصائر نظم توتاليتارية كنظام بشار الأسد…إلى غير ما هنالك من أطروحات يخالف باطنها ظاهرها، الأخير فيه الرحمة والأول فيه العذاب.
وإننا حقاً، لنجد صعوبة في “تصديق” أطروحات هذا الفريق عن “ثورة المسيحيين” أو “المسيحيين في الثورة السورية”…لسبب بسيط هو أن هذا الفريق سبق له وأن ربط مستقبل مسيحيي لبنان بإسرائيل، ودشّن أوقح صفحات التعاون والتنسيق الأمني والعسكري مع تل أبيب، وخاض حرب لبنان الأهلية، بدعم من إسرائيل، ماديا وسياسيا وتسليحيا…هذا الفريق من مسيحيي لبنان، لديه هدف واحد فقط، ومن أجل تحقيقه يبدو كل شيء مبرراً، حتى التعامل والعمالة، أما الهدف فهو ضرب المقاومة الفلسطينية ابتداء والحركة الوطنية اللبنانية ثانياً، والمقاومة اللبنانية في نهاية المطاف، فإن تم ذلك بالتحالف مع سوريا (كما حصل في حرب السنتين 1975- 1976) كان به، وإن استلزم تحقيق الهدف، استدعاء إسرائيل (كما في حرب الاجتياح والحصار 1982)، فلا بأس.
الجدل في أوساط مسيحيي لبنان وسوريا والمنطقة، ينبغي أن تُصغي إليه مختلف القوى والفاعليات الأساسيية..وبالأخص الحركات الإسلامية التي تضطلع بدور قيادي في إدارة دفة الثورات العربية (السورية بخاصة)…لا يكفي ترديد بعض المواقف العمومية والأمثلة التاريخية، القديمة والحديثة، التي باتت ممجوجة لفرط تكرارها…المطلوب خطاب سياسي، مشفوع بممارسة عملية، تبعث الطمأنينة في نفوس هؤلاء…وتقطع الطريق على أي احتمال لإعادة انتاج “سيناريو العراق” الدامي في سوريا…جماعة الإخوان المسلمين بشكل خاص، مطلوب منها دور مضاعف في هذا السياق، لأنها أكثر الحركات الإسلامية المشرقية عقلانية من جهة ولأنها صاحبة النفوذ الكبير في حراكات الشارع الشبابية والاجتماعية من جهة ثانية…لكننا من أسف، لا نرى الجماعة تبذل جهداً مناسباً لتبديد المخاوف والأوهام والصور النمطية، وبدلاً من ذلك نرى بعض كتابها والناطقين باسمها، يشنون هجوماً على مواقف الأقليات من الثورات، لكأن مخاوف هذه الاقليات لا قيمة لها ولا مبرر لوجودها، أو لكأنه لم تجر دماء كثير من عروق المسيحيين في العراق، بالأمس القريب، وحتى اليوم، وربما غداً كذلك، فالمسلسل لم تكتمل حلقاته بعد.
العنوان الاساس
حقبة فرز تاريخي!
————————-
انظر في آخر المقال مفتاح خطورة المصالح المعروضى و حكم قياس كعبة المصالح على درجة بداهة المصالح المعروضة
——————————-
يشيل كيلو : القدس العربي
بعد احتباس أعقب فشل مشروع النهوض العربي، الذي بدأته على الصعيد الفكري / النظري الفئات البينية من الطبقة الوسطى في نهايات القرن التاسع عشر، وعلى المستوى العملي / السياسي في أوائل القرن العشرين، وتحول الرهان العام والفعلي لنخب وازنة من هذه الفئات إلى السلطوية: النظام الذي تستأثر السلطة فيه بكل شيء وترى مجتمعها في ضوء حاجاتها ومصالحها .
وبعد المطاردة المنظمة التي مارستها السلطوية ضد البؤر الديموقراطية، الضعيفة أصلا في مجتمعنا العربي بحكم غربتها كنظريات وكممارسة عن الطبقات الشعبية، وبقوة بقائها برانية بالنسبة إلى شتى أنواع الأحزاب والتكوينات السياسية، بدا وكأنه يكفي أن ترسم النظم السلطوية صورة قاتمة للإسلام كمصدر خطر وحيد عليها وعلى العالم المتقدم في الغرب، وأن تتبنى علمانية متطرفة سياسيا، تتظاهر في أصولية دنيوية قمعية، حتى تضمن استقرارها وبقاءها إلى زمن طويل، خاصة إذا ما انتهج المسلمون سياسة كان ‘الياس مرقص’ يعبر عنها في فكرة عميقة ورائعة تقول بكلمات جد مختصرة: ‘انتبهوا، فهم (الغرب والنظم السلطوية) سيعطونكم الدين مضاعفا كي يأخذوا منكم الدنيا’. وبالفعل: ألم يكن الإسلاميون يقتتلون على دين بلا دنيا، من أفغانستان إلى العراق إلى … شتى أصقاع هذا العالم الفسيح، الذي لطالما تخلى عن الدين ورآه أكثر فأكثر بأعين الدنيا ؟
لو أنك سألت قبل عام واحد أي واحد منا نحن المثقفين عن توقعاته لاحتمالات التطور، لأخبرك إنها سيئة، بل شديدة السوء، فالشعب غارق في البؤس وخارج الواقع القائم، جاهل وغائب عن الوعي وبالتالي عن أية فاعلية عامة، والنظام السلطوي ‘مسلطن’ وقاعد على قلوب وعقول الناس، ويده الحديدية ملتفة حول أعناقهم، بينما جريهم وراء الرغيف ينهكهم ويدمر ما بقي من قوى قليلة لديهم، فكيف لا يكون الوضع سيئا وتكون الأمة في الحضيض؟!.
واليوم، يتقدم الاحتمال الذي بدا شديد الضعف، ويتظاهر في تبني الشعب عموما خيار الحرية والديموقراطية والدولة المدنية والمواطنة، وتراجع الخيارات المتطرفة، مذهبية كانت أم سلطوية أم شعبوية، وبداية تخلق مراجعة فكرية وسياسية كبرى على امتداد الوطن العربي طولا وعرضا، ليست نتائجها واضحة بعد، لكن مفرداتها قد تدل على طابعها وعلى ما يمكن أن يتمخض عنها، حاملها هذه المرة المجتمع نفسه، الذي لا يستطيع الاستمرار دون مشتركات جامعة تتخطى مصالح ونظرات أية قوى جزئية فيه، طبقات كانت أم أحزابا أم عسكرا، فهو يقف إذن بدوره أمام تحول تاريخي هائل الأبعاد والشمول، لن يكون ما بعده كما كان قبله، ولن يضعنا فقط على مشارف العصر وإنما سيدخلنا أيضا إليه، إذا لم نرتكب أخطاء فادحة وجسيمة، تعيدنا إلى تضييع الكل من أجل الجزء، والعام من أجل الخاص، والدائم في سبيل العابر … الخ، وإذا لم نهجر كذلك ما كان دائما رافعة وجودنا، وهو أننا أمة ممزقة تريد الوحدة، ومظلومة تريد العدالة، ومستعبدة تريد الحرية، وجاهلة تريد العلم، ومتأخرة تريد التقدم … الخ.
في أي منحى ستذهب بعد اليوم إعادة بنينة وجودنا ووعينا ؟. أعتقد أنها ستذهب نحو فرز تاريخي هائل الأبعاد، لطالما أهملناه وتجاهلنا ضرورته ،أو لم نمتلك الوعي اللازم بأهميته .ولعله من البوادر الأولى لهذا لفرز ما نلاحظه اليوم من اعتناق كتل إسلامية متنوعة أفكارا كانت إلى الأمس القريب ترفضها، وترفض أن ترى فيها جزءا من منظومتها الفكرية أو وعيها، أهم بنودها ربط رؤيتها بالإنسان ككائن حر، وقبولها بالتالي المساواة بين البشر، في الحقوق والواجبات جميعها، بما في ذلك حق الاختلاف والخلاف في إطار التنوع والتمايز . يتظاهر هذا التحول والفرز في وقائع وأشخاص بعينهم، وليس أمرا قليل الأهمية على سبيل المثال أن يقبل ليبي، كان رجلا قياديا في تنظيم القاعدة وسجين القذافي لسنوات طويلة، الزحف العسكري على طرابلس تحت غطاء من طائرات وقنابل حلف الأطلسي، دون أن يجد غضاضة في ذلك. كما أنه ليس بالأمر الهين أن يؤسس الإخوان المسلمون في مصر حزبا سياسيا يستمد مبادئه من مصادر غير قرآنية أيضا، لان من أسسوه يعلمون أنه سيكون محكوما بالدنيا وليس فقط بالدين كجماعة الإخوان المسلمين التي أفرزته، وأن السياسة وبالتالي الدنيا ليست مجرد مواقف أخلاقية وطهرانية، بل هي ربح وخسارة، حتى أن المرء ليرى بعين خياله بعض قادة هذا الحزب وهم يقفون أمام المرآة بينما العرق يسيل عن جباههم، بعد كل لقاء لهم مع الأحزاب الأخرى، وكل جلسة تخطيط سياسي تريد أخذ الأوضاع القائمة ومواقف الآخرين بعين الاعتبار وتعمل على منافستهم وانتزاع جمهورهم منهم، بشتى الوسائل والطرق التي يلجؤون هم أيضا إليها.
هل يعني هذا أن حصة الدنيا ستزيد في الفرز الذي أتحدث عنه ؟. هذا مؤكد تماما، ومؤكد أيضا أنه سيقود عقلنا السياسي إلى تقارب سيشمل معظم أجزائه ومكوناته، وإلا فإن نهضة العرب القادمة لن تكون ممكنة، سواء في الجانب الذي يتعلق بخروجهم من بؤسهم الراهن، أم الجانب المقابل، الخاص بالبديل الذي لا بد من بنائه، كي يلتحقوا بعصرهم ويلعبوا فيه الدور اللائق بهم: كأمة بانية للحضارة والمدنية وتفاعلت معظم تاريخها بإيجابية مع الآخر، فأخذت منه وأعطته وأفردت حتى في قرآنها الكريم، كتابها القومي، مكانا لمفرداته وكلماته ومفاهيمه. إذا ما عجزنا عن تلبية حاجتنا التاريخية إلى مشتركات قارة تتجاوز الكيانات والتشكيلات السياسية الجزئية والأوضاع القائمة والمصالح الخاصة، سنعجز عن مغادرة حالنا السيئة القائمة، وسنعيد، بكلمات ووجوه أخرى، إنتاج الأمر السياسي الذي دمر فرصنا في التقدم والحرية طيلة قرابة نصف قرن، ويعتبر النهوض الحالي ردنا عليه ومحاولتنا للخلاص منه. يعني هذا أن علينا رؤية أيديولوجياتنا بأعين حاجاتنا لا العكس، وتغليب برنامجنا العام، الداعي إلى الحرية والمواطنة والدولة المدنية على التفاصيل التي كنا نقرؤه من خلالها في الماضي، وكنا نسميها ‘برامج’ ونتوهم أنها هي التي تمثلنا، بدل أن نعينها في ضوء هذا البرنامج وبما يخدمه، ريثما نكون قد بلغنا وضعا يتيح لنا ترف الخلاف، يمكنه تصحيح الأخطاء التي نقترفها لأننا نعمل لإنتاج الواقع بما هو واقع خاص بنا وحدنا، إما أن ينضوي الآخرون فيه أو أن يخرجوا منه.
سيمر الفرز بعمليتين متلازمتين هما: الابتعاد عن ما ألفناه في الفكر والعمل من جهة، وبلورة أرضية جامعة نلتقي ونفترق عليها دون أن نشحن علاقاتنا بالبغضاء والتناقضات العدائية، ونسبب الضرر لمصالحنا العليا، سواء كانت لمجتمعنا أم لدولتنا، من جهة أخرى. نحن اليوم في المرحلة الأولى، لكننا نذهب إليها من خلال الثانية، التي يعتبر العمل في حاضنتها ضامنا لسلامة جهودنا، وصواب مسعانا، وصحة طريقنا، وإلا كان الابتعاد عن ما اعتدنا عليه ضياعا، وكانت الأرضية الجامعة رمالا متحركة ستبتلعنا بلا رحمة.
نحن في بداية تاريخ جديد، أوله فرز يخلصنا من عقل يشدنا إلى الوراء وإلى خارج الدنيا ،يزين لنا العنف ضد بعضنا وغيرنا، دون أن يثير المزيد من التناقضات بيننا وإنما يردمها، بينما يبعدنا عن ماض حفل بالأخطاء والعداء، دون أن يكون له أي مبرر حقيقي أو مسوغ مشروع، وآخره لقاء يجمع أحرارا تخلصوا من حمولات زائدة ومؤذية، وطفقوا يبحثون عن روافع بوسعها حملهم ومجتمعاتهم ودولهم إلى حيث يجب ويحسن بهم أن يكونوا: في قلب الواقع والتاريخ!.
‘ كاتب وسياسي من سورية
===================================================
سنضع الحكم أولا وندقق صحة قرائن الخكم ثانيا
الحكم هو بداهة مشرقة بقرائن مصالح حال صراع بجذر مصالح شكل حيوي كلي
قبل ذكر قرائن الحم لابأس من التذكر بكون الحكم : :
لايشمل – بالضرورة – أحكام القياس الحيوي المؤلف ,أو المصدر ..ولا كل أعماله..ولا كل النص بل قرائن المصالح المقاسة فقط .. من خلال إعادة هندسة مفتاح/ أو أكثر من مفاتيح خطورة المصالح المعروضة وهي :
“: نحن في بداية تاريخ جديد، أوله فرز يخلصنا من عقل يشدنا إلى الوراء وإلى خارج الدنيا ،يزين لنا العنف ضد بعضنا وغيرنا، دون أن يثير المزيد من التناقضات بيننا وإنما يردمها، بينما يبعدنا عن ماض حفل بالأخطاء والعداء، دون أن يكون له أي مبرر حقيقي أو مسوغ مشروع، وآخره لقاء يجمع أحرارا تخلصوا من حمولات زائدة ومؤذية، وطفقوا يبحثون عن روافع بوسعها حملهم ومجتمعاتهم ودولهم إلى حيث يجب ويحسن بهم أن يكونوا: في قلب الواقع والتاريخ!..”
يمكن الإستدلال -بسرعة- من مفتاح المصالح المعروضة أعلاه إلى كون بداهتها مضطربة لمجرد ثبوت تطلب الحكم فيها من قبل أهل الخبرة , ويمكن الحكم ببداهة مرتفعة بسب فرائن وجود جذر مصالح برهان الحدوث من خلال تحوي تعبير “ يبعدنا عن ماض حفل بالأخطاء والعداء، دون أن يكون له أي مبرر حقيقي أو مسوغ مشروع،، ” يقره أهل الخبرة بقرائن كون مجرد سلبيات الماضي القريب في الحياة السورية لأضرت ببمعطم السوريين بمن فيهم الشرائح القومية التي جاء حزب البعث منها ,
د
ومع كون:المصالح المعروضة مضطربة بسب وجود مصالح تؤكد كون “عقل يشدنا إلى الوراء وإلى خارج الدنيا ،يزين لنا العنف ضد بعضنا وغيرنا” فقد يسأل أحدهم : هل يمكن أن يكون للمصالح المعروضة وظيفة ما غير برهان اثبات الحدوث؟ .
الإجابة هي : نعم لكل مصالح بعد وظيفي وهو هنا مزدوج سياسي وفكري
1- الوظيفة السياسية هي: لقاء يجمع أحرارا تخلصوا من حمولات زائدة ومؤذية”
2- الوظيفة الفكرية : إدانة ” ماض حفل بالأخطاء والعداء، دون أن يكون له أي مبرر حقيقي أو مسوغ مشروع.”
وفي حال صحة قرينة برهان لإثبات الحدوث فإنه يمكننا الحكم بوجود حال صراعي بقرينة انغلاق + توتر عال ) بجذر شكل حيوي جزئي (لإثبات برهان نفي الحدوث )
وهي كافية بحكم بداهة مشرقة لكونها مدعومة من تجربة التغييرات التي حدثت في تونس ومصر + الخبرات المتراكمة من حرااك المجتمهات الأخرى ؟ ومن الاستفادة الواضحة من مرحلة الثمانينات التي سادها مصالح مرض نقص البداهة بقرينة اتباع نهج امعارضة ظائفية مسلحة جلبت الويلات على الجميع الى اليوم
الحكم هو كعبة مصالح بداهة مشرقة /strong>
تطورات يجب أن تتوقف.. الثورة لا يصنعها الملائكة ولا حملة السلاح
(ميشيل كيلو)
تلوح في أفق الوضع السوري علامات مقلقة إلى أقصى حد، تزيد إلى درجة كارثية المخاطرالتي تكتنفه، أهمها إطلاقا نزعة الاستئثار التي بدأ صوتها يتعالى هنا وهناك، والدعوة إلى حمل السلاح، وتزايد الشعارات والهتافات المذهبية، التي سيحدث تزايدها نقلة مخيفة في أهداف الحراك المجتمعي: قد تأخذه من مطلب الحرية إلى كارثة النزاع المذهبي.
قبل أيام ظهر على التلفاز شاب يعيش في الخارج، قدم تعليقا على “المجلس الوطني الانتقالي” الذي تشكل في ظروف غامضة على يد أشخاص يبدو من تسرعهم أنهم لم يتصرفوا بروحية الشعور بالمسؤولية، فإذا به ينكر على أي طرف غير جماعته الحق في الحديث عن الداخل السوري أو تمثيله، بزعم أنها وحدها التي تقوده وأنه يقف وراءها دون أية جماعة أخرى. بعد أيام أعطاني صديق نسخة عن “الميثاق الوطني لجبهة تحرير سوريا”، يقول في بنده الأول “تمثل الجبهة الثورة السورية وتنسيقياتها على كامل الأرضي السورية، وهي الممثل الشرعي للثورة، وتمثل روح وضمير ووجدان الشعب السوري، وكل اسم أو مسمى لا يمت بصلة إلى الجبهة غير معترف به في جبهتنا”
ومع أن الميثاق ينقض هذا الزعم في نهايته، حيث يقال إن الذين وقعوه هم: “بعض تنسيقيات حمص، وبعض تنسيقيات محافظة حماه وريفها، وبعض تنسيقيات مدينة دمشق وريفها، وبعض تنسيقيات إدلب وجبل الزاوية، وبعض المستقلين الوطنيين وبعض الفنانين الوطنيين”، فإن من وضعوا الميثاق لم يلاحظوا ذلك، لأنهم انطلقوا من عقلية تصادر حق الغير في الوجود، على طريقة السلطات العربية، وإلا كيف يكون كل من لا يمت بصلة إلى الجبهة غير معترف به، إن كنا ديموقراطيين حقا (نعترف بالحق في الاختلاف والخلاف) وننشد الحرية حقا (كمبدأ لنا ولغيرنا)؟
يقول أصحاب الميثاق ما يقولونه، من دون أن يلاحظوا تناقضه مع بقية بنود ميثاقهم، الذي يقول في مادته الخامسة “… ثورتنا أثبتت أنها ثورة حضارية”، وفي مادته الثانية: “ثورتنا وطنية شعبية شارك فيها كل الشعب السوري” قبل أن يضيف خطأ “وليس لها أي أجندة دينية أو عرقية أو حزبية أو اثنية أو سياسية”.
هل يعقل أن تكون ثورة وحضارية إن كانت تتنصل من السياسة، وتخلو من أية أجندة: دينية كانت أم حزبية أم اثنية؟ هل الثورة من صنع ملائكة، وما العيب في أن يكون في الثورة حزبية وسياسة ودين ومطالب إثنية؟ وأين رأى الإخوة الذين كتبوا الميثاق، ثورة كالتي يصفونها في العالم وخلال تاريخه الطويل؟
ألا تضعف الثورة وتمهد لفشلها هذه النزعة إلى إقصاء الآخرين، التي تضع أصحابها في مواجهة من ليسوا من جماعتهم، وتخلق تناقضات حيث لا يجب ولا يجوز أن تكون، في مرحلة تتطلب العمل بالمشتركات وتجميد الخلافات في المجال العام، مع الإقرار بحق أصحابها في التمسك بها في عملهم الخاص، إن كانت لا تترك آثاراً سلبية على العمل المشترك.
ليس صحيحا ما قاله الأخ الإسلامي حول طابع الثورة، إلا إذا كان يتبنى أطروحة النظام حول هوية الحراك الشعبي، بدليل أن لافتة إسلامية واحدة لم ترتفع إلى اليوم في أي مكان من سوريا، رغم مضي قرابة ستة أشهر على الأحداث، وأن أي تنظيم لم يعلن عن نفسه كتنظيم إسلامي، وأنه لا يوجد إلى اللحظة برنامج إسلامي للحراك أو لجزء منه، ولم يفصح أي تنظيم عن أسماء قادة إسلاميين يديرون “الثورة”، ولم يوزع أي بيان باسم تنظيم كهذا. إن مسلمي البلاد ليسوا إسلاميين، وبرنامجهم الحرية والمواطنة والدولة المدنية!
وليس صحيحا أن يستأثرجماعة الميثاق بالثورة اليوم، ويعدوا بـ”منع الأحزاب الدينية والعلمانية التي تورطت بسفك الدم السوري من أي نشاط مستقبلي علني أو سري في سوريا، حتى إن غيرت أسماءها أوبرامجها السياسية أو أشخاصها”.
إذا غيّر حزب اسمه وبرنامجه وأشخاصه، فماذا يبقى منه؟ وكيف يمنع عندئذ من ممارسة أي نشاط سري أو علني، إلا إذا كان هؤلاء السادة يريدون إبقاء سوريا معسكر قسر واعتقال وقمع؟ لو كان هؤلاء ديموقراطيين حقا، لقالوا: تضمن سوريا الديموقراطية حق وحرية العمل السياسي لجميع المواطنين بمن فيهم أعضاء حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي سيتمتع كغيره من الأحزاب بحماية الدستور والقانون، ولن يفرض عليه أي قيد يحد من حريته في العمل العام السلمي، في إطارهما وبضمانتهما.
قال الشاب الذي تحدث باسم الشعب واحتكر ثورته لجماعته، مع أنه لم يذكر اسمها فنعرف ما هي وماذا تمثل حقا في الشارع ومنه: إن السلاح سيستخدم في الدفاع عن الشعب. بينما يتصاعد صوت الكتائب والجيوش الحرة ويعلن عن مجالس قيادة ثورة في أماكن متفرقة.
إن السلاح أيها السادة هو مقتل سوريا وحراكها ومستقبلها، ورهان من يخططون لزجها في حرب أهلية واقتتال طائفي. ألا ترون أن السلاح لا يحل أية مشكلة؟ ألا يحمل البلد مشكلات لا طاقة له بحملها؟ وأنه لو كان يحل مشكلة، لكان النظام قد تخلص من التمرد الواسع الجاري في سوريا؟
يبدو أن من يدعون إلى السلاح لم يفكروا بمعنى السلـمية، ولم يدركوا أنها سر بقاء الحراك، وستكون أساس أي حل، وأنها هي التي جلبت لهم هذا التأييد الدولي والتعاطف الشعبي الداخلي والعــربي، وهي التي تظهر ما يَسِمُ مطالبهم من تفوق أخـلاقي وتوازن إنســاني، وتحفظ الوحدة الوطنية وتحول دون نجاح محاولات التطييف وإشعال حرب أهلية، وهي التي تعطي الناس القوة الروحية الكافيــة للإصرار على حقوقهم، رغم ما يكابدونه من آلام ويعانونه من صعوبات، ويتعرضون له من أذى وموت.
سيدمر السلاح هذا كله، وسيؤدي إلى معركة ينتصر فيها من يملك سلاحا أكثر، ولديه الاستعداد لممارسة عنف أشد. إذا استخدم السلاح، تحولت المعركة من صراع في سبيل حقوق إلى همجية لا هدف لها غير قتل الآخر، بعد أن ينسى المتقاتلون أنه يبقى في جميع الأحوال والظروف مواطناً سورياً لا بد من الحرص على حياته، ومنع انتهاكها بأي شكل وتحت أي مسمى، خاصة أنه شريك في الحاضر والمستقبل، وأن بلادنا لن تكون بدونه ما هي عليه اليوم: سوريا الغالية التي نحبها ونريدها حرة ولجميع أبنائها، التي لن يقوى شعبها على البقاء إذا قتل السلاح عقولنا وأرواحنا قبل أجسادنا، بل سينقلب إلى مزق متنافرة متصارعة متنافية لا تساوي شيئا، ولا يقبل أحد الانتماء إليها.
لا للسلاح، نعم للسلمية والسلام والمسالمة، نعم للشعب الواحد، الذي لا تفرقه طوائف وتمزقه سياسات ويفسد روحه عنف ويقتله التباغض والتناحر. وخير ألف مرة للمرء أن يكون مقتولا مظلوما من أن يكون قاتلا ظالما.
- تصاعدت في الآونة الأخيرة ضغوط استهدفت إجبار الحراك على أن يتمذهب، قابلتها أصوات بدت وكأنها استجابت لها، ستحدث في حال نجاحها – لا قدّر الله – نقلة نوعية في طابعه وأهدافه وقواه، وستلعب دورا كبيرا في رده إلى الوراء: إلى حال تشبه الحال بين عامي 1978-1982، عندما همشت الحركة المسلحة الشعب وخاضت معركتها على أسس مذهبية/ طائفية، كان من الحتمي أن تؤسس لموازين قوى أفضت إلى هزيمتها.
ليست معركة سوريا اليوم ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن تصير دينية أو مذهبية أو طائفية. سوريا تريد الحرية، ومن يحرفها عن هذا الهدف الجامع يخنها ويفرط بتضحياتها وفرصها، مهما كانت مسوغاته.
لا عجب إذاً في أن رهان خصومها ينصبّ بأسره على دفع مجتمعها الأهلي إلى أقصى درجات التطرف: كأن ينساق وراء الدعوة إلى السلاح أو المذهبية، ويضيع فرض نجاته بالعقلانية والواقعية وسياسات العقل والقلب المفتوح واليد الممدودة إلى بقية السوريين، والالتزام المطلق بوحدة الشعب والدولة والمجتمع، لأنه لا معنى للحرية، ولا محل للديموقراطية خارجها أو بمنأى عنها.
ويبقى أخيرا هذا التسابق الأخرق إلى تأسيس منظمات متناحرة ومجالس قيادة ثورة متنافسة وجبهات تحرير متصارعة، بينما الوضع على الأرض مليء بالمشكلات والتحديات، التي تتطلب حلولا مبتكرة تخرجنا من أزمة لا يعرف إلا الله وحده كيف، وإن كنا، سنخرج منها فعلا.
كلمة أخيرة: ليس هناك مشكلة أكبرمن التي تواجهنا في هذه الأيام. وإلى أن نخرج من الأزمة الراهنة. من كان لديه مفيد يقوله حول هذه الفترة، فليطرحه على الناس، وإلا فلنكف جميعا عن تحرير سوريا بالبيانات والمواثيق والمجالس الوطنية الانتقالية، وخاصة بهذه الأخيرة، التي أطلب بالمناسبة إلى من يؤسسونها أن يبقوا اسمي خارجها، لأنني لن أقبل أن أكون في أيمنها، لأنني لا أبحث عن موقع بل قمت طيلة حياتي بدور، ولا أريد أن أكــون في أي يوم فـوق، بل لن أبقى دقيقة واحـدة في دمشق إذا ما انتــهت الأزمة على حرية، بل سأذهب إلى قرية “كسب”، في أقصى شمالي غربي سوريا، حيث سأستمتع بأيامي الأخــيرة في هـدوء، بين الأصدقاء الذين أحبهم، بانتـظار أن يأخذ رب العالمين أمانته. “نقلاً عن صحيفة السفير” اللبنانية
“لا تزايد على المسيحيين يا ميشيل كيلو, وتوقف عن الدفع نحو المجهول من المخجل بمثقف أن يقبل بدور حصان طروادة دافعاً السوريين ليكونوا كاحل أخيل لأعدائهم”
مطرانية دمشق المارونية
“لا ريب أن محاولة أهل الكنيسة من ثني الرد على دعوة المثقف ميشيل كيلو في دعوة المسيحية للعقل أخرتني عدة أيام عن كتابة هذه الأسطر.
لكن حرصي على حق السوريين في سعة الرؤية, وسلامة المعيار في الحكم أبت أن تمنعني من واجبي في تنبيه أبناء قومي من حيل أوهام النخب المثقفة وطغمتهم, الذين قرروا الانخراط بقوة في الصراع على السلطة بعد أن ضاقوا إفلاساً ويأساً من القدرة على بناء المجتمعات المدنية. فقررت هذه النخبة الانتقال من القضايا الإنسانية الكبرى ذات الأرباح الشخصية المجانية إلى قضايا المصلحة الشخصية الصغرى ولكن لربح السلطة الكبرى, ليتجلى هذا الانقلاب على القيم والمعايير, وتزوير الوقائع, وتشويه التسميات والمصطلحات, فتباع الأفلام للمطامح والمطامع في السلطة والشهرة بدلاً من منحها للحقيقة, ممارسين الدعارة الفكرية مسمين إياها “ثقافة”, والإرهاب “حرية”, والعبودية “انتماء”, والتكالب على السلطة “ثورة”, والإصلاح بما يحمي الهوية والوجود “خيانة” والكثير مما شابه…
لا أستطيع أن أفهم كل هذه التمويهات والتشويهات المعرفية إلا وفق احتمالين من التفسير إما الجهل وهو مستبعد عن مثقف بسمعة ميشيل كيلو أو الكيدية وتصفية الحسابات المحملة بطموحات السلطة الموعودة.
فكاتبنا ما برح يتأرجح يغير تموضعه من معارض علماني ديمقراطي إصلاحي يضع سوريا أولاً –بغض النظر عن هوية وانتماءات السلطة فيها متخذاً من الأداء وخير الوطن معياراً- إلى طرف رئيسي يتهافت إلى مكان في السلطة المرتقبة على حساب الوطن منتقلاً من منطق التعددية إلى ترهينها بسطوة العددية والتي أدعوه لقياسها من جديد.
فبدأ كيلو إجهاض مسيرة التغيير والإصلاح الحقيقي عندما نأى بنفسه عن طاولة الحوار الوطني, والذي لم ولن يكن لسوريا مخرج سواه فإما أن ندخل إليه حالاً وإما أن ندخل إليه ونحن ملطخين بدم آلاف الشهداء.
وأخطر ما في انقلابات أحوال كاتبنا هو انقلابه على قيمه في الحرية, ومشروعه في العلمانية المواطنية, الذي طالما احترمناه من خلالهما, ذاهباً باتجاه تخوين معظم السوريين المسيحيين, واتهامهم بالسلبية والرقص على جثث الشهداء, رغم أن للمسيحيين حصتهم منهم مغفلاً أن أغلب الراقصين في حينا هم من أخوتنا المسلمين –الا إذا كان للكاتب شرعية منح الإسلام للبعض وحجبه عن آخرين- وأقول له أنا شخصياً ونحن ككنيسة لسنا مع الاستثمارات الشعبية لرجال الأعمال كالسيد “قنبض” وسواه, ولكننا نفهم مشاعر هؤلاء الفتية الذين يريدون أن يقولوا للموت ولمحاولة شل البلاد “لا” نحن مستمرين في الحياة.
فصاحب الدعوة المحترم لم يكتف في انعطافاته من دعوتنا بالجهلة والخونة وشركاء الاستبداد, مطوراً أدبياته لينعتنا “بلاعقي الأقفية”, بل ذهب إلى أبعد من ذلك ليدعونا لتيسير حراك التاريخ المتصاعد, مبشراً بسماحة الإسلام السياسي, مانح الحريات الذمية, وواهب الكرامات الاستذلالية, كافينا شرفاً حق الوجود الزاحق على مثال أقباط مصر وكلدان وسريان العراق ومسيحيي غزة والقدس, ناهيك عن التآكل المستمر لرقعة الفعالية المسيحية في لبنان والتي بدأت مع الطائف ولم تنتهي بعد.
وأكمل المسير بتزوير التاريخ رافعاً دافعية المسيحيين نحو استحسان الذمية الذليلة في حاضنتنا الإسلامية, بدلاً من حريتنا وحريتهم الكريمة في حاضنتنا الوطنية, متهماً المجتمع المسيحي برهاب مرضي من الإسلام السياسي مسقطاً من ذاكرته المعرفية المجازر التي ألقت بظلالها على التاريخ والديموغرافيات, بدءاً من مذابح دمشق عام 1860 والتي من أهم أسبابها “مرسوم همابوني” الذي أصدرته الدولة العثمانية تحت ضغط الغرب لمنح الأقليات بعضاً من حقوقهم الاجتماعية والإدارية “كالتوظف في الدولة”.
فتحركت الأحقاد وصدرت الفتاوى ليقتل ويهجر ما يزيد عن 15% من سكان دمشق والتي كانت ستطال بنارها كل المدن السورية الداخلية لتتبعها مجازر الأرمن والسريان ومذابح الكلدان والآشور في شمال العراق وصولاً إلى ما بعد صدام وأقباط اليوم, ناهيك عما جرى لمسيحيي السودان الذي رفضوا الخضوع لأحكام الشريحة الإسلامية, وهنا يخرج لدينا قائل ذمّي ليقول إنها يد الغرب والصهيونية, نقول له نعم ولكن ما كان ليكون هذا التدخل الخارجي لولا الطائفية القابعة في النفوس.
أرجو ألا يفهم ذكري لهذه الحوادث أنها من باب الإزكاء لغرائز التعصب الطائفي, ولكني أؤمن أن ما من مصالحة حقيقية –ادعى الكاتب أنها من أهداف دعوته- بدون مصارحة وفهم عميق للعناصر المكونة لهه الأحداث.
وهنا أتسائل مع القارئ مالذي تغير في المناخ والأرضية الاجتماعية والثقافية والسياسية وبالأخص الدينية عند شعوبنا حتى نستبعد هذا الهلع الغير مبرر على ماورد عند الكاتب.
أليس الدين هو المحابث الأعمق للمجتمع العربي ببنيته الإثنية والعشائرية والديموغرافية, وبالتالي هو المعاير الأساسي والدافع المباشر لاستحواذ السلطة والصراع الدموي عليها ورسم تراتبية الآخرين منها.
أليس هذا هو الحال على لمستوى الإسلامي – الإسلامي, ألم ينتج معيار (الإسلام الصحيح) من سواه أقليات إسلامية مشغولة منذ وجودها في التاريخ في إقناع الآخرين بصحة إسلامهم فكيف الحال بغير المسلمين من النصارى مثلاً, أليست هذه المعايير من حدت بإمام مكة إلى تكفير العلويين والدروز والإسماعيلية واستباحة دماءهم وأعراضهم وأموالهم, اليست الذهنية ذاتها مما يزيد على ثمانية قرون مضت دعت شيخ الإسلام ابن تيمية لتجريد حملة مملوكية على جبال كسروان في لبنان للقضاء على الكفرة والزنادقة من الشيعة والعلويين والدروز أو يتوبوا ويعودوا للإسلام الصحيح, أليس هذا ماتجسد على ساحة الأزمة السورية فيما شهدنا من شعارات للماضي وبما وقع من أحداث, الم يكن ذاك الوعي الشفي الموصوم بمنطق الغلبة, مستلباً الحاضر للماضي ليؤمن استمراره في المستقبل هو الحاكم فيما شهدناه من فعلٍ ورد فعل في ال1بح على الهوية في حمص وبانياس, ألم ترجعنا الفتاوى التي سمعناها في استباحة الأعراض لسبي ما يزيد عن ألفي دمشقية مسيحية كريمة أثناء مجازر دمشق.
كل ما أوردته يا حضرة المثقف لأقول لك أننا أمام الأرضيات والذهنيات الشقية ذاتها التي تنهل من الدوافع والغرائز عينها, رغم تقدم الزمن وتغير الأدوات والأداء.
نعم لكل هذا هناك هلع ورفض وهنا أتوجه بالسؤال إليك, ما الذي قدمته أنت وسواك من الثوار لتطمئنوا هذه الشرائح التكوينية من الشعب السوري… ما هي البرامج التي قدمتموها لنا احتراماً للعقل الذي تدعون إليه !!! وماهي رؤيتكم ؟ والأخطر من هذا كله من أنتم ؟؟ لماذا تستسهلون قصر الكرملن والبيت الأبيض وتجوبون العالم لتسويق أنفسكم وأنا السوري لم أسمع عنكم وعن انتماءاتكم إلا من مبعوث روسي أو أمريكي, هل يستحي شركاءك من الإخوان المسلمين أن يكشفوا لنا عن هويتهم وتاريخهم السياسي المجيد؟
في ضوء كل هذا من منا أهان العقل وأبعده عن الحضور, أم أن منطقك القائم على ميزان الربح والخسارة كما ذكرت في مقالك, هو من حدا بك للقفز إلى الصفة الأخرى بعد إفلاسك في الشارع العلماني والوسط المسيحي الذي يؤمن بالدولة العلمانية التي لا تقحم فيها الله لقيصر ولا تعطي فيها قيصر سلطة الله, ألم يكن من الأجدر بمثلك أن يعمل العقل في الشريحة المستهدفة بالخطاب العلماني لتتوجه لإقناع أبناء الدين السياسي من المسلمين وسواهم أن العدل أساس الملك, وأن لا دولة ولا وطن بدون المساواة بينهم وبين أخوتهم من الأقليات الإسلامية والمسيحية, فاخترت تبني المدنية الإسلامية بحسب وثيقة الأزهر ليبق كل أبناء الأقليات تحت وطأة لعنة التاريخ, يدفعون جزيتهم من حقوقهم السيادية فلم نسمع صوتك أو أحد شركائك في السعي لتعديل المادة الثالثة التي تحدد دين رئيس الدولة ومصادر التشريع والتي لا تقل سوءا وأذى عن المادة الثامنة لسلامة الحالة الوطنية.
أما نحن أعوان الاستبداد كما أسميتنا وأنا شخصياً منهم قمت بالمطالبة العلنية وعلى وسائل الإعلام السورية وأنا أكررها في مقالتي المنشورة بتحميل النظام مسؤولية الضبابية في الأحداث وعدم الشفافية الإعلامية وبتحرير الدولة من وطأة حزب البعث ونأيه عن السلطة طالباً التعددية الحزبية والحرية الإعلامية واستقلال القضاء والأهم فك القبضة الأمنية عن مفاصل الدولة والمجتمع, ومكافحة الفساد ومحاسبة المفسدين وميزت ما بين إصلاحيين في السلطة وسلطويين نفعيين ومابين إصلاحيين في المعارضة وانقلابيين سلطويين تحركهم الأحقاد والطائفية.
أما بما يخص سواي من الإكليروس من يستطيع حجب الرؤية عن نضالات الأب الياس زحلاوي على مدى سنين خدمته في سبيل الوحدة الوطنية ورسائله الدفاعية عن المسلمين قبل المسيحيين بروحه الدمشقية وما قولك بالموقف البطولي للمطران لوقا الخوري الذي طرد السفير الأمريكي والفرنسي الذي ينبطح أمام طاغوتهما رؤساء الدول.
ولعل انشغالك بميزات الربح والخسارة لم يسمح لك بقراءة بياناتنا المستنكرة لدعوة حرق القرآن الكريم ناهيك عن بطولة المطران كبوجي مطران القدس في المنفى وهو يواجه الصهاينة على ظهر السفينة مرمرة, وأعتقد أن مشاغلك لم تسمح لك بقراءة مقالاتنا ووثائقنا الكنسية عن العلمانية الإيجابية التي تخليت أنت عنها.
نحن لم نفق مع النظام فنحن كنا ومازلنا وسنبقى, من المعارضين لما كان والإصلاحيين لما سيأتي لأننا نفق مع سوريا وموقعنا من الآخرين يحدده موقعهم من سوريا, التي كانت وستبقى بما فيها من الحاضنة العربية الإسلامية, فاعلين في حراكنا ثابتين في توجهنا نحو سوريا علمانية ديمقراطية سيدة مستقلة أمينة لقوميتها.
لذا لا تزايد على أحد وتوقف عن الدفع نحو المجهول فمخجل لمثقف مثلك أن يقبل دور حصان طروادة دافعاً السوريين ليكونوا كاحل أخيل لأعدائهم.”
الأب طوني وردة
د
الوطن أونلاين21/09/2011
إلى ميشيل كيلو: كي يكون المسيحيون بخير
غيفارا شليل – صحيفة السفير
سرت في جسدي قشعريرة عندما قرأت مقال السيد ميشيل كيلو المنشور في «السفير» بتاريخ 13 آب الجاري تحت عنوان «دعوة المسيحية إلى العقل»، الذي يتحدث عن التعاضد والتكاتف بين الطوائف في الماضي. وأعادني بالذاكرة إلى الوراء سنوات طويلة، عندما كنت صغيرة وكان والدي يحدثني عن الماضي حيث قال لي إن والدته عادت مرة من المرات القليلة التي ذهبت بها إلى المدينة معفرة بالتراب ومليئة بالرضوض، هي ومن معها، لأن أهل المدينة تهجموا عليهم وضربوهم، عندها سألته بتعجب… لماذا؟ قال لي لأنهم يعرفون من زيّها طائفتها فسألت أيضاً لماذا؟ قال لي ان الأقليات الدينية كانت مضطهدة في ذلك الزمن. وفجأة عدت إلى الواقع وقرأت المقال مجدداً وتساءلت لماذا يقارب كيلو الأمور بهذه الطريقة وما هو دافعه؟ خصوصاً عندما طلب من المسيحيين الوقوف مع الجماعة حيث الجماعة تحكم وهم يسيرون خلفها ويدفعون لها الجزية لدعم بقائها، فهل يطلب خلافة على شاكلة تركيا؟ وهل نسي ان الطريقة التركية مبطنة بخلفية علمانية غير موجودة في شرقنا؟ وهل نسي ان حكام تركيا حاولوا إزاحة هذه الخلفية ولم يستطيعوا لأن المجتمع التركي، بكل طوائفه، حافظ على أتاتورك ولم يتخلَّ عنه، وإلا كان الواقع غير ذلك تماماً، فالمجتمع المدني الذي يتحدث عنه كيلو لن يقبل بأفغانستان طالبان مرة أخرى، فالمرأة تريد أن تدير محرّك السيارة وتقودها بنفسها وتسير بها من دون التوقف. أما الذي لفتني كثيراً، فهو رأيه بهجرة المسيحيين من العراق ونسيانه هجرتهم من فلسطين سابقاً، حيث هجّرهم العدو الصهيوني، وهو كذلك يغذي «مجانين الإسلام» كما وصفهم كيلو ليدفع بهم إلى الهجرة من العراق، وليس نظام صدام الذي كان المسيحيون على سوئه وفي زمنه معززين مكرمين مستقرين في بلدهم. فالذي هجرهم الاحتلال الأميركي للعراق. وللتذكير، فإن من تبرع بفكرة إرسال بواخر لنقل المسيحيين في لبنان في بداية الحرب الأهلية، هو الأميركي نفسه.
إن المسيحيين والأقليات، بمختلف طوائفهم، سيرقصون لبقائهم، وكذلك سيفرح الإسلام الوطني والقومي وكذلك العلماني والتقدمي. سيرقصون معهم لأنهم بكل بساطة لن يقبلوا بعراق جديد ولا صومال جديد ولن يتناحروا طائفياً ومذهبياً ليقسموا بلادهم إلى دويلات صغيرة، بل سيتصدون، بكل أطيافهم، إلى الهجمة الأميركية الشرسة.
لذلك أدعوك، بمحبة، للوقوف معهم لحماية المنطقة برمتها من التقسيم إلى دويلات متناحرة.
معارضو الداخل السوري يرفضون الانضمام إلى المجلس الوطني
أ . ف . ب
أكد الكاتب ميشيل كيلو لوكالة فرانس برس اليوم (الخميس) أن معارضي الداخل الذين اجتمعوا في منتصف سبتمبر/ أيلول قرب دمشق لا ينوون الانضمام إلى المجلس الوطني السوري الذي أعلن تأسيسه في اسطنبول لأن هذه الهيئة منفتحة على فكرة “التدخل الأجنبي”
وقال كيلو في مقابلة في منزله في دمشق إن “المعارضين المجتمعين في المجلس الوطني يؤيدون تدخلاً أجنبياً لحل الأزمة في سورية بينما المعارضون في الداخل هم ضد” هذا التدخل.
وميشيل كيلو (71 عاماً) من أهم شخصيات المعارضة لنظام البعث الحاكم في دمشق منذ 1963.
وقد سجن من 1980 إلى 1983 ثم من 2006 إلى 2009.
وقال “إذا قبلت فكرة التدخل الأجنبي فسنذهب باتجاه سورية موالية لأميركا وليس باتجاه دولة حرة وتتمتع بالسيادة“.
وأضاف أن”;طلب تدخل أجنبي سيفاقم المشكلة لأن سورية ستدخل في عنف مسلح والطائفية ونحن في الداخل نعارض ذلك”.
وتضم اللجنة الوطنية للتغيير الديمقراطي التي اجتمعت في 17 ايلول قرب دمشق “قومية عربية”; وأكراداً واشتراكيين وماركسيين وشخصيات مستقلة مثل ميشيل كيلو والاقتصادي عارف دليلة.
وانتخبت اللجنة مجلساً مركزياً يضم ثمانين عضواً 25 في المئة منهم من “الشباب الثوريين”; الذين أطلقوا الحركة الاحتجاجية.
http://all4syria.info/web/archives/29967
سرعة بداهة المصالح تتواصل بسرعات مختلفة بحسب صلاحية اجنحة المصالح للطيران
وكلما كانت الأجنحة مجربة ويثق بها عامة الناس عبر العصور والمجتمعات كلما كانت مبادهتها اسرع..
بحيث يمكنناالقول بوجود أربع اجنحة مجربة
-#1أجنحة تجربة غير قابلة للتدقيق لاتطير!
-#2أجنحة تجربة مغلقة التدقيق تطير بصعوبة
-#3أجنحة تجربة مفتوحة للتدقيق تطير بسهولة
-#4أجنحة تجربة مدققة كونيا تطير برقيا
—————-
إذن, لنتخيل اجنحة سرعة البداهة بمثابة بساط او طائرة تحمل المصالح
فيكون لدينا
1- بساط لايطير أو اجنحة لايمكن تجريبها النتيجةسرعة بداهة مدقرة! متوقفة ..لاتطير
2- بساط يطير بصعوبة أواجنحة تجربة خاصة مغلقة تطير بصعوبة
3- بساط يطير بسهولة اوأجنحة خاصة مفتوحة للتديقيق
4- بساط يطير برقيا..أو اجنحة حيوية تطير بطلاقة كونية
وعليه كل مصالح تطير بسرعة بداهة تتختلف بحسب قدرة أجنحةالطيران التي تتواصل بها
ولذلك:
1- يمكن تعربف المصالح المعروضة ب”المصالح الطائرة”
2-يمكن تعربف وسرعة البداهة بالأجنحة الحاملة
أولا: المصالح الطائرة: “أعود إلى السؤال: هل انتصار النظام السوري ممكن؟ وأجيب بـ«نعم» صريحة. إن انتصار النظام محتمل تماما، إلا إذا ارتكبت قيادته قدرا كبيرا من الأخطاء على غرار ما تفعله الآن، وارتكب الشعب، بالمقابل، قدرا أقل منها. عندئذ، ستتوفر للمحتمل والممكن شروط تحققه ويصير واقعيا.”
ثانيا: الأجنحةالحاملة:اجنحة مفتوحة تجريبيا بقريمةاعتماد لغة احتمالية تجريبية
ثالثا:سرعة بداهة المصالح : سرعة بداهة كافية للطيران يسهولة
لأسباب هي : كون أجنحة توصيل المصال مفتوحة للتدقيق
——————————————-
الاطلاع على مجمل المصالح التي يعرضها الصديق ميشيل كيلو في مقالته التالية يؤكد كونها – على وجه التقريب- تطير بأجنحة سرعة بداهة كافية
ميشيل كيلو يتحدث عن ……هل سينتصر النظام السوري !؟
ميشيل كيلو : الشرق الاوسط- 2012/01/25
بمعيار الممكنات، فإن احتمال انتصار النظام وارد تماما. ولكي لا يصير واقعيا، أي كي لا تتحقق لهذا الاحتمال العناصر الضرورية التي تجعله يتحقق، لا بد من التسليم بإمكانية حدوثه والعمل ضدها بوعي وتصميم في آن معا، كي لا تنتقل من طور الممكن – المحتمل – إلى طور الواقعي المتحقق. مثل هذا القول ينطبق على انتصار الثورة الشعبية، الذي هو احتمال لا بد من خلق شروط تحققه كي يصير واقعيا بدوره.
أعود إلى السؤال: هل انتصار النظام السوري ممكن؟ وأجيب بـ«نعم» صريحة. إن انتصار النظام محتمل تماما، إلا إذا ارتكبت قيادته قدرا كبيرا من الأخطاء على غرار ما تفعله الآن، وارتكب الشعب، بالمقابل، قدرا أقل منها. عندئذ، ستتوفر للمحتمل والممكن شروط تحققه ويصير واقعيا.
ماذا يفعل النظام كي ينتصر؟ إنه ينتقل من مواجهة الداخل إلى محاولة احتوائه، استنادا إلى توازن قوى قائم منذ أشهر بينه وبين الشارع، مستعينا على ذلك بالحل الأمني: ركيزة أي سياسة رسمية وأي حل محتمل. إلى هذا، إنه ينقل الصراع من قتال ضد عصابات مسلحة إلى مجال الحرب ضد الإرهاب، لاعتقاده أنه قد يكسب بذلك التأييد الدولي عامة والغربي خاصة، وينجح في إحداث تحول في مواقف العالم يبدل الأوضاع لصالحه، ويرسي أساسا سياسيا، دوليا وإقليميا، لإخراجه من حالة الانسداد الراهنة، التي صار من الجلي أنه لا يقوى على الخروج منها بقوته العسكرية وحدها.
إلى ما تقدم، يتبع النظام دربا رسمه لصراعه يقوم على تطبيق الطرق التي يدير من خلالها داخله على علاقاته الخارجية، وهي تتلخص في آلية واحدة: «رفض تقديم أي تنازلات للغير أو عقد أي تسويات معه، وإجباره على قبول الموقف السلطوي بجميع مفرداته، عبر استخدام مفرط للعنف يأخذ شكل قمع مكثف في الداخل وأعمال قوة لا قيد عليها بدورها في الخارج». عندما يتعامل النظام مع المجالين الداخلي والخارجي، فإنه يستخدم ضدهما الأساليب ذاتها، التي تستهدف إجبارهما على التخلي عن مواقفهما والرضوخ لما يريده هو منهما. بذلك: يوضع الخصم أمام أحد خيارين: التراجع إلى حد القبول بما يفرض عليه، أو دخول معركة تضمر مخاطر جدية بالنسبة له، يجد نفسه مجبرا قبلها على اتخاذ قراره في شروط أعد لها بصورة مسبقة، ملائمة له وليست كذلك بالنسبة إلى الخصم.
إذا ما طبقنا هذه الآلية على الأزمة الراهنة، وجدنا أن النظام رسم منذ بدايتها خطة تستند إلى رفض وإفشال أي حل داخلي بين الشعب وبينه، لاعتقاده أن حلا كهذا سيكون على حسابه، لكونه سينقل سوريا من سلطة حزبه الواحد إلى سلطة مزدوجة تجعل وضعها انتقاليا بمعنى الكلمة، كي لا يحدث هذا وتعود الأمور إلى الوضع الذي كانت عليه قبل 15 مارس (آذار)، يوم انطلاق التمرد المجتمعي الكبير، أفشل النظام محاولات الحل الداخلي التي تبنتها المعارضة.
واليوم، نراه يقوم بإفشال الحل العربي، حل الجامعة العربية، بعد أن بدأ عمله ضدها بخطوة أولى استهدفت إفراغها من مضمونها وتقييد مجالها الجغرافي والإجرائي – السياسي، وتحويلها من مبادرة تقول بسحب الجيش من المدن إلى ثكناته، ووقف الحل الأمني، وإطلاق سراح جميع المعتقلين على خلفية الأحداث الحالية، والتفاوض على مرحلة انتقالية مع المعارضة، إلى مسألة مراقبين يحق أو لا يحق لهم الدخول إلى أماكن معينة بحجة أنها رموز سيادية، هي في الحقيقة أماكن احتجاز المعتقلين وتعذيبهم ومواقع حشد القوى الأمنية والعسكرية، التي أخرجت بهذه الطريقة من رقابة الجامعة. وها هي بعثتها تجد نفسها مذ وصلت إلى سوريا محاصرة وممنوعة من ممارسة عملها، تعاني من أساليب مخادعة متنوعة، ومن تحريض المواطنين على أفرادها والعمل على إنهاء نشاطها، إلا إذا اقتصر على المهمة التي سبق أن حددها وزير خارجيته الأستاذ وليد المعلم، عندما قال: «إنها سترى المسلحين وهم يعتدون على الشعب». وليست الحملة الضارية التي شنها الرئيس الأسد على الجامعة غير تعبير عن الرغبة في رفض ما قد يصدر عنها، إذا لم يكن في صالح النظام، وفي التحضير للمرحلة ما بعد العربية من الصراع، معركة تدويله، التي تستعد بعض المعارضة لخوضها بعد الفشل المرتقب للحل العربي، الذي لم تراهن عليه في أي وقت.
تنتظرنا إذن أسابيع تحول مهمة في الأزمة السورية، يرجح أن تنتقل بعدها إلى مجال جديد سيشهد المزيد من العنف والتصعيد في الداخل، والمزيد من انخراط القوى الخارجية في الصراع. وقد بدأت بعض خطوط التطورات المحتملة ترتسم في أفق تصعيد العنف، الذي تم تبنيه منذ بداية الأحداث انطلاقا من مرجعية نظام ما قبل انتفاضة الخامس عشر من مارس، حين انتفضت كتل شعبية هائلة العدد مطالبة ببديل لا يرتبط مع النظام الحالي بأي صلة أو رابطة. وبالنظر إلى توازن القوى القائم منذ بضعة أشهر، وجوهره عجز النظام عن إخراج الشعب من الشارع، وعجز الشعب عن إسقاط النظام، فإن تغيير موازين القوى سيتوقف من الآن فصاعدا على نوع وحجم القوى التي سيدخلها إلى الميدان كل طرف من أطرافه، وعلى فاعلية أساليب وتكتيكات الصراع التي سيستخدمها. وقد كان واضحا من خطاب الرئيس الأسد أنه سيحول دور القوى العسكرية والأمنية من ضبط عصابات مسلحة إلى حرب ضد الإرهاب، بينما استعملت المقاومة الشعبية الإضراب العام لأول مرة، وحاولت تنظيم اعتصام دائم في ساحات المدن العامة، وأنزلت عددا غير مسبوق من المتظاهرين إلى الشوارع، وغطت مناطق لم تكن قد بلغتها بعد، وحركت مناطق من مدينة حلب، بعد أن أسست قيادة موحدة تضم المدينة الهادئة نسبيا وريفها الثائر بقوة.
هل سينتصر النظام؟ أعتقد أنه لن ينتصر، ما دام يتمسك بوضع بال وفات زمانه بوصفه مرجعية يريد فرض قبولها بالقوة على شعب يرفضها ويستميت كي يتخلص منها. ولن ينتصر من خلال إصلاحات جزئية، برانية ومحدودة، سيرفضها الجميع ليس فقط لأنها تأتي متأخرة جدا، بل كذلك لأنها ستبقي عليه وتغلق الباب أمام قيام نظام انتقالي بديل له. أخيرا، إنه لن ينتصر لأنه يحاول حل أزمة سياسية – اجتماعية – اقتصادية – ثقافية شاملة بوسائل لا تصلح إلا لتأجيج نيرانها، كل ما فيها عنف منفلت من عقاله، تطبقه قوى أمنية لم تنجح يوما في معالجة أزمات من هذا النمط.
هل سينجح الشعب؟ حتما، إذا لم تقده المعارضة الحزبية والمنظمة إلى طرق تحرفه عن سبيله إلى الحرية، لن تحول بينه وبين بلوغها في نهاية الأمر، لكنها تزيد من آلامه، التي لا يجوز أن يكون للمعارضة أي مهمة أخرى غير تخفيفها أو إزالتها!