د. عماد الدين الجبوري يلخص تطور المنطق بشكل جوهراني جزئيا!! ويتوقف عند ماقبل منطق الشكل الحيوي

– أن كلمة منطق من حيث الاشتقاق اللغوي تعني الكلام. وتاريخياً لا أحد يعرف من بدأ هذا الاستعمال، غير أن أرسطوطاليس (384-322 ق.م) هو أول من نظم المنطق بشكله التقليدي. ولذلك “عادة ما يُعتبر أرسطوطاليس كمؤسس إلى المنطق”1. حيث كان استخدام المنطق في طريقة الحوار المتبعة عند أفلاطون وسقراط وبقية فلاسفة اليونان من أجل الوصول إلى اليقين المعرفي. بيد أن أرسطو لاحظ بأن هذه الطريقة لا تصل إلى اليقين؛ ذلك لكونها لا تقوم على مقدمات واضحة بينة بذاتها. بل إنها تؤسس على آراء وأفكار عامة بين الناس وفقاً إلى تصوراتهم ومعتقداتهم الموروثة. بينما الطريقة العلمية التي يمكن بها أن تكون الأداة الصالحة في تقويم تلك الآراء والأفكار هي بواسطة الآلة (أورغانون). ومع ذلك فإن أرسطو لم يستعمل كلمة منطق في هذه الابحاث، بل كلمة “تحليلات” حيث قصد إلى تحليل الفكر إلى استدلالات؛ ومن الاستدلال إلى الاقيسة، ومن القياس إلى عبارات وحدود بغية الوصول إلى اليقين المنشود.
ويعتبر توليوس شيشرون (106-43 ق.م) أول من استعمل كلمة منطق في كتاباته بمعنى “الجدل”. إلا أن جالينوس (129-199م) وكذلك الاسكندر الافردوسي (القرن الثاني الميلادي) قد استعملاها بمعنى المنطق. وهكذا أخذ المنطق يشق طريقه كعلم من العلوم العقلية التي ترشد الإنسان نحو التفكير الصائب والصحيح ويبعده عن الخطأ والزلل.
عموماً فإن أرسطو قد وضع القواعد والشروط للمنطق، حيث أن موضوعه عقلي بحت. وأن أفعال العقل ثلاثة هي: البسيط والمركب واللازم. فالأول وهو التصور البسيط الذي يتعلق بمبحث المقولات التي حددها أرسطو بعشرة منها: الجوهر، الكم، الكيف، الإضافة. أما الثاني فهو التصور المركب أو الحكم، ويخص مبحث القضايا التي ترتكز على: الموضوع والمحمول ولفظة دالة فيما بينهما تسمى الرابطة. وهذه الرابطة قد تكون قضية ثنائية مثل قولنا: “سقراط فان”. أو قضية ثلاثية كقولنا: “سقراط هو فان”. وأن حكمنا عليها يكون بحسب ما نسمعه فنقول لصاحبه صادق أو كاذب. والثالث هو التصور اللازم في مبحث الاستدلال حيث الانتقال من الأشياء المعلومة بصحتها إلى أشياء أخرى داخلة ضمن نطاق هذه الأشياء المعلومة. وهذا الانتقال يكون لنا أما بالقياس أو البرهان. القياس يتكون من قضيتين تسميان مقدمتين: كبرى وصغرى. فإذا سلمنا بهما لزم عنهما بالضرورة قول ثالث يُسمى نتيجة. مثل:
كل إنسان فانٍ: مقدمة كبرى.
سقراط إنسان: مقدمة صغرى.
سقراط فانٍ: نتيجة.
أما البرهان فإنه الاستدلال الذي يقوم على مبادئ ضرورية وأوليات عقلية يقينية. فهو قياس مقدماته التي تكون صادقة وسابقة في العلم على النتيجة. ذلك لكونها تكشف للذهن بشكل جلي لا ريب فيه قط. فضلاً على أنها لا تستمد من استلال سابق وإنما تُعرف بالحدس العقلي المباشر. أما المبادئ الضرورية أو الأوليات اليقينية فهي بينة واضحة بذاتها. مثل قولنا: أن كل شيئين متساويان لشيءٍ ثالث يكونان متساويان فيما بينهما أيضاً.
وفي الاستدلال البرهاني توجد أنواع أخرى، كالجدل والمغالطة. حيث أن اليقين الكامل لا يتوفر في المقدمات دائماً. إذ يكون هناك استدلال قائم على مقدمات ظنية يخص الجدل. أو على مقدمات كاذبة من جراء تلاعب لفظي أو استعمال لغوي وتخص السفسطة والمغالطة.
وعلى خطى أرسطو سار الفارابي (870-950) وفريق كبير من فلاسفة الإسلام. ولم يكن لهم من تصورات جديدة إلا النزر اليسير ولكنها مهمة. سواء عند المناطقة المتأخرين أو عند ابن سينا (980-1037). فالأخير في مسألة البرهان المنطقي، وبحكم كونه طبيباً بارزاً قد اهتم بالجزئيات أكثر من الكليات. ودرس كيفية حصول العلم بالممكنات وليس بالضروريات كما عند أرسطو. حيث أن الممكنات “تتسع للاستثناء وتراعي شرائط الزمان والمكان والأحوال الخاصة، رغم ما في الممكنات من نقص أو ضعف، فحسبها أنها إنما تعبر عن الواقع المحسوس”2.
ولكن المسألة التي فرضت نفسها هي المقارنة بين أهمية المنطق ومنزلة النحو. فاللغة العربية وقواعدها لها من الجزالة والفصاحة ما قد أظهره الله تعالى في قرآنه الكريم من إعجاز لغوي فذ. ولذلك نجد الفارابي يقول في هذا الخصوص ما يلي:
“أن نسبة صناعة المنطق إلى العقل والمعقولات كنسبة صناعة النحو إلى اللسان والألفاظ. فكل ما يعطيناه علم النحو من القوانين في الألفاظ فإن علم المنطق يعطينا نظائرها في المعقولات”3.
ويرى الفارابي إن قوانين المنطق لا تخص ألفاظ امة ما، كما في قوانين النحو. بل تعم ألفاظ جميع الأمم. فهو يُعنى بالألفاظ لا من حيث هي ألفاظ، وإنما من حيث هي قوالب للمعاني، ويخاطب العقل الإنساني بأسره في كل زمان ومكان وفي كل لغة من اللغات. وعليه فإن النحو خاص بينما المنطق عام.

المنطق الصوري

إن المنطق بشكل عام ينقسم إلى صوري ومادي. فجميع العلوم أما أن تكون صورية أو مادية. ورغم أن منطق أرسطو كان يجمع بين تلك الناحيتين، وبالتالي لم يكن منطقه صورياً خالصاً. إلا إنه قد ساعد في تحديد قوانين الفكر الأساسية أو البديهية، وهي وفق الصورة الجبرية كالآتي:
1ـ قانون الذاتية: أ هو أ.
2ـ قانون عدم التناقض: لا يمكن أن يكون الشيء أ ولا أ أيضاً.
3ـ قانون الوسط الممتنع: يمتنع أن يكون أ لا أ ولا لا أ.
ويهدف أرسطو من التصور إلى رد العقل إلى وحدة الفكرة الكلية. فالتصور يعني تعريف الشيء في الفكر من غير أن نصل إلى الشيء الحقيقي. لأن هذا الشيء أو الموجود الحقيقي إنما هو الفرد. ولذلك نجد أن المنطق الصوري الأرسطي يقوم على حدس ذاتي يقيني تماماً. ومن هنا يكون التصور عنده يعني الفكرة الكلية وموضوع التعريف والعلم. حيث أن العقل لا يدرك إلا الكلي. وهو موجود في الذهن وفي الأفراد الموجودة بالخارج.
ولقد انقسم المناطقة المسلمين إلى طرفين. المتأثرون بأرسطو اعتبروا المنطق صوري ومادي. أما البقية فاعتبروه صوري. ويشير ابن خلدون في “المقدمة” إلى الصوريين المتأخرين قائلا: قد “غيروا إصلاح المنطق وأن من هذا التغيير تكلمهم في القياس من حيث إنتاجه للمطالب على العموم لا بحسب مادته وحذفوا النظر فيه بحسب المادة”.3 المقدمة، ص 334. معنى هذا إن كل صلة مادية في البرهان والجدل والنحو قد حذفوه. وركزوا في بحوثهم المنطقية على التصور والتصديق باعتبارهما يوصلان إلى اليقين؛ دون البحث في الجدل والخطابة والشعر والسفسطة أو المغالطة، لأنها لا تفيد القين الخالص. وهذا الأمر يلائم ما تبناه أبن خلدون الذي سار على حذو الغزالي بجعل المنطق عاجز في الوصول إلى النتائج الصحيحة في القضايا الماورائية. فحسب تصور أبن خلدون:
“أن صناعة المنطق غير مأمونة الغلط لكثرة ما فيها من الانتزاع وبعدها عن المحسوس، فأنها تنظر في المعقولات الثواني. ولعل المواد فيها ما يمانع تلك الأحكام وينافيها عند مراعاة الطبيق اليقيني”.4
عموماً إن “التغيير” الذي أجراه مناطقة الإسلام لم يكن تغييراً عابراً، بل أنه نقداً مهماً حيث فتح الباب للأوروبيين لكي ينقدوا المنطق الأرسطي فيما بعد. فعندما أثار فرنسيس بيكون (1561-1626) السؤال: “ما هي الحقيقة؟”5. لكي يجعلها علمية تجريبية تخضع لقوانين هذا العالم؛ وبذلك وضع المنهج التجريبي وأرسى أُسس المنطق الاستقرائي، حيث “من شكل الخبرة تأسست جميع معارفنا”6. فإن غاليلو غاليلي (1564-1642) قد سانده بقوة معتبرا منطق أرسطو لا يصل بالإنسان لتحقيق العلم. لاسيما وأن أساس التصور الأرسطي للعلية يكون للشيء بما هو يكون. إذ من خلال معرفة الطبيعة أو الماهية نكون قد عرفنا كل ما يصدر عنها من حركة وسكون. وهذا ما يرفضه غاليلو ويعارضه. بل ويرى أن فكرة الطبائع وفق منطق أرسطو الصوري تبعد الشقة بين الإنسان والعلم. وكذلك رفض ديفيد هيوم (1711-1776) تصور أرسطو للعلية. حيث يرى أن “العلة ضرورية دوماً” لا من مبدأ كونها بديهية ذهمنية، بل بما يتعلق في ضرورتها تجاه كل ما يكون موجوداً.7
وعلى نمط بيكون وهيوم وضع جون ستيوارت ميل (1806-1873) منطقه الاستقرائي الذي يهتم بفكرة الظواهر، فالعالم يتكون بدوام أمكانية الاحساسات. وأن العقل ليست له تلك الفاعلية الذاتية التي تقوم بارتباطات ضرورية في تتابع الظواهر، فهي أي الظواهر إنما تحدث وفقاً إلى قوانين آلية ثابتة مشتقة من فكرة تداعي الخواطر ليس إلا. ويقول في ذلك: “أن الفكرة الصحيحة المواتية تمتنع من مبادلة الخطأ من أجل الحقيقة، وإن كانت خطأ، فأنها تخسر تقريباً فائدة عظيمة من أجل ادارك أوضح وانطباع أصدق للحقيقة التي أظهرت تعارضها مع الخطأ”.8
وهكذا أخذ المنطق التجريبي الجديد ينقد ويعارض المنطق النظري القديم ومنهجه القياسي. فالملاحظة والتجربة والتحليل والتركيب هي أدوات هذا المنطق. ولم تعد للفكرة الكلية أو التصور الكلي أي اعتبار كأساس وحيد للحكم والاستدلال العلمي. بل أن الفكرة الجزئية أو التصور الجزئي من حيث كونه تعبير حقيقي مباشر إلى الفرد. فالتصور هو مجرد اسم محسوس مشخص يمثل ارتباطاً ضرورياً بين المفهوم الواحد الخاص وبين الكل لا غير.
ليس هذا فحسب، بل أن المنطق الجديد قد اكتشف أيضاً وجود نسب أخرى تكون بين الموضوع والمحمول هي غير نسب التضمن التي نص عليها المنطق القديم. إن مناطقة التجريب اعتمدوا على الاستقراء المادي بغية الوصول إلى العلم، لأن الأحكام الكلية التي يصل إليها الاستقراء بعد تجارب محسوسة، فإنه يمكن أن نحقق ذلك وفق طرق عقلية أيضاً. إذ ليس من الضروري أن نقوم باستقراء كامل للجزئيات بغية الوصول إلى أحكام كلية. بل نأخذ من الجزئيات ما يهمنا منها في عملية التجربة فقط. وبذلك نستخلص القانون العام من خلال هذه الجزئيات التي هي حقائق ثابتة.

المنطق الرياضي

بدأ الاتجاه الرياضي في عقلية التفكير الحديث يرتكز على فكرة الكم دون الكيف. وبذلك فقد تجاوز منهج التفكير في المنطق القديم. حيث أن الرياضيات هي المنطق العلمي الحقيقي للعقل. ولقد نقد رينيه ديكارت (1596-1650) منطق أرسطو على هذا الأساس. وأكد بأننا إذا اكتشفنا القوانين الرياضية للمادة، فإننا سنصل إلى الحقيقة النهائية. ومن هنا أدخل ديكارت التفسير الكمي في الفيزياء بدلاً من التفسير الكيفي فحقق نجاحاً مذهلاً في منهجه العلمي أو في تطبيق منطقه الرياضي.
يقول ديكارت: “أن طبيعة الجسم المادي عموماً لا يكمن في وجوده كشيء له صلب، وزن، لون أو أية خاصية محسوسة أخرى. بل في وجوده كشيء له امتداد في الطول والسعة والعمق”9. فالأشياء في الواقع الطبيعي هي مادية متحركة، وعلى العلم اكتشاف قوانين الحركات، والتي هي أفكار رياضية خالصة. أي أن ديكارت يهدف هنا إلى تجريد الرياضيات عن الموضوعات الفيزياوية لكي يجعل العالم الواقعي عالماً رياضياً تماماً.
أما القطب الآخر الذي ساعد على بروز المنطق الرياضي هو ويلهام ليبنتز (1646-1716). بل وإليه يعود السبب في تفوق المنطق الرياضي على المنطق الصوري التقليدي. وأهم ما ينص عليه ليبنتز في هذا المضمار، هو أن المنطق لا يراقب العلم أو يُعَدل مناهجه. وإنما يؤسس العلم ويقيم كل الارتباطات العقلية بين التصورات. كما وأن هذه الارتباطات هي غير نهائية العدد، ونحصل عليها بطرق آلية دونما أن يكون هناك من خطأ ما. فضلاً عن أن مجموع هذه الطرق هو الفن الرابط أو المكون. وبالتالي فإن العلم يكون عبارة عن أرقام أو حروف عامة تقوم على الماصدق وفق منطق صوري آلي وحسب.
بعبارة أخرى أن تكوين المنطق عند ليبنتز يعني تكوين العلم نفسه الذي تقوم تصوراته على الماصدق. حيث بمقدورنا أن نصل إلى الماهية من خلال عمليات آلية وفقاً لارتباطات قياسية. وهكذا ترنو فكرة الماصدق في منطق ليبنتز الرياضي على فكرة المفهوم في منطق أرسطو القديم.
يقول ليبنتز: “عندما حررت نفسي من نير أرسطو، بدأت أدرك بعد تأملات كثيرة، بأنه من المستحيل إيجاد مبادئ حقيقة الوحدة في المادة وحدها، فهي لا شيء أكثر من تجمعات الأجزاء اللامنتهية”10. فالطريق الصحيح للربط بين الأشياء تكون وفق عمليات فكرية بسيطة قوامها الرياضيات كونها المنطق الحقيقي للعقل.
ورغم أن ليبنتز قد عارض ديكارت في بعض المواقف. إلا أن طريقة العلاج الرياضي تجاه الطبيعة لم يعارضها بقدر ما كان أكثر دقة وتمييزاً.
أما النهج النقدي والعلمي عند عمانؤيل كانت (1724-1804) فمن جملة ما يشير إليه في كتابه “المنطق” حول مفهوم “علم القوانين الضرورية إلى الفهم والعقل عموماً، وهي ليست أكثر من صورة التفكير الذي نسميه منطق”11. ويطرح في هذا الصدد خمس نقاط رئيسة هي:
1ـ أن المنطق هو القاعدة إلى جميع العلوم والاستعمال الملائم إلى الفهم.
2ـ ليست هناك آلة “أورغانون” في العلوم.
3ـ إن المنطق كعلم للقوانين الضرورية في التفكير، فلا يمكن للفهم والعقل أن يباشر أبداً دون المنطق.
4ـ أن المنطق ليس علم العقل كصورة فقط، بل يتعلق بالمادة أيضاً. حيث أن قوانينه ليست مأخوذة من الخبرة، كما ولها سبب في مادة الشيء. وعليه فأن المنطق هو إدراك ذاتي إلى الفهم والعقل، ولكن ليس مَلكَتهم في صلة الأشياء وإنما كصورة عنها.
5ـ أن المنطق كعلم أولي يأخذ بقوانين استعمال الفهم والعقل، لذا فإنه جوهرياً يختلف عن علم الجمال الذي يقتصر على نقد الذوق بلا قانون، وليس له غير معيار الحكم الذي يتكون من اتفاق عام. أما المنطق فعلى العكس، يتألف من قوانين متفقة ذاتياً مع قوانين الشعور. هذا ويرى المناطقة الرياضيين أن هناك صوراً عديدة للاستدلال المنطقي، وليس صورة واحدة كما عند أرسطو عندما أعتبر رابطة التضمن بين الموضوع والمحمول هي الوحيدة؛ حيث كل تصور متضمن في تصور أشمل منه وكذلك يتضمن تصوراً أخص منه. في حين أن الروابط والعلاقات العقلية لا يجوز أن تحد أو أن تحصر، إذ لكل حالة من الحالات لها رابطتها الخاصة. ويرون أيضاً بأن المنطق الرياضي يبين لنا العمليات التي تحدث في الذهن أثناء الاستدلال. وأن يضع رموزاً تعبر عن هذه العمليات، وهي متجردة تماماً من المحسوسات. حيث تبدأ بنوع من التصورات الأولية البسيطة كالبديهيات والمسلمات والتعريفات، ثم يقيم عليها استدلالاته. فإذا أستمرينا في الاستدلال فإنه سوف تزداد التركيبات. وبالتالي نحصل على عمليات أخرى.
ولقد تطور المنطق الرياضي بشكل هائل وهام بين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. ولقد ساعد على ذلك النجاحات المذهلة التي حققتها الرياضيات عند استعمالها في العلوم الطبيعية من جهة. وإلى ما حققه الرياضيون أنفسهم من اكتشاف الهندسة اللااقليدية والنظريات الجديد من جهة أخرى. كما في نظرية الترابيع التي وضعها وليم هاملتون حيث حل فيها مسائل الهندسة الفراغية. وكذلك ما وضعه جورج كانتور في نظرية المجاميع. بالإضافة إلى ديديكند في نظرية العدد. وجرسمن في نظرية الامتداد. حتى وصل الأمر بالمناطقة الرياضيين إلى الغلو في موقفهم معتبرين التحليل المنطقي في قضايا الفلسفة إنما هو غرض الفلسفة الوحيد. بل وغايتها القصوى دونما أن تكون هناك حاجة ما إلى التأملات الماورائية التي لا تجدي نفعاً ومنذ زمن فلاسفة اليونان. وهكذا اعتبروا منطقهم هو فلسفة العلم.
ومثلما كان فريجه وبيانو قد وضعا منطقاً للحساب حيث استخلصا القضايا الحسابية من مقدمات منطقية، واظهرا أن الأفكار الأساسية في الرياضيات إنما هي ترد إلى قوانين الفكر الأساسية. وبهذا يتوجب بالرياضيات أن تلحق بالمنطق. وكذلك ما أكده كل من كوتيرا وبادوا على ضرورة تخليص الفكر من التباسات اللغة وألفاظها المشتركة التي تفسد التفكير نفسه. وعليه فقد عمدا إلى وضع رموزاً عامة ، لها معنى كلي حيث لا تتوقف على لغة طبيعية معينة. فإن وايتهيد وراسل قد أقدما على وضع أهم عمل رياضي كبير في كتابهما: “المبادئ الرياضية” بثلاث أجزاء ما بين (1910-1913). والذي يعد ذروة المنطق الرياضي.
ومن بين ما أشار إليه برتراند راسل (1872-1972) في “مشكلة اللانهاية والاتصال” التي بقيت غامضة لفترة طويلة بسبب الفلاسفة الرياضيين. تأكيده على أن الأعداد الزوجية التي تكون دائماً هي نصف الأعداد كلها. إلا أن بعض الأعداد الزوجية تساوي في عددها كل الأعداد الموجودة. والسبب حسب تشخيصه بأن “العدد” سواء كان زوجياً أو فردياً فإن له ضعفاً زوجياً. ومن خلال هذا التشخيص قدم راسل حلاً لهذه المشكلة الرياضية في كتابه “أصول الرياضيات” عام 1903.

المنطق الرمزي

رغم التسميات العديدة التي يشار بها إلى المنطق الرمزي على إنه: رياضي أو حسابي أو جبري أو نظري، فإن خصائصه على العموم تتميز بثلاث جوانب هي:
1ـ استخدام الرموز العقلية التي تدل بشكل مباشر إلى التصورات مثل الرمز الدال على عملية الضرب (×) أو علامة الاستفهام (؟) وغير ذلك.
2ـ استخدام المنهج الاستنباطي أو الفكر الاستدلالي. حيث فيه القدرة على توليد عدد لا حصر له من الأحكام الجديدة بواسطة تطبيق عدد قليل من القواعد.
3ـ استخدام المتغيرات التي لها مواضيع محددة من الدلالات. كما في الجبر، لأن المتغير رمز يقوم مقام أي سلسلة من المقادير والقيم.
ومهما تنوعت خصائص وتسميات هذا المنطق فإنه على قول عبد الرحمن بدوي: أن “المنطق الرمزي بأوسع معانيه هو العلم الذي يبحث في مبادئ الاستدلال الأكثر عموماً بواسطة رموز من أجل بيان الإضافات القائمة بين هذه المبادئ”.12
ويعتبر ليبنتز من أوائل الذين شرعوا في تطوير المنطق الرمزي. ونادى بإنشاء لغة علمية عالمية يمكن بواسطتها تمثيل كافة التصورات العلمية، وذلك من خلال التوافق والتأليف بين الرموز العقلية. وكذلك أكد ليبنتز في بحوثه الرياضية على أن الحساب العالمي للاستدلال العقلي يمكن أن يكون اختراعاً مفيداً في تحقيق منهج آلي يتم فيه حل كل المشكلات التي يعبر عنها باللغة العالمية. ورغم أن أرائه بقت مجرد اقتراحات لم تنال حظها في التطبيق: إلا أنها تدل على مدى تقديس ليبنتز للرياضيات وإيمانه بها. ولذلك لا عجب أن امتدت تصوراته الرياضية ليرى أن “المنطق يقترن بالماورائيات والأخلاق أيضاً. فهو صورة واحدة لعلم اللاهوت الطبيعي، والقانون الطبيعي. فحقائقها وبراهينها يمكن أن نصلها عبر المبادئ الذهنية التي هي فطرية”.13
أما القطب الآخر فهو جورج بوول (1815-1864) الذي يعد المؤسس الثاني بعد ليبنتز. حيث وضع نظاماً جبرياً تكون فيه المتغيرات محل الفئات أو الأصناف. فأدخل المعادلات والقوانين الجبرية في المنطق. وكذلك إدخاله للعمليات الحسابية في المنطق. فأخذ يستعمل هذا النظام الثابت من الرموز الصالحة للاستخدام والتهذيب بغية استخراج أصناف أرفع. وبدأ يطبقه على بعض فروع المنطق، منها “القياس” عند أرسطو، الذي يعتبره يؤدي إلى نفس الحاجات والمستويات الذي يؤديها “الاستنباط” فأصلح هذا الخلل.
وعلى ضوء ما قدمه بوول سار بعض المناطقة الرمزيين وأضافوا عليه في بحوثهم. أمثال: دي مورغان وجيفونز وبيرس وآخرين غيرهم. وحسب تصورهم أن المنطق الرمزي لا يرجع أصلاً إلى الأسس الرياضية. بل أنه منطق يقدم صيغاً من الطرق السهلة التي يجري فيها تحليل بناء القضايا بحيث تكون ملائمة إلى البرهان الفلسفي.
أن البرهان الفلسفي حسب رأي أنصار المنطق الرمزي، غالباً ما يتعرض إلى غموض والتباسات في معنى الأحكام من ناحية. وعدم وضوح العبارات من ناحية أخرى. وكل ذلك بسبب المآخذ والتناقضات الموجودة في الممارسات والتعبيرات أثناء حياتنا اليومية. وهذا ما يحاول تفاديه المنطق الرمزي بتقديم الطرق الملائمة للبرهان الفلسفي. ليس هذا فحسب بل أن المنطق الرمزي يؤدي أيضاً كل الأعمال والأغراض التي يقوم بها المنطق التقليدي. فضلاً عن أنه يؤدي مهاماً كثيرة في حقل المعرفة العلمية التي لم يقدر المنطق التقليدي أن يعطيها تمام حقها.
وهكذا فالمنطق الرمزي فيه من الفوائد الجمة والمهمة وفي نواحي كثيرة. حيت أن استخدام الرموز تفيد في التمييز الدقيق بين المعاني المختلفة. وبذلك نتلافى الغموض الموجود في اللغة بعد أن نجعل لكل رمز خاصية يمتاز بها شيئاً معيناً دون الآخر. بمعنى ثان أن استخدام الرموز في المنطق يوفر الإيجاز الدقيق في التعبير بالنسبة إلى الأحكام المعقدة التي يصعب فهمها إذا وضعت في تعبير لغوي عادي.
وإذا كان هذا في الجانب اللغوي. فأن استعمال الرموز يفيد أيضاً في الجانب الرئيسي للشيء. حيث يمكن أن نستخدم الحروف (ب، ت، ث) بدلاً من الحدود “سقراط” و “فان” و “إنسان” في القياس. وبذلك تبين لنا الرموز أن النتائج البرهانية إنما تتوقف على النسب المجردة التي ترتبط بينها وبين غيرها وليست تتوقف على معاني هذه الحدود الخاصة فقط. علاوة على أن الرموز تفيد في تشخيص صورة القضايا بالدقة الواضحة، ذلك لأن القضايا في المنطق الرمزي تقوم مقام الوحدات الأساسية في المنطق التقليدي. حيث لا يهدف المنطق الرمزي من خلالها إلى التقسيم الجزئي. بل على نحو ما يوجب عند اختيار صحة بعض البراهين. مثلاَ:
كل الأعمال المهمة لها أجور عالية.
العمل في الطاقة النووية مهنة مهمة.
إذن العمل في الطاقات النووية له أجور عالية.
وهذا البرهان صحيح. بيد أن صحته تتبين أكثر عندما نقوم بتقسيم القضايا التي يتكون منها البرهان إلى حدودها وأجزائها. إذ أن “العمل في الطاقة النووية” وأن “الأعمال المهمة” وكذلك “الأجور العالية للمهن” يكون البرهان فيها صحيحاً بفضل بعض العلاقات الماثلة بين حدودها.
كما ويمكننا أن نعبر عن هذا البرهان بصورة أخرى. وذلك بعد أن نجرده من مضمونه:
كل أ هي ب
ولكن س هي أ
إذن س هي ب
فالبرهان الذي نحاول استخراجه هنا تكون نتيجته مشابهة نوع ما إلى المثل الأول الذي تناولناه.
هذا وتفيدنا الرموز كذلك في الاقتصاد والعمل والتفكير. فعندما نستخدم نظاماً ثابتاً من الرموز فأن ذلك سوف يقودنا إلى تأدية الكثير من العمليات المعقدة بطريقة آلية يسرة. إلا أن كل نظام من أنظمة الرموز يجب أن يحتوي على شرطين أساسين. أولها: يجب أن تكون الرموز موجزة بقدر الامكان لكي يمكن إدراكها بسهولة تامة. وثانيها: يجب أن تكون الرموز من شأنها أن تسهل استنتاج النتائج وفقاً لعملية آلية لا تكلف التفكير غير المجهود القليل.

تقييم عام

أن عملية تنظيم المنطق الذي قام به أرسطو، فهذا يعود لما حمله من مبادئ أستاذه أفلاطون وشيخه سقراط على وجه الخصوص. حيث رتب أجزائه وصقل قواعد لكي يرد بها على السوفسطائيين من جهة. ولكي يضع الأسس القانونية لعملية الفكر من جهة أخرى. وهذه الأسس قد استمرت طيلة العصور القديمة والوسطى. فإن شيشرون وجالينوس والافروديسي لم يخرجوا عن القواعد الأرسطية. وكذلك بالنسبة إلى الفارابي وابن سينا وغيرهم. رغم أن هؤلاء جميعاً لهم ميزتهم الخاصة.
أما المنطق الصوري الذي ينقد أنصاره منطق أرسطو كونه ليس صورياً خالصاً بل مزدوجاً بين الصورية والمادية. فأحدثوا تغيراً أسهم في النهضة العلمية لأوروبا. فأن جذر ذلك إنما يعود للمناطقة العرب المسلمين الذين “غيروا إصلاح المنطق” القديم، كما ذكر ابن خلدون. حيث لهم الأسبقية في حذف الجانب المادي وركزوا على الجانبي الصوري في بحوثهم المنطقية. هذه الأسبقية لها تأثيرها العلمي في عصر النهضة. وهكذا كان المنطق الاستقرائي الذي أعتمد عليه بيكون وغاليلو وهيوم وميل وغيرهم من أنصار المنطق التجريبي.
ورغم أن المنطق الصوري قد نقل التصور من حالته الكلية المجردة المتبعة قديماً وجعله مجرد اسم فردي محسوس. إلا هذا الأمر قد عرض مناطقته لبعض التناقضات، منها أن ميل جعل قانون العلية يكون أساساً للاستقراء.
نعم أن منطق أرسطو من الناحية التجريدية يقتصر على نوع واحد من الاستدلال وهو القياس. علاوة على أنه لم يتمكن تماماً من وضع رموز ملائمة للتعبير عن الإضافات المنطقية، لأنه قد اخطأ أصلاً في تحليل تلك الإضافات المختلفة. ولذا فأن المنطق الرياضي الجديد قد أصلح هذا الخلل في المنطق الأرسطي. حيث أكتشف أنواعاً متعددة من الاستدلال غير القياس. كما وأنه اكتشف أشياءً أخرى، منها وجود نسب عدة بين الموضوع والمحمول هي غير نسبة التضمن.
بيد أن المناطقة الرياضيين لاسيما المحدثين منهم قد بالغوا في موقفهم. فما بدأه ديكارت وليبنتز في تثوير المنطق الجديد ضد المنطق القديم؛ وما تحقق من إنجازات باهرة في العلوم الحديثة التي تعتمد على فكرة الكم لا الكيف. وكذلك في تطبيق الرياضيات على الواقع الفيزياوي. والتطور الملحوظ في منطق الحساب والمجال الرياضي. إلا أن رفض البحث في الماورائيات على أساس أن التحليل المنطقي في قضايا الفلسفة هو غرض الفلسفة الوحيد. فهذا قصور فكري وغرور علمي قد عرضهم لبعض الأخطاء. منها أن مشكلة اللانهاية والاتصال الرياضية التي تناولها راسل، فإنه لم يضع لها حلاً نهائياً رغم أنه يشير إلى ذلك. أما الإضافات الصورية الجديدة كوسائل مسهبة تجاه المنطق الأرسطي. فأن السهروردي كان له مثل هذا الموقف، ولكن من طرف معاكس. حيث يرى منطق أرسطو فيه زيادات صورية فعمد إلى حصرها في صورة واحدة.
أما المنطق الرمزي وتسمياته المتعددة. فأنه الامتداد الطبيعي إلى المنطق الرياضي من جهة. وإلى التعبير الرمزي في المنطق التقليدي من جهة أخرى. ولقد ميزه مناطقته بدقة التفاصيل في المباحث الرياضية والهندسية. أنه منطق علمي جديد في العلوم العقلية يقوم على فكرة نسق البديهيات. حيث اكتشف المنهج الخاص بالبديهيات، فازدادت أهميته في العلم التطبيقي (التكنولوجيا).

د. عماد الدين الجبوري، كاتب وأكاديمي عراقي

المصادر

L., Susan Stebbing: A Modern To Introduction To Logic, Methuen, London, 1961, p. 478.-1
2- أبن سينا: النجاة، مطبعة السعادة بمصر، 1331ه، ص 117.
3- الفارابي: إحصاء العلوم، تحقيق الدكتور عثمان أمين، القاهرة، 1949، ص 53.
4- أبن خلدون: المقدمة، تحقيق الدكتور علي عبد الواحد وافي، أربعة أجزاء، 1957-1962،ج 4، ص 1247.
5- John Lock: Human Understanding, Routledge, London, New York, (N0 date), p. 491.
6- Ibid, p. 59.
7- David Hume: A Treatise of Human Nature, Clarendon Press, Oxford, 1989, p. 78 ff.
8- John Stuart: On Liberty, Longmans, London, New York and Bombay, 1901, p. 10.
9- Descartes: Philosophical Writings, trans. & ed. By Elizabeth Anscombe, and Peter Thomas Geach, Nelson, London, 1966, p. 199.
10- Leibniz: The Monadology and Other Philosophical Writings, trans. with indro. & notes by Robert Latta, O.U. P. London, 1948, p. 300.
11- Kant: Logic, trans. with intro. by Robert S. Hartman and Wolfgang Schwarz, New York, 1974, pp. 15-17.
12- عبد الرحمن بدوي: المنطق الصوري والرياضي، مكتبة النهضة المصرية؟؟، القاهرة، 1986، ص 280.
13- The Monadology: p. 363.
مقال منقول عن
http://www.mutawassetonline.com/culter/2932-2010-04-08-23-11-04.html

رد واحد

  1. المداخلىة أعلاه تقدم تلخيصا لتاريخ المنطق مو وجهة نظر نقدية تعترض على كون المنطق الارسطي والوضعي ” ويسميه الرياضي- قاصرا عن عن الشكل الايماني او الشكل الجوهراني الجزئي
    وبدلا من توجيه اسئلة حول قصور اصليغ المنطقية السائدة عن احتواء الشكل الجوهراني وهي اسئلة يمكنه ان يدها مع اجاباتها في أعمال مدرسة دمشق المنطق الحيوي

    على كل نتمى ممن لديه القدرة الرد على التلخيص من وجهة نظر منطق الشكل الحيوي

    إعجاب

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: