إعلان دمشق الحيوي

الإعلان في دمشق عن قيام مشروع / معارضة ايجابية / فكرياً وسياسياً

دمشق 21/6/1989 – ا ف ب – تم في دمشق الاعلان عن قيام مشروع // معارضة إيجابية // فكرياً وسياسياً في اختتام ندوة السبت في المكتبة الوطنية (( مكتبة الأسد )) حول سبل بناء التوازن الاستراتيجي فكرياً وسياسياً .
وفي حديث لوكالة فرانس برس اليوم الأربعاء قال الدكتور رائق النقري مؤسس // مدرسة دمشق الحيوية // ومؤسس هذه المعارضة ، أنها تتضمن مستويين ، الأول يكون من خلال العمل على تجذير مدرسة دمشق الأكاديمية والبرلمان الحيوي الشعبي ، والمستوى الثاني تعميق المعارضة الحيوية .

يذكر أن مدرسة دمشق تضم باحثين ومفكرين من جيل ما بعد الاستقلال / 1946 / تمثل المعاني الحيوية التي تتجسد في دمشق بوصفها عبر التاريخ من أهم العواصم السياسية والثقافية ، إذ انتشرت عبرها المسيحية وفيها ترسخت الدولة العربية الاسلامية ، وهي عاصمة أول دولة في العالم الثالث تنال الاستقلال قبل الهند والصين على سبيل المثال ، ومدرسة دمشق أخذت على عاتقها بلورة صيغة سياسية ونظرية تتجاوز المأزق الذي يخيم على الحركات الثورية العربية والعالمية كافة منذ الستينات، وأصبحت تعرف باسم // المنطق الحيوي // .

وأضاف النقري أن هذه المعارضة تقوم على صيغة جديدة من العمل السياسي ، لا يعتمد على الكم والتحريض الجماهيري بل على استقطاب مجموعة من الباحثين الذين يستطيعون صناعة بدائل سياسية تطرح وتناقش علناً وتقدم للرأي العام وللسلطة بشكل يمكن في سوريا تعميق شعار التوازن الاستراتيجي الذي رفعه الرئيس السوري حافظ الأسد .

وعن تميز هذه المعارضة أجاب مؤسسها بأنها معارضة للنظام بدون أن تكون معارضة لقيادة الرئيس الأسد الذي يعد ضمانة لاستمرار الوحدة الوطنية والصمود أمام الكيان الصهيوني .

وتابع مؤسس مدرسة دمشق : المعارضة تهدف إلى تطوير إمكانيات تعميق الهامش الديمقراطي ، وتعزيز أجواء الانفراج الداخلي بلا استفزاز أو رخص .
وحول علاقة هذه المعارضة بأشكال المعارضة الكلاسيكية أجاب النقري : تتميز هذه المعارضة عن غيرها بأنها تدين كل معارضة تعتمد على عداوات السلطات العربية ، أو تستند على الأنظمة العربية، أو التي تستهدف تغيير الأشخاص من دون الأنظمة . أما نحن فلا نعتقد أن القصور قائم في الأشخاص بل في النظام نفسه ، والنظام المطبق في سوريا هو النظام نفسه المطبق في العالم الاشتراكي والدول التي يهيمن عليها حزب واحد ، وقد استنفذ هذا النظام أغراضه وهو موضع تساؤل في هذه الدول . والمعارضة الحيوية هي محاولة للخروج من هذا النظام بشكل يجنب المجتمع السوري التشنجات والتمزقات التي تحدث مع أي تغيير ، وأنا أعتقد أن شخص الرئيس الأسد هو الضامن لمثل هذا التطوير .

وعن كيفية عمل هذه المعارضة وبرنامجها قال النقري : سيكون من خلال استقطاب مجموعة من المفكرين والسياسيين الذين يلتقون على أرضية وطنية مشتركة تقبل (( النطق الحيوي )) كورقة عمل وتضم المجموعة إضافة إلى الحيويين باحثين ومفكرين عرب ومسلمين ، ذلك أن المعارضة الحيوية لا تشمل الظواهر المعاشة في سوريه بل في المجتمع العربي بأسره .

وعن أهداف هذه المعارضة ذكر النقري : أنها تقوم على بلورة رؤى سياسية ونظرية واضحة قابلة للإنتشار الجماهيري كعقلية نقدية تستخدم // المنطق الحيوي // وهو المنطق المضاد للجوهر ولكل جوهر ثابت ، والذي بلورته مدرسة دمشق في مجموعة الكتب ، مع اعطاء الأولوية لفهم وتمثل التراث العربي والاسلامي والعالمي بشكل نقدي يسحب المبادرة من القوى اللاحيوية في تمثلها للتراث والعصر ويوقف الاغتراب والضياع .

وكذلك تهدف هذه المعارضة بحسب النقري إلى : افتتاح الحوار العربي / العربي ، والحوار العربي الاسلامي والعالمي ، وتعميق مسيرة حقوق الانسان في العالم العربي التي باتت ملزمة وممكنة في آن واحد ، كذلك تهدف إلى النضال ضد صيغ العمل الحزبي الذي ما زال يدور في منطق الجوهر ، ويقدم نفسه كجوهر يمثل القومية أو الطائفة أو الطبقة ، وكذلك النضال ضد قصور المؤسسات الثقافية والسياسية عن أخذ دور المربي والمحرض ، وأخيراً ضرورة مواصلة المقاومة لروح الاستسلام والركوع للهيمنة الصهيونية التي تنتشر في العالم العربي .
وعن علاقة هذه المعارضة بالجبهة الوطنية التقدمية في سوريا ، وهي مجموعة من خمسة أحزاب تشترك في السلطة ،، أوضح النقري : نحن لسنا ضد هذه الجبهة وعلاقتنا معها غير تنافسية بل نسعى إلى ابراز نواحي قصورها النظري والتنظيمي وصولاً إلى بلورة الميثاق الحيوي الذي ينظم من جديد صيغ العمل السياسي كمنهج تثقيفي وتنظيمي ، ولفك ارتباط وظائف الدولة العادية بالانتماء الحزبي .

وحول إمكان التطوير الديمقراطي للنظام أجاب النقري : إن الرئيس الأسد هو أول حاكم عربي استدعى الأحزاب الموجودة وأفسح المجال أمامها لتشارك في جبهة حاكمة ، وذلك منذ استلامه للسلطة عام 1970 ، وتابع : هدفنا الآن تجاوز هذه المرحلة إلى مرحلة أكثر ديموقراطية ، وقدرة على استحضار قدرات الجماهير التي لا تستطيع صيغة الجبهة الوطنية الحالية تحقيقها .

لم العمل من خارج الجبهة ؟؟ قال النقري : لأن الجبهة بحاجة إلى معالجة من الخارج وبشكل علني وشعبي غير رسمي ، لكي يتم الخروج من حال الجمود السياسي والسلبي واللامبالة التي تهيمن على الجماهير العربية عامة .

حضر الندوة حشد غير مألوف من المفكرين والباحثين والسياسيين وأساتذة الجامعات السورية ، ودار نقاش حام شارك فيه عدد من المفكرين منهم وهيب غانم من أبرز مؤسسي حزب البعث العربي الاشتراكي والذي خرج عن صمته ، والياس مرقص أحد مؤسسي التيار الماركسي العربي ومجموعة من باحثي مدرسة دمشق التي تشكلت بعد هزيمة حزيران عام 1967 منهم أحمد مصطفى و علي علي و أنور نزهه ومحمد الراشد إضافة إلى رائق النقري ..

وأكد المحاضرون في الندوة على أهمية الحوار العربي العربي وضرورة معالجة التراث معالجة حيوية جديدة وعلى ضرورة التقرب من قضايا العصر وأهمها قضية حقوق الإنسان .

رائق النقري من مواليد حمص في وسط سوريا عام 1947 يحمل دكتوراه دولة في الآداب والعلوم الانسانية من باريس حيث يعمل حالياً استاذاً محاضراً في جامعتها ، حاز على جوائز عدة في الفن التشكيلي وبخاصة في فن الحفر ، وصدرت له رواية منظار بلا عدسات عام 1966 ونهار عربي عام 1971 ، وكذلك صدرت له مجموعة من الكتب منها الايديولوجية الحيوية عام 1971 وكذلك المفهوم الحيوي للمسألة القومية عام 1971 والقانون الحيوي للكون عام 1975 والبرمجة السياسية الحيوية عام 1979

انتهى

قيل عن البيان الحيوي– نماذج–

مصدر رسمي سوري للشرق الأوسط

22-6-1989

أفكار ” مدرسة دمشق ” لا تعنينا

دمشق ـ ” الشرق الأوسط ” من وليد نجم :

صرح مصدر رسمي سوري كبير لـ ” الشرق الأوسط ” بأن التصريحات التي أدلى بها الدكتور رائق النقري لوكالة الأنباء الفرنسية لا تعبر إلا عن وجهة نظره الشخصية ولا تحمل معها أية توجهات حزبية أو حكومية .

وأضاف المصدر : الذي طلب عدم ذكر اسمه ، إن سورية عندما تريد أن تغير موقفاً أو خطاً سياسياً فإن ذلك يعلن عنه عبر الشخصيات الحزبية والرسمية وأجهزة الإعلام الرسمية وليس عن طريق رائق النقري الذي لا يتمتع بأية صفة غير صفته الشخصية .

وكان النقري قد أدلى أمس الأول بتصريحات لوكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب) ونشرت ” الشرق الأوسط ” ملخصاً لها أمس ودعا فيها إلى قيام معارضة سورية تعارض النظام ولا تعارض الرئيس حافظ الأسد .

وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن الدكتور النقري هو أحد مؤسسي مدرسة فكرية تضم عدداً من الباحثين والمثقفين ويطلق عليها اسم ” مدرسة دمشق الحيوية ” وتدعو إلى ما يوصف بـ ” المنطق الحيوي ” الذي تستند إليه أفكار حركة المعارضة التي دعا إليها الدكتور رائق النقري.

=====================================
ملاحظة صرح السيد وليد نجم مندوب جريدة الشرق الأوسط وقتها ان السيد عبد الحليم خدامم نائب رئيس الجمهورية العربية السورية هو الناطق الرسمي

Advertisements

رد واحد

  1. بيان إعلان دمشق الصادر مؤخراً.. لغة لم تخرج من ماضيها
    ديسمبر 7, 2009

    أبي حسن
    أصدرت الأمانة العامة لإعلان دمشق بياناً بتاريخ 1/12 من العام الجاري, اعتبرت فيه أن “انعقاد المجلس الوطني لإعلان دمشق في 1/12/2007 حدثاً استثنائياً في تاريخ المعارضة السوريّة, في سياق مكابدتها للاستبداد القابض على سوريا منذ ستة وأربعين عاماً. فقد اجتمع يومها في دمشق, وفي وضح النهار, مائة وسبعون مناضلاً ديمقراطياً من أطياف سياسية شتى ليقولوا: آن لسوريا أن تلج طريق الديمقراطية, وإن من حق السوريين أن يتنسموا عبق الحريّة الذي افتقدوه طويلاً”.
    بداية, نحبُّ التأكيد أن وجود المُعارضة عامة والسياسية منها خاصة, في أي مجتمع, هي من السمات الصحيّة والحيويّة لهذا المجتمع أو ذاك, وبهذا المعنى, فإن وجود المُعارضة حاجة مجتمعيّة قبل أن يكون غاية سياسيّة. نسوق هذا بمعزل عن رأينا في هذه المعارضة السياسية أو تلك داخل البلاد وخارجها, وبمنأى عن وجهة نظرنا في النظام القائم. وبالرغم من ملاحظاتي وتحفظاتي على المعارضة السوريّة الداخليّة, إلا أنني أضم صوتي إلى الأصوات المطالبة بإطلاق سراح معتقلي الرأي في البلاد, باعتبار أن المحاكمات التي خضعوا لها لم تكن نزيهة وعادلة في مجملها, وكانت في جوهرها سياسيّة, وبعضها كيدي وثأري لا يليق بإرث سوريا الحضاري. وكنتُ, وما زلتُ, آمل أن يصدر عفو رئاسي خاص يخرج بموجبه الأصدقاء والزملاء المعتقلين من سجونهم, خاصة من هم في إعلان دمشق, حتى ولو كانوا على خطأ في ما ذهبوا إليه, لاسيّما إن القاعدة تقول: “إن الشخص الذي لا يخطئ هو الشخص الذي لا يعمل”, وجلّ من لا يخطئ.الآن, إذا ما نظرنا في الفقرة آنفة الذكر من بيان الإعلان, سنجد فيها مغالطات عدة, عادة ما تقع فيها المعارضة السوريّة(والأصح تحب أن تقع فيها عادة) إبان تشخيصها للراهن السوري, فمثلاً, من جملة ما تقول: “في سياق مكابدتها للاستبداد القابض على سوريا منذ ستة وأربعين عاماً”, في إشارة منها إلى انقلاب الثامن من آذار وماتلاه. بيد أن الواقع المُعاش ينفي ما يزعمونه, إذ المتأمل في الراهن السوري اليوم, من المؤكد أنه لن يرى في سوريّا دولة ديمقراطية, لكنه في الوقت ذاته لن يشهد تلك الدولة المستبدة التي يصفها ويصورها بيان الإعلان وتتحدث عنها المُعارضة على مدار الساعة! وكاذب من يقول أن سوريّا ما تزال مملكة للصمت كما كانت الحال عليه سابقاً.
    وما يعرفه أصحاب إعلان دمشق جيداً, هو ما يتجنبون ذكره دائماً, ألا وهو: إن الذي جعل من سوريّا دولة أمنيّة تعيش استبداداً لا يطاق, في فترة من الفترات, هو ما شهدته البلاد من أحداث داميّة سببها بعض الإسلاميين المتطرفين, والتحالف الضمني(والعلني, أحياناً) لبعض هذه المعارضة مع ذلك التطرف الظلامي, وما تبع ذلك من أحداث تمثلّت بمحاولة اغتيال الرئيس الراحل حافظ الأسد, وأشياء أُخر لا داعي لذكرها في هذا المقام. وبغض النظر عما تيسر لنا الاطلاع عليه من أدبيات سياسية تعود إلى الفترة 1970- 1976, تؤكد لنا أن البلاد لم تكن تعيش ذلك الاستبداد الذي تصوره(وتصدره إعلامياً) المُعارضة, إن المفكّر الشهيد كمال جنبلاط يذكر ما نصّه: “وفيما يخصّ الحرية, فإن السوريين باتوا أكثر حريّة, ولا مراء, في سنوات حكم حافظ الأسد الست, مما كانوا في أيام سابقيه.”. (ص 229, “من أجل لبنان”. كمال جنبلاط. ط2. الدار التقدميّة- المختارة). وتصديقاً على ما نسوقه إن بيان “تل الزعتر”, وهو على سبيل المثال لا الحصر, أصدره مثقفون سوريون من داخل البلاد, ولم يتعرض أي مثقف منهم للاعتقال بسبب صدوره!.
    وبالرغم من حديث الإعلان عن الاستبداد, الذي لا يراه إلا في النظام السوري, فإنه يعتقد (واهماً) أن من اجتمع بتاريخ 1/12/2007 هم من عشّاق الديمقراطيّة, ذلك من خلال قوله: “فقد اجتمع يومها في دمشق, وفي وضح النهار, مائة وسبعون مناضلاً ديمقراطياً من أطياف سياسية شتى ليقولوا: آن لسوريّا أن تلج طريق الديمقراطية, وان من حق السوريين أن يتنسموا عبق الحريّة الذي افتقدوه طويلاً”. هل يريد أن يقنعنا الأصدقاء أن كل من اجتمع بغية المطالبة بالحريّة, بات مناضلاً ديمقراطياً, ويحترم الديمقراطيّة, وصار ديمقراطيّاً في أعماقه وسلوكه وتصرفاته, مع بالغ احترامنا لهم؟! طبعاً, سؤالي جاد, وتنبع وجاهته من خلال معرفتنا بأسباب الخلاف الذي دبّ منذ قرابة الثلاث سنوات بين الأستاذين الجليلين رياض الترك وعبد الله هوشه, وقد تابعنا بعض فصوله على موقع “الرأي” الالكتروني حينذاك, وشهدنا الديمقراطية التي كان يتحلّى فيها الأستاذ الترك, تلك “الديمقراطية” التي كانت إحدى أهم أسباب انكفاء الأستاذ هوشه عن العمل في الشأن العام, والله أعلم!. مع معرفتنا أن الأستاذ الترك(وأمثاله كثر), لا يرى الاستبداد متجليّاً, إلا في نظام البعث عامة والرئيس حافظ الأسد خاصة, في حين يغضون النظر كليّاً عن استبداد المعارضة وأمراضها شبه المستعصيّة على العلاج!. هل ثمة من يذكر في المعارضة أن رابطة العمل الشيوعي سبق لبعض قيادييها عام 1988 أن نصّبوا أنفسهم مكان أجهزة الدولة, عندما كادوا يعدمون أحد “رفاقهم الجواسيس” من خلال ضربهم المبرح له, ورميه –وهو على شفا الموت- في إحدى قرى غوطة دمشق؟!.
    طبعاً, الأمثلة على استبداد المعارضة والمعارضين, وفي طليعتهم نخبتها المثقفة, كثيرة جداً, وبعضه لمسته من خلال تجربتي الشخصيّة المتواضعة, ومعايشتي لبعض رموزها. لكن هذا لا ينفي وجود مثقفين ديمقراطيين حقيقيين في المعارضة عامة كالأستاذ مروان حبش, وإعلان دمشق خاصة كالأستاذ حسين العودات, وهما على سبيل المثال لا الحصر.
    وأياً يكن الأمر, حبذا لو تفيدنا المُعارضة السوريّة بسرّ “خلود” بعض زعمائها كأمناء عامين على أحزابهم التي تكاد تصبح عائلية جداً, كحزب العائلة البكداشيّة! مع فارق التفوق بالعدد لصالح العائلة البكداشيّة. ومدى تطابق ذلك “الخلود” مع الديمقراطية التي أنهكونا بكاء على غيابها!.
    وقبل أن نطوي هذه الصفحة, لا بأس من الإشارة إلى أن الاستبداد الماثل في الواقع السوري(بحسب رؤية بيان إعلان دمشق), ليس وليد النظام كما نعتقد, إنما هو الابن الشرعي للثقافة العربية(سبق أن تحدثنا مراراً عن هذا الجانب في غير مكان, و لاحاجة لتكرار ماسبق أن قلناه), تلك الثقافة التي اختزلها النشيد الوطني السوري أثناء قول واضعه: “فمنّا الوليد ومنّا الرشيد.. فلم لانسود….”, وضمن حدود معرفتي المتواضعة أن البشريّة لم تعرف خليفة عادلاً و”ديمقراطياً” أكثر من الوليد سوى الرشيد!. ولاحاجة في هذا المقام للحديث مجدداً عن تجارب خمسينيات القرن الماضي, وسذاجتها. هل ثمة من يذكر أن من أسباب موافقة الرئيس الراحل شكري القوتلي على الوحدة السوريّة- المصريّة, هي خروجه من فضيحة محاولته تغيير الدستور بغية التجديد لنفسه!؟. من ثمّ ماذا عن الاستبداد الذي عايشته سوريا في عهد الوحدة غير المأسوف عليه؟! لماذا لا يتحدثون عنه كبداية للاستبداد في تاريخ سوريّا الحديث عوضاً عن الثامن من آذار 1963؟!.
    من جانب آخر, سبق لإعلان دمشق أن انتقد النظام عقب انتهاء القمة العربية التي عُقدت في دمشق آذار 2008(مع ملاحظة إن كان ثمة أخطاء معلوماتيّة ومعرفية, فيمكن للمهتم الاستفادة من معرفة وحكمة السيد “عارف الحكيم” الذي نرجو أن يأخذنا بحلمه), متهماً إياه بسرقة اسم “إعلان دمشق” منه!. والمفارقة إن أول من استخدم اسم “إعلان دمشق”, هو الدكتور رائق النقري أواخر ثمانينات القرن الماضي! ذلك عندما طالب في ندوة في مكتبة الأسد في دمشق بتغيير النظام وبقاء حافظ الأسد على سدة الرئاسة؛ وقد كان ثمة موقف بائس للدكتور جمال الأتاسي من تلك الندوة, لا داعي لذكره الآن.أما بخصوص كون الانفتاح يخدم قضية التغيير السلمي(في سوريا) كما أشار البيان مُحقاً, فإننا نرى, إذا ما توخينا الإنصاف, تغييراً هادئاً ورزيناً في بنية السلطة والنظام الذي هو من يقوم فيه برويّة بعيداً عن الضجيج الإعلامي المبتذل الذي تهواه بعض المعارضة. وذلك التغيير من شأنه أن يزيل عواقب ما كنّا نخشاه في خلواتنا كسوريين. وأعتقد أن الكثيرين في المعارضة وسواها, يلحظون ذلك التغيير, لكن لا تسرّ, بعضهم, رؤيته على ما يبدو!. وللأمانة إن بشائر التغيير, الذي أعنيه, بدأت تلمع في سماء بلدنا من بعد أن خفت الضغوط الخارجيّة نسبيّاً عن النظام.
    “أكدّ الإعلان مراراً على ضرورة أن تعود سوريا إلى محيطها العربي, لأن في ذلك حصانة لها ولشعبها لا توفره أية تحالفات إقليمية ممكنة”. يحار المرء بفهم ما يريده البيان في هذه الفقرة بالضبط, وأحياناً يخال لي أنه يستخفّ بقارئه وبالمواطن السوري. إذ ما المقصود بالمحيط العربي؟ هل هي سياسات دول الإتباع(المسماة بالاعتدال؟), هل يقبل قادة إعلان دمشق أن يكون موقف سوريا(وموقفهم هم) من مقاومة الاحتلال الإسرائيلي كموقف الأردن ومصر والسعوديّة على سبيل المثال؟ هل يغريهم موقف تلك الدول من حرب تموز 2006 حتى ولو كانت تلك المقاومة عبارة عن ورقة مساومة بيد النظام, كما يصفها البعض؟.. حقاً هل يقبلون بمثل ذلك الموقف المتخاذل والمهين لمثل تلك الدول؟ من ثمّ ما هي المغريّات التي لا غنى لنا عنها كسوريين في ذلك المحيط الذي نفضّل القول عنه الجوار العربي؟, وبالرغم من ذلك ها هي سوريّا قد عادت إلى ذلك الجوار الذي نأمل أن يخدم مصالح العرب ومصالحنا.. في هذا السياق, أذكر أن أحد الأصدقاء اللبنانيين المحسوبين على تيار الرئيس سليم الحص, قال لي, ذات يوم من الشهر العاشر(ربما كان 25 منه) العام الجاري, عقب خطاب السيد خالد مشعل في دمشق من بعد أن اقتحم المستوطنون المسجد الأقصى, وقد كنتُ في لبنان: “صحيح أن النظام في سوريا ليس ديمقراطياً, لكن تصور, لو لم يكن النظام في سوريا قائماً لما قدّر لنا سماع ذلك الخطاب الذي يبكي الحجر ناهيك عن البشر!.. إن النظام في بلدكم صادق باحتضانه المقاومة.. إنه يحتضنها عن قناعة”.
    يتحدث الإعلان في بيانه عن سياسات النظام المغامرة, من دون أن يوضّح لنا مكامن المغامرة ومواضعها, قبالة رؤياه أن زيارة العاهل السعودي إلى دمشق قد تركت فألاً حسناً, بما من شأنه الإيحاء بأن نظام آل سعود هو النظام الذي يجب الاقتداء به, إذ هو نظام يجمع الحكمة البعيدة عن روح المغامرة, والإقدام والشهادمة(بدليل مواقفه من حربي تموز 2006, والعدوان الإسرائيلي الأخير على غزة), ناهيك عن انتمائه إلى العصر بشهادة تمكّن المرأة في المجتمع السعودي(!؟), عدا عن كونه نظاماً يتحاشى دس الدسائس والتآمر(صفة التآمر, من وجهة نظر غالبية المعارضة السوريّة, من اختصاص النظام السوري فحسب!)… الخ, بدليل عدم تدخله في حرب النظام اليمني ضد الحوثيين, على نقيض النظام الفارسي الذي يريد لنا وللعرب الشرّ من خلال تدّخله بقضايا المنطقة, لذا رأى البيان أن إيران من تتدخل في ظل غياب أي تدخل للسعوديّة وفق ما نستشف من تجاهل البيان للتدّخل السعودي!.. حبذا لو كان القليل من الإنصاف في هذه الرؤية المتصحرة –كتصحر العقل العربي- في طيات البيان.
    ثمة مطالب في البيان نتقاطع معه فيها ونشاركه إياها كالحديث عن الفساد وفضيحة المازوت.. الخ, وان كنّا نعتقد أن أكبر علّة في المعارضة السوريّة, ولتعذرني على صراحتي هذه, كائنة في أحقاد بعض رموزها(إن لم يكن معظمهم), تلك الأحقاد التي يطيب لبعضهم توريثها. وهي أحقاد تبعدهم عن الموضوعية والواقع, وبالتالي عن السياسة. وتلك الأحقاد هي التي تدفع ببعض المعارضة إلى التواطؤ, وهذا ليس تهمة قدر ما هو حقيقة, عندما أشرنا إليها في مقال لنا بعنوان “المعارضة السوريّة.. ما الذي تبقى؟ّ” انبرى للرد علينا بعض”ديمقراطييي” المعارضة السوريّة من دون أن يروا أية ايجابيّة في ما كتبنا(على ما يبدو إنهم يحبذون الولاء الأعمى). لكن, قد تكون من سخريّات القدر, أن من سيتحدث عن مثل ذلك التواطؤ هو موفق محايدين, إذ يعتقد, عقب حديثه الموجز عن الانشقاق النظري بين أتباع مدرستي ياسين الحافظ وإلياس مرقص, أنها لم تكن كمحاولة “بعيدة عن الغزو الأمريكي للعراق وانتظار كثيرين للمخلّص الأمريكي «الليبرالي» في بلدان أخرى, منها سوريّة…”. (موفق محايدين “بين مزايدات معن بشور ومزايدات مضادة من عبد الكريم الجباعي”. مجموعات بريدية. “كلنا شركاء”, 3/12/2009).
    بالعودة إلى مسألة الحقد, أضيف أني سألت ذات مرة الأستاذ الصديق مروان حبش أطال الله عمره: “لقد سجنت قرابة الربع قرن! ومع ذلك تكتب بصراحة تخلو من أي حقد شخصي أو عام, حتى ضد من سجنوك! كيف ذلك؟”, ابتسم ببراءة, وقال: ” إن السياسة لا تبنى على الأحقاد”. وقيل لي إن الأستاذ المربي عبد الكريم زهور, قد كتب ذات يوم من ستينات القرن الماضي, على صفحات جريدة “البعث”, مخاطباً الزعيم أكرم الحوراني, عقب خلاف الأخير مع البعث: “الحقد موجّه خاطئ في السياسة يا أكرم”.
    ختام القول: إن بيان إعلان دمشق الأخير, لم يخرج من عباءة ماضيه, تلك العباءة التي ترى وجهاً واحداً من وجوه الحقيقة والواقع, وتغضّ النظر عمداً عن أوجه أخرى, قد تكون مشرقة بأعين الكثير من السوريين.. “الحقد موجّه خاطئ في السياسة يا جماعة إعلان دمشق”, ولكم كل الاحترام.
    كلنا شركاء

    إعجاب

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: