ميكافيلي !

مكيافليميكافيلي و”نظرية الميكافيلية”

أولاً: حياة ميكافيلي .

– نيكولا ميكافيلي ( 1469 – 1527م) .. ولد في فلورنسا في إيطاليا ، وقد أتاح له وضعه الاجتماعي الحسن فرصة للتعليم العالي في مجالات مختلفة مثل: الأدب ، والقانون ، والتاريخ ، والفلسفة ..

– بدأ ميكافيلي حياته كموظف بسيط في حكومة مدينة فلورنســا ، وحين اجتاحت الجيوش الفرنسية مدينة فلورنسا ، وأطاحت بالحكم فيها-حكم أسرة مديتشي- سارع ميكافيلي لتأييد النظام الجديد ، وتنقل في وظائف حكومية كثيرة تحت ظل هذا النظام حتى وصل إلى منصب “السكرتير الأول لحكومة فلورنسا”..

– وقد أوفد في عدة بعثات مهمة نيابة عن الحكومة إلى المدن الإيطالية والدول الأجنبية ، واستطاع ميكافيلي خلال هذه الفترة الإطلاع على خبايا الحياة السياسية وأسرارها عن قرب ..

– في عام 1512م عادت أسرة مديتشي للحكم بمساعدة من البابا ، وتم القبض على ميكافيلي ونفيه إلى مزرعته الواقعة على أطراف فلورنسـا ، حيث عاش هناك حتى توفي سنة 1527م..

الميكافيلية :

أنت إنســان ميكافيلي ، أو صاحب قرارات ميكافيلية .. يطلق هذا اللقب على كل من اتبع مبدأ ميكافيلي الأول “الغاية تبرر الوسيلة” ، وهو أشهر مبدأ عُرف به ميكافيلي ، فـهو يرى بأن الهدف النبيل السامي يضفي صفة المشروعية لجميع السبل والوسائل التي تؤهل الوصول لهذا الهدف مهما كانت قاسية أو ظالمة ، فهو لا ينظر لمدى أخلاقية الوسيلة المتبعة لتحقيق الهدف ، وإنما إلى مدى ملائمة هذه الوسيلة لتحقيق هذا الهدف .. فـ الغاية … تبرر الوسيلة .. وكان هذا المبدأ هو ما استند عليه في أغلب نصائحه في كتاب الأمير.

ثانياً: منهجه الفلسفي .

حاول ميكافيلي إتباع منهج جديد مختلف عن مناهج من سبقوه ، فعلى الرغم من دراسته للمنطق والفلسفة ، إلا أنه أهمل مبادئها إهمالا تاماً وركز على التاريخ، فقد كانت خلاصة فكرته الرئيسة: أن أفعال البشر تؤدي إلى نفس النتائج دوماً ، فحاول الربط بين الأسباب والنتائج والدراسات التحليلية المستمدة من التاريخ ،

وعلى ذلك كان أسلوب ميكافيلي في البحث هو :

1. الاستعانة بالتاريخ لاستقصاء الأحداث ، ومعرفة نتائجها ، وارتباطها ، وإمكانية تكرارها ، أي محاولة التنبؤ بالمستقبل ..

2. محاولة وضع تعميمات في حالة تكرار الأحداث للوصول إلى قواعد عامة ، توضع أمام الحكام لتسهيل مهمتهم وتساعدهم على تبني مواقفهم ..

3. البحث عن إمكانية التدخل في الأحداث مسبقاً بعد معرفة أسبابها ، ومحاولة تحديد السلوك الواجب إتباعه لمواجهة الأحداث ..

ومن هنا نرى بأن أسلوب ميكافيلي يبين مدى شغفه بالتاريخ ، وكثرة استخدامه للأحداث التاريخية للتدليل على صحة أفكاره -كما في كتاب “فن الحرب” وغيره من الكتب – وبذلك يعتبر ميكافيلي أحد مؤسسي طريقة التحليل التاريخي الحديث ..

ثالثاً: أعمالــه :

لميكافيلى اكثر من 30 كتاب اشهرها

– كتاب الأمير (Il Principe) :

ألفه ميكافيلي في منفاه عام 1513م ، وقد أهداه إلى لورينزو دي مديتشي (Lorenzo de’ Medici ) ، وقد تضمن الكتاب أفكار ميكافيلي وتجاربه السياسية مع مجموعة من النصائح للحاكم ، وقد كان راجياً أن ينال رضا الحاكم عن طريق هذا الكتاب ولكنه فشل في ذلك وظل في منفاه ..

أهم صفات الأمير -الحاكم- في نظر ميكافيلي :

من ناحية الاخلاق:

عليه التخلص من الأخلاق والتقاليد والبدع والقيم المسيحية وخاصة التواضع والرضوخ للحكام ، واستعمال الدين كوسيلة لكسب الشعب فقط ..!

– من ناحية السياسة الداخلية :

عليه أن يجمع بين حب الناس وخوفهم منه ، وإن تعسر ذلك فعليه أن يتأكد من كونه مخيفاً ومهاباً ..

– من ناحية السياسة الاقتصادية :

عليه أن يسعى لتحقيق العدالة الاقتصادية وتوزيع الدخل بشكل عادل ،لأن وجود طبقة فقيرة تشكل أغلبية سيكون سبباً فيما بعد لقيام ثورة ضد الحاكم ..

– من ناحية السياسة الخارجية :

عليه أن يتعلم أن يتخلص من عهوده ووعوده إن كانت عبئاً عليه ، وعدم التردد في استعمال القوة عند الضرورة .

– من ناحية الحروب :

ركز ميكافيلي على وجوب إقامة جيش وطني قوي ، وأن الجيش المكون من المرتزقة لا يجدي نفعاً ، فالمرتزقة لاولاء لهم إلا للنقود ..

– يقول ميكافيلي في كتابه : ” وهنا يقوم السؤال عما إذا كان من الأفضل أن تكون محبوبا أكثر من أن تكون مهابا أو أن يخافك الناس أكثر من أن يحبوك ؟؟

ويتلخص الرد على هذا السؤال في أن من الواجب أن يخافك الناس وأن يحبوك ولكن لما كان من العسير الجمع بين الأمرين ، فإن من الأفضل أن يخافوك على أن يحبوك ، هذا إذا توجب عليك الاختيار بينهما …

وقد قال عن الناس بصورة عامة : أنهم ناكرون للجميل ، متقلبون ، مراءون ميالون إلى تجنب الأخطار شديدوا الطمع ، وهم إلى جانبك طالما أنك تفيدهم فيبذلون لك دمائهم وحياتهم وأطفالهم وكل ما يملكون ، طالما أن الحاجة بعيدة نائية ، ولكنها عندما تدنو يثورون”

والجدير بالذكر أنه لم يتم نشر كتاب “الأمير” إلابعد وفاة ميكافيلي بخمس سنين ، وأول من هاجم مكيافيلي هو”الكاردينال بولس” مما أدى لتحريم الإطلاع على كتاب الأمير ونشر أفكاره، وكذلك انتقد “غانتيه” في مؤلفٍ ضخم أفكار مكيافيلي، وقد وضعت روما كتابه عام (1559م) ضمن الكتب الممنوعة وأحرقت كل نسخة منه .

ولكن وعند حلول عصر النهضة في أرجاء أوروبا ظهر هناك من يدافع عن مكيافيلي ويترجم كتبه.

رابعاً: الظروف التي أثرت في فكر ميكافيلي :

هناك العديد من الأسباب التي أثرت على فكر ميكافيلي ،من أهمها :

1. ضعف حال الدولة آنذاك ، وكثرة المشاكل السياسية في تلك الفترة ، ولهذا كان يرى بأنه لابد من نظام حكم قوي يحكم الدولة ، إما نظام ملكي صارم ، أو نظام جمهوري .. وكان مؤيدا بشكل كبير للنظام الجمهوري ..

2. الخدع والمؤامرات التي واجهها ميكافيلي في أروقة ودهاليز السياسة عندما كان ذا شأن في حكومة فلورنسا ..

3. تأثره الشديد وولعه بالتاريخ ، واعتبار أن جميع الأحداث لا تخرج عن دورة منطقية متكررة ..

ختاماَ، حاز ميكافيلي على المرتبة الـسابعة والتسعون ضمن لائحة أكثر الأشيــاء المؤثرة في التاريخ لـ مايكل هارت ..

خامسا- آراء وأفكار ميكافيلي :

عُني « ميكافيلي » بأن يكشف من التاريخ القديم ، ومن الأحداث المعاصرة له: كيف تُنال الإمارات، وكيف يُحتفظ بها، وكيف تُفقد؟ .

وانتهى إلى رأي في السياسة يتلخص كما سبق بالعبارة التالية:

« الغاية تبرر الوسيلة » مهماكانت هذه الوسيلة منافية للدين والأخلاق .

وقد استند في رأيه هذا إلى الواقع المنحرف للأكثرية من الناس، لا إلى مبادئ الحق والعدل والخير والفضيلة .

رأى أن أكثر الحكام لم يكونوا شرعيين، ولم يكونوا ملتزمين المبادئ الأخلاقية الفاضلة ، وبذلك استطاعوا أن يصلوا إلى الحكم، وأن يضمنوا استقرار الحكم في أيديهم إلى حين.

بخلاف الحكام الشرعيين، والذين كانوا يلتزمون المبادئ الأخلاقية الفاضلة المستندة إلى الحق والعدل والخير، فإنهم لم يحققوا لأنفسهم النجاح المطلوب، ولا المحافظة على الحكم، كمحافظة الساسة الخائنين الغدارين المرائين المنافقين الكذابين .

حتى البابوات فقد رأى أنهم قد كانوا في الكثير من الحالات يضمنون الانتخاب لأنفسهم بوسائل فاسدة، لا تتفق مع الفضائل الخلقية .

وأنكر «ميكافيلي » في كتابه (( الأمير )) بصراحة تامة الأخلاق المعترف بصحتها، فيما يختص بسلوك الحكام، فالحاكم يهلك إذا كان سلوكه متقيدًا دائمًا بالأخلاق الفاضلة، لذلك يجب أن يكون ماكرًا مكر الذئب، ضاريًا ضراوة الأسد.

وفي الفصل الثامن من كتابه «الأمير » ذكر أنه ينبغي للأمير أن يحافظ على العهد حين يعود ذلك عليه بالفائدة فقط. أما إذا كانت المحافظة على العهد لا تعود عليه بالفائدة فيجب عليه حينئذٍ أن يكون غدارًا .

لكنه يرى في ذات الوقت أنه من الضروري أن يكون الأمير قادرًا على إخفاء هذه الشخصية,

وأن يكون دعيًا كبيرًا، ومرائيًا عظيمًا، والناس كثيراً مايصلون في السذاجة إلى الحد الذي يجعلهم ينخدعون بمثل هذا الادعاء كثيراً .

فآراء «ميكافيلي » في تبرير الوسائل المنافية لفضائل الأخلاق تدور حول السياسة، وأخلاق الحكام، وذوي السلطة .

وقد أخذ معظم أرباب السياسة في الشرق والغرب، بهذا الاتجاه الميكافيلي وفق أقصى صوره المنحرفة

Advertisements

4 تعليقات

  1. د.مراد الصوادقي

    من الكتب السيئة التي فعلت فعلها المروع في مسيرة البشرية هو كتاب “الأمير” لميكافيلي.

    هذا الكتاب الذي لا زال متداولا ومعمولا به في التفاعلات السياسية المعاصرة

    , وتطبق مناهجه وأفكاره على الشعوب المغلوبة على أمرها والتي يراد مصادرة حقها في الحياة. ورأيت أن أزوره وأتحاور معه لأفهم شيئا عن رؤاه.

    قلت : يا ميكافيلي كتابك (الأمير) وبعد أكثر من خمسة قرون لا زال فاعلا ومؤثرا في الحياة

    قال : لأنه يكشف ما فينا ويعبر عن حقيقة نوايانا , فكل ما يعبر عن حقيقتنا يبقى ويسود , أعني الحقيقة التي لا يجرؤ على قولها جميع الناس , لكنني صرحت بها.

    قلت : يقولون بأنك أستاذ الشرور السياسية وإمام الكراسي

    قال : الشر هو الأقوى والأفضل والأكثر حكمة , فعندما يتحرر الكرسي من القيم والأخلاق والمعايير الإنسانية والدينية , ويؤمن إيمانا مطلقا بالشر والظلام وبحتميتهما وضرورتهما , فأنه يتمتع بالقوة والسيادة ويرضي حاجات نفسه السيئة أعظم الإرضاء.

    قلت : وكيف يكون هذا ونحن نبجل الكرسي وننزهه ونتخذه مثلا للفضيلة

    قال : هل تتصور الشر غبيا ومباشرا , أنت لا تعرف الذئاب السياسية . إنهم مثل رجال الدين الذين يجلسون على كراسي الحكم والقوة , ولكي يتمتعوا بالشرور , فأنهم يظهرون أمامك في غاية النقاء والصفاء والنزاهة في خطبهم وأقوالهم , أما ما يفعلونه فأنه أبشع ما يزور خيالك من الموبقات والفتك بالآخرين.

    قلت : يا ميكافيلي هذا اتهام خطير

    قال : الشر وفير جدا ولا يحتاج إلى إثبات , لكني اكتشفت وسيلة رائعة للتعبير عنه وذلك بتغطيته بوشاح جميل. لقد هذبت الشر وعلمته أن يكون مخادعا وجذابا ولطيفا

    قلت : وكيف هذا؟

    قال : عليك أن تكون معبئا بالشر ولكن ضع ابتسامة متكلفة على وجهك , وتظاهر بالخير والمحبة والرقة وكل المعاني التي تمنع الآخرين من التخيل بأنك تحمل ذرة شر.

    قلت : أنت مجنون

    قال : لا…بل أنا أصرخ بأعلى صوتي لأعبر عن حقيقة البشر وما يريدونه حقا وما هم عليه فعلا وليس كما يظهرون

    قلت : ويح أفكارك …أليس هذا نفاق

    قال : لا…إنه أعظم من النفاق بكثير جدا

    قلت : وماذا تعني

    قال : كل واحد منا يعرف أن الأمانة والإخلاص من أحسن الصفات وهذه تؤكدها جميع الكتب السماوية وتحدث بها الأنبياء والرسل والقديسين والصالحين

    قلت : هذا صحيح

    قال : ولكن المهم بالنسبة للكرسي هو النجاح , وكل ما يؤدي إلى النجاح يكون جيدا

    قلت : تعني أن الغاية تبرر الوسيلة

    قال : افهم كما تشاء , لكن الحفاظ على كلمتك ووعدك ومبادئك يعتبر جنونا إذا حقق لك الأذى والضرر والخسران , وعليك أن تفكر بطريقة أخرى.

    قلت : وماذا تقصد

    قال : إذا كنت ساذجا فاحسب الآخرين من حولك في غاية الطيبة وكلهم أخيار ومنزهين من الشر وعندها لا يعنيك ما أقول, لأني أرى أن الكرسي الناجح عليه أن لا يركز على ما هو خير وجيد , ولكن على أن يظهر بأنه جيد وطيب ويحمل جميع الصفات الحميدة وأكثر, فالكرسي يجب أن يكون ممثلا بارعا يظهر عكس ما يخفيه.

    قلت : يا ميكافيلي , نحن نتحدث عن الكرسي العادل الذي يؤثر مصلحة الآخرين ويدين بالإنسانية والمثل السامية.

    قال : الكرسي لا يحتاج أن يمتلك هذه الصفات وإنما عليه أن يبدو أو يتظاهر بها أو يتبرقع بها. وأنت تعلم بأن الحاجة أم الاختراع , وعليك أن تخترع الوسائل والأساليب لفعل الشر بأنواعه ودرجاته وما يلزم لنجاحك وقوتك وسطوتك , وفي ذات الوقت عليك أن تتظاهر بالخير وبأنك رمز الأخيار والطيبين وأنك لا يمكن أن تأتي بفعل مشين.

    قلت : ما هذه الرؤى يا ميكافيلي

    قال : سأعطيك مثلا , عندما يهب الناس ضد الكرسي ويحققون حالة من الاضطراب والقلق وعليك أن تصدهم , فماذا ستفعل؟ هل ستواجههم مباشرة ؟ إن فعلت ذلك فأنت كرسي فاشل.

    قلت : وهل لديك وسيلة أخرى غير المجابهة

    قال : لكي تحقق النجاح وتكون إمام الأخيار , عليك أن توكل مهمة ردعهم والفتك بهم وإخمادهم إلى أحد قوادك , وبعد أن ينزل بهم الشرور والويلات وفقا لأوامرك , سيتحقق عندهم غضب شديد ضده , ولكي تملكهم , عليك أن تقتل ذلك القائد أبشع قتلة وتعرضه أمامهم , كأن تعلقه على عمود أو تقطعه إربا… إربا , وتتركهم ينظرون إليه , وقد أفرغوا غضبهم وانطفأت نيران حقدهم, وعندها تتحول في نظرهم إلى منتقم لهم من ذلك القائد الشرير. وبهذا فأنهم سيرضون ويتمادون في غبائهم وولائهم لك وأنت عدوهم الحقيقي.

    قلت : ما أبشعك

    قال : أنت ترى ذلك , لكن الفعل ذكي ويؤكد أن القائد ناجح ويبدو قويا وفيه جميع الصفات الطيبة بعد أن صار قربان شروره ذلك القائد المخدوع بالولاء .

    قلت : أنت مجنون

    قال : لو كنت كذلك لما أعادوا طباعة كتابي مئات المرات , فأنت تعجبك أفكاري وتدين بها , لكنك تحاول إنكارها , أو تستخدمها لكي تبدو خيرا وطيبا , مثل الكرسي الذي لا يتفوه إلا بأبجديات الخير والعدل والسلام , ويحقق في أفعاله أبشع الأعمال. أنت لا تعلم بأن الناس لا تنظر إلى الأفعال , وإنما تخدعها الخطب والأقوال وتدين بالأكاذيب والأضاليل والبهتان , وكأنها حاجات نفسية جائعة للإشباع. ولهذا فهم يرون ما تظهر به وليس ما تقوم به , والقليل منهم يرى غير ذلك , لكنك أيها الكرسي تمتلك الوسائل الكفيلة بإخفائهم عن الأنظار في السجون والمعتقلات والاغتيالات.

    قلت : وهل أن الناس كذلك مثلما ترى

    قال : ما وضعته في كتابي يفعل بكم كل يوم ما يشاء الكرسي , ولا زال منار السياسة والحكم , فكل الأعمال الشريرة القذرة يتم تنفيذها تحت شعارات الخير والمحبة والحرية والديمقراطية والسلام والعدل والمساواة وغيرها.

    قلت : ربما تكون مصيبا بعض الشيء

    قال : أي شيء , أنا مصيب دائما , فأفظع الأعمال يمكن تبريرها وتنميتها وتعزيزها والإشادة بها والفخر بإنجازها لأنها قد ظهرت على غير ماهيتها. فالشر يمكن أن تسكبه في محيط الخيرات , وتدعه يفعل الأفاعيل والناس تلهو بالأمواج الجميلة الممتعة.

    قلت : ترى أين الدين والقيم والكتب السماوية.

    قال : إنها تقيدنا وتضع الحدود أمامنا ولا بد لنا أن نحتال عليها ونسخرها لتحقيق ما فينا من نوازع الشر!

    قلت : وكيف يتحقق هذا؟

    قال : جميع الكتب السماوية ضد قتل الأبرياء والظلم واغتصاب حقوق الآخرين , وأي عمل من هذا النوع يتسبب في جروح نفسية وحالات تأنيب ضمير قاسية , ولكن عندما تكون أمام خيارين أحلاهما مر , تقرر الخيار الذي ينقذ حياتك مهما كلف الأمر. وتمضي في ابتكار ما يؤهلك للقيام بالفعل القبيح وتنفيذ الجريمة الكبيرة , لكنك تضع عليها رداءا آخر يبرر الفتك الأعظم بالضحية. كأن تمنحها اسما بشعا , أو عنوانا مقلقا , وتجد وتجتهد لتمدها بما تستطيعه من مفردات الشر والخطر , حتى يكون فعلك بطولة وعملا إنسانيا رائعا ومقبولا جدا من قبل عامة الناس وغيرهم. انظر من حولك ستجد العديد من الأسماء والعناوين التي صارت وسيلتكم وحجتكم للقتل والتدمير واستباحة الأعراض ومصادرة الحقوق وامتلاك الأمم والشعوب. وفي عصركم المتقدم أصبح من السهل جدا تبرير سلوك الشر والتعبير عنه بقدرات لم تكن متوفرة من قبل , ويكون الفاعل منزها وإماما للخير والمحبة والحرية ورسولا للسلام.

    قلت : أخشى أن أتواصل معك لأنك تتحدث في موضوعات لا نجرؤ عليها , وتعبر عن أفكارٍ منكرة وغريبة وسيئة , لا أعرف كيف توصلت إليها وتجرأت على التصريح بها وضمها في كتاب , ولا بد أن نختم حوارنا بملخص ما تعنيه وتراه.

    قال : الشر عقيدة القوة والخير عقيدة الضعف , لكن القوي يبدو خيّرا والضعيف شريرا…!

    احترت في كتابه ومعالم سلوكه وما يراه , لكن كتابه لا زال متداولا وموجودا في جميع المكتبات ويعرفه معظم الناس , وتساءلت , هل أن هذا دليل على أنه مقروء , ولماذا هو كذلك؟!

    وودعت هذا الشخص الذي شأنه كغيره من الذين غيروا العالم ورسموا حياة البشر , أما بكتاب أو باختراع , فالأفراد يتحكمون بحياة المجموع , ولا يمكن للمجموع أن يأتي بشيء , دون فرد يقود ويتربع على الكرسي ويتقن لعبة الحكم ويمتلك مهارات الأمير , فهل ستتحرر البشرية من قيد هذا الكتاب…؟!

    إعجاب

  2. قاعدة الغاية تبرر الوسيلة مقيدة بضوابط اخلاقية رفيعة ميكافيلي والميكافيلية للمؤرخ العراقي د. كمال مظهر (1 ـ 4) مثلما سلط غاليلو منظاره الي الكواكب، فوجد انها مجبولة من ذات التربة التي تكونت منها الارض، سلط ميكافيلي منظاره الي الملوك، فوجد انهم يتصرفون مثل الوحوش في الغلاة. كلاهما بدأ تاريخا جديدا في مجاله، وكان من اسباب ظهور نظرة جديدة الي الطبيعة والمجتمع. وكلاهما اسيء فهمه واضطهد. لكن اذا كان غاليلو سرعان ما أعيد اعتباره، فان شيطنة ميكافيلي بقيت خصوصا في اذهان الشرقيين متجسدة كما كانت في اوروبا القرون الماضية. ولعل المؤرخ العراقي د. كمال مظهر قد اخذ علي عاتقه مهمة استعادة الصورة الحقيقية لميكافيلي في اوساط الرأي العام العربي، من خلال كتابه الموسوم (ميكافيلي والميكافيلية) الذي صدر عن دائرة الشؤون الثقافية والنشر في بغداد عام 1984. ولمحدودية توزيع الكتاب، ونفاده الفوري، وعدم ظهور مؤلفات اخري في اطار المسعي نفسه، تعيد القدس العربي نشر هذا الكتاب المفيد. الموضوع الأول نبذة عن حياة ميكافيلي ولد نيكولو دي بيرناردو ميكافيلي في 3 أيار (مايو) 1469 بمدينة فلورنسة الواقعة في وسط ايطاليا. وهو ينتمي الي اسرة توسكانية نبيلة عريقة شغل افرادها علي مدي عقود طوال مراكز حساسة، فأصبحوا بحكم ذلك في معمعان الحياة السياسية الفلورنسية النشطة حتي ان عائلة جده الاكبر قد تعرضت للنفي من المدينة من جراء ذلك في العام 1260، وقضي أحد أسلافه نحبه في السجن. وقد تدهور الوضع المالي لأسرة ميكافيلي قبل مجيئه الي الحياة مما ترك بعض الاثر علي تصرفاته كما نلاحظ ذلك فيما بعد. لقد ترعرع ميكافيلي في كنف السياسة والثقافة. فان والده كان محاميا معروفا، وكانت أمه تقرض الشعر. ومع ان المعلومات فيما يتعلق بالفترة المبكرة لحياة ميكافيلي غير متوفرة بشكل يمكن من خلاله القاء أضواء كافية علي مصادر ثقافته الاولية، الا ان مما لا شك فيه انه تلقي تعليما جيدا بالنسبة لعصره اذ درس القانون والتاريخ (1)، وفي السابعة من عمره بدأ بتعلم اللاتينية (2) ـ لغة العلم والثقافة آنذاك ـ وفي بداية شبابه أظهر ميكافيلي الميل نحو الثقافتين القديمة والحديث، فقرأ خطب الكاتب والخطيب الروماني المعروف شيشرون (106 ـ 43 ق.م.) ودرس مؤلفات ارسطو وتابع باهتمام مؤلفات رائدي النهضة دانتي (1265 ـ 1321) وبترارك (1304 ـ 1374). الا ان مدرسة ميكافيلي الاساسية كانت شوارع مدينة فلورنسة التي منحت العالم ابرز عباقرة النهضة من امثال دانتي وليوناردو دافنشي وميخائيل انجيلو وغيرهم، فان هذه المدينة تميزت عن غيرها من المدن الايطالية بنشاطها السياسي الواسع الذي لم يقتصر علي النخبة، كما كان عليه الامر في مدينة البندقية المهمة مثلا، بل زاوله كل فلورنسي ففي هذه المدينة كان الجميع ساسة حسب وصف أحد المؤرخين (3). وفعلا شهدت شوارع فلورنسة احداثا سياسية متلاحقة مليئة بالدروس والعبر تركزت في ذاكرة الناس فكانوا يرددونها ويقرنون بها احداثهم الحياتية الخاصة. أخلاقه عينان براقتان تنمان عن نظرة ثاقبة معبرة، طول متوسط وشفتان دقيقتان تفصح ابتسامتهما عما كان يجول في أعماق نفسه ـ هكذا تصف المصادر المظهر الخارجي لميكافيلي مستندة في ذلك الي ما كتبه عنه معاصروه والي لوحات بعض رسامي عصر النهضة. وكان يختفي وراء هذا المظهر عالم زاخر مليء بالقيم. فقد عرف ميكافيلي بسرعة البديهة بشكل نادر وبتأثيره علي مستمعيه وباجادته للحديث الجاد والمرح مع مختلف المستويات بدءا بحطابي قريته ومرورا بأمراء ايطاليا وانتهاء بملوك اوروبا، محاولا، في كل الاحوال، ان يكون مرغوبا قريبا الي قلوب الآخرين. كان ودودا في غاية الاخلاص لأصدقائه، يأتي كل ما في وسعه عملا وقولا، من اجل خيرهم ورفعتهم. وكان بعيدا عن القسوة في حياته ويعطف علي كل ضحية بريئة مما يبدو جليا من رسائله الكثيرة لاصدقائه. أما في صراحته فلم يضاهه احد من اعلام عصره (4). وهو، الي جانب كل ذلك، كان شكوكيا وسواسا. ومع انه قال عن نفسه ذات مرة ولدت فقيرا فتعلمت الحاجة قبل المتعة (5) الا انه عرف الاخيرة في الحياة وفهمها فهما ايطاليا اصيلا. كان يحب الحياة، سخيا لا يعرف للبخل معني، فيصرف علي نفسه وأصدقائه دون تردد (6). ومع انه كان زير نساء وعاشقا للجمال الا انه لم يفقد القيم ابدا ولم يفسح المجال لأمر ما ان يفسد عليه حياته العائلية فأسبغ علي اولاده الستة حنان الاب الرؤوف ومنح زوجته كل رعاية وحب. وجاءت طموحاته الواسعة متوافقة تماما مع عبقريته الفذة وحبه الجم للعمل واسداء الخدمات علي احسن وجه. جعل كل ذلك نيكولو يبدو غريبا في مجتمع كانت بقايا الفكر الاقطاعي، ولا سيما فرديته ونفاقه، تطغي علي عقول الجانب الاكبر من اصحاب الكلمة والفكر فيه. فقد كان ضعاف النفوس من اقرانه يحسدونه ويحاولون النيل منه عن طريق خلق المشاكل له واشاعة الرذائل عنه والطعن في اخلاصه، فلم يجد من الاصدقاء المخلصين ـ لا سيما بعد نفيه ـ سوي الذين كانوا علي مستوي تفكيره او من كانوا في اخلاقهم ارفع من ان يسمحوا لأنفسهم بالتحلل والانحطاط، ويأتي علي رأسهم المؤرخ المعروف كويجارديني والدبلوماسي الفلورنسي فرانسيسكو فيتوري. وكما يقول عنه المؤرخ. أ. ك. جيفيليكوف انه كان وحيدا لكنه كان ارفع من الآخرين (7). كان حساد ميكافيلي يأخذون عليه صراحته المطلقة. والواقع انه لم يستطع ان يخفي حبه وامتعاضه عن الآخرين، فكانت ملامح وجهه وابتسامته الساخرة او العطوف تعبر عنهما حتي وان حاول هو اخفاءهما عبثا. لذا فانه بدا شاذا في وسط كان اغلب مثقفيه يتلونون كالحرباء ويتزلفون لكل قوي، مركزا وجاها وان كان الاضعف قيما. وعندما اضطر ان يجاري المنافقين علق بنفسه ساخرا فكتب يقول: منذ زمن بعيد لا اقول ما افكر فيه ولا افكر مطلقا فيما اقول واذا حدث لي مرة ان اقول الحق فانني اغلفه بغطاء من الاكاذيب بحيث يصعب بلوغ كنهه (8). وقد اتهموه بالسخرية التي لم تكن، حسب وصف احد المؤرخين الطليان، سوي التعبير الامين عن ايمان شخص كان يثق مخلصا بمنطقه الخاص ، فهو لم يكن يخفي ما كان يخفيه غيره وان اخفي فانه انما كان يخفي من صفاته الجليلة ما جعلت طيبته تبدو للعيان دون حقيقتها (9). غالبا ما لجأ حساد ميكافيلي الي اساليب وضيعة للنيل منه ولتشويه سمعته. فانهم، اتهموه بالجشع الذي دفعه ـ حسب ادعائهم ـ الي الزواج من ماريا كورسيني طمعا في ثروتها في الوقت الذي بلغت قدسية الرابطة بين الزوجين الحد الذي ظلت فيه وفية له كل الوفاء حتي الرمق الاخير، بحيث اوصي لها في أول وصية له بالصداق الكامل علي ان تنتفع هي وأولادهما فقط بما يترك بعد الموت. وعلي مدي ثلاثة وعشرين عاما ظلت علاقات نيكولو وماريا علي افضل ما يكون. وكما تبين رسائله فانه كان في كل سفرة له يتحرق للعودة سريعا الي اسرته التي كانت تنتظره ايضا بتلهف كبير، ولا سيما زوجته التي كان يسميها مداعبا اياها بـ قائدنا la brigata(10). وبالرغم من نجاحاته المشهودة في حياته العملية فان البعض حاولوا القاء ظلال من الشك عليها، ولا سيما نجاحاته في اعماله الدبلوماسية (11)، غير انها كانت ظلالا باهتة. ولَّد هذا الموقف غير النبيل من لدن اقرانه ومعارفه، مع مشاكله الخاصة، بعض التشاؤم في نفس ميكافيلي فقد غدا يعتقد ان الحسد غريزة متأصلة في طبيعة الانسان وبأن شيمة الجنس البشري عامة الميل الي التقليل من اعمال بعضهم البعض اكثر من الميل الي اطرائها المطارحات (12) لكن ميكافيلي نفسه لم يكن من الطراز الاخير من الناس لأنه كان مدفوعا دائما بالرغبة الطبيعية في العمل دون اكتراث بأي شيء آخر، لما فيه خير المجموع (المطارحات). لذا كان من المنطق ان يعطي التاريخ حكمه العادل: افلت اسماء حساد ميكافيلي وكأنها لم تكن ليبقي نجمه صاعدا في سماء ايطاليا الصافية واسمه حيا في كل محفل فكري وسياسي. فهو حتي اليوم يتحكم بشكل او بآخر في السياسات من اعماق قبره، وتفرض آراؤه نفسها علي كل مفكر سياسي. بالرغم من امكاناته وفكره الثاقب فان ميكافيلي لم يحتل في وقت مبكر المكان المرموق اللائق به في جهاز الحكم والوسط السياسي الفلورنسي. والسبب في ذلك يعود بالاساس الي افتقاره للوسيلة، او للوسيط الذي كان بامكانه ايصاله الي مسرح الاحداث. وعندما بلغ اعتاب الاخير كان يبلغ من العمر 29 عاما وقد سبقه الاخرون الي المراكز الحساسة فيه. مع ذلك من الطبيعي ان يثبت نيكولو وجوده ويفرض نفسه بسرعة. فان الرجل، كما ذكر عن نفسه، قد شاء له طالعه ان لا يستطيع الحديث عن فن صناعة الحرير، ولا عن فن نسج الصوف (13)، ولا عن الربح او الخسارة، بل عن موضوع واحد هو قضايا الدولة.. (14). لذا فعندما عهد اليه بمنصب سكرتير مجلس العشرة في تموز (يوليو) 1498، اثر اعلان النظام الجمهوري في فلورنسة، اثبت جدارة فائقة في كل ما قام به بحيث طغي علي الاخرين مباشرة. انه لم يحرر قبل ذلك التاريخ اي تقرير رسمي ولم يخطب في اي مكان، ولكن مع ذلك فان الصياغة الرصينة لأولي كتبه الرسمية تبين وكأن له تجارب السنين المتراكمة في هذا الميدان (15). ولم تكن مهمته قليلة الشأن، فان مجلس العشرة كان يشرف علي الشؤون العسكرية والعلاقات الخارجية للجمهورية التي عاشت احداثا حاسمة، لا سيما بسبب تشابك علاقات فلورنسة مع حكومات المدن الايطالية وجراء الاطماع الاجنبية في كل البلاد التي تمخضت عنها سلسلة حروب مستمرة اصطدمت فيها مصالح الدولتين الاوروبيتين القويتين اسبانيا وفرنسا. وقد تعزز موقف ميكافيلي اكثر عندما اختير صديقه بييرو سوديريني (Soderini) رئيسا للمجالس فأضحي ضمن واضعي سياسة الجمهورية ومخططيها. ظل ميكافيلي في وظيفته حوالي خمسة عشر عاماً قام خلالها بأربع وعشرين بعثة دبلوماسية هيأت له ظروف الاتصال المباشر بأهم الشخصيات الايطالية والاوروبية يومذاك منهم البابا وملك فرنسا وامبراطور الامبراطورية الرومانية المقدسة. وقد اكتسب ميكافيلي خلال سفراته هذه خبرات واسعة بان وقف عن كثب علي خفايا العلاقات الدولية وأساليب الحكم الاوروبي. فانه زار البلاط الفرنسي وحده اربع مرات استغرقت اشهرا عدة عرف خلالها عادات الفرنسيين ودسائس البلاط وغيرها من مقومات حكمهم مما انعكس، مع تجاربه الاخري، في مؤلفاته بشكل واضح. فخلال سفراته الدبلوماسية ادرك ميكافيلي ان في هذا العالم شيئا يستحق التأمل والتقصي عنه (16). سقط النظام الجمهوري في فلورنسة عام 1512 وعادت اسرة ميديتشي الي الحكم بفضل القوات الاسبانية الغازية، فالتجأ سوديريني الي الممتلكات العثمانية وهرب آخرون من رجال الحكم، اما ميكافيلي الذي بذل كل ما في وسعه للحيلولة دون سقوط الجمهورية فقد أبعد عن وظيفته. وفي بداية العام 1513اتهم بالاشتراك في مؤامرة استهدفت نظام ميديتشي الارهابي فاعتقل وتعرض للتعذيب ست مرات خلال وجوده في السجن، واخيرا تقرر نفيه الي مسقط رأسه قرية سانتا كروس المجاورة لمدينة فلورنسة. الموضوع الثاني آراء ميكافيلي السياسية يمكن الوقوف علي آراء ميكافيلي السياسية من خلال دراسة ثلاثة من اهم مؤلفاته الاربعين ـ الامير و المطارحـــات و فن الحرب مع مجموعة رسائله التي بعثها الي اقـــــرب اصدقائه في ظروف متباينة. يعتبر الامير من اصغر مؤلفات ميكافيلي حجما واكثرها شهرة (18). ومع ان مؤلفاته الاخري لا تقل خطورة عن الامير الا ان المرء عندما يقرأه يشعر حقا ان السنين الخمس عشرة التي كرسها ميكافيلي لادارة قضايا الحكم لم تذهب سدي كما يقول ذلك بنفسه (19). بدأ تداول هذا الكتاب بشكل مخطوط في حياته علي نطاق واسع، وقد طبع لأول مرة في العام 1532، اي بعد وفاة صاحبه بخمس سنوات. وسرعان ما ترجم الي جميع اللغات الاوروبية ومن ثم الاخري وأعيد طبعه عشرات المرات، بل واكثر، وحظي بدراسة المئات من المفكرين والساسة والمؤلفين، وهو اليوم يدخل ضمن مواد التدريس في العديد من المؤسسات الاكاديمية المعروفة، منها جامعة اكسفورد والجامعة الامريكية ببيروت وغيرهما. وقد دفع كل ذلك بالمختصين الي اعتبار الامير نتاجا خالدا عن حق من بين نتاجات النهضة الايطالية المعطاة (20). اعتبر ميكافيلي في البداية، الجمهورية نظاما امثل للحكم. لكن بعد تحليله للاوضاع القائمة في ايطاليا التي كانت في عهده مقسمة علي خمس دول هي مملكة نابولي في الجنوب ودوقية ميلان في الشمال الغربي وجمهورية البندقية الارستقراطية في الشمال الشرقي وجمهورية فلورنسة والدولة البابوية في الوسط، والتي كانت علاقاتها تتسم باستفحال الحروب والخلافات فيما بينها مما جعل كل الوطن هدفا سهلا للغزو الاجنبي المستمر، توصل ميكافيلي في الامير الي الاستنتاج بأن خير نظام يمكنه تحقيق وحدة ايطاليا والذود عنها هو ذلك النظام الذي يستند الي سلطة مركزية دكتاتورية مطلقة قوية لا تقف في سبيلها الاعتبارات الدينية والدنيوية والاخلاقية، فان مصالح الدولة العليا، وبوجه خاص وحدة البلاد، تبرر رأيه لجوء الامير الي جميع السبل كاستخدام القوة التي تشكل ـ كما كان يؤكد ـ اساس الحق، والقسوة والاغتيال وخيانة العهد والقسم والتوسل بالتضليل والرشوة والركون الي الخديعة والكذب والنفاق، اي ان الغايات السامية تبرر الوسائل ايا كانت. وهو كان ينصح الامير بألا يخجل في اختيار اي اسلوب مهما تدني لتحقيق اهدافه وطموحاته السياسية، فالحاكم الناجح هو الذي يلجأ الي الاساليب الانسانية والحيوانية حسب الظروف والحاجة ويعرف كيف يجمع بين خدع الثعالب وفورات الاسود لأن المحك والاساس لتقييم السياسة هو النجاح. وبالاستناد الي ذلك بشكل مجرد وبفضل انتقاء الحكام من افكار ميكافيلي ما كان يناسبهم حسب طريقة ولا تقربوا الصلاة ظهر فيما بعد مصطلحا الميكافيلية و المكيافيلي ويطلق الأول عادة علي السياسة التي لا تعير القيم الاخلاقية اي اعتبار ويطلق الثاني علي الشخص الذي يتبني مثل تلك السياسة. ولكن ذلك لا يعدو كونه ذروة المكيافيلية بصورتها المشوهة. فان الرجل لم يطلق آراءه الخطيرة تلك دون ضوابط اخلاقية رفيعة او تفسيرات منطقية تبين الامور علي حقيقتها وتضع السياسة في اطارها الواقعي زمانا ومكانا. فالخير، كل الخير للامير في ان يتظاهر بالرحمة وحفظ الوعد والشعور الانساني النبيل والاخلاص والتدين وان يكون فعلا متصفا بها ولكن عليه ان يعد نفسه عندما تقتضي الضرورة ليكون متصنعا بعكسها ، لذا فان من واجب الامير ان يجعل عقله مستعدا للتكيف مع الرياح، ووفقا لما تمليه اختلافات الجدود والحظوظ وان لا يتنكر لما هو خير، كما قلت، اذا امكنه ذلك، شريطة ان ينزل الاساءة والشر، اذا ما اضطر الي ذلك وضويق (الامير ـ الباب الثامن عشر). والواقع ان التاريخ لم يعطنا مثلا واحدا لم ينزل فيه الامير، وحتي غير الامير، الاساءة والشر، اذ اما اضطر الي ذلك وضويق ، فهذه حقيقة تكاد تكون سمة ملازمة لطبائع الناس شئنا ام أبينا، اعترفنا ام بررنا. فلا تكمن الخطورة اذن، في هذا الجانب من آراء ميكافيلي الذي رأي مثل غيره ولكنه لم يسكت، علي العكس من غيره. انما تكمن المأساة في ان القيم والضوابط التي أراد ميكافيلي ان يتصف بها الامير في الظروف الاعتيادية ـ الرحمة وحفظ الوعد والشعور الانساني النبيل والاخلاص والتدين ـ اندر في بطون التاريخ من الماء في الصحراء. فلو عمل كل امير بآراء ميكافيلي لتقلصت الصفحات السود في سجل التاريخ الي حد كبير. الأمير … الحق والآن لنمض مع ميكافيلي في كتابه الامير ولنر ما يضع لأميره الجديد من خطوط ودورس. فعلي الامير ان يكون حريصا، علي ان لا يفضح نفسه باقواله وعليه ان يجعل الناس يرون فيه، ويسمعون منه الرحمة مجسدة، والوفاء للعهود والنبل والانسانية والتدين (الامير ـ الباب الثامن عشر). وعليه ان يتجنب كل ما يؤدي الي تعرضه للاحتقار والكراهية ، وهو يتعرض للكراهية اذا اصبح سلابا نهابا، يغتصب ممتلكات رعاياه ونساءهم، وهو ما عليه تجنبه . وقد يعتبر الامير دنيئا حقيرا اذا رأي الناس فيه تقلبه، وتفاهته، وتخنثه، وجبنه، واستخذاءه، وهي امور يجب ان يقي الامير نفسه منها، علي اعتبار انها الصخرة التي تمثل الخطر، وان يدبر امره، بحيث تبدو من اعماله مخائل العظمة والحيوية، والرصانة والجلد . اما بالنسبة الي حكم رعاياه فعلي الامير ان تكون احكامه مبرمة لا تقبل النقض، وان يتمسك بقراراته، فلا يسمح لانسان بخديعته او الاحتيال عليه (الامير ـ الباب التاسع عشر). وقد استهدف ميكافيلي من هذه الشروط ان يكون الشعب راضيا عن الامير، ورأي في هذا شرطا اساسيا من شروط الحكم الراسخ الناجح. فان رضا الشعب من اهم المواضيع الذي يتحتم علي الامير العناية به ، ذلك لأن علي الامير ان لا يخشي كثيرا من المؤامرات اذا كان الشعب راضيا عنه، اما اذا كان مكروها، ويحس بعداء الشعب له، فان عليه ان يخشي من كل انسان ومن كل شيء ، فالقلاع مهما حصنت لا تحمي الامير فيما لو غض الطرف عن كراهية شعبه (21) او حبه (الامير ـ الباب التاسع عشر والباب العشرون). وأفضل للامير ان يصل دست الحكم بمساندة الشعب من مساعدة النبلاء (الامير ـ الباب التاسع). والامير الذي لا يستطيع كسب شعبه الي جانبه بواسطة المشاريع النافعة له فانه يضطر الي الوقوف دائما وسيفه في يده (الامير ـ الباب الثامن). ومن الضروري جدا ان يكون الامير مثقفا، فعليه ان يقرأ التاريخ وان يدرس اعمال الرجال البارزين، فيري اسلوبهم في الحروب، ويتفحص اسباب انتصاراتهم التي ادت الي الهزائم (الامير ـ الباب الرابع عشر). رجال الأمير أراد ميكافيلي من الامير الجديد ان يقيم جهازا متكاملا للادارة، يعهد بشؤونه الي اناس قديرين لا شائبة فيهم، فيضع الرجل المناسب في المكان المناسب. وعليه ان يظهر نفسه دائما ميالا الي ذوي الكفاءة والجدارة وان يفضل المقتدرين، ويكرم النابغين في كل فن (الامير ـ الباب الواحد والعشرون). وهذه المسألة خطيرة في بابها لأن الانطباع الاول الذي يتولد لدي الانسان عن الامير وعن تفكيره، يكون في رؤية اولئك الذين يحيطون به. فعندما يكونون من الاكفاء والمخلصين، يتأكد الانسان من حكمة الامير، لأنه استطاع تمييز هذه الكفاءة والاحتفاظ بهذا الاخلاص . ويجب الا يكون هؤلاء من المتزلفين والمتملقين والمنافقين المداهنين الذين تغص بهم بلاطات الملوك والامراء (الامير ـ البابان الثاني والعشرون والثالث والعشرون). ولكن علي هؤلاء ان يعلموا جيدا ويدركوا بأن وزنهم انما يعتمد علي الموقف الذي يتبناه الامير في ضوء اخلاصهم وتفانيهم له ولنظامه. وعلي الامير لكي يحتفظ بولاء وزيره واخلاصه، ان يفكر به، وان يغدق عليه المال ومظاهر التكريم، مبديا له العطف، ومانحا اياه الشرف، وعاهدا اليه بالمناصب ذات المسؤولية، بحيث تكون هذه الاموال ومظاهر التكريم، المغدقة عليه كافية، تحول دون ان يطمع بثروات او القاب جديدة، وبحيث تكون المناصب التي يشغلها مهمة الي الحد الذي يخشي عنده علي ضياعها (الاميرـ الباب الثاني والعشرون). ومن المنطلق نفسه يجب علي الامير ان يختار لمجلسه حكماء الرجال، ويسمح لهؤلاء وحدهم بالحرية بالحديث اليه ومجابهته بالحقائق، علي ان تقتصر هذه الحرية علي المواضيع التي يسألهم عنها، ولا تتعداها. ولكن عليه ان يسألهم عن كل شيء وان يستمع الي آرائهم في كل شيء، وان يفكر في الموضوع بعد ذلك بطريقته الخاصة. وعليه ان يتصرف في هذه المجالس، ومع كل مستشاريه، بشكل يجعل كل واحد منهم واثقا من انه كلما تكلم بصراحة واخلاص، كان الامير راضيا عنه. وعليه بعد ذلك ان لا يستمع الي اي انسان، بل يدرس الموضوع بنفسه في ضوء آراء مستشاريه، ويتخذ قراراته التي لا يتراجع عنها . ولا بد للامير الحديث ان يقبل النصيحة دائما. ولكن عندما يريد هو، لا عندما يريد الاخرون، بل عليه ان لا يشجع مطلقا المحاولات لاسداء النصيحة اليه، الا اذا طلبها. ولكن عليه ان يكثر من سؤالها وان يحسن الاصغاء الي الحقائق التي تسرد عليه عندما يسأل عنها (الامير ـ الباب الثالث والعشرون). ومع ذلك عليه ان يكون حذرا في تصديق ما يقال له، وفي العمل ايضا، دون ان يخشي ظله . ضوابط ثابتة وعلي الامير ان يضع لكل شيء ضوابط ثابتة مع مراعاة الحاجات والظروف دائما. فللسخاء والبخل حدودهما، وللطيبة مداها الذي يجب ان ينتهي قطعا عند الاصطدام بمصالح الدولة. فمن الضروري لكل امير يرغب في الحفاظ علي نفسه ان يتعلم كيف يبتعد عن الطيبة والخير، وان يستخدم هذه المعرفة او لا يستخدمها، وفقا لضرورات الحالات التي يواجهها (الامير ـ الباب الخامس عشر). ولكن عليه ان يحاول حصر هذا الابتعاد الاضطراري الي أقصي حد وينتهي مع ضمان الاستقرار والامن ، بل يستبدل في الحال بتدابير نافعة للرعايا الي اقصي حد ممكن (الامير ـ الباب الثامن). كرر ميكافيلي الافكار نفسها بعمق اكبر في كتابه الآخر المطارحات الذي قضي حوالي خمسة اعوام في تأليفه جامعا فيه آراءه في السياسة وأصول الحكم والاخلاق والعلاقات الدولية وغيرها مستندا في تقييماته الي تجارب روما القديمة. واهم ما يستخلصه قارئ المطارحات (22) هو ان الفضيلة المثلي لكل مواطن تقاس بمدي تكريس ذاته لخدمة الصالح العام. ويحسن المرء في المطارحات ، كما في الامير ، بجدية ميكافيلي في البحث عن النظام الامثل الذي كان يحلم باقامته في ايطاليا. فلا ريب في انها حكومة سعيدة تلك الحكومة الشعبية التي تخرج رجلا حكيما يستطيع الناس الحياة بأمن ودعة في ظل القوانين التي يضعها لها والتي لا يضطرون الي تقويمها (المطارحات، الكتاب الاول ـ 2) ومرة اخري نري الامير الانموذج في المطارحات هو ذلك الذي يجعل من الشعب كله صديقا له (المطارحات، الكتاب الاول ـ 40). بل ان ميكافيلي يذهب هنا الي مدي ابعد مما جاء في الامير بصدد موقع الشعب من السلطة. فان الرجل العاقل لا يتجاهل الرأي العام بالنسبة الي المسائل المعينة والجزئية، كمسألة توزيع المناصب والافضليات والترقيات، اذ ان الشعب هنا، عندما يترك الي نفسه، لا يخطئ ابدا، واذا ما اخطأ احيانا، تكون اخطاؤه نادرة اذا ما قورنت بالاخطاء التي ستقع حتما لو ان القلة هي التي قامت بمثل هذا التوزيع (المطارحات، الكتاب الاول ـ 47). وفي المطارحات يشدد ميكافيلي من جديد علي ضرورة وضع الرجل المناسب في المكان المناسب والاستفادة الي اقصي حد من الكفاءات والعبقريات الشابة فعندما يتميز شاب بالفضيلة التي رافقت عملا عظيما من اعماله، يغدو موضع حديث الجميع، فان من العار كل العار ان لا تنتفع الدولة من خدماته، وان يضطر هذا الشاب الي الانتظار حتي يكبر سنه، في غضون ذلك قد فقد ما يميزه من نشاط عقلي ومن سرعة في العمل، كان في وسع بلاده ان تستغلهما في الوقت المناسب استغالا نافعا (المطارحات، الكتاب الاول ـ 60). (1) كان ميكافيلي يبلغ من العمر12 عاما عندما قرأ اول كتاب في التاريخ. وفي وقت مبكر قرأ خطب شيشرون ومؤلفات ارسطو وافلاطون وغيرهم من الاقدمين. (2) R. Ridolfi, The Life of Niccolo Machiavelli, translated from the Italian by G. Grayson, Chicago, 1963,p.3 (3) أ. ك جيفيليكوف، نيكولو ميكافيلي (1469 ـ 1527)، موسكو ـ ليننغراد، باللغة الروسية، ص 24. (4) R. Ridolfi, Op. Cit, ميكافيلي والميكافيلية للمؤرخ العراقي د. كمال مظهر (1 ـ 4) . 9 – 12, F. Chabod, Machiavelli and the Renaiance, translated from the Italian by D. Moore, Cambridge, 1960, ميكافيلي والميكافيلية للمؤرخ العراقي د. كمال مظهر (1 ـ 4) . 7 -9 ف. روتينبورغ، عمالقة النهضة، باللغة الروسية، ليننغراد 1976، ص 120-121. (5) F. Chabod, Op. Cit, ميكافيلي والميكافيلية للمؤرخ العراقي د. كمال مظهر (1 ـ 4) . 4, 126, 134 -135. R.Ridolfi, Op. Cit, ميكافيلي والميكافيلية للمؤرخ العراقي د. كمال مظهر (1 ـ 4) .145-156 (6) (7) أ. ك. جيفيليكوف، المصدر السابق، ص 34. (8) نفس المصدر، ص 32. (10) ف. روتينبورغ، المصدر السابق، ص 120. (11) راجع: H. Buerfield, the Statecraft of Machiavelli, London, 1960, p. 125 (12) نعود الي تفاصيل مؤلف ميكافيلي الضخم المطارحات او المساجلات في مكان آخر من هذا البحث. (13) كانت صناعة الاقمشة تعتبر يومذاك من اربح المهن لا في ايطاليا فحسب، بل علي صعيد كل القارة الاوروبية. (14) ورد ذلك في رسالة له بعثها الي صديقه فيتوري راجع: (F. Chabod, Op. Cit, ميكافيلي والميكافيلية للمؤرخ العراقي د. كمال مظهر (1 ـ 4) . 131-132) (15) أ. ك. جيفيليكوف، المصدر السابق، ص 19 (16) R. Ridolfi, Op. Cit, p.4 (17)F. Chabod, Op.Cit,p.126 (18) اعتمدنا علي التراجم العربية والروسية والانكليزية لكتاب الامير . (19) راجع: الين فيدرين، ميكافيلي، ترجمة اميرة الزين، بيروت، بلا، ص 32-33 ٍR. Palmer and J. Colton, A history of the Modern World, third edition, New York, 1965,p.55 (20) ذكر ميكافيلي قوله الشهير هذا تعليقا علي هجوم الفرنسيين علي ايطاليا وتقدمهم السريع فيها في العام 1499 (راجع: تاريخ ايطاليا ، باللغة الروسية، الجزء الأول، تحت اشراف الاكاديمي س.د. سكازكينه، موسكو، 1970، ص 455). (21) اعتمدت بالاساس علي الترجمة العربية لهذا الكتاب (راجع: مطارحات ميكافيلي تعريب خيري حماد، بيروت، 1962). (22) هو العمل الوحيد الذي نشر في حياته في العام 1521. QP17 is a snapshot of the page as it appeared on 26 Feb 2013 07:17:34 GMT. The current page could have changed in the meantime. Learn more Tip: To quickly find your search term on this page, press Ctrl+F or ⌘-F (Mac) and use the find bar. Text-only version لم يُفسد حكام اوروبا بل فسّر اعمالهم علي الطبيعة بكل بساطة ميكافيلي والميكافيلية للمؤرخ العراقي د. كمال مظهر (2 ـ 4) مثلما سلط غاليلو منظاره الي الكواكب، فوجد انها مجبولة من ذات التربة التي تكونت منها الارض، سلط ميكافيلي منظاره الي الملوك، فوجد انهم يتصرفون مثل الوحوش في الغلاة. كلاهما بدأ تاريخا جديدا في مجاله، وكان من اسباب ظهور نظرة جديدة الي الطبيعة والمجتمع. وكلاهما اسيء فهمه واضطهد. لكن اذا كان غاليلو سرعان ما أعيد اعتباره، فان شيطنة ميكافيلي بقيت خصوصا في اذهان الشرقيين متجسدة كما كانت في اوروبا القرون الماضية. ولعل المؤرخ العراقي د. كمال مظهر قد اخذ علي عاتقه مهمة استعادة الصورة الحقيقية لميكافيلي في اوساط الرأي العام العربي، من خلال كتابه الموسوم (ميكافيلي والميكافيلية) الذي صدر عن دائرة الشؤون الثقافية والنشر في بغداد عام 1984. ولمحدودية توزيع الكتاب، ونفاده الفوري، وعدم ظهور مؤلفات اخري في اطار المسعي نفسه، تعيد القدس العربي نشر هذا الكتاب المفيد. الموضوع الثالث لماذا وكيف شوهت سمعة ميكافيلي؟ نجم تشويه سمعة ميكافيلي عن عوامل ومنطلقات متباينة نحاول حصرها ملخصة في النقاط الرئيسية التالية: 1ـ الحسد: كان لنيكولو، كمفكر عظيم، العديد من الحساد الذين حاولوا النيل منه بأحط الاساليب واشدها مكرا. كان هؤلاء يختلقون الثغرات للنفوذ من خلالها الي هدفهم غير النبيل. وهو، مع ذلك، لم يساوم ضعاف النفوس، بل ظل ينظر اليهم من فوق برج افكاره وثقته الكبيرة بنفسه فيراهم اقزاما تحت قدميه لا يستحقون سوي الاشفاق لما في نفوسهم من مرض متأصل. وظل، مع كل سوءات هؤلاء، يحفظ في قلبه الكبير ما كان يعرفه من ادق اسرارهم ونقاط ضعفهم، بل كان يحاول ان يسدي لهم الخدمات كلما وجد الي ذلك سبيلا. والغريب ان نيكولو لم ينج حتي من بعض الطعنات الخفيفة من اقرب اصدقائه الحميمين. فان كويجارديني الذي كان ـ حسب وصف احد المؤرخين ـ ميكافيليا في حياته اكثرمن ميكافيلي (27) ينتقد ما سماه بقسوة ميكافيلي في بعض آرائه مع ان هناك تطابقا كبيرا بين افكار مؤرخي عصر النهضة ميكافيلي وكويجارديني، وفي كل اختلاف بينهما يميل الميزان الي جانب الاول بشكل ملموس. ففي رأي كويجارديني ان ميكافيلي اخطأ عندما اعتقد بأن جميع مآسي ايطاليا السياسية وليدة انقسامها لأن ذلك الانقسام، كما يري هو، ادي الي ان تظهر في ايطاليا كل هذه المدن المزدهرة التي ما كان في الامكان ان يوجد مثلها في دولة موحدة ، لذا فان وجود نظام ملكي موحد كان يتحول الي سبب لبؤس ايطاليا اكثر من رخائها (28). اما صديقة الآخر فرانسيسكو فيتوري فانه كان في وسعه ان يسدي لنيكولو خدمات اكثر مما فعل، وذلك لما كان يتمتع به من موقع دبلوماسي مرموق في روما حيث النشاط السياسي والديني الواسع كمركز للبابوبة والكنيسة الكاثوليكية، بينما ان الخدمات التي قدمها فيتوري الي صاحبه ميكافيلي كانت محدودة لا تتناسب مع نفوذه الكبير. 2 ـ الكنيسة: كان لموقف الكنيسة التأثير الاكبر في تشويه سمعة ميكافيلي. ولكي نفهم ابعاد هذا الموقف بشكل اوضح يجدر بنا ان نتطرق اولا الي موقف ميكافيلي من الكنيسة وكل النظام الاقطاعي السائد بشكل عام. ومع انه ركز علي الكنيسة اكثر، الا انه تناول في الوقت نفسه جوانب معينة من المجتمع الاقطاعي الذي هبط في عهده الي احط درك له فتحول الي عائق رئيسي امام التطور الطبيعي للمجتمعات الاوروبية. وقد حلل ميكافيلي هذا الواقع باسلوب عبقري متوافق كليا مع طبيعة المرحلة التاريخية التي كانت تتطلب من الناحية السياسية اقامة انظمة حكم مطلق من شأنها وضع نهاية للتسيب الاقطاعي السائد. وهنا نكتفي بايراد مثل معبر واحد من المطارحات . فقد ذكر في القسم الخامس والخمسين من الكتاب الاول ما نصه: انني اسمي نبيلا كل الذين يعيشون في البطالة، ومما تعطيهم ارضهم دون ان يأتوا الزراعة او اي عمل آخر. ومثل هؤلاء الناس وباء في كل مدينة، ولعل الاسوأ منهم هم اولئك الذين يملكون بالاضافة الي اقطاعياتهم قلاعا تحت تصرفهم، واتباعا يخضعون لهم. وهناك الكثيرون من افراد هاتين الفئتين من الناس في مملكة نابولي، وفي الممتلكات البابوية وفي رومانا ولومبارديا ـ ولا ريب في ان هذا هو السبب الذي حال دون ظهور اية جمهورية او حياة سياسية في هذه المناطق، فان الذين يولدون في مثل هذه الاوضاع يكونون شديدي العداء لأي شكل من اشكال الحكم المدني الحر. ولا يمكن لأية محاولة لاقامة جمهورية ان تكلل بالنجاح في مقاطعات منظمة علي هذا النحو. واذا ما رغب انسان في اعادة تنظيمها، فان السبيل الوحيد امامه هو ان يقيم فيها نظاما ملكيا. والسبب في ذلك هو انه عندما يكون الجوهر علي هذا النحو من الفساد فان القوانين لا تكفي للحفاظ عليه واستبقائه، ومن الضروري ان تكون هناك بالاضافة الي القوانين قوة عليا، كتلك التي تكون للملك عادة، تملك من السلطان المطلق والطاغي ما يمكنها من وقف اي تطرف او مغالاة ينبعان من الطموح، ومن الاجراءات الفاسدة لذوي الحول والطول . وقف ميكافيلي بشدة ضد تعاليم الكنيسة الكاثوليكية التي اعتبرها عبئا يحول دون الابداع النشط للانسان. ولم يكن ذلك سوي تعبير امين عن روح العصر ومهماته التقي في خطوطه الاساسية مع آراء ابرز مفكري اوروبا يومذاك، بمن فيهم اشد الناس حرصا علي المسيحية ووحدة الكنيسة من قبيل ارازمس الروتردامي وتوماس مور (29)، بل مع آراء زعماء حركة الاصلاح الديني التي انفجرت بقوة في المانيا المجاورة قبل موت ميكافيلي بحوالي عقد واحد من الزمان فقط. ولكن جاء تعبير ميكافيلي في هذا الصدد اقوي من غيره وأمر. فهل من قول أبلغ، وهل من خيبة اعمق من هذا الذي قاله نيكولو بتهكم لا يخلو من ألم عميق؟! ان اول ما ندين به نحن الايطاليين للكنيسة ورجالها، هو اننا صرنا ملحدين ومنحرفين (المطارحات، الكتاب الاول ـ 12)، وهو نفس ما كان يؤكد عليه زعيم حركة الاصلاح الديني مارتن لوثر. ان ميكافيلي الذي وضع وحدة ايطاليا فوق اي اعتبار ما كان يستطيع ان لا يعطي رأيه صريحا في موقف الكنيسة السلبي بهذا الشأن. فلنستمع الي ما يقوله حول هذا الموضوع الحساس بانتباه: اننا ندين للكنيسة ورجالها بشيء اعظم، ولعله هو السبب الثاني فيما الحق بنا من خراب فالكنيسة هي التي جزأت ايطاليا وما زالت تحافظ علي تجزئتها. ومن الحق ان يقال، ان اي بلاد لا تشعر بنعمة الوحدة وبالسعادة، الا اذا كانت كلها تحت سيطرة حكم جمهوري واحد او امير، كما هي الحالة في فرنسا واسبانيا. ولا ريب في ان السبب في عدم وجود مثل هذا الوضع، اي الجمهورية الواحدة او الامارة الواحدة في ايطاليا كلها، يعود حتما واطلاقا للكنيسة. اذ علي الرغم من وجود مقر للكنيسة في ايطاليا، ومن وجود سلطانها الدنيوي فيها، فان سلطانها هذا او فضيلتها لم يكونا في يوم ما من القوة بحيث يمكنانها من اخضاع الطغاة الايطاليين لحكمها، ومن اعلان نفسها اميرة عليهم جميعا، كما انها لم تكن من الناحية الاخري في يوم من الايام علي ذلك النحو من الضعف الذي لا يمكنها عندما تخشي ضياع سيطرتها علي الامور الدنيوية، من دعوة احدي الدول الاجنبية للدفاع عنها ضد تلك الدولة الايطالية التي غدت قوية اكثر مما تريد هي لها.. وهكذا فان الكنيسة كانت السبب في الحيلولة دون وجود ايطاليا تحت حكم رأس واحد، وجعلها موزعة بين عدد من الامراء والسادة الذين جاؤوا لها بالفرقة والضعف حتي انها غدت فريسة لا للاقوياء من البرابرة (23) فحسب سيبل لكل من يهاجمها. وعلينا نحن الايطاليين ان نشكر الكنيسة، دون غيرها، علي هذا الوضع السيء (المطارحات، الكتاب الاول ـ 12). اذن ان السبب الاساسي لمعاداة ميكافيلي للكنيسة الكاثوليكية يكمن في تحول هذه الاخيرة الي حجر عثرة امام تحقيق حلمه الاكبر في ان يري الوطن موحدا، معززا، مكرما. فان البابوات، حسب تحليله الصحيح، كانوا اضعف من ان يحققوا الوحدة الايطالية من جانب، وكانوا لا يرغبون في ان يقوم احد غيرهم بذلك من جانب آخر. ولكي نفهم مدي عمق هذا التحليل الميكافيلي علينا ان نتذكر موقف الكنيسة ازاء قضية الوحدة الايطالية علي مدي اربعة قرون اتبعت القنبلة التي فجرها ميكافيلي بكل جرأة وصراحة دون ان يلجأ الي الخيال والعالم الثاني كما فعل دانتي (24) او يعرض افكاره علي لسان الاقدمين كما فعل بترارك (25). فان البابوية ظلت تعارض الوحدة الايطالية بكل ما توفر لديها من اسباب. وعندما تحقق حلم الطليان الاكبر في العام 1870رفض البابا الاعتراف بحكومة ايطاليا الموحدة وعارض بشدة انضمام روما اليها واعتبر نفسه سجين فاتيكان وظل هكذا لغاية العام 1929 عندما تم الاتفاق بين موسوليني والبابا بموجب معاهدة خاصة اقر الاول فيها استقلال الفاتيكان واعترف الثاني بايطاليا موحدة. وما يجدر بالذكر هنا ان ميكافيلي وقف بفكره الثاقب عن كثب علي مساوئ الكنيسة وما كان يتخبط فيه رجالها. فقد أوفد ايام الجمهورية بعثتين الي روما اطلع خلالهما علي اسلوب حياة الاكليروس والرشوة السائدة بينهم فاقتنع اكثر بفساد الجهاز الكنسي وابتعاده الكلي عن الروح الاصيلة للديانة المسيحية. جاء رد الفعل البابوي علي موقف ميكافيلي قويا وقاسيا في آن واحد. ففي العام 1557 قام الجزويت (26)، المتعصبون للكنيسة الكاثوليكية، بحرق جميع مؤلفات ميكافيلي. وفي الحال قررت محاكم التفتيش حرمان تداول تلك المؤلفات التي ادخلت جميعها في قائمة الكتب الممنوعة وأقر مجلس ترانت الكنسي ذلك. وفي العام 1559 اصدرت الكنيسة قرارا يقضي بحرق نموذج eigie ميكافيلي علنا، بينما طبعت روما مؤلفاته وعرضت مسرحياته الكوميدية بحضور البابا نفسه قبل ذلك بحوالي ربع قرن فقط (27). كما ان كتابه الشامل تاريخ فلورنسة الذي يقع في ثمانية مجلدات وكرس في الواقع لمجمل تاريخ ايطاليا السياسي ويعتبر بحكم تعمقه في تقييم الاحداث التاريخية ومن حيث اسلوبه الدرامي وقوة لغته واحدا من اعظم مكاسب الدراسات التاريخية الحديثة (28)، والذي لم يفقد اهميته حتي يومنا هذا، كان ميكافيلي قد ألفه بناء علي طلب شخصي من البابا كليمنت السابع وقدمه اليه بنفسه. متملق؟ بعد ذلك بدأت حملة اعلامية منظمة ضد ميكافيلي تصدرها المؤلفون والمؤرخون الجزويت المتعصبون. وقد وضع هؤلاء جانبا المئات من نقاط القوة في مؤلفات وآراء ومواقف ميكافيلي وبدأوا يتمسكون بالبعض من افكاره واعماله بشكل مجرد فيرسمون صورة مزيفة لا تنطبق علي واقع الرجل مهما حاولوا وتفننوا. فانهم اخذوا عليه، مثلا، اهداءه لكتابه الامير الي جوليانو (فيما بعد لورينزو) ميديتشي، واعتبروا ذلك بمثابة محاولة لتضليل اسرة ميديتشي اثر عودتها للحكم (29). ويوجد مؤلفون معاصرون يقيمون موضوع الاهداء من نفس الزاوية الجزويتية (30). في الواقع لا ينكر ان ميكافيلي كان يرغب في العودة الي المسرح ويبحث عن عمل من شأنه ان يخفف من ضائقته المالية، وليس في ذلك ادني ما يؤخذ عليه. ومن الاجحاف اصلا تجريد نيكولو من دوافعه كانسان في مجتمع كان لذئاب البشر وثعالبه دورهم الكبير فيه، وكان للموقع والجاه سحرهما في نظر الجميع من خواص وعوام. ولكن المسألة تتعدي هذه الناحية الانسانية المجردة. فان لورينزو ميديتشي كان يحمل فعلا من الصفات والامكانات ما كان بامكانها ان تجعل منه شخصية بارزة، فهو كان من النوع الذي يستطيع اتخاذ القرارات وحسمها، وتبني ما ورد في الامير من سياسات كان من شأنها انقاذ ايطاليا وتحقيق وحدتها (31)، وكان يكفي ذلك بالنسبة لميكافيلي لكي يري فيه اميرا انموذجا. مع ذلك تبقي نقطتان مهمتان من شأنهما القاء ضوء اسطع علي هذا الموضوع. فان نفس ميكافيلي الذي اتهم بالتزلف بسبب اهدائه كتابه الامير رفض رفضا قاطعا ان يخدم البرابرة الاجانب في وقت كان الآخرون فيه يتمسحون باعتابهم. ولندع الرجل يحدثنا شخصيا عن هذا الامر الذي اثيرت حوله عاصفة مصطنعة هوجاء انه وبكل بساطة يقول: انني لا ارفض عملا ولا ارد ابدا ايا من اوامر الجمهورية حيثما استطيع ان اكون مفيدا، وهذا هو ما افعله ان لم يكن بعلمي فبخطبي، وان لم يكن بخطبي فبمشاريعي… (32). اذن كان نيكولو مستعدا لخدمة بلاده باخلاص. ولكن ظل مرفوع الرأس حتي في احرج اللحظات، ولم يرغب ان يعمل الا حيثما يكون مفيدا . فبعد عشر سنوات من النفي رفض هذا المتزلف قبول منصب سكرتارية مربح لأحد الكرادلة في روما، بسبب عدم تحمله لمواقف البابوية. هنا يفرض سؤال منطقي نفسه علي المؤرخ بالحاح: الم يكن من الافضل بالنسبة لميكافيلي المتمكن، لو كان يرغب التودد فعلا، ان يحاول التقرب من الذين كان مصير كل ايطاليا، لا ايطالي واحد مثله، بين ايديهم، واقصد بهم الغزاة الاجانب واصحاب الكلمة في روما الذين صب هو جام غضبه عليهم دون مواربة او مساومة. ومن المهم ان نلاحظ ان اتخاذ مثل هذا الموقف من جانب المفكرين الطليان لم يكن نادرا في ظروفهم الصعبة للغاية. فان معاصر ميكافيلي، مفخرة ايطاليا والانسانية ليوناردو دافنتشي (1452 ـ 1519) اضطر الي ان يلجأ في اواخر حياته الي الملك الفرنسي فرانسوا الاول وان يقضي السنوات الخمس الاخيرة من عمره في صحبته وفي قصر مجاور لقصره دون ان يتحول ذلك الي لطخة ولو صغيرة بالنسبة لحياة ذلك العبقري وتاريخه. كما ان المفكر الاشتراكي المثالي الايطالي كامبانيللا (1568ـ 1639) الذي تحمل تعذيب محاكم التفتيش والسجن علي مدي 33عاما دون ان يساوم، لجأ اخيرا الي ريشيليو الفرنسي وتمتع برعايته. ودون شك كان في وسع ميكافيلي لو اراد، ان يفعل مثلما فعلوا وان ينال اكثر مما نالوا، الا انه لم يفعل. فقد رفض هذا المتزلف بكل إباء العمل في البلاط الفرنسي، ولنستمع مرة اخري الي ما يقوله بنفسه وباسلوبه الساخر حول هذا الموضوع: افضل الموت جوعا في فلورنسا علي تخمة المعدة في فونتينبلو (33) (34). سيزار بورجيا انتقد المؤلفون الاوائل، ومنهم الجزويت بشكل خاص، ميكافيلي لاختياره سيزار بورجيا مثلا يحتذي به وذلك في كتابه الامير . وهنا ايضا لم يأت اختيار ميكافيلي اعتباطا. فان سيزار بورجيا ابن للبابا الكسندر السادس المنتمي الي اسرة بورجيا المعروفة (35) وقد زاره ميكافيلي ثلاث مرات بمهمات ديبلوماسية، فعرفه عن كثب وانتقد في تقاريره تصرفاته بشدة واعتبره عدوا لدودا لفلورنسة (36). الا انه من خلال مراقبته الدقيقة لسياسته علي مدي اشهر طوال اقتنع بأن بوسع اساليب هذا انقاذ ايطاليا من محنها، فأثر فيه اكثر من اي سياسي آخر التقي به او قرأ عنه (37). وكان المهم بالنسبة لميكافيلي ان سيزار بورجيا حاول بشتي الاساليب وباصرار اقامة حكومة مركزية موحدة قوية تحكم مناطق واسعة في وسط ايطالي، كخطوة علي طريق توحيد كل البلاد. وقد اعجب ميكافيلي كثيرا بموقف سيزار من جيش المرتزقة ومحاولته الاعتماد علي تجنيد ابناء ايطاليا انفسهم وتنازله عن لقب الكاردينال الديني الرفيع من اجل تحقيق اهدافه السياسية. ومن الجدير بالذكر ان ليوناردو دافنتشي كان من بين الذين تعاونوا باخلاص مع سيزار بورجيا الذي تردد ميكافيلي في البداية كثيرا في الاتصال به. وبغض النظر عن مدي نجاح ميكافيلي في انتخابه للبطل فان حقيقة واحدة يجب ان تسجل في هذا المجال هي ان اسم سيزار دخل الامير بعد ان انقضي زهاء ستة اعوام علي موته وزوال دور اسرته عن المسرح السياسي الايطالي مما يضفي علي اختياره طابعا موضوعيا واضحا. والغريب جدا ان يتمسك ناقدو ميكافيلي بمثالب سيزار بورجيا ويتجاهلوا كليا حلمه (حلم ميكافيلي) الرفيع في ان يظهر عبقري ايطالي ينتشل بلاده من التمزق والاحتلال فيقيم نظاما جديدا يضفي عليه الفخار وعلي جماهير الشعب الخير والسعادة . فان ايطاليا التي غدت بلا حياة تتطلع، كما يري نيكولو باخلاص، الي ذلك الانسان الذي يمكن له ان يداوي جراحها ويضع نهاية لدمار لومبارديا ونهبها وللجشع والاغتصاب البارزين في مملكة نابولي وتوسكانيا، وان يشفي بثورها المتقيحة منذ امد طويل. وها هي ايطاليا تبتهل الي الله في كل يوم ان يبعث اليها من ينقذها من هذه الفظاظة البربرية والحمق الاعمي. انها علي استعداد للحاق بكل راية وتواقة لذلك، شريطة ان يكون هناك من يحملها ويرفعها . واذا قدر لايطاليا ان تعثر علي مثل هذا الامير المحرر المنقذ فانه ليصعب وصف ما سيلقاه من حب في جميع المقاطعات التي عانت الويلات تحت نير الغزوات الاجنبية، ولا ما سيجده من تعطش للثأر، وايمان ثابت، وولاء اكيد، ودموع الشكر والعرفان. ان الابواب ستفتح جميعها علي مصاريعها امامه، وان الشعب بأسره سيقابله بالطاعة والولاء، ولن يجد من يحسده، ولن يتأخر ايطالي واحد عن الانضواء تحت لوائه. فهذه السيطرة البربرية تزكم انف كل انسان (الامير، الباب السادس والعشرون). ليس متدينا ولا ملحدا لم يكتف نقاد ميكافيلي بكل ما سبق، بل انهم حاولوا كذلك تشويه موقفه من الدين، وتمكنوا من خلال ذلك من الضرب بشدة علي وتر عاطفي حساس لدي بسطاء الناس بشكل خاص وذلك بتصويرهم اياه مارقا ملحدا بينما لم تتعد جريرة نيكولو في هذا المجال حقيقة انه اراد ان تكون القضايا الروحية ذات مضمون سياسي تكرس لبناء حياة الامة ولخدمة الدولة (38). ثم انه كان يري ان اصلاح الدولة لا ينشأ عن تغيير في النفوس، وانما عن تغيير في المؤسسات. لذا نراه يعالج لا الدين وحده، بل كل العلاقات التي تنشأ بين الناس كالحب والحقد والفن وكل مظاهر الحياة نفسها، من حيث الدور الذي تلعبه في المجتمع. صحيح ان نيكولو لم يكن متدينا، الا انه لم يكن ملحدا كذلك، بل كان ـ كما تؤكد بعض المصادر ـ يحيا حسب التقاليد الدينية الامتثالية (39). وقد كان يكن احتراما عميقا لمؤسسي الاديان الذين يستحقون، في نظره، الاعجاب اكثر من مؤسسي الدول (40). شوه الجزويتيون، وغيرهم، موقف ميكافيلي من الفضيلة والقسوة باسلوب بعيد عن كل القيم الموضوعية. فانهم تجاهلوا، كما ذكرنا، الضوابط الكثيرة التي شدد عليها ميكافيلي في جميع مؤلفاته تقريبا، وغضوا الطرف عن تأكيده الصريح في المطارحات ان انتصار الرومان وازدهارهم انما نجم الي حد كبير عن تمسكهم بالفضائل (41). ثم ان هؤلاء في تقييمهم لهذا الجانب من افكار ميكافيلي يتناسون عن قصد ملموس انه لم يدرس اعمال الناس الاعتياديين، بل مهمات الحكام ممن تقع علي عاتقهم مسؤوليات كبيرة ومعقدة تتطلب اول ما تتطلب فهم الاشياء علي حقيقتها ووضع العواطف جانبا في سبيل انجازها الامثل. وقد فسر نيكولو هذا الواقع بشكل معبر وواضح: اما الذين لا يستطيعون عند الضرورة وفي سبيل المصلحة العامة الخروج علي القيم فان عليهم ان يزاولوا اي شيء سوي السياسة التي اعتبرها شكلا من اشكال النشاط الانساني الذي لا يخضع لاية شروط او دوافع روحية او ذات طابع ادبي ، وهي بذلك تختلف عن جميع النشاطات الانسانية الاخري (42). وعلي هذا الاساس يكون ميكافيلي اول من وضع الصياغة الحديثة لمفهوم الدولة. والي جانب الضوابط التي تطرقنا اليها مرارا فان ميكافيلي تمسك كليا بأرفع الفضائل في العلائق الطبيعية بين الناس. فمما ورد علي لسانه في الامير انه لا يمكن لنا ان نطلق صفة الفضيلة علي من يقتل مواطنيه، ويخون اصدقاءه، ويتنكر لعهوده، ويتخلي عن الرحمة والدين. وقد يستطيع المرء بواسطة مثل هذه الوسائل ان يصل الي السلطان، لكنه لن يبلغ المجد عن طريقها (الامير، الباب الثامن). وان الص إعجابإعجاب https://polldaddy.com/js/rating/rating.js
  3. ان ميكافيلى ذكر فى كتاباته ان الصراحة والصدق الخ امور لا تسمن ولا تغنى من جوع مع انه فى كتاباته نفسها اتبع هذه الاساليب وعلانية اليس هذا تناقض فى مذهبه الفكرى وفى طريقة الطرح .

    إعجاب

  4. الصديق أيمن
    نعم , معك حق مكيافلي يناقض نفسه في هذه النقطة من حيث أنه يدعو الى الاننهازية كطريقة للحكم ولكنه بذلك يسوق نفسه وكتابه بوصفه يعرف حقائق الأمور ويصرح بها للأمير الذي حاول النتقرب منه , وبالتالي فإن كتاب الأمير اصبح م جعا عالميا للقول الصريح والصادق على أهمية الكذب! ولكن يمكن ان نجد مايشفع له في ثنتيا شرحه من حيث ان الناس ستكره من يظلمها, وعلى الظالم ان يتحرى تجاوز الظلم والكذب لكون ذلك سيجعل الناس اكثر استجابة للوقوف ضده

    وبالمناسبة إذا كنت تبحث عن تفرب من سلطان ما فإياك أن تحذره من الكذب والظلم بل حذره من الصدق والعدل بحجة أن الناس لا يستحقون ذلك .. وإلا فلن يكون لك حظورة عنده ..
    ميكافلي لم يقبض ثمن كتابه , ولذلك لن تطالبك بثمن هذه النصيحة
    فماهو رأيكم دام فضلكم

    إعجاب

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: