جيل دولوز : نحو علم بداوة أو “نومادولوجيا” مقابل “المونادولوجيا” أو فلسفة “الأحادة ” اللايبنتسية

تحية الحياة الى : “جيل دولوز” الذي يعود اليه والى”رينيه شيرر” و ” روجيه غارودي” و” فرانسوا شاتليه ” فضل ايصال المنطق الحيوي الى التدريس في جامعة باريس
وهذه التحية هي بمناسبة عثورنا على نصين “الكترونيين ” جميلين جدا للفيلسوف الفرنسي جيل دولوز يمكن نقلهما الى قرائنا لتعرف هذه الشخصية الفذة والذي عده ” ميشيل فوكو” أهم فيلسوف في القرن العشرين..
ومع صعوبة النصين للفهم فإن الصبر يقودنا الى قراءة مختلفة جدا وخلاقة جدا ونقدية جدا ضد كل موجات التمركس والفرويدية والظاهراتية والالسنية والبنيوية .. وكانت في عز اوجها سلطويا ..
مع تحيز كلي للبدواة بوصفها علم الثورة الدائمة والتجديد والحياة والتعديدة .. والخروج عن التقليد والانحياز الى تمجيد الصعاليك والمهمشين والاقليات واللغات الغريبة الشاذة وحتى الأخطاء اللغوية ..والتأتأة .. ومن يتمرد على اللغات التقليدية ل اسبيونوزا و ل نيتشه و ل برغسون بما يشكل نقدا حدسيا وبلغة صعبة على القارئ العادي لتجاوز مصالح منطق الجوهر الأحادي
نختار مقاطع مجتزأة لتشجع على قراءة النص كاملا

يذكر جيل جلوز قوله:
المقطع الأول:
“إن نيتشه ، الذي كان ، بعكس العصابي، هائل الحيوية ، ومعتل الصحة ، قد كتب: “يبدو أحيانا أن الفنان ، وخصوصا الفيلسوف ، ليس سوى مصادفة في حقبته … إن الطبيعة التي لاتثب أبدا ، تقوم لدى ظهوره بوثبتها الوحيدة ، وانها لوثبة فرح ، ذلك أنها تشعر أنها بلغت (هنا) مرامها لاول مرة ، هناك حيث تدرن أنفا، باللعب مع الحياة والصيرورة ، كانت مدفوعة إلى رهان كبير. وهذا الاكتشاف يجعلها تتضوأ، وينطرح على محياها تعب المساء العذب ، هذا الشيء الذي يدعوه البشر بالسحر”(2)

المقطع الثاني:
إن أعداءنا لكلاب . لكن ما هو بالضبط لقاء مع كائن نحب ؟ أهو لقاء مع أحد، أم مع حيوانات تأتى لتسكننا، أو مع أفكار تغزونا، حركات تدفعنا، وأصوات تخترقنا؟ وكيف نميز بين الاشياء؟ أقدر أن أتحدث عن فوكو، أن أحكي أنه قال لي هذا الشيء أو ذاك ، أن أروي بالتفصيل كيف أراه . لكن ليس هذا بشيء زي بال ، طالما لم أعرف كيف ألاقي حقا هذا المجموع من الاصوات المتدافعة ، والحركات الحاسمة ، والافكار التي هي جميعا من خشب ناشف ونار، والانتباه المتطرف والانفلاق المفاجيء، والضحك والابتسام الذي تحس به ” خطيرا ” في اللحظة نفسها التي تحس فيها بحنانه – هذا المجموع بما هو تركيبة فريدة إسم شهرتها هو ميشيل فوكو. رجل بلا مراجع ، كما يقول فرانسوا إيوالد: إنه لاجمل إطراء ممكن … جان -لايير، الصديق الوحيد الذي لم أهجره أبدا، وأبدا لم يهجرني… وجيروم (ز)، هذا الخيال الماشي ، الذي هو في حركة ، المخترق من كل جانب بالحياة ، والذي يتغذى سخاؤه وحبه من بؤرة وحيدة ، هي يونس … في كل واحد منا، ثمة ما يشبه الزهد، الموجه في جانب منه ضد أنفسنا. نحن صحراوات ، لكنها مأهولة بقبائل ، بوحوش وممالك من الزهر. ونحن ننفق أوقاتنا في ترتيب هذه القبائل ، في تنظيمها على نحو مختلف ، في حذف بعضها، وجعل بعض أخر منها يزهر. وجميع هذه الشعوب ، هذه الحشود، لا تعيق الصحراء، التي هي زهدنا نفسه بالذات ، بل بالعكس تأهلها، وتمر بها، فوقها. في غواتاري، كان ثمة دائما شعاع وحشي ، موجه في جانب منه ضد نفسه. إن الصحراء، التجريب على الذات ، هي هويتنا الوحيدة ، حظنا الوحيد لجميع التركبات التي تسكننا. أنئذ يقال : لسقم معلمين ، لكنكم في هذه الحالة خانقون أكثر. كم كنا نود أن نكون شيئا أخر.

المقطع الثالث:
قال نيتشه كل شيء في هذا الصدد في “شوبنهاور مربيا” . وما يجد نفسه مسحوقا، ومدانا، باعتباره مزعجا، هو كل ما ينتمي إلى فكر بلا صورة ، كالبداوة ، وماكنة الحرب ، والصيرورات ، والاعراس المنافية للطبيعة ، والقنص، والسرقات ، وما يقيم بين عالمين (الانسانى والحيواني مثلا)، واللغات الاقلية ، والتأتأت في اللغة ، الخ … أكيد أن ميادين أخرى سوى الفلسفة وتاريخها يمكن أن تلعب دور قامع الفكر، هذا. يمكن اليوم حتى أن نقول أن تاريخ الفلسفة قد أفلس ، وأن “الدولة لم تعد بحاجة للمصادقة عليها من لدن الفلسفة “. إلا أن منافسين صارمين احتلوا من قبل مكانها. لقد انتزعت الابستمولوجيا الراية من فلسفة التاريخ . والماركسية تطلق حكما للتاريخ بل حتى (تقيم) محكمة للشعب هما بالاحرى أكثر إقلاقا من السابقين . والتحليل النفسي يعنى أكثر فأكثر بوظيفة ” الفكر ” ويتزوج الالسنيات ، لا بدون حق . هذه الاجهزة الجديدة سلطة داخل الفكر نفسه ، ويؤلف ماركس وفرويد وسوسير قامعا غريبا برؤوس ثلاثة ، لغة كبرى مهيمنة : التأويل ، التحويل ، والتعبير أو القول هي أشكال جديدة “لصائب” الافكار. حتى المؤشر النحوي لشومسكي هو، أولا، مؤشر سلطة. لقد انتصرت الالسنيات في الاوان ذاته الذي راح الاعلام يتنامى فيها كسلطة ، ويفرض صورته عن اللغة والفكر، المتطابقة وتوصيل الايعازات وتنظيم التكرارت . ليس من كبير معنى في التساؤل إن كانت الفلسفة ماتت ، في حين تضطلع بوظيفتها مباحث أخرى كثيرة . إننا لا ننادي بأي حق بالجنون ، لفرط ما يمر الجنون نفسه بالتحليل النفسي والالسنيات مجتمعين ، ولفرط ما أصبح مخترقا بالافكار الصائبة وبثقافة متينة أو بتاريخ بلا صيرورة ، ولفرط ما يتمتع بمهرجيه وأساتذته وقادته الصغار

===================
النصوص كاملة

جيل دولوز قطب الفلسفة الفرنسية الجديدة

وداعا دولوز

ترجمة وتقديم : كاظم جهاد (مترجم وشاعر عراقي مقيم في باريس)

مني العالم قبل فترة برحيل الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز Gilles Deleuze عن سبعين سنة ، وكان قد شكل ، الى جانب ميشيل فوكو وجاك دريدا وأخوين قلائل ، أحد أهم أقطاب الفلسفة الفرنسية مابعد-السارترية . رحل دولوز مختارا، مانحا لموته صيغة قرار ولا أفظع ، بعد ما أثقلت عليه صحبة المرض وتعطل جهازه التنفسي الذي أجبره في الأعوام الأخيرة على التزود بالأوكسجين اصطناعيا. قذف بنفسه الى الارض من نافذة شقته الباريسية الكائنة في الطابق السادس من البناية ، مكررا بذلك حركة الفيلسوف اليوناني أمبدوقليس، التي طالما امتدحها دولوز نفسه . فمثلما قذف الفيلسوف اليوناني بنفسه في قلب بركان “اتنا”، مختلطا بأحشاء الأرض الملتهبة ، رمى دولوز بنفسه الى رصيف الشارع ، ممتزجا بتراب الأحياء.

بدأ دولوز بتاريخ الفلسفة ، فوضع دراسات معتبرة في فكر نيتشه وسبينوزا وهيوم وبرغسون ، وأخوين . مقاربة “خذاعة ” لم يغير بها أسلوب العرض الفلسفي فحسب ، بل جعل تناوله لفكر الآخرين يشف عن فكره الشخصي الذي سيفرض بعد ذلك أسلوبه الفريد في “منطق المعنى” و” الاختلاف والتكرار” و”بروست والعلامات “، الخ . فكر أدخل على الفلسفة وتاريخها تعديلات أساسية ، واطا حركاتها بحركات المجال والأرض والشعوب ، حيثما كان سواه يربطها بتحقيبات زمنية . أسس لعلم بداوة أو “نومادولوجيا” مقابل “المونادولوجيا” أو فلسفة “الأحادة ” اللايبنتسية ، ولجيولوجيا للأخلاق بدل “الجينيالوجيا” أو علم أنساب الأخلاق النيتشوي، علما بأن دولوز يظل ، شأن جميع كبار التيار الفلسفي التالي لسارتر، متأثرا بصاحب “زرادشت “، مواصلا الحفر في الأخدود الواسع والعميق الذي فرضه هذا السلف الألماني الكبير على أديم الفلسفة وأرضية المعرفة . كما خاض دولوز حربا لاهوادة فيها ضد “البسيكياتري” أو الطب النفسي الذي يحول في نظره الأفراد الى رمم، وأدان ارتباط التحليل النفسي بالرأسمالية ، يعمل مثلها على تقنين الرغبة ، وتنبأ بمقدم فاشية غربية معممة . وهناك بالطبع كتابة دولوز، جملته الأصيلة التي يصفها هو نفسه بأنها سائحة في جميع الاتجاهات وملموسة مع ذلك على نفسها من الخارج بقوة ، كالبيضة …

هنا نصان لدولوز، مستلان من منتخبات فلسفية له اختارها بنفسه قبل سنوات ، وترجمتها الى العربية ، في كتاب من المؤمل أن يرى النور عما قريب.

النص الأول ، “مسار فكري” (وعنوانه من وضع المترجم ، فهو بالأصل بلا عنوان)، هو الفصل الأول من كتاب ” محاورات ” Dialogues ، الذي وضعه جيل دولوز بالاشتراك مع كلير بارنيه Claire Parnet التي اضطلعت فيه بدور المحاور. صدر الكتاب في 1977 في منشورات ” فلاماريون ” Flammarion ، ضمن سلسلة مكرسة لمحاورة كبار المفكرين والكتاب . ولقد صيغ الكتاب لا على هيئة أسئلة وأجوبة ، وانما في شكل فصول يطرق دولوز في كل واحد منها عددا من الجوانب الأساسية لتفكيره وفلسفته وما يعتقد هو أئه يدين به لتجارب الآخرين الفكرية والفنية .

أما النص الثاني، “الجذمور” Rhizome ، فقد وضعه دولوز بالتعاون مع المفكر والمحلل النفسي الراحل فيليكس غواتاري Felix Guattari، الذي ألف دولوز بالاشتراك معه مؤلفات عديدة ضمن أسلوب في الكتابة الفلسفية المشتركة أصيل و”استفزازي”. وقد أصدر دولوز وغواتاري هذا النص في كتيب مستقل في البدء، في منشورات “مينوي ” Minuit، ثم جعلا منه بعد ذلك ، ومع بعض التعديلات ، فاتحة كتابهما “ألف هضبة ” Mille plateaux (الدار نفسها).

عبر صورة “الجذمور” الذي ينمو في جميع الاتجاهات ، بلا جذر ولا ساق ، يتصدى المؤلفان لصورة الكتاب -الشجرة ، الكتاب المكتمل المنغلق على ذاته ، رمز المعرفة الهيغلية المعلقة . ثم يستطرد الفيلسوفان لمهاجمة الواحدية والمثنوية في مجالات عديدة تذهب من تشريح الدماغ وعمل الذاكرة الى الرياضيات واللسانيات فالأدب . وهذا كله ، إن كان يمنح في الوهلة الأولى للنص بعض صعوبة ظاهرية ، فهو إنما ينتهي الى تثوير صورة الكتاب وممارسته عبر ارتباطه بكل من الرغبة والتاريخ . وتجدر أخيرا الاشارة إلى أن المؤلفين قد مهدا لهذا النص بنوتة موسيقية لقطعة على البيانو.

***

إنه لبالغ الصعوبة أن ” يفصح ” المرء عن نفسه في محادثة أو مقابلة أو حوار. وفي أغلب الأحايين ، فأنا عندما يطرح علي سؤال ، حتى إذا كان يمسني شخصيا، أجد أن ليس لدي ما أقول . تصنع الاسئلة ككل شيء سواها. واذا لم يدعك الآخرون تصنع اسئلتك ، من عناصر اتية من كل مكان ، ومن أيما شيء، واذا ما “القوها ” عليك ، فإنك لن تكون لديك أشياء ذات بال لتقولها. إن فن إنشاء مسألة لهو بالغ الأهمية : تخترع المسألة ، ومرضعه ما للمسألة ، قبل أن يوجد الحل . ولا شيء من هذا يمكن القيام به في محاورة ، أو محادثة ، أو نقاش . حتى التفكير انفرادا، أو مثنى، أو جماعا، ليس ليكفى التفكير خصوصا. أما الاعتراضات ، فأسوأ في كل مرة يعترض علي فيها، تنشأ لدي الرغبة في أن أقول : ” حسنا! حسنا! فلننتقل إلى شىء اخر” . إن الاعتراضات لم تأت بشيء أبدأ. والشيء نفسه عندما يطرح علي سؤال عمومي. لايتمثل الهدف في الاجابة على أسئلة ، بل في الخروج ، الخروج منها. وكثيرون يعتقدون بأننا نخرج من الأسئلة بتكرارنا إياها. ” ماذا عن الفلسفة ؟ أهي ميتة ؟ هل نحن سائرون الى تجاوزها ؟ ” . إن هذا لمضن حقا. لن يكفوا عن الرجوع الى السؤال أملا بالخروج منه . لكن لخروج لا يتحقق على هذه الشاكلة أبدأ. تتحقق الحركة ” في ظهر” المفكر دائما، في اللحظة التي يحدق فيها مسهما وتطرف أجفانه . الخروج ، هذا حادث من قبل ، والا فأبدا لن نخرج . تنزع الأسئلة عموما إلى مستقبل (أو إلى ماض). مستقبل المرأة ، مستقبل الثورة ، مستقبل الفلسفة ، الخ .. لكن في تلك الأثناء، وفيما ندور نحن في حلقة مفرغة ، وسط هذه الأسئلة ، فإن هناك صيرورات تعمل في صمت ، خفية عن النظر تقريبا.إننا نفكر أكثر مما ينبغي بمفردات التاريخ ، الشخصي أو الشامل . أما الصيرورات ، فهي امسألتال جغرافية : إنها توجهات ، وجهات ، مداخل ومخارج . ثمة صيرورة -إمرأة لا تختلط بالنساء، بماضيهن أو مستقبلهن ، وينبغي تماما أن تدخل النساء في هذه الصيرورة حتى يخرجن من ماضيهن ومن مستقبلهن ، من تاريخهن . وثمة صيرورة -ثوري (أ) لا تختلط بصيرورة الثورة ، وربما لم تكن لتمر بالضرورة عبر المناضلين . وثمة صيرورة -فيلسوف لا شيء يجمعها بتاريخ الفلسفة ، وهي تمر بالأحرى بمن يعجز تاريخ الفلسفة عن تصنيفهم.

ليست الصيرورة أبدأ التقليد، ولا التصرف على شاكلة ( هذا أو ذاك)، ولا الامتثال لا نموذج، وان يكن أنموذج عدالة أو حقيقة .لا طرف منه ننطلق ، ولا طرف نبلغه أو ينبغي أن نبلغه . ليس كذلك من طرفين يمكن استبدالهما أحدهما بالاخر. إن السؤال : ” ما أصبح عليه ( هذا الشيء أو ذاك)؟ ” ، لهو غبي تماما. إذ بقدر ما يصير أحد، فإن ما يصير اليه يتغير قدر تغيره هو نفسه . ليست الصيرورات ظواهر محاكاة ، ولا هضم ، بل هي (ظواهر) قنص مزدوج ، ونمو غير متواز، وأعراس بين عالمين مختلفين . الأعراس مجانية للطبيعة أبدا. الاعراس نقيض الزيجة . ليس من آلات ثنائية : سؤال / جواب ، مذكر/مؤنث ، إنسان / حيوان ، الخ … يمكن لمحاورة أن تكون هذا: رسم صيرورة ببساطة . إن الزنبور والسحلبية ليمداننا بمثال . تبدو السحلبية في صدد تشكيل صورة زنبور، لكن ثمة في الواقع لدى السحلبية صيرورة – رنبور، ولدى الزنبور، صيرورة – سحلبية ، قنص مزدوج ، مادام ” ما ” يصيره كل منهما يتغير بقدر ما يتغير ” من ” يصير. يصبح الزنبور جزءا من جهاز إنتاج السحلبية، في الوقت نفسه الذي تصبح فيه السحلبية عضوا جنسيا للزنبور. صيرورة واحدة ، وكتلة واحدة للصيرورة ، أو، كما يعبر ريمي شوفان ، ” نمو غير متواز لكائنين لا يمت أحدهما للاخر بصلة ” . ثمة صيرورات حيوانات للإنسان لا تتمثل في محاكاة الكلب أو القطة ، ما دام الحيوان أو الأنسان لا يتلاقيان إلإ في مسافة ترحل (ب) مشترك لكنه غير متناظر. إن الشيء لشبيه بطيور موتسارت : ثمة في هذه .لموسيقى صيرورة – طائر. على أنها مأخوذة في صيرورة – موسيقى للطائر، فا لاثنتان تشكلان صيرورة واحدة ، كتلة واحدة ، نموا غير متواز: لا تبادل ، قط ، بل ” مسارة بلا محاور ممكن ” ، كما يقول أحد شارحي موتسارت -، أي، ويإيجازا، محاورة .

الصيرورات هي ما يكون أكثر خفاء، إنها الآفعال التي لا يمكن أن تكون محتواة إلا في حياة ، ولا معبرا عنها إلا في أسلوب . شأنها شأن أنماط الحياة ، ليست الأساليب بناءات . في الأسلوب ، أي أسلوب ، ليست الكلمات هي ما يهم ، ولا الجمل ، ولا الصور ولا الايقاعات . وفي الحياة ،ليست الحكايات (هي ما يهم) ولا البدايات ولا النتائج . إن كلما ليظل ممكنا دائما استبدالها بأخرى. إن كانت هذه (الكلمة) لا تروق لكم أو لاتناسبكم ، فهاكم سواها، ضعوا محل الكلمة السابقة كلما أخرى. لو بذل كل واحد هذا المجهود، لاستطاع الجميع أن يتفاهموا، ولما عاد من مبرر لطرح أسئلة ،أو التقدم باعتراضات. ليس ثمة كلمات نظفتة، ولا مجازات (جميع المجازات كلمات وسخة ، أو تشكل كلمات وسخة). ليس ثمة سوى كلمات غير دقيقة لتسمية شيء ما بدقة فلنجترح كلمات خارقا، شريطتا أن نستخدمها الاستخدام الأكثر عادية ، حتى نجعل النوعية التي تسميها هي موجودة على قدم المساواة والشيء الأكثر شيوعا. لدينا اليوم طرائق جديدة للقراءة ، وربما للكتابة أيضا. منها ما هو رديء وقذر. يتوفر، مثلا، الانطباع بأن بعض الكتب مؤلفة من أجل القراءة التي يفترض أن يحققها عنها صحفي ما، هكذا بحيث لن تعود من حاجة للقراءة ، بل ، فحسب ، لكلمات جوفاه (ينبغي قراءة هذا! إنه لمدهش ! هيا: سترون !)، وذلك من أجل تفادي قراءة الكتاب وتهيئة المقالة . أما القراءات الجيدة اليوم ، فتتمثل في التوجه إلى معالجة كتاب مثلما نستمع إلى أسطوانة ، أو كما نشاهد فيلما أو برنامجا تلفزيونيا، وكما نتلقى أغنية : كل معالجة للكتاب تطالب باحترام خاص له ، وبانتباه من ضرب اخر، إنما هي اتية من عصر اخر وانها لتدين الكتاب نهائيا. ليس هناك مسألة صعوبة أو فهم قط : إن المفهومات هي بالضبط كمثل أصوات ، ألوان أو صورا إنها توهجات تناسبكم أو لا، وتفلح في المرور أو لا تفلح . فلسفة – لاولا(ت). ليس هناك ما يفهم ، ولا ما يؤول . أود أن أقول ماالاسلوب . إنه محاورة من يقال عنهم عادة ” إنهم بلا أسلوب … ” ليس الاسلوب بنيتا دالة، ولا منظومه مفكرا بها، ولا إلهاما عفويا، ولا تجويقا، ولا جملة موسيقيا تتكرر… إنه ترتيب : ترتيب قول . يتمثل الاسلوب في أن نتوصل إلى التأتأة في لساننا نفسه . هذا صعب ، لانه ينبغى أن تكون ثمة ضرورة لمثل هذه التأتأة . لا أن يكون المرء تمتاما في كلامه ، وانما أن يكون تمتام اللغة نفسها بالذات . أن يكون كمثل غريب في لسانه نفسه . أن يجترح منسربا أو خط هروب (ث). الامثلة .لاكثر سطوعا عندي هي: كافكا، بيكيت ، غيراسيم لوكا، وغودار. إن غيراسيم لوكا لشاعر كبير بين أكبر الشعراء. لقد ابتكر تأتأة رائعة، هي تأتأته . حدث له أن قدم قراءات لقصائده أمام الجمهور، مائتي شخص، ومع ذلك فقد كان هذا حدثا؛ إنه حدث يمر عبر مائتي مستمع . من دون أن يعود إلى مدرسة أو حركة . أبدا لا تمر الاشياء حيثما نحسب ، ولا بالطرق التي نحسب .

يمكن الاعتراض بأننا إنما نطرح أمثلة ملائمة ، فكافكا يهودي تشيكوسلوفاكي، كان يكتب بالالمانية ، وبيكيت إيرلندي يكتب بالانكليزية والفرنسية ، وغيراسيم لوكا روماني الاصل ، وغودار سويسري. ثم ماذا؟ ليست هذه مشكلة أي منهم . إن علينا أن نكون مزدوجي اللغة حتى داخل لغة بذاتها: علينا أن نحوز لغة أقلية (ج) داخل لغتنا نفسها بالذات ، علينا أن نستخدم لغتنا نفسها استخداما أقليا. ليست التعددية اللغوية هي حيازة نظم عديدة يكون كل واحد منها متجانسا في ذاته ، فحسب ، بل هي، أولا، خط الهروب أو التنويع الذي يمس كل نظام مانعا إياه من التجانس . لا أن نتكلم كإيرلندي آو رومانى في لغة أخرى سوى لغتنا، بل بالعكس ، أن نتكلم في لغتنا نفسها كأجنبي. يقول بروسة : “إن الكتب الجميلة مكتوبة في ضرب من لغة أجنبية . تحت كل كلمة ، يضع كل منا معناه أو على الاقل صورته التي هي في الغالب معنى خاطيء. لكن في الكتب الجميلة ، تظل جميع الاخطاء التي نرتكب جميلة ” (1) (ح). هذه هي الطريقة الجيدة في القراءة . جميع الاخطاء أو المعانى المضادة جميلة ، شريطة الا تشكل تأويل ، وانما أن تهم استخدام الكتاب ، أن تمدد استخداماته ، أن تجترح داخل لغتها لغة. “الكتب الجميلة مكتوبة في ضرب من لغة أجنبية …” هذا هو تعريف الاسلوب . وهذه أيضا مسألة صيرورة . دائما يفكر بمستقبل أغلبي (عندما ستكون كبيرا، عندما سأتسلم الحكم …) على حين يتمثل المشكل في الصيرورة – أقليا: لا أن نتصنع ، ولا أن نقلد أو نحاكي الطفل ، أو المجنون ، أو المرأة ، أو الحيوان ، أو التمتام أو الغريب ، وأنما نصير هذا كله ، حتى نبتكر قوى جديدة أو أسلحة جديدة .

الامر نفسه بالنسبة إلى الحياة . ثمة في الحياة ضرب من الخرف ، من هشاشة الصحة ، من البناء المعتل ، ومن التأتأة الحيوية التي هي سحر أحد ما. السحر منبع الحياة ، كما يكون الاسلوب منبع الكتابة . ليست الحياة هي تاريخك (حكايتك الشخصية)؛ إن من لا يتمتعون بسحر ليفتقرون إلى الحياة ، إنهم لكمثل الموتى. سوى أن السحر ليس هو الشخص كله . إنه ما

يمكن من القبض على الاشخاص كتركبات ، وفرص فريدة تمخضت عن هذه التركيبة . رمية نرد ظافرة بالضرورة ، لانها تؤكد الصدفة بما فيه الكفاية بدل أن تقطعها، او تطبعها بالاحتمال، أو تبترها. من هنا، فعبر كل تركيبة هشة إنما تتأكد ثورة على الحياة ، بقوة ، بعناد، ومواظبة في الوجود مالها من مثيل . إنه لغريب أن ترى إلى كبار المفكرين وهم يتمتعون بحياة شخصية هشة ، وصحة غير متيقنة ، في الوقت نفسه الذي يرفعون فيه الحياة إلى مصاف قدرة مطلقة أو “عافية موفورة ” . ليسوا أشخاصا، وانما هم تركباتهم الخاصة . إن السحر والاسلوب لكلمتان رديئتان ، وينبغي العثور على مفردات أخرى سواهما، واستبدالهما. ثم إنه في الاوان ذاته الذي يمنح فيه السحر الحياة قوة غير شخصية تتجاوز الافراد، يهب الاسلوب الكتابة غاية برانية تفيض عن المكتوب . وهما الشيء ذاته : فلا تتمتع الكتابة بغايتها في ذاتها، مثلما لا تمثل الحياة شيئا شخصيا. تجد الكتابة غايتها الوحيد في الحياة ، عبر التركبات التي تسحبها منها، بعكس ” العصاب ” (Nervose) (خ) الذي لا تكف الحياة فيه، بالضبط ، عن أن تجد نفسها مشوهة ، محقرة ، مشخصنة ، ومماتة ، والكتابة عن أن تتخذ نفسها غاية . إن نيتشه ، الذي كان ، بعكس العصابي، هائل الحيوية ، ومعتل الصحة ، قد كتب: “يبدو أحيانا أن الفنان ، وخصوصا الفيلسوف ، ليس سوى مصادفة في حقبته … إن الطبيعة التي لاتثب أبدا ، تقوم لدى ظهوره بوثبتها الوحيدة ، وانها لوثبة فرح ، ذلك أنها تشعر أنها بلغت (هنا) مرامها لاول مرة ، هناك حيث تدرن أنفا، باللعب مع الحياة والصيرورة ، كانت مدفوعة إلى رهان كبير. وهذا الاكتشاف يجعلها تتضوأ، وينطرح على محياها تعب المساء العذب ، هذا الشيء الذي يدعوه البشر بالسحر”(2).

عندما نعمل ، نكون بالضرورة في عزلة مطلقة . لا يمكن أن نشكل مدرسة ، ولا طرفا في مدرسة . ليس ثمة من عمل الا أسود وسريا. سوى أنها عزلة مأهولة بشدة . لا بالاحلام ، أو الاستيهامات ، أو المشاريع ، وانما بلقاءات . إن لقاء ربما كان يشكل والاعراس أوالصيرورة الشيء نفسه . من غور هذه العزلة نقدر أن نحقق جميع ضروب اللقاءات . نلاقي أناسا (وأحيانا من دون أن نعرفهم ومن دون أن نكون رأيناهم أبدا)، لكن كذلك حركات ، أفكارا، تنافيات ، نوعيات . لجميع هذه الاشياء أسماء شهرة ، لكن إسم الشهرة لا يحدد قط شخصا أو فاعلا. يحدد في الواقع تعرجا، شيئا ما يمر أو يحدث بين اثنين ، كما لو تحت ( تأثير) اختلاف في الاحتياطي : ” أثر كومبتون ” ، أو” أثر كللاان ” ( 10). نقول الشيء نفسه في ما يتعلق بالصيرورات : لا يصبح طرف الطرف الاخر، وانما يلاقي كل منهما الاخر، صيرورة واحدة لاتكون مشتركة للاثنين ، ما دام الواحد منهما لا يمت بصلة للاخر، وانما هى بين الاثنين ، وتتمتع باتجاهها الخاص ، كتلة صيرورة ، نمو غير متواز. وهذا هو القنص المزدوج ، الزنبور والسحلبية : حتى ولا شيء يكون في طرف ، أو في الاخر، وان يكونا موعودين بتبادل ، وامتزاج ، بل هو شيء بين الاثنين ، خارج الاثنين ، وانه ليجري في اتجاه أخر. أن نلاقي هو أن نعثر على …، أن نقتنص ، أن نسرق ؟ لكنه شيء بين الاثنين ، كل شيء هو ثمرة تهيئة طويلة . إن السرقة لهي مضاد الانتحال ، الاستنساخ ، التقليد، أو المحاكاة . والقنص هو دائما قنص مزدوج ، والسرقة سرقة مزدوجة ، وهذا لا يصنع شيئا متبادلا، وانما كتلة غير تناظرية، نموا غير متواز، أعراسا، دائما ” في الخارج ” ودائما ” بين ” . انذاك يكون حوار.

“نعم أنا سارق أفكار

لست -أرجوكم – خاطف أرواح لقد بنيت وبنيت ثانية

على ما هو في انتظار

لان رمل الشواطىء

يرسم قصورا كثيرا

في ما فتح

قبل زماني

كلمة، لحنا، خطا، حكاية

مفاتيح في الريح لاهرب من الفكر

ولاهرب أفكاري المغلقة نفحة فناء خلفي

ليس مشغلتي أن أجلس وأتأمل

مزجيا الوقت في التخمينات

مفكرا بأفكار هاهي من الفكر

وبأحلام لم يحلم بها

أو بأفكار جديدة لم تكتب بعد

أو بكلمات جديدة تلائم القافية …

إني لا أعبأ بالسنن الجديدة

طالما لم تجترح

وأنا أصرخ بما يغني في رأسي

عارفا أننا، أنا وجميع من هم مثلي،

من سوف نسنها، هذه السنن ،

واذا كان أبناء الغد

بحاجة لسنن اليوم،

فلتحتشدوا جميعا أيها القضاة

ما دام العالم ليس سوى محكمة

نعم

لكني أعرف المتهمين أفضل منكم

وفيما تنهمكون في الملاحقات

ننهمك نحن في الصغير

ننظف قاعة المحاكمة

نكنس ونكنس

نصغي ونصغي

غامرين بعضنا لبعض

انتبهوا

الا انتبهوا

لن يتأخر دوركم قط ” (3).

كبرياء قصيدة بوب ديلان هذه روعتها، وتواضعها. إنها لتقول كل شى ء. أطمح ، كأستاذ جامعي، أن أقدم درسا كما ينظم أيلان أغنية ، كمنتج مدهش أكثر منه مؤلفا. وليبدأ الشيء مثلي عنده ، فجأة ، مع قناعه قناع المهرج ، ومع فن لكل تفصيل مدروس ، مع أنه مرتجل . إنه ضد المنتحل ، لكن في الاوان ذاته ضد المعلم أو الانموذج . تهيئة طويلة جدا، لكن بلا منهج ولا قواعد أو وصفات . أعراس ، لكن بلا زوج ولا زيجة . أن أمتلك كيسا لاضع فيه كل ما ألاقي، لكن شريطة أن أرضع في كيس أنا أيضا. العثور، الملاقاة ، السرقة . بدل التنظيم ، أو الاقرار أو الحكم .ذلك إن الاقرار هو نقيض اللقاء. يظل الحكم مهنة الكثير من الناس ، وهو ليس بالمهنة الجيدة ، لكن هذا هو أيضا الاستخدام الذي يخضع كثيرون له الكتابة. إن لافضل أن نكون كناسين من أن نكون قضاة . بقدر ما نخطيء في حياتنا، نمنح دروسا. لا أحد يضاهي الستالينيين في إعطاء دروس في اللا-ستالينية والاعلان عن سنن جديدة ” . إن هناك سلالة كاملة من القضاة ، وان تاريخ الفكر ليختلط بتاريخ محكمة ، إنه ينادي بانتمائه إلى محكمة العقل المحض أو الايمان المحض … لذا يتكلم الناس بمثل هذه السهولة باسم الاخرين وبدلا عنهم ، ويحبون الاسئلة إلى هذا الحد ويعرفون بهذه الدرجة من الجودة طرحها والاجابة عليها. هناك أيضا من يطالبون بأن يحكم عليهم ، لا لشيء إلا ليقر بهم مذنبين . ينادى في القضاء بالامتثال ، حتى إذا كان ذلك لقواعد تخترع ، أو لمتعال نزعم إماطة اللثام عنه ، أو لمشاعر نرفضها. إن العدالة ، وقوة الاصابة (في الحكم أو التشخيص)، لهما فكرتان رديئتان . ضدهما ينبغي أن ندفع بصيغة غودار : لاصورة صائبة ، بل مجرد صورة . الشيء نفسه في الفلسفة ، مثلما في فيلم أو أغنية : لا أفكار صائبة ، وانما أفكار وليس أكثر، ذلكم هو اللقاء، تلكم هي الصيرورة ، السرقة ، الاعراس ، ” ما بين ” العزلات هذا. عندما يقول غودار: أريد أن أكون مكتب إنتاج ، فهو لا يقصد بالطبع : أريد إنتاج أفلامي، أو أريد نشر كتبي بنفسي . بل يقصد ( إنتاج) أفكار فحسب ، لاننا، عند هذا المصاف، نكون وحيدين تماما، إنما كمثل جماعة أشرار أيضا. لم يعد الواحد مؤلفا، وانما مكتب إنتاج ، وهو أبدا لم يكن مأهولا أكثر منه الان . أن يكون ” عصبة ” : تعيش العصب أشد المخاطر. يمكن أن نعيد ترميم قضاة ، ومحاكم ومدارس ، واسر وزيجات ، لكن ما هو جيد في عصبة ، مبدئيا، هو أن كلا يتابع فيها قضيته الخاصة في الاوان ذاته الذي يلاقي فيه الاخرين ، كل يذهب بأسلابه ، وان صيرورة لترتسم ، وكتلة تشرع بالحركة ، وهى لا تعود إلى أحد، وانما هي ” بين الناس جميعا، كمثل قارب يطلقه صغار ويفقدونه ، ويسرقه اخررن . ما فعل يا ترى غودار وميلفيل في المحاورات التلفزيونية ” ست مرات اثنين ” ، إن لم يكن الاستخدام الاكثر ثراء لعزلتهما، واستعمالها كوسيلة تلاق ، وجعل خط أو كتلة تمر بين شخصين ، وانتاج جميع ظواهر القنص المزدوج ، والابانة عن أن ” واو” العطف لاتشكل اجتماعا ولا تجاورا، وانما نشأة تأتأة ، وأثر خط متكسر ينطلق على الدوام في حيدان ، ضرب من خط هروب فاعل وخلاق ؟ و…و…و…

ليس ينبغي البحث عما إذا كانت فكرة صائبة أم مخطئة . ينبغي البحث عن فكرة أخرى مختلفة، في محل أخر. في ميدان اخر، بحيث يمر بين الاثنتين شيء ما، لا يكون في احداهما ولا في الثانية . الحال ، إننا لا نعثر على هذه الفكرة وحدنا عموما، بل تلزم صدفة ، أو أحد يهبنا إياها. ليس ينبغي أن يكون المرء عارفا، أن يعرف هذا الميدان أو ذاك ، وانما أن يتعلم هذا أو ذاك في ميادين جد مختلفة . وان هذا لافضل من القطع “cut – up ” (ذ) . هو بالاحرى إجراء ” pick – me – up ” (إنعاش)، إجراء ” pick – up ” ، وهو -في المعاجم : الاقتناص ، انتهاز الفرصة ، استئناف عمل محرك ، التقاط الموجات : ثم إن هناك المعنى الجنسي للمفردة. مايزال ” قطع ” بورو Burroughs يشكل منهج احتمالات ، لغوية على الاقل ، ولا يشكل ، بعد، إجراء اقتراع أو فرصة فريدة في كل مرة ، تقوم بتركيب المتنافرات . فمثلا، أنا أحاول أن أوضح أن الاشياء، والناس ، مؤلفون من خطوط بالغة التنوع ، وأنهم لا يعرفون بالضرورة في أي خط من أنفسهم هم كائنون ، ولا أين يحررون الخط الذي هم بصدد رسمه . بإيجاز، إن هناك في الناس جغرافية كاملة ، مع خطوط صلبة ، وأخرى مرنة ، وخطوط هروب ، الخ… ألتقي صديقي جان -لايير الذي يفسر لي ، بصدد شيء اخر، أن ميزان النقد يتضمن خطا بين نمطين من العمليات ، بسيطين في الظاهر، لكن هذا الخط بالتحديد يقدر الاقتصاديون تمريره في أيما محل ، وعلى هذه الشاكلة بحيث لا يعرفون قط أين يمررونه . إنه تلاق ، لكن مع من؟ مع جان -لايير، مع ميدان ، مع فكرة ، مع كلمة ، أو إيماءة ؟ مع فانى (ر)، لم أتوقف عن العمل على هذه الشاكلة . هذه الافكار دائما أمسكت بي ” بالمقلوب ” ، اتية من محل اخر بعيد تماما، وبحيث كنا نتلاقى كعلامات تصدر عن مصباحين . تعثر فأنى في عملها على قصائد للورنس بخصوص السلاحف ؟ ماكنة لاعرف شيئا عن السلاحف ؛ ومع ذلك فإن هذا يغير كل شيء بصدد الصيرورات الحيوانية ، إنه ليس من المؤكد أن في مقدور اي حيوان أن يجتذب إلى هذه الصيرورات . ربما السلاحف ؟ أو الزرافات ؟ هوذا لورنس يقول : “إذا كنت زرافة ، وكان الانجليز الذين يكتبون عني كلابا حسنة التربية ، فلا شيء على ما يرام ، فالحيوانات مفرطة الاختلاف . تقولون أنكم تحبونني: صدقونى، إنكم لا تحبونني، بل تكرهون بالغريزة الحيوان الذي أكون “. إن أعداءنا لكلاب . لكن ما هو بالضبط لقاء مع كائن نحب ؟ أهو لقاء مع أحد، أم مع حيوانات تأتى لتسكننا، أو مع أفكار تغزونا، حركات تدفعنا، وأصوات تخترقنا؟ وكيف نميز بين الاشياء؟ أقدر أن أتحدث عن فوكو، أن أحكي أنه قال لي هذا الشيء أو ذاك ، أن أروي بالتفصيل كيف أراه . لكن ليس هذا بشيء زي بال ، طالما لم أعرف كيف ألاقي حقا هذا المجموع من الاصوات المتدافعة ، والحركات الحاسمة ، والافكار التي هي جميعا من خشب ناشف ونار، والانتباه المتطرف والانفلاق المفاجيء، والضحك والابتسام الذي تحس به ” خطيرا ” في اللحظة نفسها التي تحس فيها بحنانه – هذا المجموع بما هو تركيبة فريدة إسم شهرتها هو ميشيل فوكو. رجل بلا مراجع ، كما يقول فرانسوا إيوالد: إنه لاجمل إطراء ممكن … جان -لايير، الصديق الوحيد الذي لم أهجره أبدا، وأبدا لم يهجرني… وجيروم (ز)، هذا الخيال الماشي ، الذي هو في حركة ، المخترق من كل جانب بالحياة ، والذي يتغذى سخاؤه وحبه من بؤرة وحيدة ، هي يونس … في كل واحد منا، ثمة ما يشبه الزهد، الموجه في جانب منه ضد أنفسنا. نحن صحراوات ، لكنها مأهولة بقبائل ، بوحوش وممالك من الزهر. ونحن ننفق أوقاتنا في ترتيب هذه القبائل ، في تنظيمها على نحو مختلف ، في حذف بعضها، وجعل بعض أخر منها يزهر. وجميع هذه الشعوب ، هذه الحشود، لا تعيق الصحراء، التي هي زهدنا نفسه بالذات ، بل بالعكس تأهلها، وتمر بها، فوقها. في غواتاري، كان ثمة دائما شعاع وحشي ، موجه في جانب منه ضد نفسه. إن الصحراء، التجريب على الذات ، هي هويتنا الوحيدة ، حظنا الوحيد لجميع التركبات التي تسكننا. أنئذ يقال : لسقم معلمين ، لكنكم في هذه الحالة خانقون أكثر. كم كنا نود أن نكون شيئا أخر.

تلقيت إعدادي على أيدي فيلسوفين كنت أمحضهما مودة واعجابا كبيرين . ألكييه Alquie وهيبوليت Hyppolite. ثم فسد كل شيء. كان للاول يدان طويلتان بيضاوان وتأتأة لم نكن لنعرف إن كانت أتية من الطفولة أم أنها كانت هنا لتخفي، بالعكس ، لهجة ولادية كانت تضع نفسها في خدمة الثنائيات الديكارتية . والاخر، كان له وجه قوي، بملامح ناقصة ، وكان يوقع بقبضته الفقرات الهيغلية شابكا الكلمات . مع تحرير باريس ، وجدنا أنفسنا حائرين في تاريخ الفلسفة بغرابة . كنا ببساطة ندخل إلى (فلسفة) هيغل وهرسرل وهايدغر. نتدافع ككلاب ناشئة في تعليم كان أسوأ مما في العصر الوسيط . ومن حسن حظنا أنه كان هناك سارتر. كان سارتر بالنسبة الينا هو الخارج ، كان حقا نفحة من الغناء الخلفي (وما كان ليهم كثيرا أن نعرف ما كانت بالضبط علاقاته بهايدغر من وجهة نظر تاريخ قادم). بين جميع احتمالات السوربون ، كان هو التوليفة الوحيدة التي تمدنا بالقوة لنحتمل عودة الاشياء إلى نصابها من جديد. ولم يكف سارتر عن أن يكون هذا، لا أنموذجا، ولا منهجا أو مثالا، وانما شيئا من الهواء النقي تيار هواء حتى إذا كان أتيا من مقهى ” فلور” ، مثقفا يغير وضعية المثقف بفرادة . إن لمن الغباء التساؤل إن كان سارتر بداية شيء ما، أو نهايته . كجميع الاشياء والافراد الخلاقين ، هو في الوسط ، ينمو من الوسط . يبقى أنني أبدأ لم أشعر بالانجذاب إلى الوجودية يومذاك ، ولا إلى الظاهراتية (الفينومينولوجيا)، لا أدري لم ، حقا، لكن هذا كله كان يبدو في ذمة التاريخ عندما أتينا نحن ، وفرة مفرطة من المنهج ، ومن المحاكاة ، والتفسير، والتأويل ، الا لدى سارتر. واذن ، فبعد التحرير، أطبق تاريخ الفلسفة علينا، حتى بدون أن نفطن إلى ذلك، بحجة تفتيح أعيننا على مستقبل فكر هو في الاوان ذاته الفكر الاكثر عتقا. لا يبدو لي أن ” مسألة هايدغر” هي: هل كان نازيا نوعا ما (هذا بديهي، هذا بديهي)، وانما: ما كان دوره في هذه الحقبة الجديدة من تاريخ الفلسفة ؟ إن الفكر لشيء لا يحمله محمل الجد تماما إلا من يزعمون كونهم مفكرين ، وفلاسفة محترفين . لكن هذا لا يمنع أن يكون له – أي للفكر- أجهزته السلطوية عندما يقول للناس : لا تحملوني محمل الجد ما دمت أفكر من أجلكم ، وما دمت أمنحكم امتثالا، معايير وقواعد، صورة يمكنكم الانصياع اليها سيما وأنكم ستقولون :”ليس هذا شأني، ما لهذا من أهمية ، إنها قضية الفلاسفة ونظرياتهم المحض “.

دائما، كان تاريخ الفلسفة عامل السلطة داخل الفلسفة ، بل وحتى داخل الفكر. لعب دور القامع: كيف تريدون التفكير من دون قراءة افلاطون ، وديكارت ، وكانت وهايدغر، وكتاب هذا عنهم، أو ذاك ؟ مدرسة رهيبة للتجفيل ” تفبرك ” اختصاصيين للفكر، لكنها تدفع كذلك من يبقون في الخارج إلى الامتثال هم أيضا، وبأكثر قوة ، إلى هذا الاختصاص الذي يزدرونه .إن صورة للفكر، إسمها الفلسفة ، قد تأسست تاريخيا، وهي تمنع من التفكير حقا. إن علاقة الفلسفة بالدولة لا تأتى فحسب من كون أغلب الفلاسفة كانوا، منذ ماض قريب ، ” أساتذة عموميين ” (مع إن هذه الحقيقة كان لها معنى مختلف في كل من فرنسا وألمانيا). إن العلاقة لاتية من بعيد. ذلك أن الفكر يستمد صورته الفلسفية بصورة محض من الدولة باعتبارها داخلا جميلا جوهريا أو ذاتيا. إنه يخترع دولة روحانية بصريح التعبير، بما هي دولة مطلقة ، لاتكون قط حلما مادامت تعمل في الفكر فعلا. من هنا أهمية مفهومات كالكونية ، والمنهج ، والسؤال والاجابة ، والحكم والاقرار أو التمييز، والافكار الصائبة ، امتلان أفكار صائبة دوما. ومن هنا أيضا أهمية موضوعات كجمهورية الافكار، ومبحث الفهم ، ومحكمة العقل ، و” حق ” محض للفكر، مع وزراء داخلية الفكر المحض وموظفيه . إن الفلسفة لمخترقة . بما هي مشروع تشكيل اللغة الرسمية لدولة محض . وعلى هذه الشاكلة تتطابق ممارسة الفكر مع أهداف الدولة الفعلية والدلالات المهيمنة مثلما مع إلزامات النظام القائم . قال نيتشه كل شيء في هذا الصدد في “شوبنهاور مربيا” . وما يجد نفسه مسحوقا، ومدانا، باعتباره مزعجا، هو كل ما ينتمي إلى فكر بلا صورة ، كالبداوة ، وماكنة الحرب ، والصيرورات ، والاعراس المنافية للطبيعة ، والقنص، والسرقات ، وما يقيم بين عالمين (الانسانى والحيواني مثلا)، واللغات الاقلية ، والتأتأت في اللغة ، الخ … أكيد أن ميادين أخرى سوى الفلسفة وتاريخها يمكن أن تلعب دور قامع الفكر، هذا. يمكن اليوم حتى أن نقول أن تاريخ الفلسفة قد أفلس ، وأن “الدولة لم تعد بحاجة للمصادقة عليها من لدن الفلسفة “. إلا أن منافسين صارمين احتلوا من قبل مكانها. لقد انتزعت الابستمولوجيا الراية من فلسفة التاريخ . والماركسية تطلق حكما للتاريخ بل حتى (تقيم) محكمة للشعب هما بالاحرى أكثر إقلاقا من السابقين . والتحليل النفسي يعنى أكثر فأكثر بوظيفة ” الفكر ” ويتزوج الالسنيات ، لا بدون حق . هذه الاجهزة الجديدة سلطة داخل الفكر نفسه ، ويؤلف ماركس وفرويد وسوسير قامعا غريبا برؤوس ثلاثة ، لغة كبرى مهيمنة : التأويل ، التحويل ، والتعبير أو القول هي أشكال جديدة “لصائب” الافكار. حتى المؤشر النحوي لشومسكي هو، أولا، مؤشر سلطة. لقد انتصرت الالسنيات في الاوان ذاته الذي راح الاعلام يتنامى فيها كسلطة ، ويفرض صورته عن اللغة والفكر، المتطابقة وتوصيل الايعازات وتنظيم التكرارت . ليس من كبير معنى في التساؤل إن كانت الفلسفة ماتت ، في حين تضطلع بوظيفتها مباحث أخرى كثيرة . إننا لا ننادي بأي حق بالجنون ، لفرط ما يمر الجنون نفسه بالتحليل النفسي والالسنيات مجتمعين ، ولفرط ما أصبح مخترقا بالافكار الصائبة وبثقافة متينة أو بتاريخ بلا صيرورة ، ولفرط ما يتمتع بمهرجيه وأساتذته وقادته الصغار.

بدأت إذن بتاريخ الفلسفة ، عندما كان ما يزال فارضا نفسه . وما كنت لاهتدي إلى وسيلة للخروج منه لحسابي الخاص . لم أكن أحتمل لا ديكارت ، ولا ثنائيات الكوجيتو، ولا هيغل وثلاثياته وعمله السلبي. فوجدتني محبا لفلاسفة كان يبدو عليهم أنهم منخرطون في تاريخ الفلسفة ، لكنهم كانوا يفلتون منه من جانب ما أو من الجوانب جميعا: لوكريس ، سبينوزا، هيوم ، نيتشه ، برغسون . لا شك أنه ما من تاريخ للفلسفة الا ويقدم فصلا عن التجريبية : يتمتع فيه لوك وبيركلي بمكانهما، لكن هناك لدى هيوم شيئا بالغ الغرابة يحول التجريبية بكاملها، ويمنحها قوة جديدة ، مراسا ونظرية في العلاقات ، في “الواو” العاطفة ، صحيح أن هذا كله سيستمر لدى روسل ووايتهيد، لكنه سيظل جوفيا أو هامشيا بإزاء التصانيف الكبرى، حتى عندما يلهم تصورا للمنطق والابستمولوجيا جديدا. وصحيح أيضا أن برغسون كان مأخوذا في تاريخ الفلسفة على الطريقة الفرنسية ، ومع هذا فإن فيه شيئا غير قابل للاستيعاب ، شكل هو من خلاله رجة ، وتحالفا لجميع المعارضين ، ومحط أحقاد كثيرة ، ولا يتمثل هذا في موضوعة الديمومة بقدر ما في نظرية الصيرورات المتنوعة والتعدديات المتعايشة وممارستها. وسبينوزا، يظل من السهل حتى أن نهبه المكان الاكبر في تتمة الديكارتية ؟ سوى إنه يفيض من هذا المكان من جميع الجهات ، وما من ميت حي يرفع بمثل هذا القوة غطاء قبره ، ويقول بمثل هذه النصاعة : لست منكم . سبينوزا هو من اشتغلت عليه بالقدر الاكبر من الجدية بحسب معايير تاريخ الفلسفة ، لكن هو أيضا من وفر لي أكثر من سواه الاحساس بتيار هواء يدفع المرء من قفاه كلما جاء إلى قراءته ، وبمكنسة ساحرة يجعلك تمتطيها (كدابة). إننا حتى لم نبدأ بفهم سبينوزا بعد-أنا أكثر من سواي. جميع هؤلاء المفكرين معتلو الصحة ، لكنهم مخترقون بحياة لا تتجاوز. لا يعملون الا بقوة إيجابية ، توكيدية . لديهم ضرب من عبادة للحياة (أحلم بتحرير مذكرة لاكاديمية العلوم الاخلاقية ، لاري أن كتاب لوكريس لا يمكن أن يختتم بوصف الطاعون ، وأن هذا تلفيق ، وتحريف من لدن المسيحيين الراغبين بإثبات أن مفكرا شريرا يجب أن يجد نهايته في الحصار والرعب .) لا يتمتع هؤلاء المفكرون بعلاقات ذات بال بعضهم ببعض خلا نيتشه وسبينوزا- ومع ذلك فهم يتمتعون بعلاقات . لكأن شيئا يمر بينهم ، بسرعات وتوهجات متباينة ، وهو لايكمن في بعضهم ولا في البعض الاخر، وانما في فضاء لم يعد ليشكل جزءا من التاريخ حقا، وهو ليس حوار موتى وانما تخاطب ما بين – كواكبي، بين نجوم بالغة التباين ، تشكل صيروراتها المختلفة كتلة متحركة سينبغي اقتناصها، طيرانا متبادلا، سنوات ضوئية . بعد هذا، كنت قد سددت ديوني: لقد عفا عني نيتشه وسبينوزا. فألفت كتبا لحسابي الخاص أكثر. أعتقد أن ما كان يهمني في جميع الاحوال هو وصف هذا المراس للفكر، إما لدى مؤلف ، أو لذاته من حيث يتضاد والصورة التقليدية التي عكستها الفلسفة وأقامتها في الفكر لاخضاعه ومنعه من العمل . لكنني لا أريد أن أستعيد هذه الايضاحات ، إذ حاولت من قبل أن أقول هذا كله في رسالة إلى صديق ، هو ميشيل كريسول، الذي كتب عني أشياء جد طيبة وشريرة .

غير لقائي وفيليكس غواتاري أشياء كثيرة . كان لفيليكس من قبل ماض طويل في العمل السياسي والتحليل النفسي . لم يكن صاحب ” إعداد فلسفي ” ، لكنه كان يتمتع بصيرورة – فيلسوف ، وبصيرورات أخرى كثيرة . ما كان ليتوقف . إن أشخاصا قليلا وفروا لي إنطباعا هائلا بالتحرك في كل لحظة ، لا التبذل ، وانما التحرك بكامله بفعل إيماءة يقوم بها، كلمة يقولها، نبرة صوت ، كمثل ” مشكال ” يستمد في كل مرة توليفا جديدة . كان هو دائما فيليكس نفسه لكن اسم شهرته كان يسمي شيئا يحدث فيه ، وليس ذاتا.

كان فيليكس رجل فريق ، عصب وقبائل ، ومع ذلك فهو رجل وحيد، صحراء مأهولة بكل هذه الفرائق ، بجميع أصدقائه وجميع صيروراته . إن كثيرين قد مارسوا من قبل العمل الثنائي، من الاخوين غونكور حتى إيركمان – شاتريان ، ولوريل وهاردي. لكن ليس هنا من قواعد، ولا من وصفة عامة . كنت في كتبي السابقة قد حاولت وصف مراس معين للفكر: لكن لم يكن وصفه ليعني، بعد، ممارسة الفكر على هذه الشاكلة . (مثلما لا يكفى أن نصرخ ” يحيا المتعدد” لاجتراحه ، بل يجب اجتراح المتعدد. ولا يكفي كذلك أن نقول : ” تسقط الانواع ” بل ينبغي الكتابة فعليا بحيث لا يعود ثمة ” أنواع ” ، الخ …) وأن هذا كله يصبح ، مع فيليكس ، ممكنا، وان طاشت ضربتنا أحيانا. لم نكن سوى اثنين ، لكن ما كان يهمنا لم يكن العمل معا بقدر ما هذه الواقعة الغريبة المتمثلة في الكتابة بين الاثنين . صار الواحد يكف عن أن يكون ” مؤلفا “. وكان ما -بين – الاثنين هذا يحيل إلى أناس أخرين ، مختلفين من ناحية وأخرى. صارت الصحراء تتنامى، لكن مأهولتا أكثر فأكثر. لم يكن هذا ليمت بصلة لمدرسة ، أو لعملية “تزهين” (من ” الذهن “)، بقدر ما بلقاءات . وكل هذه الحكايات ، حكايات الصيرورات والزيجات المنافية للطبيعة ، والنمو غير المتوازي، والازدواج اللغوي وسرقة الافكار، عشته أنا مع فيليكس . لقد سرقت فيليكس ، وأمل أن يكون قام بإزائي بالشيء نفسه . تعرفين كيف نعمل ، أكرر قول هذا لانه يبدو لي مهما، إننا لا نعمل معا وانما بين الاثنين . في مثل هذه الظروف ، وما أن يكون ثمة هذا النمط من التعددية ، يكون الامر نوعا من سياسة ، سياسة ” مجهرية ” . وكما يقول فيليكس ، فقبل الكينونة هناك السياسة . إننا لا نعمل ، بل نتفاوض . أبدا لم نكن في الوتيرة نفسها، بل دائما في انزياح : ما كان فيليكس يقوله لي ، كنت أفهمه وأقدر أن أستخدمه بعد ستة أشهر: وما كنت أقوله له ، كان هو يفهمه على الفور، بأسرع مما يلزم بالنسبة إلى ذوقي، ثم ها هوذا في محل أخر. كنا أحيانا نشتغل على المفهوم ذاته ، ثم نلاحظ أننا لم نكن نقبض عليه بالشاكلة نفسها: هكذا مثلا، : ” الجسد المجرد من الاعضاء ” ، أو مثال أخر: كان فيليكس يشتغل عي الثقوب السوداء(س) . إن هذا المفهوم الفلكي ليفتنه . إن الثقب الاسود هو ما يقتنصكم ولا يعود يسمح لكم بالخروج . كيف يمكن الخروج من ثقب أسود؟ كيف يمكن البث إنطلاقا من غور ثقب أسود؟، هكذا كان فيليكس يتساءل . أنا كنت أعمل بالاحرى على جدار أبيض : ما جدار أبيض ، ما شاشة ، وكيف يمكن نشر الجدار وتمكين خط هروب من أن يمر؟ لم نجمع بين المفهومين الاثنين ، بل لاحظنا أن كلا منهما ينزع إلى الاخر من تلقاء ذاته ، لكن ، وبالتحديد، لانتاج شيء لم يكن قائما لا في أحدهما ولا في الاخر. ذلك أن ثقوبا سوداء على حائط أبيض هي بالتحديد: وجه ، وجه واسع أبيض الخدين ومثقوب بعينين سوداوين . إنه لا يشبه ، بعد، وجها، بل هو بالاحرى تركب الماكنة المجردة التي ستنتج وجها. واذا بالقضية تعاود الانبثاق من جديد، سياسية : ما المجتمعات ، أو الحضارات المحتاجة إلى تشغيل هذه الماكنة ، أي إلى أن تنتج ، أن ” تضاعف ترميز” الجسد كله والرأس بمعونة وجه ، ولاي غاية ؟ إن وجه المحبوب ، وجه الرئيس ، و” توجيه ” (اجتراح وجه) الجسم الفيزيائي السياسي ،. هذه أشياء لا تحدث تلقائيا… هاهي زي تعددية ، ذات ثلاثة أبعاد على الاقل ، فلكية ، وجمالية وسياسية . ونحن أبدأ لا نستخدم مجازات ، إننا لا نقول : ” كمثل ” ثقوب سوداء في الفلك أو ” كمثل ” لوحة بيضاء في الرسم . بل نستخدم مفردات ” مرحلة ” ، أي منتزعة من ميدانها، لاعادة موضعة مفهوم أخر، ” الوجه “، و”الوجهية ” كوظيفة اجتماعية . بل أسوأ من هذا أيضا: إن الافراد مدفوعون بلا هوادة في ثقوب سوداء، ومسمرون إلى جدار أبيض . هذا هو أن يكون المرء محدد الهوية ، مؤرشفا، معروفا: ناظما مركزيا يعمل كثقب أسود ويكنس جدارا أبيض بلا أطر. إننا نتكلم حرفيا. وان علماء الفلك ليفكرون بالفعل بإمكان أنه ، في ركام كواكبي، تجتمع ثقوب سوداء من جميع الانواع في المركز داخل ثقب وحيد من كتلة ضخمة … جدار أبيض -ثقب أسود، هذا في نظري مثال أنموذجي للطريقة التي يترتب فيها بيننا عمل ، لا اجتماع ولا تجاور، وانما خط منكسر يمر بين اثنين ، تكاثر، أخطبوطات .

هذه طريقة ” التقاط ” أو” قنص ” (بيك -أب). كلا، إن المفردة “طريقة ” لرديئة . إلا أن ” البيك -اب ” بما هو اجراء، هو مفردة اخترعتها فاني، التي تخشي فقط أنها تمثل لعبا مفرطا على الكلمات . ” البيك -أب ” تأتأة . لا قيمة له الا بالتعارض مع ” قطع ” ( ” كات -أب ´´) بورو : لا قطع ، ولا تجعيد، ولا طي، وانما تهديدات بمقتضى أبعاد متنامية . لا يقام بالـ´´ “لايك -أب ” ، أو السرقة المزدوجة ، أو النمو غير المتوازي، بين شخصين ، وانما بين أفكار تترحل كل واحدة منها في الاخرى، بموجب خط أو خطوط ليست في احداها ولا في الثانية ، وتجرف ” كتلة ” . لا أريد التفكير بأشياء من الماضي. نحن ، أنا وفيليكس ، بصدد الفروغ الان من كتاب ضخم . لقد انتهى تقريبا، وسيكون الاخير(ش). بعد هذا سنرى. سنقوم بأشياء أخرى. أريد إذن الكلام عما نقوم به حاليا. لا واحدة من هذه الافكار الا وهي أتية من فيليكس ، من ناحية فيليكس (الثقب الاسود، السياسة المجهرية ، الترحيل ، الماكنة المجردة ، الخ …) إنها اللحظة ، الان أو أبدا، لممارسة الطريقة : نقدر أنت وأنا، أن نستخدمها، في كتلة أخرى أو من ناحية أخرى، مع أفكار لك ، بحيث ننتج شيئا لا يكون لاي منا، وانما بين 3.2، 4… ، إلى ما لا نهاية له . لم يعد هذا (شيئا من قبيل) ” فلان يفسر فلان ” ، ” توقيع فلان ” ، “دولوز يتحدث عن دولوز” ، توقيع المحاور” …، وانما ” دولوز يتحدث عن غواتاري، توقيعك أنت ” . هكذا يصبح الحوار وظيفة حقة . من ناحية (فلان)… ينبغي أن نضاعف الجهات ، أن نكسر، لصالح المضلعات ، كل دائرة .

(أ) : طوال هذا الكتاب ، يقرأ التعبير “صيرورة – ثوري”، “صيرورة -طائر”، الخ ، كمفردة مركبة لاتفيد الاضافة (صيرورة الطائر)، وانما التحول : تحول الطرف المعني- موتسارت مثلا- إلى طائر. وربما كان الافضل (وهذا ما نقوم به عندما تسمح به الصياغة) قراءتها على الحالية : “الصيرورة -طيرا”، “الصيرورة -ثوريا”، الخ . ..

(ب) : بصدد ” الترحل ” و:الترحيل ” وما يرتبط بهما، راجع كشاف المصطلحات (المترجم).

(ت) : فلسفة -لاولا: أي فلسفة “شعبية “، من “pop”، وهي مختصر “populaire ” (الانجليزية “popular “)، مثلما نقول pop-music ( للموسيقى الشعبية (المترجم).

(ث) : خط هروب (أو:منسوب): راجع بهذا الصدد كشاف المصطلحات (المترجم) .

(ج): اللغة الاقلية ، الادب الاقلي أو الادب الصغير: لا يشترط أن تكون اللغة ممثلة هنا لاقلية محددة تاريخيا وجفرافيا، بل كل لغة تنشأ على الهامش هي أقلية ، ويمكن أن تكون “لسان ” فرد أو جماعة ، فالمفرد ة تعمل هنا بقوة مجازية أو قوة ثانية . يتحدث دولوز وغواتاري أيضا، في كتاب لهما معروف من كافكا، عن “الادب الصغير” rature mineure,Litt، بمعنى الادب الاقلي هذا بالذات ، وبالتعارض مع الادب الكبير، المؤسس ، الراشد، والذي يفضي الى كتابة “معيارية ” أو” قانونية ” (المترجم).

(1): لاروست ، “ضذ سانت -بولا” Proust, Contre d. Gallimard, p. 303, Beuve, – Sainte

(ح): المعنى الخاطيء هو بالفرنسية : contresens، والكلمة تعني في حرفية اشتقاقها: ” معنى ضد ” ، أو ” ضد معنى ” ، وهذا مما يمنح مقولة لاروست هنا قوتها (المترجم).

(خ): العصاب : للتفريق -الاساسي- بينه وبين “الذهان “، لك أن تراجع كشاف المصطلحات (المترجم).

(2): نيتشه ، “شوبنهاور مربيا”: Nietzsche, Schoducateur.,penhauer

(د) : الاثر كوملاتون Copmton: نسبة إلى الفيزيائي الامريكي كوملاتون ، الذي اكتشف ، بين أشياء أخرى، أثر تفاعل الشعاع × (وله طبيعة الضوء) مع ذرته بما ينتج عنه انزاح للشعاع الحاصل ينجم عنه أليكترون (كهيرب). أما الاثر كللاان Kelvin فنسبة إلى الفيزيائي الانجليزي ثومسون كللاان الذي أثبت أن تمدد غاز فعلي ذي طاقة داخلية ثابتة يقود إلى ابتراده. وفي الحالتين ، فإن مايشير اليه دولوز هو إمكان الانزياح داخل مسار معين أو حالة معينة لدى الاتصال بوسط اخر أو لدى توافر أدنى عامل مساعد، وما يتمخض عنه هذا الانزياح (المترجم).

(3): بوب أيلان ، “كتابات ورسوم “: Bob Dylan, Ecrits et dessins, d. Seghers.

(ذ): “الكات -اب “، القطع أو التقطيع ، هو نوع من الكولاج الادبي، شاع استعماله عند الكاتب الاميركي المعروف وليام بورو (من ” البيتنكز “)، يقوم فيه بتشويش جمل يختارها لا على التعيين من الصحف أو من المحاورات العادية . ويفضل عليه دولوز تقنية “اللايك -اب ” التي يأتي شرحها في صلب المقالة (المترجم).

(ر): هي زوجة الفيلسوف . كانت عارضة أزياء، وقد ترجمت إلى الفرنسية نصوصا للكاتب الانجليزي د.ه . لورنس . يعزو لها دولوز إلهام عدد من أفكاره (المترجم).

(ز): هو جيروم لندون ، الناشر الفرنسي المعروف ، صاحب منشورات “مينوي” (“منتصف الليل “) الذي احتضن ، قبل اشتهارهم ، كتابا طليعيين عديدين ، من بيكيت إلى فاتالي ساروت فكلود سيمون ، وله كتاب في يونس النبي طالما استشهد به دولوز (المترجم).

(س):واضح أن دولوز يوظف هنا فكريا مصطلح “الثقب الاسود” الذي يطلقه علماء الفلك على مايشاهد أحيانا في السماء من بقع مبهمة لا تتوصل المراصد إلى تشخيص مافيها، هباء أم كواكب أخرى نائية في البعد (المترجم).

(ش): صدر في 1980 بعنوان : “ألف هضبة “، تجد منه في الكتاب الحالي فصلا بعنوان : “الجذمور”. ووضعا بعده كتابا مشتركا اخر عنوانه : “ماهي الفلسفة ؟” تجد منه هنا أيضا فصلا بعنوان : “جيو-فلسفة ” (المترجم).

الجذمور (أ)

( بالاشتراك مع فيليكس غواتاري)

اشتركنا في كتابة “الضد- أوديب “(ب). ولما كان كل واحد منا (أشخاصا) عديدين ، فإن هذا يصنع بشرا كثيرين . هنا، استخدمنا كل ما ما يقاربنا، الادنى والابعد. وزعنا أسماء مستعارة حاذقة ، لنحيلها عصية على التعرف . لم احتفظنا باسمينا؟ بحكم العادة ، وليس أكثر. لنحيل نفسينا عصيين على المعرفة نحن أيضا. لنحيل عصيا على التمييز لا نحن نفسينا وانما ما يدفعنا إلى العمل ، المعايشة أو التفكير. ثم لان من الممتع التكلم كالناس جميعا، وأن نقول إن الشمس تطلع ، فيما يعرف الجميع أن هذه شاكلة في الكلام . لا الوصول إلى النقطة التي لا يعود فيها الواحد منا يقول “أنا”، وانما إلى النقطة التي لا يعود يتمتع فيها للقول “أنا” أو عدم قوله ، أهمية . إننا لم نعد نفسينا. كل واحد سيعرف أصحابه . إننا قد سوعدنا، والهمنا، وكوثرنا.

لا يتمتع كتاب بفاعل ولا بموضوع ، بل هو مصنوع من مواد متشكلة بتنوع ، ومن تواريخ وسرعات جد مختلفة . ما إن ينسب الكتاب إلى ذات فاعلة ، حتى يهمل هدا العمل للمواد وبرانية علائقها. إنهم “يفبركون ” إلها رحيما لحركات (هي بالاحرى) جيولوجية . في كتاب ثمة ، كما في كل شيء، خطوط تمفصل أو تفصص ، وطبقات ، ومجاليات : لكن كذلك خطوط هروب وحركات ترحيل وتسوية . وان السرعات المقارن بينها للسيلان بحسب هذه الخطوط لتتمخض عن ظواهر تأخر نسبي، ولزوجة ، أو بالعكس عن ظواهر استعجال وقطيعة. هذا كله ، الخطوط والسرعات القابلة للقياس ، تشكل ترتيبا (أو تركبا) agencement. إن كتابا هو مثل هذا التركب ، غير القابل بحد ذاته للعزو(إلى أحد). إنه تعددية – لكننا لا نعرف بعد ما يتمخض عنه المتعدد أو مايستتبعه عندما لا يعود قابلا للعزو ، أي عندما يرتفع إلى مصاف “مسند”. إن تركبا مكائنيا (ت)، أي تركب ، ليظل ملتفتا صوب الطبقات التي تصنع منه ، بلا شك ، ضربا من منظومة عضوية ، أو كلية دالة ، أو تعيينا قابلا للعزو إلى فاعل ، لكنه يظل بالقدر نفسه ملتفتا صوب جسد بلا أعضاء لايكف عن تفكيك المنظومة العضوية ، ومن أن يكمن من المرور والسريان جزيئات دالة ، وتوهجات خالصة ، ومن أن يعزو لنفسه فواعل (ذوات فاعلة) لا يترك لها سوى اسم كأثر لتوهج أو كثافة ما. ماهر الجسد البلا أعضاء لكتاب ؟ ثقة أجساد عديدة ، بحسب الخطوط المعتبرة ، بحسب محمولها أو توهجها الخاص ، وبحسب إمكان تضافرها عند “حقل صلابة ” plan de consistance يتكفل بالانتقاء فيما بينها. وهنا كما في كل محل اخر، فإن ما يهم هو وحدات القياس : إسباغ صفة الكم على الكتابة . ليس من فارق بين ما يتكلم عنه كتاب والشاكلة التي هو معمول بها. وعليه ، فإن كتابا لا يتمتع بموضوع . بل إنه ، بما هو تركب ، موصول ، فحسب ، بتركبات أخرى، في علاقة مع أجساد أخرى بلا أعضاء. لن نسأل أبدا ما يعني كتاب ، المدلول أو الدال ، لن نحاول فهم أي شيء في كتاب ، بل سنسأل بمعونة أي شيء يعمل ، وبالاتصال بم يمكن هو كثافات معينة ، أو لا يمكنها، من المرور، وفي أية تعدديات يدخل تعاديته الخاصة أو يحولها، وصوب أية أجساد بلا أعضاء يدفع جسده البلا أعضاء. لا يوجد كتاب إلا بفعل الخارج ، وفي الخارج . هكذا، ولما كان الكتاب ، كل كتاب ، ماكنة صغيرة ، فما هي العلاقة ، القابلة بدورها للقياس ، التي تدخل فيها هذه الماكنة اللغوية مع ماكنة حرب ، أو ماكنة حب ، أو ماكنة ثورية ، الخ … – ومع ماكنة مجردة تجتذبها كلها؟ أعاب علينا الاخرون الاحالة المفرطة إلى الادباء. لكن السؤال الوحيد عندما نكتب ينبغي أن يتمثل في معرفة مع أي ماكنة أخرى تقدر الماكنة الادبية أن تتضام حتى تعمل ؟ إن (أدب) كلايست لهو ماكنة حرب مجنونة ، وكافكا ماكنة بيروقراطية (ث) عجيبة … (واذا أصبح المرء حيوانيا أو نباتيا بفعل الادب ، وهذا لا يعني على شاكلة أدبية ؟ الا يصبح المرء حيوانا بالصوت بدءا؟ إن الادب لهو تركب ، ولا شيء ليجمعا بالايديولوجيا، ذلك أنه لم يكن ولن يكون ثمة ايديولوجيا أبدا.

لا نتحدث عن شيء اخر (سوي مايأتى): التعدديات ، الخطوط ، الطبقات والمقطعيات ، خطوط الهروب والتوهجات أو الكثافات ، التركبات المكائنية وأنماطها المختلفة ، الاجساد بلا أعضاء وبنائها، انتقائها، حقل الصلابة ، ووحدات القياس في كل حالة . إن مقاييس التنضد (في طبقات) أو التمدد، وحدات توهج الاجساد بلا أعضاء، ووحدات تقاربها، هذا كله لا يشكل فحسب تحولا كميا للكتابة ، وانما يحدد الكتابة باعتبارها دائما قياس شيء اخر. ليس للكتابة من علاقة بالادلال لامن الدلالة)، بل مع المساحة ، والخرائطية ، بما في ذلك (المساحة والخرائطية العائدتين) لاصقاع هي بصدد المجيء.

يتمثل نمط أول للكتاب في الكتاب -الشجرة . الشجرة هي، من قبل ، صورة العالم ، أو أن الجذر هو صورة الشجرة -العالم . إنه الكتاب الكلاسيكي ، بما هو صميمية عضويتا جميلتا، دالتا وذاتية (طبقات الكتاب). يقلد الكتاب العالم ، كما يقلد الفن الطبيعة : بأساليب خاصة به ، ويحقق ما لا تقدر الطبيعة أو عالم تعد قادرة على أن تفعل .إن قانون الكتاب هو قانون الانعكاس : الواحد الذي يصبح اثنين . كيف يكون قانون الكتاب ( كاهنا) في الطبيعة مادامت الاخيرة تسبق التقسيم ، بالذات ، بين عالم وكتاب ، طبيعة وفن ؟ واحد يصبح اثنين : في كل مرة نقابل فيها هذه الصيغة حتى إذا كانت معلنا عنها إستراتيجيا من قبل مار، أو فهمت بأكثر مايمكن من “الجدلية “، فإننا نكون بإزاء الفكرة الاكثر كلاسيكية ، الاكثر تفكيرا، الاكثر عتقا والاكثر تعبأ. لا تعمل الطبيعة على هذه الشاكلة : فحتى الجذور فيها دائرة على مصاريعها، في تفرعات أكثر وفرة ، مائلة ، حلقية ، وليس منقسمة . إن الفكر ليؤخر بالقياس إلى الطبيعة . حتى الكتاب باعتباره واقعا طبيعيا يدور، مع محوره ، والاوراق حوله . إلا أن الكتاب بما هو واقع روحاني، الشجرة أو الجذر باعتبارهما صورة ، لا يكف عن تنمية قانون الواحد الذي يصبح اثنين ، ثم الاثنين يصبحان أربعة … إن المنطق الثنائي هو الواقع الروحاني للشجرة -الجذر.

حتى ميدان بمثل “تقدم ” الالسنيات يحتفظ ، كصورة قاعدية ، بهذه الشجرة -الجذر، التي تربطه بالتفكير الكلاسيكي (كذلك هو تشومسكي والشجرة التركيبية التي تبدأ بنقطة S (عبارة ما) لتعمل بانقسامية ثنائية). مما يعني أن هذا الفكر لم يفهم التعدد أبدا: تلزمه وحدة أساسية قوية مفترضة ليبلغ الاثنين باتباع طريقة روحانية . ومن ناحية الموضوع ، باتباع الطريقة الطبيعية ، نقدر ولا شك أن ننتقل مباشرة من الواحد إلى الثلاثة ، الاربعة أو الخمسة ، لكن دائما بشرط التوفر على وحدة أساسية قوية ، تلكم هي وحدة المصراع الذي يدعم الجذور الثانوية . وليس هذا بأفضل. لم يحدث سوى أن حلت العلاقات الثنائية -الواحدية بين حلقات متتالية محل المنطق الثنائي للانقسام . لا يفهم الجذر الدائر التعدد أكثر مما يفعل الجذر الثنائي. أحدهما يمارس عمله على الموضوع في حين يمارسه الاخر على الذات. وما يزال المنطق الثنائي والعلاقات الثنائية – الواحدية مهيمنة على التحليل النفسي (شجرة الهذيان في التأويل الفرويدي لحالة شريبر)، وعلى الالسنيات والبنيوية ، وحتى على الاعلامياء.

النسق – الجذير، أو الجذر المحروم ، هو الشكل الثاني للكتاب ، الذي تتعرف حداثتنا على نفسها فيه عن طيبة خاطر. هذه المرة ، يكون الجذر الاساسي قد اجهض ، أو انه يتهدم صوب أقاصيه : فتأتى للانفراس فيه تعددية مباشرة وعادية من الجذور الثانوية التي تشهد نموا عظيما. هذه المرة ، يتبدى الواقع الطبيعي في إجهاض الجذر الاساسي ، إلا أن وحدته تصمد مع ذلك باعتبارها ماضية أو قادمه، أي ممكنة . وانه لينبغي أن نتساءل إذا لم يكن الواقع الروحاني والتفكيري ليعوض عن حالة الاشياء هذه بإعرابه بدوره عن الالزام بوحدة سرية أكثر استيعابا أيضا ، أو بكلية أكثر امتدادا. لنأخذ طريقة “القطع ” cut – up لدى بورو Burroughs (ج): إن هذا الطي لنص على نص اخر، المؤسس لجذور متعددة بل وحتى دخيلة (كأننا أمام فسائل) إنما يستدعي بعدا مضافا إلى بعد النصوص المعتبرة . في هذا البعد الاضافي للطي تقيم الوحدة عملها الروحاني. بهذا المعنى يمكن أن يتقدم العمل المجزأ بأكبر قدر من الجزم باعتباره في الاوان ذاته العمل الكلي أو العمل الكبير. وان أغلب الطرائق الحديثة لدفع سلاسل إلى التوالد أو تعدديات إلى النمو إنما تصح تماما في اتجاه خطي، مثلا، على حين تروح وحدة كليانية تتأكد في بعد اخر، بعث الدائرة أو الحلقة . في كل مرة تكون تعددية ما مأخوذة فيها داخل بنية ، يكون نموها معوضا باختزال لقوانين التركيب . إن مجهض الوحدة هم هنا “صانعو ملائكة ” بحق ، ما داموا يؤكدون وحدة ملائكية تماما وعليا (ح). إن كلمات جريس ، المدعوة بحق “متعددة الجذور”، لا تكسر بالفعل الوحدة الخطية للكلمة ، أو حتى اللغة ، إلا بطرحها وحدة حلقية للعبارة ، للنص ، أو المعرفة . و”أفوريزمات ” نيتشه (مقطعاته)، لا تكسر الوحدة الخطية للمعرفة إلا بالاحالة إلى الوحدة الحلقية للعود الابدي، الحاضر كـ “غير معلوم ” في الفكر. مما يمكن من القول إن النسق المحروم (كما نقول ” جذر محروم “) لا يقطع مع الثنائية حقا، أي مع تكاملية ذات وموضوع ، وتكاملية واقع طبيعي وواقع روحاني:

لاتفتأ الوحدة تعاق وتعطل في الموضوع ، في حين ينتصر نمط جديد للوحدة في الذات . فقد العالم مصراعه ، ولم تعد الذات (الفاعلة) قادرة حتى على إحداث انقسامات ثنائية ، بل هي تبلغ وحدة أعلى ، ثنائية التكافؤ أو مفرطة التعيين ، في بعد يكون دائما إضافيا بإزاء بعد موضوعها. أصبح العالم عماء، إلا أن الكتاب يظل هو صورة العالم ، كونا عمائيا- جذيرا، بدلا من الكون – الجذر. يدله من تضليل غريب ، تضليل الكتاب الذي بات أكثر كلية سيما وأنه مقطعي. الكتاب كصورة للعالم ، ياللفكرة الباهتة بأية حال ! لا يكفي في الحقيقة أن نصرخ “يعيش المتعدد”، ثم إن إطلاق هذه الصرخة ليس بالشيء السهل . إن أية براعة طبوغرافية (متعلقة بتنضيد النص والتلاعب بطباعته) أو معجمية أو حتى بنائية لن تكفي لاسماعها. المتعدد، إنما ينبغي القيام به ، لا بإضافة بعد أو حد أعلى باستمرار، وانما بالعكس ببالغ البساطة ، بقوة التقشف ، عند مستوى الابعاد او الحدود التي نتوفر عليها، دائما 1- n (العدد ناقصا واحدا). (على هذا النحو فحسب نشكل جانبا من المتعدد، بأن نكون مطروحين (بالمعنى الحسابي للمفردة) دوما). أن نطرح الفريد من التعددية اللازم إنشاؤها، ونكتب بحسب 1- n (خ). مثل هذا النسق يمكن أن يسمى الجذمور rhizome. إن الجذمور، كغصن جوفي ، ليتميز عن كل من الجذور والجذيرات . إن البصلات والعضيات لهى جذامي. وان نباتات ذوات جذر أو جذير يمكن أن تكون جذمورية التشكل من وجهات نظر أخري تماما: يتعلق الامر بمعرفة ما إذا لم يكن علم النبات ليشكل في خصوصيته ، ومن أقصده إلى أقصده ، ميدان تشكل جذموري. بل حتى حيوانات معينة تكون كذلك ، عبر شكلها الزمري (من “الزمرة “) ؟ إن الفئران لهي جذامي. والجحور أو الوجارات هي كذلك ، عبر جميع وظائفها المتمثلة في السكن، والتخزين ، والتنقل ، والمراوغة أو إحداث القطيعة . الجذمور نفسه لديه أشكال بالغة التباين ، من امتداده السطحي المتشعب حتى تصلبه في بصلات وعصيات . أو عندما تنزلق الفئران بعضها تحت بعض . ثمة ،في جذمور، الافضل والاسوأ: البطاطس والعكرش ، العشب الضار. حيوانا ونباتا، العكرش هو العشبة -السلطعون . واننا ليخالطنا الشعور بأننا لن نقنع أحدا إذا لم نعدد بعض الخصائص التقريبية للجذمور.

او2: مفهوما ارتاط وتغاير: إن أية نقلة من الجذمور. أي جذمور، يمكن أن تربط أو توصل بأية نقطة أخرى، ويجب أن تكون كذلك . وهذا بالغ الاختلاف عن الشجرة أو الجذر اللذين يحددان نقطة ، ونظاما. إن الشجرة اللغوية على شاكلة شومسكي ما تزال تبدأ بنقطة S (من sentence: عبارة معينة) وتعمل بالانقسام . أما الجذمور، فبالعكس ، لا تحيل كل سمة فيه بالضرورة إلى سمة لغوية : إن حلقات علاماتية من كل نوع ترتبط فيه بصيغ ترميز encodage (د) بالغة الاختلاف ، حلقات بيولوجية ، وسياسية ، واقتصادية ، الخ …، تدفع إلى العمل لا فحسب نظم علامات متباينة ، بل كذلك المقامات المتباينة للحالات. إن التركبات الجماعيه للتعبير تعمل في الواقع مباشرة في التر كبات المكائنية ، وليس من الممكن إحداث قطع جذري بين نظم العلامات وموضوعاتها. وفي الالسنيات ، حتى عندما نزعم الاكتفاء بالمجهر (من “الجهر”) وعدم افتراض أي شيء حول اللغة ، فإننا نظل دائرين في مدارات خطاب مايزال يستدعي أشكال تركيب وأنماط سلطة اجتماعية خاصة . في نحوية شومسكى، يظل الرمز المقولاتي لا الذي يهيمن على جميع العبارات ، مؤشر سلطة قبل أن يكون مؤشرا بنائيا: أنشيء عبارات صحيحة نحويا، وقسم كل عبارة إلى تركيبة إسمية واخر فعلية (قسمة أولى …) لن نعيب على مثل هذه الموديلات الالسنية كونها بالغة التجريدية ، بل بالعكس كونها غير تجريدية بما فيه الكفاية ، وعدم بلوغها الماكنة المجردة التي تحدث ارتباط لغة بمحتويات دلالية وبراغماتية (عملية) للعبا رات ، مع ترتبات جماعية للتعبير، وسياسة مجهرية كاملة للحقل الاجتماعي. إن جذمورا لن يكف عن الوصل بين حلقات سيميائية أوعلاماتية ، ومنظومات سلطة ، وتواترات تحيل إلى الفنون ، والى العلوم ، والصراعات الاجتماعية . وان حلقة علاماتية لهي كمكر عصية تجمع أفعالا بالغة التنوع ، لغوية لكن كذلك إدراكية ، محاكاتية ، إيمائية ، و”كوجيتية ” (ذ) : ما من لسان في ذاته ، ولا من شمولية أو كونية للغة ، بل تضافر لهجات وعاميات ، ومحليات ، ولغات متخصصة . ما من محاور، أو مستمع مثالي، ولا من جماعة لغوية متجانسة . إن اللسان لهو، بحسب صيغة لفاينرايخ Weinreich، “واقع متنافر أساسا”. ما من لغة – أم ، بل استيلاء على السلطة تحققه لغة مهيمنة في تعددية سياسية. تستقر اللغة حول مصلى ، أبرهية ، أو عاصمة . تشكل بصلة . تتناص بحسب أغصان واوافق جوفية ، على امتداد الوديان الماطرة ، أو خطوط سكك الحديد، تتنقل كبقع زيت (1). نقدر دائما أن نمارس على اللغة تفكيكات بنائية داخلية : ليس هذا بالمختلف جوهريا عن بحث عن الجذور. ثمة في الشجرة دائما شيء نسبي (جينيالوجي)، وما هذه الطريقة بالشعبية . بالعكس ، إن طريقة من نمط الجذمور لا تقدر أن تحلل اللغة إلا بنزع مركزتها (وتر حيلها) صوب أبعاد أخرى ومستويات (للكلام) أخرى. أبدأ لا ينغلق لسان على ذاته إلا في وظيفة عجز.

3- مبدأ التعددية: فقط عندما يعالج المتعدد حقا باعتباره اسما أو مسندا، وتعددية ، لا تعود أية علاقة تجمعه بالواحد كذات أو كموضوع ، كواقع طبيعي أو روحاني، كصورة وكعالم . إن التعدديات لجذمورية ، وهي لا تنفك تفضح التعدديات الشجرية الكاذبة . ما من وحدة تخدم كمصراع في الموضوع ، أو تتجزأ في الذات . ليس ثمة من وحدة حتى ولا من أجل أن تجهض في الموضوع ، و”تعاود” الانبثاق في الذات . إن تعدديتا، أية تعددية ، لا تتمتع لا بذات ولا بموضوع ، بل ، فحسب ، بتعيينات ، وحجوم وأبعاد لا تقدر أن تنمو من دون أن تغير التعدديا طبيعتها (وعليا، فإن قوانين التوليف إنما هي متنامية مع التعدد). إن خيوط الدمى أو العرائس ، من حيث هي جذمور أو تعددية ، لا تحيل إلى الارادة المفترض أنها واحدة ، لفنان أو عارض ، بل إلى تعددية الخيوط الحساسة ، التي تشكل بدورها دمية أخرى، بحسب أبعاد أخرى مرتبطة بالاولى : “الخيوط أو الاغصان التي تحرك الامى- ولنسمها اللحمة . يمكن الاعتراض بأن تعاديتها قائمة في شخص الممثل الذي يطرحها في النص . ليكن ! إلا أن الخيوط الحساسة تشكل بدورها لحمة . وانها( الخطوط) لتغوص في الكتلة الرمادية ، في الشبكة ، وحتى في ما لا يتميز. تقترب اللعبة من العمل المحض للنساجين ، هذا الذي تعزوه الاساطير لالهات القدر والمصير.”(2). إن تركبا هو بالتحديد هذا النمو للابعاد في تعددية تغير بالضرورة طبيعتها بحسب تزايد ارتباطاتها. ليس في الجذمور من نقاط أو مواقع ، كما نجد في بنية ، شجرة ، أو جذر. ليس ثمة سوى خطوط . عندما يقوم غلين غولد Glenn Gould بتسريع أداء مقطوعة ما، فهو لا يتصرف فحسب كموسيقي بارع ، بل يحول النقاط الموسيقية إلى خطوط ، ويجعل المجموع يتكاثر. ذلك إن العدد قد كف عن تشكيل مفهوم شامل يعد العناصر بمقتضى مكانها في بعد ما، ليصبح هو نفسه تعددية متنوعة بحسب الابعاد المعتبرة (أولوية المجال بالقياس إلى عقدة أعداد مرتبطة بهذا المجال). ما لدينا وحدات قياس ، بل ، فحسب ، تعدديات أو تنويعات قياس . أبدا لا يظهر مفهوم الوحدة الا عندما يتحقق ، في تعددية معنية ، استيلاء على السلطة من قبل الدال ، أو سياق لنشوء الذاتية موصول به : هكذا هي الوحدة -المحور التي تنشيء مجموعة من علاقات مثنوية بين عناصر أو نقاط موضوعية ، أو الواحد الذي ينقسم بحسب قانون منطق مشنوي للتفريق داخل الذات . دائما تعمل الوحدة في قلب بعد فارغ إضافي بالقياس إلى بعد النسق المعني المفرط ترميز(Sur – codage). لكن بالضبط فإن جذمورا أو تعددا لا يسمح بترميزه المفرط ، وأبدأ لا يتمتع ببعد إضافي بالقياس إلى عدد خطوطه ، أي بالقياس إلى تعددية الاعداد المرتبطة بهذه الخطوط . إن جميع الوحدات لهي مستوية من حيث أنها تملا أو تشغل جميع أبعادها: لذا سنتحدث عن حقل صلابة ، مع أن هذا “الحقل ” ذو أبعاد متنامية بحسب عدد الارتباطات التي تتحقق فيه . تتحدد التعدديات بالخارج : بالخط المجرد، خط الهروب أو الترحيل الذي باتباعه تغير هي طبيعتها بارتباطها بتعدديات أخرى. إن حقل الصلابة (الشبكة) هو خارج جميع التعدديات . يؤشر خط الهروب في الاوان ذاته على واقع عدد من الابعاد المتنافية التي تملاها التعددية بالفعل :واستحالة ( قيام) أي بعد إضافي من دون أن تتحول التعددية . بمقتضى هذا الخط : والامكان والضرورة في تسوية جميع هذه التعدديات في حقل صلابة أو برانية واحد بذاته ، مهما تكن أبعادها. سيتمثل المثل الاعلى لكتاب في نشر كل شيء على حقل برانية معين ، وعلى صفحة واحدة ، الصفحة نفسها بالذات : الاحداث المعيشة ، التعيينات التاريخية ، المفهومات المفكر بها، الافراد، المجموعات والتشكيلات الاجتماعية . لقد ابتكر كلايست Kleist كتابا كهذه ، سلسلة مكسرة من العواطف ، مع سرعات متباينة ، تسريعات وتحويلات ، دائما في علاقة مع الخارج . حلقات مفتوحة . هكذا تتضاد نصوصه من جميع النواحي مع الكتاب الكلاسيكي والرومنطيقي، المشكل من داخلية جوهر أو ذات . الكتاب -ماكنة الحرب ، ضذ الكتاب -جهاز الدولة . إن التعدديات المستوية بعدد غير محدد من الابعاد لعديمة الدلالة وغير ذاتية . وهي منعوتة بأدوات تفكير أو بالاحرى بأدوات تبعيض (شيء من العكرش ، بعض جذمور…)

4- مبدأ القطيعة غير الدالة: ضد الاقتطاعات المفرطة الدلالة التي تفصل بين البنيات ، أو تخترق احداها. إن جذمورا يمكن أن يفصم ، أن يتصدع في موضع معين ، لكنه يعاود القيام بحسب هذا أو ذاك من خطوطه ، وبحسب خطوط أخرى. إننا لا ننتهي من النمل ، لانه يشكل جذمورا حيوانيا يمكن أن يحطم الجزء الاكبر منه من دون أن يكف هو عن معاودة التشكل . كل جذمور يتضمن خطوطا قطاعية يتوزع بموجبها إلى طبقات ، ويتقوقع ، وينتظم ، ويدل ، ويعزى أو ينتسب ، الخ .؛ لكنه يتضمن كذلك خطوط ترحيل يمارس بموجبها الهروب بلا انقطاع . ثمة في الجذمور قطيعة كلما انفجرت الخطوط القطاعية في خط هروب ، لكن خط الهروب إنما يشكل جزءا لا يتجزأ من الجذمور. هذه الخطوط لا تنفك يحيل بعضها إلى بعض. لذا لا نقدر أبدأ التفكير بثنائية أو مزدوج ، حتى ولو في الهيئة الاولية للطيب والشرير. إننا نمارس قطيعة ، ونخط خط هروب ، إلا أننا دائما نغامر بالعثور فيه من جديد على انتظامات وهي تعيد تقسيم المجموع إلى طبقات ، وتشكيلات تعيد إعطاء لسلطة لدال ، ومواصفات تعيد إنشاء ذات : أي كل ما تبتغون ، من معاودات الاوديبية حتى الترسبات الفاشية . إن المجموعات والافراد لتنطوي على فاشيات مجهرية أو مصغرة لا تنتظر إلا فرصتها لتتبلور. نعم ، إن (نبات) العكرش لهو جذمور أيضا. ولا يقدر الطيب والشرير إلا أن يكونا إنتاج انتقاء فاعل ومؤقت ، يتعين معاودته .

كيف يمكن الا تكون حركات الترحيل وسياقات إعادة الموقعة نسبية ، موصولة باستمرار، ومأخوذة بعضها في البعض الاخر؟ تترحل (زهرة) السحلبية بتشكيلها صورة ، نسخا للزنبور؛ إلا أن الزنبور يعاود التقوقع في هذه الصورة . مع هذا، فالزنبور يترحل ، بأن يصبح هو نفسه قطعة في جهاز إعادة إنتاج السحلبية : إلا أنه يعيد موقعة السحلبية ، بأن يحمل طلعها معه . يشكل الزنبور والسحلبية جذمورا، من حيث هما ستفارقان أو متنافران . يمكن القول أن السحلبية تقلد الزنبور الذي تعيد هي إنتاج صورته على نحو دال (محاكاة ، محاكاتية ، إيهام ، الخ …) لكن هذا لا يصح إلا عند مستوى الطبقات المتوازية (القائمة) بين طبقتين تسمحان بأن تقلد منظومة نباتية (قائمة) على احداهما منظومة حيوانية (قائمة) على الاخرى. وفي الاوان ذاته فالامر يتعلق بشيء اخر تماما: لم نعد أمام تقليد أو محاكاة ، بل بإزاء اقتناص شيفرة ، فائض شيفرة ، تفاقم تكافؤ، صيرورة حقيقية ، صيرورة -زنبور للسحلبية ، وصيرورة – سحلبية للزنبور، وكل من هاتين الصيرورتين تضمن ترحيل أحد الطرفين واعادة موقعة الاخر، والصيرورتان كلتاهما تتسلسلان وتتناوبان بحسب سريان للتوهجات أو الكثافات يدفع الترحيل أبعد فأبعد. ليس ثمة من محاكاة ولا من شبه ، بل انفجار للسلسلتين المتنافرتين في خط هروب مركب من جذمور مشترك لم يعد ليسمح لاي شيء دال بعزوه ولا بإخضاعه . وان ريمي شوفان لمحق إذ يقول : “تطور غير متواز لكائنين لا يجمع بينهما أي جامع “(3). وبتعميم أكثر، فيمكن أن تكون رسوم التطور مدفوعة إلى هجران الموديل القديم ، موديل الشجرة والانحدار. ومن ظروف معينة ، يقدر جرثوم أن يرتبط بخلايا رشيمية وينتقل هو نفسه كجينة (مورثة) خلوية من نمط معقد؟ أكثر من هذا، فهو يقدر أن يهرب ، يمر في خلايا من نمط اخر تماما، لا من دون أن يحمل معه ” معلومات وراثية ” اتية من المضيف الاول (كذلك هي الابحاث الحالية لبنيفنيست وتودارو حول فايروس من نمط C، في ارتباطه المزدوج بالمركب الخلوي ADN(ر) للقردح (ز) ، والمركب الخلوي لبعض صفوف القطط الاليفة). وهكذا فربما كانت رسوم التطور لا تتحقق فحسب بموجب موديلات الانحدار الشجري، ذاهبة من الاقل تميزا إلى أكثره ، بل كذلك باتباع جذمور عامل مباشرة في المتنافر وقافز من خط متميز من قبل إلى اخر( 4) .هنا أيضا التطور غير المتوازي للقردح والقط الذي لا يشكل فيه أحدهما بالطبع موديل الاخر، ولا النسخة الاخرى منه (فصيرورة القردح في القط لا تعني أن “يقلد” القط القردح). إننا نشكل مع جرثوماتنا جذمورا، أو بالاحرى فإن جرثوماتنا تجعلنا نشكل جذمورا مع حيوانات أخرى. وكما يقول جاكوب ، فإن انتقالات “العدة ” الوراثية عن طريق الجرثوم أو بطرق أخرى، وانصهار الخلايا الطالقة من صفوف مختلفة ، هذا كله يتمتع بنتائج مماثلة لـ” الغراميات الشنيعة التي كانت عزيزة على العصور القديمة والوسطى” (5). إن تواصلات عرضانية بين الخطوط المتمايزة لتشوش أشجار الانساب . ينبغي دائما البحث عن الجزيئي، أو حتى عن الخلية ما تحت -الجزيئية التي نعقد معها حلفا. إننا نتطور ونموت من ركاماتنا المتعددة الاشكال والجذمورية أكثر مما من أمراضنا الانحدارية أو المتمتعة هي نفسها بانحداراتها (النسبية). إن الجذمور لهو ضد-نسبية .

وهو الشيء نفسه بالنسبة للكتاب والعالم : ليس الكتاب صورة عن العالم ، كما يقول به اعتقاد راسخ . بل هو يشكل والعالم ؛ جذمورا، وثمة تطور غير متواز للكتاب والعالم ؛ يؤمن الكتاب ترحيل العالم ، لكن العالم يمارس إعادة موقعة للكتاب ، الذي يترحل بدوره في ذاته في العالم (إذا كان ممكنا له واقتدر على ذلك). إن المحاكاه لمفهوم بالغ الرداءة ، تابع لمنطق مشنوي، ولظواهر من طبيعة مختلفة تماما. لا يعيد التمساح إنتاج جذع شجرة ، ولا الحرباء لتعيد إنتاج ألوان بيئتها. لا يقلد الغهد الوردي شيئا، ولا يعيد إنتاج أي شيء، بل إنه يرسم العالم بلونه الخاص ، وردي على وردي، هذه هي صيرورته – عالما، بحيث يصبح هو نفسه غير ملموح، هو نفسه غير دال ،وبحيث يحدث قطيعته ، خط هروبه الخاص ، ويوصل “تطوره غير المتوازي” إلى غايته . حكمة النبات : حتى إذا كانت ذوات جذور، فثمة دائما خارج تشكل فيه جذمورا مع شيء اخر- مع الريح ، مع حيوان ما، مع الانسان (وكذلك ملمح تشكل به الحيوانات نفسها جذمورا، والبشر الخ ….) “النشوة باعتبارها اقتحام النبتة الظافر لداخلنا”. ودائما اتباع الجذمور عبر قطيعة ، إطالة خط الهروب ، تمديده، المناوبة واياه ، تمكينه من التنوع ، حتى ننتج الخط الاكثر تجريدا والاكثر تعرجا، ذا الابعاد غير المحددة والاتجاهات المقطوعة . مضافرة التيارات المرحلة . الحذو حذو النباتات : نبدأ بتثبيت حدود خط أول بحسب حلقات تلاق من حول فرادات متتالية ؟ ثم نرى إذا كانت حلقات تقارب أخرى ستنشأ داخل هذا الخط ، مع نقاط جديدة موقعة خارج الحدود وفي اتجاهات أخرى. الكتابة ، تسكيل جذمور، توسيع مجالنا بالترحيل ، بسط خط هروب حتى النقطة التي يفعلي فيها حقل الصلابة كله في ماكنة مجردة . “إمض في البدء إلى نبتتك وانظر كيف يجري الماء السائل انطلاقا من هذه النقطة . لا بد أن يكون المطر حمل البذور أبعد. اتبع السواقي التي حفرها الماء، هكذا ستعرف اتجاه الجريان . ابحث انئذ عن النبتة التي تتموقع ، في هذا الاتجاه ، بأبعد ما يمكن عن نبتتك . جميع الا شجار النامية بين هاتين الشجرتين هي لك . فيما بعد، عندما تكون هذه الاخيرة قد نثرت بذورها هي أيضا، ستقدر باتباع مجرى الماء انطلاقا من كل من هذه النبتات أن توسع مجالك ” (6). إن الموسيقى لم تكف عن تمكين خطوط الهروب هذه من المرور، باعتبارها ” تعدديات تحويلية “، حتى عندما تقلب شيفرتها الخاصة التي تبنينها أو تشجرها؛ من هنا كان الشكل الموسيقي، حتى في انقطاعاته وتوالد اته ، شبيها بالعشب الضار، بجذمور(7).

5و6: مبدأ الخرائطية وهوس النسخية : إن جذمورا لا يجد توضيحه في أي موديل بنيوي أو توليدي. إنه غريب عن كل فكرة لمحور وراثي أو بنية عميقة . إن محورا وراثيا ليشبه وحدة محورية موضوعية تنتظم عليها الاطوار المتعاقبة : وبنية عميقة هي بالاحرى كمثل وحدة قاعدية قابلة للتفكيك إلى مركباتها المباشرة ، في حين تمر وحدة المنتوج القاعدية في بعد اخر، تحويلي وذاتي. على هذه الشاكلة لا نخرج من الموديل التمثيلي للشجرة ، أو الجذر- المصراعي أو الجذيري (“شجرة ” شومسكي مثلا، المربوطة ببقية القاعدة ، والتي تمثل سياق توليدها بمقتضى منطق مثنوي). تنويع على أعتق فكر. عن المحور الوراثي أو البنية العميقة، نقول نحن أنهما قبل أي شيء اخر مفهومان للنسخ ، قابلان لاعادة الانتاج إلى ما لا نهاية له. إن منطق الشجرة كله لهو منطق نسخ واعادة إنتاج . وسواء أفي الا لسنيات أو التحليل النفسي، يجد (هذا المنطق) موضوعه في لاـ شعور هو نفسه ممثل (الشيء اخر) ، ومبلور في عقد مر موزة مصوغة في شيفرات ، ومقسم على محور وراثي أو موزع في بنية تركيبية . هدفه هو وصف حالة قائمة ، واعادة موازنة علاقات ما بين -ذاتية ، أو استكشاف لا-شعور قائم هنا من قبل ، لابدأ في الاركان المظلمة من الذاكرة أو اللغة . إنه ، أي المنطق ، يتمثل في نسخ شيء نهبه لانفسنا جاهزا، انطلاقا من بنية تفرط في الترميز أو محور يدعم . تمفصل الشجرة وتراتب نسخا، والنسخ هي كمثل الاوراق في الشجرة .

مختلف تماما هو الجذمور، إنه خارطة لا نسخة . لنمارس الخرائطية ، لا النسخ . لاتعيد السحلبية إنتاج نسخة الزنبور، بل تشكل والزنبور خارطة في قلب جذمور. واذا كانت الخارطة تتضاد والنسخ ، فلانها متجهة بكاملها إلى تجريب كامل التماس بالواقع . لا تعيد الخارطة إنتاج لاـ شعور مغلق على ذاته ، بل إنها لتؤسسه . تساهم في ربط الحقول ، وفي إزالة العائق عن الاجساد البلا أعضاء، وفي انفتاحها إلى أبعد درجة ممكنة على حقل صلابة . هي نفسها تشكل جزءا من الجذمور. الخارطة مفتوحة ، إنها قابلة للربط في جميع أبعادها، وللتفكيك ، والقلب ، والتعدل بلا انتهاء. يمكن أن تمزق ، أن توضع رأسا على عقب ، أن تتكيف و” مونتاجات ” من كل نوع ، وأن تشغل من قبل فرد، وفريق ، ومنظومة اجتماعية . نقدر أن نرسمها على جدار، أن نتصورها كأثر فني، أو نبنيها كفعل سياسي أو كتأمل . ولربما كانت إحدى أهم خواص الجذمور تتمثل في كونه متعدد المداخل أبدأ؛ الوجار هو بهذا المعنى جذمور حيواني، ويتضمن أحيانا على تمييز صريح بين خط الهروب باعتباره ممرا انتقاليا وطبقات التخزين أو السكني (لاحظ الفأر، المدعو بالممسك -من المسك -أو العطر). تتمتع الخارطة ، كل خارطة ، بمداخل عديدة ، خلافا للنسخ الذي يعود دائما إلى”الشيء نفسه “. الخارطة هي مسألة أداء، في حين يحيل كل نسخ إلى ” كفاءة ” مزعومة . بالتضاد مع التحليل النفسي ، والكفاءة التحليلية – النفسية ، التي ترد كل رغبة وعبارة إلى محور وراثي أو بنية مفرطة التمييز، والذي يمد إلى مالانهاية له الاستنساخات الرتيبة للاطوار على هذا المحور أو ذاك وللعناصر المكونة على هذه البنية أو تلك ، نقول بالتضاد معه يرفض التحليل الشيزوفريني كل فكرة لقدرية منسوخة ، مهما كانت التسمية التي نهبها إياها، سماوية ، دويلية ـ باطنية ، تاريخية ، اقتصادية ، بنيوية ، وراثية ، أو بنائية . (نلاحظ جيدا كيف تسيء ميلاني كلاين Me lanie Klein فهم مشكلة خرائطية أحد مراجعيها، الصغير ريشا رد، وتكتفي بسحب نسخ جاهزة تماما- أوديب ، الاب الطيب والشرير، الام الطيبة والشريرة – في حين يحاول الطفل يائسا أن يواصل أداء يجهله التحليل النفسي تماما (8.)) ليست الدوافع أو الغرائز والاشياء الجزئية أطوارا في المحور الوراثي ولا مواقع في البنية العميقة ، بل هي خيارات سياسية بخصوص مشاكل ، مداخل ومخارج ، طرق مسدودة يعيشها الصغير سياسيا، أي بكامل قوة رغبته .

لكن الا توانا نبتعث مثنوية بسيطة بوضعنا الخرائط في مواجهة النسخ ، كوجهين أحدهما جيد والاخر سيء؟ الا تتمثل خصوصية الخارطة في التمكين من نسخها؟ وخاصية الجذمور في التقاطع مع جذور، والاختلاط بها أحيانا؟ الا تتضمن خارطة، كل خارطة ، ظواهر تكرار هي، من قبل ، كمثل نسخها الخاصة ؟ أولا تتمتع تعددية بطبقاتها التي تتجذر فيها توحيدات

وكليانيات ، تكتلات وأواليات محا كاتية ، وهيمنات على السلطة دالة ، وصلاحيات ذاتية؛ وحتى خطوط الهروب ، الا تراما تعيد، بفضل تفارقاتها المحتملة ، إنتاج التشكلات التي كانت وظيفتها هي تتمثل في حلها أو قلبها؟ إلا أن العكس صحيح أيضا، فهي مسألة منهج أو طريقة : ينبغي دائما إحالة النسخ إلى الخارطة . وليست هذه العملية بالمتناظرة مع السابقة أبدا. إذ، بكامل الدقة ، ليس صحيحا أن نسخا يعيد إنتاج الخارطة ، بل هو بالاحرى شبيه بصورة فوتوغرافية أو شعاعية تبدأ بانتقاء أو عزل ماتقصد هي إعادة إنتاجه بمساعدة وسائل اصطناعية ، ملونات أو إجراءات قسر أخرى. إن المقلد هو دائما من يجترع موديله ، ويجتذبه . من قبل ، يكون النسخ قد ترجم الخارطة إلى صورة ، ومن قبل يكون حول الجذمور إلى جذور وجذيرات . يكون نظم ، وثبت ، وحيد التعدديات بحسب محاور إدلال وتذريت (من الذاتية) هي محاوره . يكون ولد، وبنين الجذمور، والنسخ لا يعيد سوى إنتاج ذاته عندما يحسب أنه يعيد إنتاج شيء اخر. من هنا خطورته . إنه يحقن تكرارات ، وينشرها. وان ما يعيد النسخ إنتاجه من الخارطة أو من الجذمور هو الطرق المسدودة فحسب ، والاعاقات ، وبذور المحور أو نقاط التبنين . انظروا إلى الالسنيات والتحليل النفسي : الاولى لم تقم أبدأ بسوى إنتاج نسخ أو صور للا-شعور، والاخر بسوى إنتاج نسخ أو صور للغة ، مع كل ما يفترضه هذا من خيانات (وما من مدعش في ان يعلق التحليل النفسي مصيره على مصير الالسنيات). أنظرو. ما كان يحدث من قبل للصغير هانس (س)، في تحليل نفسي للطفل خالص : لم يكفوا عن كسر جذموره ، وتلطيخ خارطته ، واعادة قلبه ،اوسد كل مخرج أمامه ، حتى يروح يرغب بعاره الخاص وشعوره بالاثم ، وحتى يتجذر فيه العار والاثم ، أي الهيلة (منع عليه جذمور البيت ، ثم جذمور الشارع ، وجذر في سرير الابوين ، وصير منه جذير جسده نفسه ، وشد إلى البروفسور فرويد). واضح أن فرويد يأخذ بعين الاعتبار بخرائطية الصغير فانس ، لكن دائما وفقط لارجاعها إلى صورة فوتوغرافية للعائلة . وانظروا ما تفعل ميلاني كلاين بالخرائط الجيو-سياسية للصغير ريشا رد: تصنع منها صورا، ونسخا: التزم بـ “البوز” (الوقفة الثابتة) واتبع المحور، الطور الوراثي، أو المصير البنيوي، إننا سنكسر جذمورك . سندعك تعيش وتتكلم ، شريطة أن نسد عليك كل مخرج . عندما يكون جذمورا مسدودا، ومشجرا، يكون انتهى كل شيء، لا شيء من الرغبة ليمر بعد: ذلك أن الرغبة دائما تتحرك وتتولد عبر جذمور. كلما اتبعت الرغبة شجرة ، نشأت ارتجاعات داخلية تدفعها إلى السقوط وتقودها إلى الموت ؛ في حين يعمل الجذمور على الرغبة بدفعات خارجية ومنتجة .

من هنا كان بالغ الاهميه محاولة العملية الاخرى، المعاكسة لكن غير المتناظرة (مع السابقة). إعادة وصل النسخ بالخارطة ، واحالة الجذور أو الا شجار إلى جذمور. إن دراسة اللا-شعور، في حالة الصغير هانس ، تعني أن نري كيف يحاول هو إقامة جذمور، مع منزل العائلة ، لكن كذلك مع خط هروب المبنى، والشارع ، الخ …: كيف تجد هذه الخطوط نفسها معاقة ، فيجذر الطفل فى العائلة ، ويصور رازحا تحت الاب ، وينسخ على سرير الام ؛ ثم كيف يضمن تدخل البروفسور فرويد هيمنة على السلطة من قبل الدال على هيئة تذويب للعاطفة : وكيف لا يعود الطفل قادرا على الهرب إلا عبر صيرورة -حيوان ، يعيشها هو باعتبارها معيبة واثمة (صيرورة الصغير فانس حصانا، اختيار سياسي حقيقي). لكن يتعين دائما إعادة موقعة الطرق المسدودة في الخارطة ، وعبر ذلك فتحها على خطوط هروب ممكنة. والامر نفسه بالنسبة لخارطة فريق أو مجموعة : أن نري عند أية نقطة من الجذمور تتشكل ظواهر نشوء الكتل ، البيروقراطية ، الرياسة ، الفاشية ، الخ …، وما هي الخطوط التي تواصل النمو مع ذلك ، حتى جوفيا وتشكل ، بغموض ، جذمورا. طريقة دوليني: رسم خارطة إيماءات طفل انطوائي وحركاته ، توليف خارطات عديدة للطفل نفسه ، ولاطفال عديدين (9)… إن صح أن للخارطة أو للجذمور مداخل عديدة أساسيا، فسنلاحظ أن بالامكان حتى أن ننفذ اليها عن طريق النسخ أو الاشجار-الجذور، مع الاخذ بعين الاعتبار بالتحوطات الضرورية (هنا أيضا ينبغي الامتناع عن كل مثنوية مانوية). فمثلا، سنكون مغويين دائما بالدوران في طرق مسدودة ، بالمرور بسلطات دالة أو عواطف ذاتية ، والاستناد إلى تشكلات أوديبية ، بارانوئية أو ما هو أسوأ، مثلما على سجاليات متصلبة اتخيل عمليات تحولية أخرى ممكنة . يمكن حتى أن يخدم التحليل النفسي ، رغما عنه ، كنقطة استناد. في حالات أخرى، نستند بالعكس مباشرة على خط هروب يمكن من تفجير الطبقات وفصم الجذور واحداث ارتباطات جديدة . ثمة إذن ترتبات بالغة الاختلاف ، خرائط – نسخ ، جذامي- جذور، مع معاملات ترحيل متباينة . ثمة في الجذامي بنيات أشجار أو جذور، لكن يمكن بالعكس أن يتبرعم غصن شجرة أو جزء من جذر على هيئة جذمور. وليس يعتمد الكشف هنا على تحليلات نظرية تفترض شموليات ، بل على براغماتية ، توالف بين التعدديات أو المجاميع الكثافية يمكن أن يقوم جذمور جديد في قلب شجرة ، في داخل جذر، أو في منحنى غصن . أو أنه عنصر مجهري من الشجرة – الغصن ، جذير يدشن إنتاج الجذمور. تعمل المحاسبة والبيروقراطية بالنسخ : تقدران مع ذلك على أن تشرعا بالتبرعم ، أن تطرحا غصون جذمور، كما في رواية لكافكا. تبدأ بالعمل لحسابها الخاص سمة كشافية ، أو إدراك هلاسي أو حسي متزامن ، أو نقلتا احرافية ، وينبعث لعب صور، وتجد هيمنة الدال نفسها موضوعة تحت طائلة التساؤل . إن سيميائيات إيمائية ، حر كاتية ، لعبية ، الخ …، لتستعيد حريتها لدى الطفل ، وتتحرر من “النسخ “، أي من الكفاءة المهيمنة للغة المعلم – حدث مجهري يقلب توازن السلطة المحلية . وهكذا فالاشجار التوليدية ، المنشأة على أساس الانموذج التركيبي لشومسكي، يمكن أن تنفتح في جميع الاتجاهات ، وأن تشكل بدورها جذمورا ( 10). أن يكون شيء ما جذموري التشكل هو أن ينتج أغصانا أو أليافا لها هيأة جذور أو بالاحرى ترتبط بالجذور، تخترق جذعها وتكون قادرة حتى على جعلها تخدم في استعمالات عجيبة وجديدة . لقد تعبنا من الشجرة . ينبغي الا نؤمن بعد الان بالاشجار، ولا بالجذور ولا بالجذيرات ، فلشد ما عانينا منها. إن الثقافة المتشجرة ، من علم الاحياء حتى الالسنيات ، لتقوم بكاملها عليها. بالعكس من هذا، ما من جميل ، ولا من عاشق ، ولا من سياسي ، الا الاغصان الجوفية ، والجذور الهوائية ، الفسيلة والجذمور. أمستردام مدينة غير متجذرة قط ، مدينة -جذمور، مع قنوات -أغصان ، حيث يرتبط ما هو نافع بأكبر جنون ممكن ، في علاقته مع ماكنة حرب تجارية .

ليس الفكر شجريا، ولا الدماغ مادة مجذرة أو متشعبة (غصنية). إن ما يدعى خطأ بـ ” المتشجرات ” لا يؤمن ترابطا أو تضاما للاعصاب في نسيج متواصل . إن عدم تواصل الخلايا، ودور المحوار (المحور العصبي)، وعمل نقاط الاشتباك ، ووجود الشقوق الاشتباكية المجهرية ، وقفز كل رسالة (بلاغ دماغي) فوق هذه الشقوق ، هذا كله يجعل من الدماغ تعددية منطوية في حقل كثافتها على نسق احتمالي غير مؤكد بالكامل : نسق عصبي احتمالي . الكثير من الناس لديهم شجرة مغروسة في الرأس ، الا أن الدماغ نفسه هو عشب أكثر منه شجرة : ” يلتف المحوار والمتشجرة أحدهما حول الاخر كما يلتف اللبلاب حول العوسج ، مع نقطة اشتباك في كل شوكة ” (11). كما في حالة الذاكرة. فعلماء الاعصاب والفيزلوجيا النفسية يميزون ذاكرة بعيدة المدى وأخرى قصيرته (تعمل على مدى دقيقة). الحال ، ليس الفارق كميا فحسب : فالذاكرة القصيرة هي نمط جذموري، بياني، في حين تكون الطويلة شجرية وممركزة (دمغة ، انطباعة ، خارطة أو صورة). ليست الذاكرة القصيرة بالخاضعة أبدا لقانون تجاور مع موضوعها أو تواصل مباشر معه ، إنها تقدر أن تكون على مبعدة ، أن تصل أو تعود بعد زمن طويل – لكن دائما في ظروف عدم تواصل، وانقطاع ، وتعدد. أكثر من هذا، لا يتمايز نمطا الذاكرة هذان كنمطين زمنيين للقبض على شيء بذاته : بل هما مختلفان، فليست الذكرى نفسها، ولا الفكرة نفسها هي ما يقبضان عليه كلاهما. سطوع فكرة قصيرة المدى: نكتب بالذاكرة القصيرة المدى، واذن بأفكار قصيرة ، حتى إذا كنا نقرأ بالذاكرة الطويلة للمفهومات الطويلة المدى ونعيد القراءة . تتضمن الذاكرة القصيرة على النسيان كسياق : إنها لا تمتزج بالهنيهة ، بل بالجذمور الجماعي، الزمني والعصبي. الذاكرة الطويلة (العائلة ، العرق ، المجتمع أو الحضارة) تنسخ وتترجم ، إلا أن ما تترجمه يواصل العمل فيها، من على مبعدة ، في غير أوانه ، ” بعد لاي”، وليس على الفور.
إن الشجرة أو الجذر لتلهمان صورة حزينة عن الفكر الذي لا يكف عن محاكاة المتعدد انطلاقا من وحدة عليا، مركز أو قطاع . في الواقع ، إذا ما نحن اعتبرنا مجموع الاغصان -الجذور، فإن الجذع يضطلع بدور القطاع المضاد بالقياس إلى المجموعات الصغيرة أو الفروع منظورا اليها من أسفل إلى أعلى : مثل هذا القطاع يشكل “ثنائي الاستقطاب – رابطا” بالتمايز مع “ثناثيات الاستقطاب -الوحدات ” التي تشكلها الشعاعات الخارجة من مركز بذاته (12). الا أن الروابط تقدر هي نفسها أن تتوالد كما في النسق الجذيري، ونحن أبدا لا نخرج من الواحد- اثنين ومن التعدديات المزعومة فحسب . وان إعادات التوليد والانتاج ، والرجوعات ، والهيدرات والمدوسات (ص)، هذا كله هو أيضا لا يوفر لنا مخرجا. إن الانساق الشجرية هي أنساق مراتبية تتضمن على مركز للادلال والتذويت (الفرانة والاحالة إلى الذات)، واليات مركزية هي أشبه ما تكون بذاكرات منظمة . ذلك أن الموديلات التي تندرج هي فيها إنما هي مكونة بحيث لا يتلقى فيها عنصر معلوماته الا من وحدة عليا، ولا ينال أثرا على الذات الا خلل روابط قائمة من قبل . نرى هذا بوضوح في المشاكل الحالية للاعلامياء والاجهزة الالكترونية ، التي ما تزال تحتفظ بالنمط الاعتق للفكر من حيث أنها تعهد بالسلطة لذاكرة أو لعضو مركزي فيها. في مقالة جميلة تدين “خيال تشجيرات الاوامر”(الانساق الممركزة أو البنيات المتراتبة)، يلاحظ بيير روزنستييل وجان بتيتو أن “القبول بأولوية البنيات المتراتبة إنما يعادل إضفاء الامتياز على البنيات الشجرية (….) إن الشكل الشجري يقبل بتفسير طوبولوجي (مواقعي) (…) وفي نسق تراتبي، لا يقبل فرد إلا بجار فعال واحد، هو رئيسه المراتبي (…) قنوات الايصال قائمة من قبل : توجد (البنية) الشجرية قبل الفرد الذي يندمج بها عند موضع محدد” (الادلال والتذويت). وينوه المؤلفان في هذا الصدد بأنه حتى عندما نحسب أننا نبلغ تعددية ، يمكن أن تكون الاخيرة كاذبتا- ما ندعوه نحن بنسق الجذير- لان تمثلها أو تعبيرها غير المراتبي ظاهريا لا يقبل في الواقع إلا مخرجا مراتبيا تماما: كذلك هي النظرية الشهيرة للصداقة ، “إذا كان في مجتمع فردان يتمتعان بصديق مشترك بصورة دقيقة ، فهذا يعني أن ثمة فردا صديقا للاخرين كليهما” (فكما يقول روزنستييل وبتيتو، من هو الصديق المشترك ؟ “هل الصديق الشامل لمجتمع الازواج هذا، هو المعلم ، أم متلقي الاعتراف أم الطبيب ؟ أفكار شتى مبتعدة كلها بغرابة عن فرضيات البداية ” : أم هو صديق النوع البشري؟ أم محب الحكمة كما يظهر في الفكر الكلاسيكي، حتى إذا كان ذلك كناية عن الوحدة المجهضة التي لا تتمتع بقيمة إلا عبر غيابها أو ذاتيتها، التي تقول : لا أعرف شيئا، لا أعرف شيئا؟). يتكلم المؤلفان في هذا الصدد عن حيل الديكتاتورية . هذا هو حقا مبدأ الاشجار-الجذور، أو المخرج ، حل الجذيرات ، بنية السلطة (13).

بالتضاد مع هذه الانساق الممركزة ، يطرح المؤلفان أنساقا عديمة التمركز، شبكات مسيرات متنامية ، يتحقق فيها التواصل بين جار وأي جار اخر، حيث لا تكون الاغصان أو القنوات سابقة الوجود، ويكون الافراد قابلين للتبادل جميعا، ولا يتحددون إلا بحالة لامعينة) في لحظة (معينة)، هكذا بحيث تتناسق العمليات الموضعية بعضها مع بعض ، وتتزامن النتيجة النهائية الكلية بالاستقلال عن كل هيئة مركزية . إن ارتسام حالات توهجية أو عالية الكثافة يحل هنا محل الطوبولوجيا (دراسة المواقع)، وان الرسم أو البيان الذي ينظم انتقال المعلومات هو بصورة من الصور نقيض البيان المراتبي… ليس للبيان أي مبرر في أن يكون شجرة (سبق أن دعونا مثل هذا البيان خارطة). مشكلة ماكنة الحرب أو زمرة الرمي: هل أن جنرا لا ضروري حتى يبلغ عدد معين من الافراد حالة إطلاق النار؟ إن المخرج من دون جنرال لهو متوفر عبر تعددية غير متمركزة تتضمن عددا محدودا من الحالات وتأشيرات السرعة المقابلة لها، من وجهة نظر جذمور حرب أو منطق مغاوير (حرب عصابات)، بلا نسخ ، وبلا صورة لاوامر مركزية . بل ليمكن حتى التدليل على أن تعددية كهذه – تركبا أو مجتمعا مكائنيين – لتقذف خارجا عنها، – “متطفل غير اجتماعي”، بكل مسير ممركز، وموحد ( 14). هكذا يكون العدد دائما: 1- n (عدد معين نأقصا واحد). ويؤكد روزنستييل وبتيتو على حقيقة أن المقابلة : متمركز/غير متمركز، لا تصح عبر الاشياء التي تحددها هي بقدر ما بفعل أنماط الحساب التي تطبقها على الاشياء. يمكن لاشجار أن تحيل إلى جذمور، أو تتبرعم هي نفسها جذمورا. وانه لصحيح عموما أن شيئا بذاته يقبل نمطي الحساب أو نمطي الضبط ، لكن ليس من دون أن تتغير طبيعته في حالة وفي الاخرى. مرة أخرى مثال التحليل النفسي : لا في نظريته فحسب بل في ممارسته للحساب والمعالجة نواه ، أي التحليل النفسي ، وهو يخضع اللا- شعور إلى بنيات مشجرة ومراتبية وذاكرات استجماعية وأجهزة مركزية ´ الفالوس (القضيب كرمز)، الشجرة -الفالوس . ليس يقدر التحليل النفسي أن يغير طريقته بهذا الصدد: على أساس تصور ديكتاتوري للشعور، يقيم (التحليل النفسي) سلطته الديكتاتورية هو نفسه . هكذا يكون هامش تحرك التحليل النفسي محدودا جدا. ثمة دائما جنرال ، أو قائد، في التحليل النفسي كما في موضوعه (الجنرال فرويد). وبالعكس ، فبمعاملة اللا-شعور كنسق عديم التمركز، أي كشبكة مكائنية من مسيرات متنامية (جذمورا، يبلغ التحليل الشيزوفريني أو الفصامي حالة من اللاشعور أخرى تماما. الملاحظات نفسها تصح على الالسنيات : إذ يتفحص روزنستييل وبتيتو، بحق ، إمكان تنظيم لا-مركزي لمجتمع كلمات “. إن السؤال ، بالنسبة للعبارات مثلما بالنسبة للرغبات ، لا يتمثل أبدا في اختزال اللا-شعور، أو تأويله ، ولا حتى في دفعه إلى الادلال باتباع شجرة . بل المسألة هي إنتاج لا- شعور، ومعه عبارات جديدة ، ورغبات جديدة: الجذمور هو هذا الانتاج للا-شعور نفسه بالذات .

إنه لغريب كم هيمنت الشجرة على الواقع الغربي وعلى الفكر الغربي كله ، من علم النبات إلى علم الاحياء، فالتشريح ، بل وحتى على مذهب المعرفة ، واللاهوت ، والانطولوجيا (علم الكيان)، وكامل الفلسفة …: الاساس -الجذر- Grund, roots et fundations. يرتبط الغرب بعلاقة مميزة بالغابة ويقطع الاشجار؟ الحقول المغنومة تأهل بنباتات ذات بذور، مادة لزراعة نسلية قائمة على النوع ومن نمط تشجيري؟ وتربية الحيوان بدورها، المنشورة في الاراضي المستريحة (هذه التي تزرع في موسم وتترك في اخرلم تعمل على انتقاء صفوف تشكل تشجيرة حيوانية كاملة . على حين يتقدم الشرق في صورة أخرى: العلاقة بالمفازة وبالحديقة (في حالات أخرى، بالصحراء والواحة) أكثر مما بالغابة والحقل : زراعة عصيات تعمل بتجزئة للفرد ( للوحدة الفردية)؟ استبعاد أو وضع بين قوسين لتربية الحيوان ، المعهود بها إلى مجالات مغلقة أو المدفوع بها إلى مفازة البدو. الغرب ، زراعة سلالة منتقدة مع عناصر فردية قابلة للتنويع كثيرة .؟ الشرق ، بستنة عدد محدود من الافراد (الوحدات الفردية) يحيل إلى مروحة واسعا من “اللمات “(ض) . أليس في الشرق ، خصوصا في المنطقة الاوقيانية ، من موديل جذموري يتضاد من كل ناحية مع الموديل الغربي للشجرة ؟إن أودريكور Haudricourt يرى في هذا حتى سببا للتضاد بين أخلاقيات العلو أو فلسفاته الاثيرة لدى الغرب، وأخلاقيات الكمون وفلسفاته في الشرق : الاله الذي يبذر ويحصد، بالتضاد مع الاله الذي يزرق وينبش (الزرق في واجهة البزار (15)). العلو مرض أوربي حصرا. ليست الموسيقى هنا نفسها، ولا للارض فيه الموسيقى عينها. ولا كذلك الجنس نفسه : فالنبات البذوري، حتى عندما يجمع بين الجنسين ، يخضع الجنس لموديل إعادة الانتاج : أما الجذمور فهو بالعكس تحرير للجنس ، لا فحسب بإرادة إعادة الانتاج أو تجديد النسل ، وانما بالقياس إلى التناسلية أيضا. لدينا نحن الشجرة مغروسة في الاجساد، إنها قد صلبت ونضدت (في طبقات) حتى أعضائنا الجنسية . أضعنا الجذمور أو العشب . هنري هيلر: “الصين هي العشب الضار (العشب المهمل الذي ينمو بلا عناية وبحرية) في حقل خس الانسانية (…) العشب الضار هو “نيميسيس ” (ط) الجهود البشرية . وبين جميع الحيوات الخيالية التي نعزوها للنبات والحيوانات والنجوم ، ربما كان العشب الضار هو الذي يعيش بالصورة الاكثر حكمة . صحيح أن العشب لا ينتج لا أزهارا، ولا حاملات طائرات ، ولا مواعظ على الجبل (…) لكن العشب هو في نهاية الحساب من يملك الكلمة الاخيرة . وفي نهاية الحساب فإلى حالة الصين يرجع كل شيء. هذا هو ما يجمع المؤرخون على دعوته بغياهب القرون الوسطى. لا مخرج سوى العشب (…) لا يقوم العشب إلا بين الفضاءات الشاسعة غير المزروعة . إنه يردم الفراغات . ينمو بين الاشياء الاخرى وخللها. الزهرة جميلتة، الخس نافع ، والخشخاش يصيب بالجنون . إلا العشب ، فهو فيض (عن الحد)، إنه لدرس في الاخلاق .(16) ” عن أية صين يتحدث ميلر، القديمة أم الحالية ، صين خيالية أو صين أخرى تشكل جزءا من خارطة متحركة ؟

ينبغي تخصيص مكان على حدة لامريكا. ليست بالطبع معفية من هيمنة الا شجار ومن بحث عن الجذور. نرى هذا حتى في الادب ، في البحث عن هوية قومية ، وحتى عن انحدار أو نسبية أوربيين (كيرواك خارجا للبحث عن الاسلاف). يبقى أن كل ما حدث وما يحدث من هام إنما يعمل بحسب جذمور أمريكي: “البيتنك ” (أو الجيل الضائع)، الثقافة الجوفية أو الهامشية ، العصب والعتاة ، والاندفاعات العرضانية المباشرة الارتباط بخارج ما. اختلاف الكتاب الامريكي عن الكتاب الاوربي حتى عندما يشرع الامريكي بملاحقة الاشجار. الاختلاف في تصور الكتاب . “أوراق عشب ” (كما في ديوان والت ويتمان). وهي ليست الاتجاهات نفسها في أمريكا: ففي الشرق يخاض البحث الشجري والعودة إلى العالم القديم . أما الغرب فجذموري، مع هنوده الحمر بلا أصول ، وهدبه الدائمة الهرب ، وحدوده المتحركة والمزحزحة . ثمة “خارطة ” أمريكية كاملة في الغرب ، حيث تشكل حتى الاشجار جذمورا. لقد قلبت أمريكا الاتجاهات : وضعت شرقها في الغرب ، كما لو أن الارض أصبحت كروية في أمريكا بالذات ؟ غربها في حاشية الشرق تماما (17). (ليست الهند، كما كان يحسب أودريكور، هي من يضطلع بالوساطة بين الغرب والشرق ، بل أمريكا هي من تشكل محور الانقلاب وأواليته).تنشد المغنية الامريكية باتى سميث ثورة طبيب الاسنان الامريكي: لا تبحثوا عن جذر، اتبعوا القناة …

ألن يكون هناك أيضا نمطان للبيروقراطية ، بل ثلاثة (أو أكثر)؟ البيروقراطية الغربية : أصلها الزراعي، المساحي، الجذور والحقول ، الاشجار ودورها الحدودي، الاحصاء الكبير الذي قام به غيوم الفاتح ، الاقطاع ، سياسة ملوك فرنسا، إقامة الدولة على أساس الملكية ، التفاوض على الارض بالحرب ، والمحاكمات ، والزيجات . يختار ملوك فرنسا الزنبق لانه نبتة ذات جذور عميقة تتشبث بالمنحدر. هل الشيء نفسه في الشرق ؟ أكيد أنه سيكون مفرط البساطة أن نقدم شرقا يقوم على الجذمور والكمون : لكن صحيح أن الدولة لا تعمل فيه بمقتضى رسم شجري يحيل إلى طبقات سابقة الوجود، مشجرة ومجذرة ؟ إنها بيروقراطية ذات قنوات ، السلطة المائية المشهورة ، مثلا، ذات “الملكية الضعيفة “، حيث تتمخض الدولة عن طبقات محالة ومحيلة إلى قنوات (لاحظ ما بقي يمتنع على الدحض في أطروحات لايتفوغل). يتصرف المستبد هنا كنهر، وليس كنبع يكون مرة أخرى نقطة ، نقطة – شجرة أو جذرا؟ إنه يلتحم بالمياه أكثر مما يجلس تحت الشجرة : وشجرة بوذا نفسها تصبح جذمورا: نهر ماو (بالتعارض مع) شجرة لويس (ظ). ألم تعمل أمريكا هنا أيضا كوسيط ؟ ذلك أنها تعمل في الاوان ذاته عبر إبادات وتصفيات داخلية (لا الهنود الحمر فحسب ، لكن المزارعين أيضا الخ …)، وباندفاعات خارجية متتالية من الهجرات . يتمخض تيار رأس المال فيها عن قناة شاسعة، واحالة كمية للسلطة ، مع ” حصص ” مباشرة يتلذذ فيها كل واحد على شاكلته الخاصة في مرور التيار-المال (من هنا أسطورة -حقيقة الفقير الذي يصبح مليونيرا ليصبح فقيرا من جديدا: على هذه الشاكلة يجتمع كل شيء في أمريكا، التي هي في الاوان ذاته شجرة وقناة ، جذر وجذمور. ليس ثمة من رأسمالية كونية ، وفي ذاتها، بل تقيم الرأسمالية في تقاطع جميع أنماط التشكل ، إنها دائما، وبطبيعتها، رأسمالية جديدة ، وهي تبتكر من أجل الضراء وجهها الشرقي ووجهها الغربي، وتلاعبها بالاثنين .

نحن في الوقت عينه على نهج خاطىء، مع كل هذه التوزيعات الجغرافية . ممر مسدود: لا بأس . إن كان يتعين تبيين أن الجذامي لها هي الاخرى استبدادها الخاص ومراتبيتها الخاصة، الاكثر قسوة من سواهما، فهذا حسن ، إذ ليس ثمة من ثنائية ، ما من ثنائية أنطولوجية هنا وهناك ، ولا من ثنائية أخلاقية للطيب والشرير، ما من مزيج ولا من خلاصة (تركيبة) أمريكية . ثمة عقد تشجير في الجذامي، واندفاعات جذمورية في الجذور. بل أكثر من هذا، ثمة تشكلات استبدادية ، للكمون و التقنن (من القناة)، خاصة بالجذامي. ثمة تشوهات فوضوية في النسق المتعالي للاشجار والجذور الهوائية والاغصان الجوفية . ما يهم هو الا تتضاد الشجرة -الجذر مع الجذمور-القناة كنمطين : أحدهما يعمل كموديل ونسخة متعاليين ، حتى إذا كان ينتج هروباته الخاصة ، وحتى إذا كان يحفز (على قيام) قناة استبدادية . لا يتعلق الامر بهذا الموقع أو ذاك على الارض ، ولا بهذه اللحظة أو تلك في التاريخ ، ولا كذلك بهذه المقولة أو تلك في الفكر. بل يتعلق الامر بالعالم ، الذي لا يكف عن القيام والانغراس ، وبالسياق الذي لا يكف عن الاستطالة ، والتصدع ، والاستئناف . مثنوية أخرى، أو جديدة ؟ كلا. مشكلة الكتابة : تلزم تماما تعابير غير دقيقة لتحديد شيء ما بدقة . لا لانه يجب المرور من هنا، ولا لاننا لا نقدر على العمل إلا تقريبيا: ليس عدم الدقة إجراء تقريبيا، بل هو بالعكس الممر الدقيق لما يحدث . إننا لا نرجع إلى ثنائية إلا لندين أخرى. لا نستخدم ثنائية موديلات إلا لنبلغ سياقا يدين كل موديل . تلزم في كل مرة مصححات دماغية تحل الثنائيات التي لم نشأ اقامتها، بل التي بها نمر . الوصول إلى الصيغة السحرية التي نبحث عنها جميعا: التعددية = الاحادية ، مارين بجميع الثنائيات التي هي العدو، لكنا العدو الضروري تماما، الاثاث الذي لا ننفك نغير مكانه .

دعونا نلخص المواصفات الاساسية لكل جذمور: خلافا للاشجار أو لجذورها، يصل الجذمور نقطة ما بأخرى، ولا تحيل كل واحدة من خصائصا بالضرورة الى خصائص من الطبيعة نفسها، بل هو يدفع إلى العمل نظما للعلامات بالغة الاختلاف ، بل وحتى حالات لا-علامات . لا يسمح الجذمور بإرجاعه لا إلى الواحد ولا إلى المتعدد. ليس هو الواحد الذي يصبح اثنين ، ولا حتى الذي يصبح مباشرة ثلاثة أو أربعة أو خمسة ، الخ … ليس متعددا نابعا من الواحد، ولا هذا الذي ينضاف اليه الواحد (عدد ما + 1). ليس مكونا من وحدات ، بل من أبعاد، أو بالاحرى من اتجاهات في حركة . لا بداية له ولا نهاية ، بل دائما وسط ، يتنامى عبره ويفيض. إنه يشكل تعدديات خطية بعدد غير محدد من الابعاد، بلا ذات ولا موضوع ، قابلة للنشر في حقل صلابة : ويكون الواحد مطروحا منها دائما (عدد معين – 1). مثل هذه التعددية لا تتغير أبعادها من دون أن تغير طبيعتها في ذاتها وتتحول . بالتضاد مع بنية تتحدد بمجموع نقاط ومواقع ، وبعلاقات ثنائية بين هذه النقاط وعلاقات ثنائيه -احاديه بين هذه المواقع . لا يقوم الجذمور إلا برسم خطوط : خطوط انقسام ، وتطابق ، هي أبعاد، لكن كذلك خط هروب أو ترحيل بما هو بعد أعلى تتحول بمقتضاه التعددية ، إذ تتبعه ، وتغير طبيعتها. لن نخلط بين هذه الخطوط أو الرسوم ، وخطوط سلالية من نمط متشجر ما هي إلا وصلات قابلة للموضعه بين نقاط ومواقع . خلافا للشجرة ، ليس الجذمور قابلا لاعادة الانتاج : لا إعادة إنتاج برانية كما في الشجرة -الصورة ، ولا جوا نية كما في البنية -الشجرة . الجذمور ضد-نسبية . هو ذاكرة قصيرة ، أو ضد-ذاكرة . يعمل الجذمور بالتنوع ، بالتوسع ، بالغزو، بالقنص ، والزرق. خلافا للخطوطية ، وللرسم أو للفوتوغراف ، وخلافا للنسخ ، يرجع الجذمور إلى خارطة يجب أن تكون منتجة ، منشأة ، قابلة للتفسيخ دائما، وللربط ، والقلب ، والتعديل ، ذات مداخل ومخارج متعددة ، مع خطوط هروبها هي. إن النسخ هي ما ينبغي إرجاعه إلى الخرائط ، لا العكس . ضد الانساق الممركزة (وآن تكن متعددة المراكز)، ذات التواصل المراتبي والوصلات المقامة سلفا، يصنع الجذمور نسقا عديم التمركز، غير مراتبي، وغير دال ، بلا جنرال ، ولا ذاكرة تنظيمية أو مسير مركزي، ويتحدد بسريان حالات وليس أكثر. ما يشكل محور السؤال في جذمور هو علاقة بالجنس ، لكن بالحيواني أيضا، وبالنباتي، وبالعالم ، والسياسة ، والكتاب ، ومطبوع الأشياء ومصنوعها، علاقة تامة الاختلاف عن العلاقة الشجرية : جميع أنماط “الصيرورات” .

إن هضبة (ع) لهي دائما وسط ، لا بداية أو نهاية . وكل جذمور إنما هو مكون من هضاب. يستخدم غريغوري باتيسون Gregory Batgeson المفردة “هضبة ” لتحديد شيء بالغ الخصوصية : منطقة متواصلة من الكثافات أو التوهجات ، تتوتر حول ذاتها، وتتنامى، متفادية كل توجه صوب نقطة عليا أو نهاية خارجية . يطرح باتيسون مثال الثقافة البالينية (أندنوسيا).إن ألعابا جنسية تجمع الأم والطفل ، أو شجارات بين الرجال ، تمر فيها بمنطقة الاستقرار الكشافي هذه . ” إن نوعا من هضبة متواصلة من الكثافة تحل هنا محل الذروة الجنسية “، ومحل الحرب أو نقطة الأوج . إن إحدى الخصائص المزعجة في الروح الغربية إنما تتمثل في احالتها التعابير أو الأفعال إلى نهايات أو غايات برانية أو متعالية ، بدل تقديرها عند حقل كمون بحسب قيمتها ذاتها(18). فمثلا، لما كان كتاب مكونا من فصول ، فهو يتمتع بنقاط أوجه ، نقاط نهايته . ما يحدث بالعكس لكتاب مكون من هضبات ، يتواصل بعضها مع بعض عبر شقوق مجهرية ، كما في دماغ ؟ إننا ندعو ” هضبة ” كل تعددية قابلة للوصل بتعدديات أخرى بأغصان جوفية مصطنعة ، بحيث تشكل جذمورا وتبسطه . نكتب هذا الكتاب كجذمور. كوناه من هضبات . وهبناه شكلا حلقيا: إنما من أجل الضحك . كنا نستيقظ كل صباح ، ويتساءل كل واحد منا بأية هضبة يبدأ، يكتب خمسة أسطر هنا، وعشرة هناك . عشنا تجارب هلامية ، ورأينا إلى سطور وهي تغادر، كصفوف من النمل ، هضبة لتلتحق بأخرى. صنعنا دوائر تلاق . كل مضب . يمكن أن تقرأ في أي مكان ، وتوضع في علاقة مع أية هضبة . إن توخينا المتعدد، لزم لذاك طريقة تحققا فعليا؟ لا حيلة طبوغرافية (شكلية -طباعية)، ولا براعة قاموسية ، مزج كلمات أو ابتكارها، ولا أي جرأة بنائية يمكن أن تفني عن هذه الطريقة . فهذه الأشياء إن هي في الغالب إلا إجراءات محاكاتية موجهة لحل عرى وحدة مدعمة في بعد اخر من أجل كتاب -صورة . نرجسية تقنية . ليست الابتكارات الطبوغرافيا والقاموسية والبنائية ضرورية إلا عندما تكف عن الانتماء إلى الشكل التعبيري لوحدة خفية ، لتصبح هي نفسها واحدا من أبعاد التعددية المعتبرة ، ولا نعرف إلا نجاحات نادرة في هذا المضمار (19). لم نفلح نحن في تحقيق ذلك . استخدمنا، فحسب ، مفردات عملت بالنسبة لنا كهضاب . الجذمورية = التحليل الشيزوفريني = التحليل التنضيدي = البراغماتية = السياسة المجهرية . هذه المفردات مفهومات ، لكن المفهومات خطوط ، أي أنساق أعداد مرتبطة بهذا البعد من التعدديات أو ذاك (نضائد، سلاسل جزيئية ، خطوط هروب أو قطع ، دوائر التحام أو تلاق ، الخ …) إننا لا نطمح بأية حال من الأحوال إلى لقب علمي. إننا لا نعرف من علمية ولا من أيديولوجية ، بل تركبات وليس أكثر. وليس ثمة سوى تركبات مكائنية للرغبة ، وتركبات جماعية للتعبير. ما من إدلال ولا من مذاوتة (من الذات): الكتابة ضمن عدد من الأبعاد غير محدد (كل تعبيا مفردن يظل سجين الدلالات المهيمنة ، وكل رغبة دالة تحيل إلى ذوات مهيمن عليها).وان تركبا في تعاديته ليشتغل في الأوان ذاته بالضرورة على تيارات أو اوافق سميائية ، وتيارات مادية وتيارات اجتماعية (بالاستقلال عن الاستعادة التي يمكن أن تمارس عليها في متن نظري أو علمي). لم يعد ثمة من توزيع ثلاثي بين حقل واقع (العالم) وحقل تمثل (الكتاب)، وحقل ذاتية (المؤلف). إلا أن تركبا ما إنما يضع في ارتباط عددا من التعدديات مأخوذة في كل واحد من هذه النظم ، وهكذا بحيث أن كتابا لا يجد تتمته في الكتاب اللاحق ، ولا موضوعه في العالم ، ولا ذاته الفاعلة في مؤلف أو أكثر. بإيجاز، يبدو لنا أن الكتابة أبدا لن تنكتب بما فيه الكفاية باسم خارج ما. ليس للخارج من صورة ، ولا من دلالة ، ولا من ذاتية . الكتاب ، تركب مع الخارج ، ضد كتاب -صورة العالم . كتاب -جذمور، وليس منقسما، أو خذروفيأ أو محزومأ. الا نشكل جذرا أبدا، ولا أن نغرس جذرا، مع أن من الصعب عدم معاودة السقوط في هذه الاجراءات العتيقة . “إن الأشياء التي تخطرلي تتقدم الي لا عبر جذرها، وانما عبر نقطة ما مموقعة عند وسطها. حاولوا، إذن ، الامساك بها، حاولوا استبقاء ضمة من العشب لا تبدأ بالنمو إلا عند وسط الغصن ، وبها تمسكوا “( 20). لم يكون الأمر بمثل هذه الصعوبة ؟ إنه لسؤال علم علامات (سيميوتيكا) إدراكي. ليس من السهل تلقي الأشياء من وسطها، وليس من على إلى سفل أو بالعكس ، ولا من اليسار إلى اليمين وبالعكس: حاولوا، تروا أن كل شيء سيتغير. ليس من السهل رؤية العشب في الأشياء والكلمات (على النحو ذاته يقول نيتشه أن المقولة المقتضبة -الأفوريزم – ينبغي أن ” تجتر”، وأن هضبتا لا تكون أبدا مفصولا عن الأبقار التى تأهلها، والتي هي غيوم السماء أيضا).

يكتب التاريخ ، لكنه دائما كتب من وجهة نظر المقيمين (المتوطنين) ، وباسم جهاز دولة توحيدي يظل على الأقل ممكنا حتى عندما يتحدثون عن رحل. إن ما ينقصنا ليس تاريخا، بل بالعكس نومادولوجيا (علم بداوة أو ترحل). ومع ذلك ، فهنا أيضا نجد نجاحات نادرة وعظيما، “حمة (غ) الأطفال ” مثلأ: كتاب مارسيل شلإوب Marcel Schwob الذي يعدد الحكايات كهضاب متعددة ذات أبعاد متنوعة . كتاب أندريزييلإسكي Andrzejewski، “أبواب الفردوس “، المكون من جملة واحدة لا تنقطع ، مد أطفال ، مد مسيرة مع مراوحات ، وتمطط ، وتسارع ، وتيار علاماتي من جميع اعترافات الأطفال الذين يأتون للتصريح بأنفسهم أمام الراهب الشيخ في مقدمة الموكب ، تيار الرغبة والجنس أيضا، حيث خرج كل واحد مدفوعا بالحب ، تحدوه ، بمباشرة تقل أو تكبر، الرغبة السوداء ما بعد-الموتية والمثلية لعمدة لاندوم ، مع دوائر تلاق عديدة – ليس المهم أن تشكل التيارات “واحدأ أو تعددية “، فنحن ماعدنا عند هذا الصعيد: ثمة تركب جماعي للتعبير، وتركب مكائني للرغبة ، أحدهما في الأخر، وكلاهما موصولان بخارج رائع يشكل في جميع الأحوال تعددية . ثم ، أحدث زمنيا، كتاب ارمادن فاراشي عن الحملة الصليبية الرابعة ، “التخلع “La dislocation، الذي تتباعد فيه الجمل وتتبعثر، أو تتدافع وتتعايش ، وتشرع الحروف والطبوغرافيا بالرقص بقدر ما تمعن الحملة في الهذيان ( 21). هي ذي نماذج كتابة مترحلة وجذمورية . تقترن الكتابة بماكنة حرب وخطوط هروب ، وتهجر الطبقات المنضدة والقطاعات ، والتوطن ، وجهاز الدولة لكن لم ما يزال يلزم أنموذج أو موديل ؟ ألم يصبح الكتاب بعد صورة حملات (“صليبيات “)؟ أما ثمة ، بعد، وحدة محفوظة ، وحدة خذروفية (دائرة حول مصراع بذاته) في حالة فاراشي ، أو وحدة العمدة الجنائزي في الحالة الأخرى الأجمل ، حالة “أبواب الفردوس “؟ أتلزم ترحلية أعمق من ترحلية الصليبيات ، ترحلية البدو الحقيقيين ، أو مرحلية من لم يعودوا ليتحركوا ولا ليحاكوا شيئا؟ بل يراكبون فحسب . كيف سيجد الكتاب خارجا كافيا يقدر أن يتراكب معه في المختلف « أو المتنافر وليس عالما ليعيد إنتاجه ؟ لما كان الكتاب لم شيئا) ثقافيا، فهو، بالضرورة ، نسخ : نسخ لنفسه أولا، وللكتاب السابق للمؤلف نفسه ، ونسخ كتب أخرى مهما تكن اختلافاتها، نسخ لا نهاية له لمفهومات ومفردات قائمة ، نسخ للعالم الحاضر، الماضي أو القادم . لكن الكتاب ضد-الثقافي يمكن أن يكون هو الاخر مخترقا بثقافة بالغة الثقل : ومع ذلك فهو يقدر أن يسلط عليها ممارسة فعالة للنسيان لا للذا كرة ، للتنمية المتأنية لا لتقدم ينبغي تنحيته ، للترحل لا للتوطن ، للخارطة لا للنسخ . الجذ مورية =التحليل الشعبي (بوب)، حتى إذا كان للشعب أشياء أخرى يقوم بها سوى القرآءه ، وحتى إذا بقيت كتل الثقافة الجامعية أو المتنبهة بالعلم بالغة الاجهاد وثقيلة . ذلك أن العلم سيكون مجنونا تماما إذا ما تركناه يعمل ما يريد: انظروا إلى الرياضيات، إنها ليست علما، بل رطانة رائعة، وترحلية . حتى في المجال النظري، وخصوصا فيه ، يظل أي ترميق هش وبراغماتي أفضل من نسخ المفهومات ، مع انقطاعاتها وتقدماتها التي لا تغير شيئا. القطيعة الخفية ، لا القطع الدال . ضد جهاز الدولة ، ابتكر الرحل ماكنة حرب . أبدا لم يفهم التاريخ البداوة ، ولا الكتاب فهم الخارج . طوال تاريخ مديد، بقيت الدولة هي موديل الكتاب والفكر: اللوغوس االفيلسوف -الملك ، تعالي الفكرة ، داخلية المفهوم، جمهورية الأفكار، محكمة العقل ، موظفو الفكر، الانسان المشرع والفاعل . نزوع الدولة إلى أن تكون هي الصورة المستدخلة لنظام للعالم ، والى أن تجذر الانسان . لكن علاقة ماكنة حرب بالخارج لا تشكل ” موديلا” اخر، بل هي تركب يجعل الفكر يصبح مترحلا هو نفسه ، والكتاب قطعة لجميع المكائن المتحركة ، غصنا لجذمور (كلايست وكافكا ضد غوته).الكتابة بعدد (من الأبعاد) غير معلوم ، الكتابة بعدد – 1، الكتابة في شعارات : كونوا جذمورا لا جذرا، لا تفرسوا أبدا! لا تبذروا، بل ازرقوا! لا تكونوا واحدا ولا كثيرا، بل تعدديات ! شكلوا خط وليس أبدا نقطة (ف)! تحول السرعتة النقطة إلى خط (22)! كونوا سريعين ، حتى ثابتين في مكانكم ! خط حظ ، خط كفل (ق)، خط هروب . لا تبتعثوا في داخلكم جنرالا! لا أفكار صائبة ، بل محض فكرة (جان -لوك غودار). حوزوا أفكارا قصيرة . اصنعوا خرائط ، لا صورا فوتوغرافية ولا رسوما. كونوا الفهد الوردي، ولتكن غرامياتكم هي الأخرى كالزنبورئوالسحلبية ، القطة و القردح . يقولون عن النهر-الطاعن -في السن (ك):
” إنه لا يزرع البطاطس

ولا يزرع القطن

ما يزرعون ينسى بسرعة

أما النهر-الطاعن -في -السن فلا يكف عن الجريان “.

إن جذمورا لا يبدأ، ولا يفني إلى مكان ، إنه دائما في الوسط ، بين الأشياء، كون -وسيط ، intermezzo(ل). الشجرة انحدار أو بنوة ، أما الجذمور فهو قران ، وقران فحسب . تفرض الشجرة فعل “الكينونة ” ؛ أما الجذمور فيجد نسيجه في حرف العطف ” و…و…و…” ثمة في هذا العطف من القوة ما يكفي لرج فعل الكينونة واقتلاعه . إلى أين أنت ذاهب ؟ من أين انطلاقك ؟ وما الذي تقصد؟ هذه أسئلة غير مجدية حقا. ممارسة المحو، الانطلاق أو معاودة الانطلاق من الصفر، البحث عن بدء، أو أساس ، هذا كله يفترض تصورا خاطئا للسفر وللحركة (منهجي، تربوي، تلقيني، رمزي…) لكن ثمة لدى كلايست ، ولينتس ، وبوخني، شاكلة أخرى في السفر كما في الحركة ، الانطلاق من الوسط ، بالوسط ، الدخول والخروج ، وليس البدء ولا الانتهاء (23). أكثر من هذا، فالأدب الأمريكي، والانجليزي من قبل ، هما اللذان أبانا عن هذا الاتجاه الجذموري، وعرفا أن يتحركا بين الأشياء، ويقيما منطقا لـ “الواو”، ويقلبا الأنطولوجيا، ويخلعا الأساس ، ويلفيا البداية والنهاية . عرفا أن ينشئا براغماتية. ذلك أن الوسط لا يعني المعدل ، بل هو بالعكس الموضع الذي تروح فيه الأشياء تتسارع . لايدل “بين الأشياء” على علاقة قابلة للموضعة تذهب من أحدها إلى الأخر وبالعكس ، بل هو اتجاه عمودي، حركة عرضانية تجتذب الواحد والأخر، جدول بلا بداية ولا نهاية ، يقضم ضفتيه ويتسارع في الوسط .

هوامش المؤلف والمترجم:

(أ) : الجذمور: .تجمعه العرب على “جذامر” و”جذامير”، وهو ساق أرضية شبيهة بالجذر، لكنها ليست جذرا. ولقد وجد بعض المترجمين مايغريه في صياغتها على وزن اسمها الفرنسي :rhizome)”جذروم “!)، ولا ندري ما يدفع إلى محاكاة اللغات الغربية حتى في صيغها الاشتقاقية (المترجم ( .

)ب) : “الضد-أوديب “: هو الجزء الأول من كتاب دولوز وغواتاري: “الرأسمالية والشيزوفرينيا”، الذي يشكل النص الحالي فاتحة جزئه الثاني: “ألف هضبة “. والضذ-أوديب مسوغ على غرار: “ضد-المسيح “، أي عدوه . فالنية هنا لـ”اغتيال ” الأوديبية ولا أوضح (المترجم (.

(ت): صفة «المكائنى» (تقابل machinique) ضرورية هنا لأن المؤلفين يفكران هنا (كما وآينا في «المكائن الراغبة ») بمايشبه معملا او مصنعا، وماكان من مفردة «الآلة » الأ أن تختزل الحركة وتحرفها فى اتجاه عمل “الي”. يلاحظ القارىء في مواضع أخرى من هذا الكتاب أننا ترجمنا أحيانا حتى المصطلح المعروف «الة حرب » إلى «ماكنة حربية » لملاءمة التعبير الأخير اكثر لهذا السياق الذي تتنادى فيه المصطلحات ويكمل بعضها (المترجم (.

)ث): مثلما أشرنا اليه في تقديمنا، فالمؤلفان يريان أن كافكا قد تنبا بالصيرورة البيروقراطية لعالمنا بما يرفع عن عمله كل صفة فنطاسية طالما أضفيت عليه اعتباطا (المترجم (.

)ج): انظر بصدد بورو وتقنيته في القطع ، ” مسار فكري” في هذا الكتاب (المترجم (.

(ح): يسمى مجهضو الأطفال “صانعي ملائكة ” لأنهم يضيفون إلى الأخيرين ملائكة جددا هم الأطفال الموتى. لكن الفيلسوفين يستثمران ساخرين الدلاله الحرفية للتعبير (المترجم (.

)خ): الكتابة بحسب 1-n هي الكتابة بحسب عدد معين بعد إنقاصه واحدا (القبول بالانطراح من المجموع) (المترجم (.

(د) : encodage، من : code، صناعة الشيفرة أو المرموزة . ومن الأخيرة اجترحنا مفردة «الترميز» لمرونتها. ويتأطع معها decodage: «فك الترميزات أو الشيفرات ». أنظر بهذا الصدد كشاف المصطلحات (المترجم (.

)ذ): من «الكوجيتو»، وهو إعلان مبدئي، من نمط كوجيتو ديكارت المعروف : “انا افكر، إذن أنا موجود” (المترجم (.

(1): انظر برتيل مالمبرغ ” الاتجاهات الجديدة في اللسانيات ” (مثال الاسبانية القشتالية)

Bertil Malmberg, “Les nouvelles tendances de la linguistigue (léxemple du dialecte castillan)”, PUF, P97 sq.

(2): ارنست يونغر، « مقاربات ، مخدرات وسكر»:

Ernst Junger, ؤproches, drogues et ivresses “, Table ronde, P 218.304

(3): ريمي شوفان ، «حوارات حول الجنس :

Remy chauvin, in ثntretiens sur la sexualite”, Plan , P.205

(ر): ADN (في المصطلحية الانجليزية : DNA) هو مختصر التسمية العلمية لحامض عصبي-تكويني يقول العلماء أنه يخكف لدى كل فرد أو كائن عن سواه ، واليه يرجع مجموع خصائصه التكوينية (المترجم).

(ز): القردح : نوع من السعادين الأفريقية ، من نوع كلبيات الرأس (المترجم).

(4): بخصوص أبحاث ر. بنفينست R.E.Benveniste و غ .ج . تودارو G.J Todaro ، أنظر إيف كريستن « دور الجراثيم في التطور»:

Yves Christen, “Le role des virus dans lévolution”, La Recherche, n.54

كتب :« تقدر الجراثيم ، بعد الادخال -الاستئصال في خلية ، أن تحمل معها، على أثر خطأ فى القطع ، نتف من لـ DNA (المركب الخلوي) الخاص بمضيفها وتنقلها إلى خلايا جديدة : وهذه هي قاعدة ما يدعى بالتخطيط الوراثي. ينتج عن هذا أن الاعلام الوراثي الخاص بمنظومة عضوية أو جسم يمكن أن ينتقل إلى أخر بفعل الجراثيم . واذا كنا معنيين بالحالات المتطرفة ، فيمكن أن نتخيل إمكان حصول هذا التحويل للإعلام من نوع أكثر تطورا إلى نوع أقل تطورا أو مولد للسابق . وعليه ، فلعل هذه الأوالية تعمل بعكس تلك اعلي يتبعها التطور بصورة كلاسيكية . وإذا ما كان لمثل هذه الانتقالات للمعلومات كبير أهمية ، فسنكون فى بعض الحالات محمولين إلى إحلال رسوم شبكية (مع تواصلات بين الفروع أو الأغصان بعد تمايزاتها) محل الرسوم الدغلية أو الشجرية التي تخدم في تمثل التطور حاليا » ص 271( .

(5): فرنسوا جاكوب ، « منطق (الكائن) الحى »:

Francois Jacob, “La logique du vivant”, Gallimard, PP 312, 333.

Gallimard, PP 312, 333.

(6): كارلوس كاستانيدا، “عشب الشيطان” والدخنة الصغيرة”:

Carlos Castaneda, “L’herbe du diable et la petite fumée”, Ed du soleil noir, P. 160.

(7): لابيز، “عن إرادة وصدفة”: Pierre Boulez, “Par

كتب: “تزرعه [الشكل الموسيقي”> في تربة معينة، وفجأة يشرع بالتكاثر كالعشب الضار”. وفي ص 89، عن التكاثر أو التوالد الموسيقي: “موسيقى طافية، تحمل فيها الكتابة نفسها للعازف استحالة الحفاظ على تزامن مع زمن [موسيقى”> مدفوع”.

(8): انظر ميلاني كلاين، “التحليل النفسي لطف”:

Mélanie Klein, “Psychanalyse d’un enfant”, Tchou.

دور خرائط الحرب في أنشطة ريشارد.

(س): هانس Hans (ويعرف بالصغير هانس): طفل لأحد اتباع فرويد، أصيب وهو في الخامسة، ولدى ولادة شقيقة له، بهيلة من الخيول، فكان يرفض الخروج من المنزل خشية أن يعضه حصان . قام فرويد بتحليله. ونشر على أثرا لتحليل (في 1909) دراسته الأولى في التحليل النفسي للاطفال، يربط فيها بين عصاب الصغير هانس وعقدة أوديب (المترجم).

(9): فرنان دوليني، “الصوت والرؤية”:

Fernand Deligny, “Voix et voir”, Cahiers de l’immuable”, Recherches, avril 1975.

(10): أنظر ديتر فوندرليش: “البراغماتية ووضعية العبارة والمؤشرات الزمكانية”:

Dieter Wunderlich, ” Pragmatique situation d’énonciation èt deix-is”, in langages, N’ 62, juin 1 279, PP.05 Sq.

محاولات ماك كاولي، سادوك ، وفوندرليش لإدخال “خواص براغماتية” في أشجار شومسكي.

(11): ستيفن روز، “الدماغ الواعي”:

Steven Rose, Le cerveau conscient, Ed. du Seuil, P. 97, et, sur la mémoire, PP. 250 sq.

(12): انظر جوليان باكوت، “الشبكة الشجرية، تخطيط اولي للفكر”:

Julien pacotte, “Le réseau arborescent, scheme primordial de la pensée,” Hermann 1936.

يحلل هذا الكتاب وينمي رسوما مختلفة للشكل التشجيري، وليس الاخير مقدما فيه كشكلانية بسيطة وانما باعتباره “الاساس الفعلي للفكر الشكلي”. يدفع الفكر الكلاسيكي الى مداه الاخير، ويقتطف جميع اشكال “الواحد-اثنين”. في نظرية ثنائية التقطب. يفضي مجموع الجذع-الجور-الاغضان الى الرسم التالي:

وحديثا قام ميشيل سير بتحليل تنويعات ومتتاليات شجرية في الميادين العلمية الأكثر تباينا: كيف تتشكل الشجرة انطلاقا من “شبكة”:

Michel Serres, “La traduction”, Ed. de Feux et Signaux de Minnit, PP.27 sq.; “Feux et Signaux de brume”, Grasset, PP.35 sq.)

(ص): يشيران إلى تشكلات من نمط “الهيدرا”، وهو أفعوان خرافي بتسعة رؤوس ، و”المدوس” (“الميدوز”)، وهو حيوان بحري هلامي يضيء في الليل (المترجم).

(ض): اللمة: هي النباتات التي تتوالد بالانشطار كالتوائم. والمثال الأشهر عليها هو البطاطس (المترجم).

(13): بيير روزنستييل وجان بتيتو، “المسير غير الاجتماعي والأنساق غير المتمركزة”:

Pierre Rosenstiehl et Jean Petitot, Autornate asocial et systèmes acentrés” in Communications, N. 22, 1976.

وبخصوص نظرية الصداقة ، أنظر هـ.س . ويلف:

H.S.Wilf, “The Friendship Theorem in Combinatorial Mathematics”, Welsh Academic Press;

وبخصوص نظرية من النمط ذاته، تدعى نظرية اللا-حسم الجماعي، أنظر ك .ج .ارو، “الاختيار الجماعي والتفضيلات الفردية”:

K.J. Arrow, “Choix collectif et Préférences individuelles”, Calmann-Lévy.

(14): أنظر المصدر السابق . وتتمثل الخصيصة الأساسية للنسق غير المتمركز في كون المبادرات الموضعية منسقا فيما بينها بالاستقلال عن كل هيئة مركزية ، بما أن الحساب يتحقق في مجموع الشبكة (تعددية). أدمن هنا فإن الموضع الوحيد الذي يمكن أن تنشأ فيه لائحة أرشيفية (بطاقية) للأشخاص ، إنما يقيم عند الأشخاص أنفسهم ، القادرين وحدهم على حمل وصفهم وتجديده أو ترهينه (من الراهنية). إن المجتمع هو الاضبارة الوحيدة الممكنة للأشخاص. إن مجتمعا غير متمركز، طبيعيا، ليرفض كل مسير ممركز، كطفيلي غير إجتماعى” (ص 62). وبخصوص “نظرية “زمرة الاعدام Firing Squad أنظر ص 51- 57. بل يحدث حتى أن يقوم الجنرالات، ضمن حلمهم بالهيمنة على التقنيات الشكلية لحرب العصابات، أن يستعينوا بتعدديات من “مقياسات تزامن”، “مستندة إلى خلايا خفيفة متعددة لكن مستقلة”، ولا تتضمن نظريا الا الحد الأدنى من السلطة المركزية و “المناوب المراتبي”، أنظر غي بروسوليه، دراسة في اللا- معركة :

bataille”,-Guy Brossolet, “Essai sur la non Belin, 1975.

(15): بخصوص الزراعة الغربية للنبات البذوري والبستنة الشرقية للعصيات ، وبخصوص مقابلة “البذر/الزرق” والفوارق في تربية الحيوان، أنظر أودريكو: “تدجين الحيوانات، وزراعة النبات، ومعاملة الغير” (1962) و”أصل اللمات والقبائل” (1964):

Haudricourt Domestication des animaux, Culture des plantes et traitement d’autrui”, (-L’Homme, 1962) et “L’origine des clones et des clans” (L’Homme, Janvier 1964).

ولا تشكل الذرة والرز استثناء: إنهما من الحبوب “المتبناة تقليديا لدى زراعي العصيات” والمعاملة على نحو مماثل: ومن المحتمل أن يكون الرز قد “ظهر كعشب ضار من أثلام القلقاس”.

(ط): النيميسيس : يعتبر هنري ميلر العشب الضار النبات الأكثر حكمة ويشبهه بـ”النيميسيس”، لأن الأخير أحد الهة الميثولوجيا اليونانية، كان يجسد فيها غضب الالهة على التجاوز أو الافراط (المترجم).

(16): هنري هيلر، هاملت :

-Henri Miller, “Hamlet”, Corrêa-,PP. 48

(17): أنظر ليسلى فيدلر، “عودة الهندي الأحمر”:

Rouge”,-Leslie Fiedler, “‘Lé retour du Peau Ed. du Seuil.

تجد في هذا الكتاب تحليلا شيقا للجغرافية، ولدورها الأسطوري والأدبي في أمريكا، ولانقلاب الاتجاهات. في الشرق، هناك البحث عن شيفرة أو مرموزة أمريكية محض ، وكذلك عن إعادة ترميز مع أروبا (هنري جيمس، إليوت، لااوند، الخ …): ثم في الجنوب الترميز المفرط الاستعبادي، مع خرابه الخاص وخراب المزارع في حرب الانفصال (فولكنر، كالدويل): فك الترميزات الرأسمالي الاتي من الشمال (دوس باسوس، دريزر): لكن كذلك دور الغرب كخط هروب، حيث يتضافر السفر، والهلوسة والجنون ، والهندي الأحمر، والتجريب الادراكي والذهني، وزحزحة الحدود، والجذمور (كين كيسي وما كنته “ماكنة الضباب”: الجيل الضائع (البيتنكس)؛ الخ …) كل كاتب أمريكي كبير يشكل خرائطية ، حتى بأسلوبه. خلاف لما يحدث عندنا [في فرنسا”>، يشكل [الكاتب الأمريكي”> خارطة ترتبط مباشرة بالحركات الاجتماعية الفعلية التي تخترق أمريكا. تقصي الاتجاهات الجغرافية مثلا في سائر عمل فتزجيرالد.

(ظ): إشارة إلى الملك الفرنسي لويس التاسع الذي كان يحكم جالس تحت شجرة (المترجم).

(ع): عنوان الكتاب الذي مهد له الفيلسوفان بـ”الجذمور”، هو: Mille plateaux: “ألف نجد”، أو«ألف هضبة». وهو يدل، ضمن ولعهما بالجغرافية، على تجاور امتدادات تحصل بينها تقاطعات وتداخلات ، لكن لكل منها مجاله الخاص وحركات ترحيله الخاصة به . ومصيب هو الباحث العربي (لا أتذكر اسمه) الذي اشار إلى ان من الممكن ترجمة العنوان إلى “ألف هضبة وهضبة”، كما نقول “ألف ليلة وليلة”، لأن الرقم “ألف” إنما يفيد هنا التنوع والكثرة (المترجم).

(18): باتيسون، نحو بيئوية للفكر”:

Bateson, “Vers une écologie de l’esprit”, T.I, Ed Seuil, PP. 125-126.

نلفت النظر إلى أن المفردة “هضبة” مستخدمة كلاسيكيا في دراسة البصيلات والقصيات والجذامر.

أنظر القاموس النباتي لبايون Baillon، مادة “البصيلات”.

(19): أنظر مثلا جويل دولاكازنيير، “ضروري ضرورة مطلقة”:

Joëlle de la Casinière, “Absolument nécessaire”, Ed. de Minnit.

إنه كتاب رحال حقا. وفي الاتجاه ذاته، أنظر أعمال “مركز مونفوكون للأبحاث” Montfaucon Research Center

(20): كافكا، اليوميات:

Kafka, “Journal,” Grasset, P.4.

(غ): العنوان الحرفي هو: “صليبيات الأطفال”، أي حملات أو رحلات مكثفة للأطفال، بالمعنى المجازي الذي اكتسبه تعبير “حملة صليبية” في اللغات الغربية (المترجم).

21) مارسيل شغوب، “صليبية الأطفال”:

Marcel Schwob, “La croisade des enfants” 1986;

جيرسى أندرزييلإسكي، “أبواب الفردوس”: Jersy Andrzeijewski, “les portes du paradis” 1959, Gallimard; Andrzeijewski, Gallimard;

ارمان فاراشى، “التخلع”:

Armand Farrachi, “La dislocation, 1974, Stock.

وبخصوص كتاب شغوب، كتب بول ألفاندري أن الأدب يقدر في بعض الحالات أن يجدد التاريخ ويفرض عليه “وجهات بحث فعلية”. “المسيحية وفكرة الحملة الصليبية”:

Paul Alphandéry “La chrétienté et l’idée de croisade”, T.Il, Albain Michel, P. 116.

(ق): مرة أخرى يضع الفيلسوفان النقطة في تضاد مع الخط ، “لاعبين” على التعبير الفرنسي”faire le point” الذي يفيد حرفيا: “صنع نقطة” ومجازيا: “الاشراف على وضع بمجمله” (المترجم).

(22) بخصوص انبثاق الخطية وانقلاب الادراك بفعل السرعة، انظر بول فيرلو “التناقلي” في “مترحلون ومتسكعون”. Paul Virilio, “Véhiculaire” in “Nomades et Vagabonds” 10-18, P. 43.

(ك): النهر الطاعن في السن هو المسيسبيي كما يدعوه المزارعون الأمريكان، ويستشهد المؤلفان هنا بأغنية أمريكية شعبية عن النهر نفسه (المترجم).

(ل): الانترميزو (والكلمة إيطالية) فاصل موسيقي، فهو نفسه عمل من طبيعية جذمورية وما-بينية أو وسطية (المترجم).

23) أنظر ج.ك . بايي، “الأسطورة المبعثرة”، وصف الحركة لدى الرومانطيقية الألمانية:

C.Bailly, “La légende dispersée”, 10-18 pp. 18 sq.

المصدر: منتديات ملاك روحي – من قسم: الفلسفة والعلوم النفسية والانسانية

Advertisements

رد واحد

  1. عبد السلام بنعبد العالي
    دولوز مؤرخا للفلسفة

    أمران يجب استبعادهما عند الحديث عن هذا الموضوع: أولهما أن القضية لا تتعلق مطلقا بأية محاولة تركيبية كيفما كان شكلها. وثانيهما أننا بعيدون هنا عن “موضة” نـهاية الفلسفة وموتـها. سيكون علينا إذن أن نتحدث عن مسألتين لا تخلوان من صعوبة: علاقة دولوز بـهيجل، وعلاقته بـهايدغر. سنرجى الحديث عن المسالة الأولى لنبدأ بعلاقـة دولوز بـهايدغر من خلال التوقف عند مسألة “نـهاية الفلسفة ” هـاته. لا أقصد هنا ما أدعوه “حكاية ثقافية فرنسية” سميت موت الفلسفة، وإنما مسألة فلسفية استقطبت الفكر المعاصر في شتى مناحيه.
    كلنا يعرف “التصريحات” المتعددة لدولوز بصدد هاته القضية. فهو ما يفتأ يردد أنه “لم يشغل باله قط بمسألة نـهاية الفلسفة” اعتقادا منه “أن للفلسفة وظيفة ما تزال حية، وتلك الوظيفة هي إبداع التصورات”.
    ضد الصورة المتفردة عن حداثة كاسحة لقدر فكر يأفل نحو المغيب، يقيم دولوز صيرورات مبعثرة لا متناهية تظل تعمل خفية فيما وراء مـا يقدم نفسه تراثا فلسفيا. عوض التجاوز الـهايدغري، وبدل نـهاية الفلسفة وموتـها يتــم الحديث هنا عن “خروج” عن تاريخ الفلسفة، “إذ أن الـهـدف ليس الإجابة عن أسئلة، وإنما الخروج، الخروج منها”.
    لا يهتم دولوز بنقطة نـهاية أو لحظة اكتمال، كأن ندعي أنـها موجودة عند هيجل، أو أن نثير صخبا لا مجديا حول ما إذا كان نيتشه ينتمي، أو لا ينتمي، لتاريخ الميتافيزيقا. ذلك أن نقاط النهاية، أو فجوات الخروج، لا متناهية. يقول: “كنت أفضل الكتّاب الذين كان يبدو كأنهم ينتمون إلى تاريخ الفلسفة. لكنهم كانوا ينفلتون من إحدى جوانبه، ومن ثمة يخرجون منه كلية، أمثال لوكريس وسبينوزا وهيوم ونيتشه وبرغسون”.
    ففي ميدان الفكر، ليس هناك أساس مشترك، والمفكرون لا يطرحون الأسئلة ذاتـها، ولا يستعملون التصورات عينها. ليس هناك ما يجمع المفكرين ويضمهم داخل تاريخ موحد. كل ما هناك حركات متفردة وخطوط متقاطعة. لا يتعلق الأمر إذن بتجاوز تاريخ الفلسفة، وإنما بفك وحدته الموهومة للعثور فيها على ما هو متفرد. يتعلق الأمر ببعث الحدث في وحدته وتفرده داخل ما يسمى حركة كلية. ذلك أن متابعة أحداث الفكـر من شأنـها أن تبرز الفكر كحدث. فلسنا هنا، كما أثبت فوكـو، لا أمام وحدات، ولا إزاء كليات، وإنما أمام تفردات. إبراز هذه التفردات هو وقوف عند الحدث داخل الفكر.
    على هذا النحو ينبغي أن نفهم التنقيب الذي يمارسه دولوز في سلة مهملات تاريخ الفلسفة التقليدي. ففي وقت كان الحديث فيه عن التجريبية الانجليزية لا يتم في فرنسا إلا من حيث هي ذيل من ذيول بعض الفلسفـات الألمانية ؛ وفي وقت لم تكن الطليعة ترضى فيه الحديث عن برغسون إلا إذا اتخذت موقعها ضده، يصر دولوز على الاهتمام بـهؤلاء لا بحثا عن نماذج فكرية جديدة، وإنما سعيا وراء “ضبط الفكر أثناء عملـه عند المفكر”.
    يشبه دولوز تاريخ الفلسفة بفن رسم الوجوه عند الرسامين : “في تاريخ الفلسفة يتم رسم وجوه ذهنية تصورية، والأمر يتم هنا كما يتم في فن الصباغة، إنه يتطلب محاكاة ووضع صورة كأنها تشبه صاحبها، ولكن بوسائل غير مشابـهة، بوسائل مخالفة : إن وجه الشبه ينبغي أن يتم خلقه وإنتاجه وألا يكون وسيلة لإعادة الإنتاج، وإلا فإننا سنكرر ما قاله الفيلسوف حرفا بحرف”.
    ليس غريبا أن يشبه دولوز، “تلميذ” نيتشه صاحب قلب الأفلاطونية، ليس غريبا أن يشبه تاريخ الفلسفة بعملية استنساخ يكون فيها المؤرخ رساما يكرر النماذج ويستنسخها. كل المسألة تعود إذن إلى آلية الاستنساخ وعملية التكرار. فلنقل إذن إن تاريخ الفلسفة تكرار يحاول أن ينتج أوجه الشبه بوسائل مخالفة. وهو محاولات انفصال دائبة متعددة الواجهات متواصلة الجهد، وانتقال وترحال لا يعرف الكلل، لا لأن الرحلة طويلة، وإنما لأن بين الرحلة والعمارة علاقة تجاذب تضاهي التجاذب بين قوتين فزيائيتين : “فالرحال يعارض بجهـازه الحربي الطاغية بجهازه الإداري، وفليق الرحل الخارجيين يقومون ضد فيلق الطغاة الداخليين. وبالرغم من ذلك فهما من التداخل والارتباط بحيث إن همّ الطاغية هو أن يضم إليه جهاز الرحال الحربي. أما مشكل الرحال فهو أن يبتكر جهازا إداريا للامبراطوريـة المغزوة. إنـهما لا ينفكان عن التعارض إلى حد أنـهما يمتزجان”.
    على هذا النحو ينبغي أن نفهم هنا الخروج والترحال. صرح دولوز ذات مرة معجبا بعبارة لتوينبي: “إن الرحّل هم المعمرون. إنـهم رحل لأنـهم يرفضون أن يرحلوا بعيدا”.
    الخروج والانفصال إذن إقامة لا تنقطع، إنه رحلة عبر تاريخ الفلسفة ومحاولات لا متناهية للزيغ عن طريقها و”الخروج” عن منطقها، وقلب بنيتها. قلب بنيتها الأفلاطونية أولا، لكن بنيتها الجدلية فالماركسية، فالتحليلية والقائمة لا ولن تنتهي.
    ليست الأفلاطونية هنا، بطبيعة الحال، مذهبا فلسفيا يرتبط بشخص أو أشخاص، بمكانة أو أمكنة. الأفلاطونية بنية الميتافيزيقا ذاتها، تلك البنية التي لا تعمل، كما اعتدنا أن نقول على التمييز بين المعقول والمحسـوس، بين النموذج والنسخة، والتي لا يكتفي قلبها بأن يعيد المجد للمظاهر ضد الماهيات. القلب المقصود هنا يهدف إلى الطعن في عالم التشابه ذاته، ومنطـق التطابق الذي يتم داخله التمييز بين المظهر والماهية والمفاضلة بينهما.
    سيغدو القلب إذن وقوفا عند النسخ ذاتها، ولكن هذه المرة، للإعلاء من النسخ “الخائنة”.
    لننظر إلى العبارتين : “لا يتخالف إلا ما يتشابه”، “إن الاختلافات وحدها هي التي تتشابه”. يتعلق الأمر بقراءتين متمايزتين للعالم، باعتبار أن الأولى تدعونا إلى النظر إلى الفوارق انطلاقا من تشابه أو تطابق أولي. في حين تدعونا الأخرى إلى النظر إلى الهوية كما لو كانت حصيلة اختلاف وتنوع أوليين.
    في قلب الأفلاطونية يطلق التشابه على الاختلاف ويطلق الذاتي على المخالف. فرق بينأن ننظر إلى التمايز انطلاقا من افتراض وحدة أولية، وبين أن نعتبر أن التشابه والوحدة يتولدان عن الاختلاف، وإن هذا الاختلاف هو ما يشكل الديناميكية الحقيقية لوجود الهوية، أي دينامية التكرار التي تتميز تميزا كبيرا عن الدينامية الجدلية. ذلك أن الاختلاف الـهيجلي، عندما يقذف به داخل حركة الجدل يصبح مجرد لحظة من لحظات الـهوية. صحيح أن الجدل يسمح للاختلاف بالعمل، لكن شريطة خضوعه لقانون السلب. فالطريق التي يسلكها التناقض الهيجلي هي الطريق التي ترده نحو التطابق، فتجعل التطابق كافيا لإيجاد التناقض وفهمه. فهذا التناقض لا “يفهم” إلا في أفق هوية يسعى الجدل إلى صيانتها وحفظها.
    معنى قلب الهيجيلية والحالة هذه، هو تحرير السلب من هيمنة الكل وعدم توقيف عمله بفعل أي تركيب أو حبسه داخل منطق التعارض. سنغدو إذن أمام وحدة لا تتوخى لحظة تركيب واختلاف لا يرتد إلى التناقض وهوية لا تؤول إلى تطابق. فأي معنى يبقى للهوية والحالة هذه ؟ يجيب دولوز “إن الهوية والتشابه أوهام يولدها العود الأبدي” : فليس العـود الأبدي عودة الأمور ذاتها، وإلغاء الاختلافات. إنه يعني على العكس من ذلك، أن الغرابة والاختلاف يثبتان في العودة وعن طريقها. فليست الذات ذاتية إلا في / وعن طريق العودة التي لا تنفك تعود. وعندما قال نيتشه بالعود الأبدي فهو لم يكن يعني شيئا غير هذا : وهو أن ما يتكرر ليس التشابـهات التي تجمع بين النسخ، وإنما تبعثر السيمولاكرات، ذلك التعبثر الذي يكرس بينها الاختلاف إلى ما لا نـهاية. يتعلق الأمر إذن بمفهوم خاص عن زمان الفلسفة، بل عن الزمان ذاته. بدأنا الحديث بنقطة اختلاف مع هايدغر، وربما وجب، لكي تكتمل الدورة ويتم العود، أن ننهيه بنقطة تشابه معه أو قل بنقطة يتقاطع فيها هايدغر مع نيتشه.
    ذلك أن التكرار المثبت للاختلاف يتطلب “قراءة جديدة للزمان” تحرره من مرضه الكرونولوجي. في منطق المعنى يضع دولوز الـ Aiôn الايون مقابل الكرونوس من حيث إن الأول هو “الزمان الذي ما ينفك يمضـي وما ينفك يعود” فـ “عوض الحاضر الذي يضم الماضـي والمستقبل، يضع الأيون مستقبلا وماضيا يصدعان الحاضر كل لحظـة”. (ولا بأس أن نذكر في هذا الصدد، وفي إطار إكمال الصلح والعودة إلى هايدغر أن Aiôn هو ابن لـ Mémoire ).
    معروف أن نيتشه لا يدرك الزمان انطلاقا من الآن، بل من اللحظة وما يميز اللحظة عن الآن، كما يقول هايدغر “هو أن اللحظة ليست هي أصغر جزء من الحاضر، إنـها تفتح الحاضر أو تصدعه”. إن الحاضر كلحظة يحدث فجوة في الحال الراهن. اللحظي هو ما يقوم ضد هذا الزمان intempestif، هو ما يقوم ضد الزمان الحاضر “اللحظي هو قرار التاريخ النقدي الذي ينـزل بمطرقته على ثقل الماضي وثقل الحاضر”.
    هذا هو النحو الممكن لإقامة تاريخ فلسفي. إنه ليس تاريخا كرنولوجيا وإنما تاريخ أيوني. تاريخ ضد هذا الزمان الحالي، inactuel وضد كل زمان.

    http://www.hekmah.org/portal/%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%88%D8%B2-%D9%85%D8%A4%D8%B1%D8%AE%D8%A7-%D9%84%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9/

    إعجاب

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: