رائق النقري : الشكلانية والبنيوية مقارنة بالمنطق الحيوي لحركة وكتلة وسوق المصالح

ليس في الواقع العربي الراهن – من مصر الى سوريا ومن لنان الى العراق – اي مكان او مجال من أجل الانشعال بترف نظري حول مصالح نظرية كالبنيوية والشكلانية الا في اكار التدريس والبحث الجامعي الذي يعاني بجوره من الاختناق والتقطع وربما التوقف ,
ومع ان اهتمام مدرسة دمشق المنطق الحيوي الأول هو اساخدام المنطق الحيوي لقياس حركة , وكتلة , ووظيفة المصالح المعروضة في الحراك السياسي الدامي الحاري فإنه من المفيد جائما التوقف عند مقاربات كتجددة في ييغ عرضها وتطبيقها بالمقارنة مع ارهاصات تتقاطع معها من قريب او بعيد
وقبل ان نتوقف عند كل من :
1- حركة المصالح كسريان /أو تعطيل لإعادة هندسةالمصالح
2- كتلة المصالح ككعبة شف / أو حجب إعادة إدارة المصالح
3- سوق /سياق المصالح كوظيفة سببية لأعادة تسويق المصالح

فإننا سنتوقف عند بعض الشروحات المدرسية لما يسمي “الشكلانية والبنيوية ” لمقارنتها مع حركة وكتلة وسوق المصالح
ونتسائل هل هي مصالح تحويات نصية محضة فقط !أما انها قبل ذلك وبعد تحويات صلاحية قانونية كونية هي التدي تحدد حيوية الإئتمار بأمر قياسها الحيوي الأمير بوصفها كشفا عن دين حيوي عالمبي ندين به بدرجات مختلفة ؟

Advertisements

رد واحد

  1. يتضمن هذا الفصل
    * مدخل: لفهم البنيوية
    * جوهر المشروع البنيوي
    أولاً: ثنائية الخارج والداخل .
    ثانياً: ثنائية الموضوع والذات.
    * الجذور الخفية للبنيوية:
    أولاً الشكلانية الروسية:
    -نقاط التأثير الشكلاني في البنيوية
    -الجناح الآخر للشكلانية.
    -جوهر الفكر الماركسي.
    ثانياً: دراسات فرديناند دي سوسير اللغوية:
    الأسس التي جاء بها فرديناند دي سوسير
    -التمييز بين اللغة والكلام.
    -الدال والمدلول واعتباطية الرمز.
    -التمييز بين دراستين للغة: الدراسة الوصفية والدراسة التاريخية.
    ثالثاً: النقد الجديد:
    -رتشاردز.
    -يروكس.
    -نورثروب فراي

    * البنيوية والنموذج اللغوي:
    – الثنائيتان.
    * البنية والنسق اللغوي:
    * المناقشات والأسئلة التي دارت مع الطلاب:
    -ما هما المقولتان لماركس بتفصيل أكثر؟
    -ما هي تجليات هاتين المقولتين في فكر بعض أقطاب البنيوية الماركسية؟
    -ما هي أهم مقولات الفيلسوف الألماني هيجل والتي عكسها ماركس؟
    -ما هي أبرز إسهامات رتشاردز في التمهيد المبكر للبنيوية؟
    -ما هي أبرز إسهامات نور ثورب فراي في التمهيد المبكر للبنيوية؟
    -ما هي خطوات التحليل البنيوي الذي طوره ليفي شتراوس في أثناء الحرب العالمية الثانية؟
    -ما هي أبعاد أزمة ياكبسون وجولدمان والبنيويين العرب؟
    -ما هو أركان الحل الذي تقترحه الناقدة للخروج من هذه الأزمة؟
    ما هو جوهر البنيوية الذي يقربنا منه بارت ؟

    *مدخل:
    لكي نفهم البنيوية لا بد أن نعودَ إلى أصولها ونحاول تقديم طرف من تاريخها القريب, لإلقاء الضوء على بذورها في الفكر الحديث, مع إدراكنا العميق لما يكون لهذا من تناقض مع جوهر البنيوية؛ لأن البنيوية لا تسعى لمقاومة شيء مثلما تسعى لمقاومة فكرة التاريخ ذاتها, وحصر مجالها في أضيق الحدود, فقامت البنيوية لدراسة النصوص الأدبية انطلاقاً من الرؤية المنبثقة والتي تقوم على دراسة الأشياء في ذاتها قبل التطرق إلى تاريخها ….
    جوهر المشروع البنيوي
    إن جوهر المشروع البنيوي هو العلاقة بين علم اللغويات والبنيوية اللغوية من ناحية والبنيوية الأدبية من ناحية أخرى.
    المحاور الرئيسية التي تدور حولها البنيوية الأدبية:
    أولاً: ثنائية الخارج والداخل .
    وهي الثنائية التقليدية التي لازمت الفلسفة الغربية والمدارس النقدية منذ منتصف القرن السابع عشر حتى اليوم, وهي التي تلقي الضوء على الكثير من جوانب الغموض في البنيوية وتفسر ذلك التناقض المستمر بين نسختي البنيوية.
    فالبنيوية الماركسية: تحاول تحقيق حل وسط تستطيع البنية اللغوية للنص الأدبي على أساسه أن تكون مستقلة (الداخل) من ناحية وأن تؤكد علاقتها بالبنى والأنظمة الأخرى كالنظام الاقتصادي والصراع الطبقي, والواقع الثقافي العام (الخارج) من ناحية أخرى
    أما البنيوية الأدبية في مفهومها العام فهي ترفض ذلك الربط بين النظام اللغوي الداخلي للنصّ وأي أنظمة أخرى خارجية.
    ثانياً: ثنائية الموضوع والذات: وإذا كانت الثنائية الأولى ترتبط بفرض إيديولوجية جديدة على الواقع الثقافي للقرن العشرين, فإن ثنائية الموضوع والذات نشأت فلسفية واستمرت فلسفية الطابع حتى اليوم.
    *الجذور الخفية للبنيوية:
    إن الجذور البنيوية – شأنها شأن أي مدرسة نقدية أخرى لم تنشأ من فراغ, فالواقع يؤكد أنها جاءت امتداداً للمدارس التي رفضتها وتطويراً للأفكار التي ادعت التمرد عليها, فمن الروافد التي غذت البنيوية عندنا:
    *أولاً الشكلانية الروسية:
    فهي من المؤثرات المبكرة التي تركت بصمات واضحة في الفكر البنيوي في مرحلة نضجه فيما بعد, والتي سادت الساحة الأدبية في روسيا الثورة لبضع سنوات في العشرينيات من القرن الماضي.
    وبرغم تباين الآراء حول مصداقية التأثير الشكلاني في البنيوية أو عدمها إلا أن الثابت على ضوء المفهوم الشكلاني لدراسة الأدب تؤكد مصداقية هذا الأمر.
    فبمجرد استطلاع النقاط الأساسية في التكوين الشكلاني نستطيع إدراك ذلك:
    * فهم لم يرتضوا عن اقتناع بتسمية حركتهم بالشكلية وكثيراً ما عبروا عن ضيقهم بهذه التسمية ورغبتهم في استبدالها بتسميات أخرى مثل “المنهج الصرفي” في الدراسات الأدبية.
    * من ناحية أخرى كانوا يجنحون إلى استبعاد الثنائية التقليدية المكونة من الشكل والمضمون-و هذا في بدايتها – وإحلال فكرتين محلها هما:
    -المادة من ناحية.
    – الوسيلة أو الإجراء أو الأداة من ناحية أخرى.
    “فالشكلانية عنيت بالبحث عن نظرية متماسكة لدراسة النصّ الأدبي وتأويله تعنى بالتجربة وتستبعد غير الأدبي من أي قراءة نقدية, ولهذا ترفض الاهتمام الكبير الذي سخره النقاد على مر العصور للكشف عن مصادر تكون الأعمال الأدبية, ولدور السيرة الذاتية والتاريخ والأفكار الاجتماعية في هذا التكوين, مما أدى إلى انحسار أهمية الأدب بذاته لصالح ما هو خارج عنه.
    وعلى ذلك فالكلمات عندهم ليست مجرد شر لا بد منه أو طريقة لقول شيءٍ ما ولكنها هي نفس مادة العمل الأدبي الذي يتكون من كلمات, ومن هنا تحكمه القوانين التي تحكم اللغة.
    * وكذلك نجد التركيز البنيوي على طريقة الدلالة وليس معنى الدلالة, هذه الفكرة جاءت تطويراً بنيوياً لنفس الأفكار عند الشكليين الروس, فلقد دفعهم انبهارهم بإنجازات العلم والتكنولوجيا إلى تبني صورة الآلة كمدخل لتحليل النصّ في محاولة لاكتشاف العلاقات بين مكوناته .
    * كذلك فالشكلانيون في حقيقة الأمر هم الذين بدأوا بالتحرك في اتجاه التعامل مع اللغة كنظام لكنهم في ذلك لم يرتدوا أبداً مسوح علماء اللغة, وإن كانت اللغة نقطة انطلاقهم في تأسيس ما سموه بعلم الأدب, لكن النقلة من النظام اللغوي إلى النظام الأدبي فيما بعد يعد تطبيقاً مبكراً لأفكار دي سوسير حول الفارق بين اللغة والكلام.
    * كذلك محاولة الشكلانيين استعارة النسق وفهم النصوص الأدبية باعتبارها نتاج النسق الأدبي العام, أو ما يسمى بالنسق الشارح, وطبعاً هذه من المرحلة الثالثة من مراحل تطور الشكلية الروسية على رأي “بيتر شتانير” أحد الدارسين المتميزين للشكلانية الروسية.
    * وكذلك الحديث عن العلاقة بين الكل والجزء وكيف تحدد قيمة الكلّ قيمة أجزائه, هذا هو المبدأ المحوري عند النقاد الجدد الذين يؤكدون على مسألة الوحدة العضوية.
    -كذلك موضوع دراسة الأدب, وحدّدوها بالأدبية, وهي ما يجعل من نص ما نصاً أدبياً.
    يقول رمان ياكبسون:
    “إن موضوع علم الأدب ليس الأدب, بل الأدبية أو الوظيفة الجمالية لأي نوع فني, وتتشكل من جملة الضغوطات التي يمارسها المبدع على المادة الفنية, وهذه الضغوط هي التي تنتقل بالمادة الفنية من حالة الهيولى إلى حالة الشكل وتمنح الفوضى النظام.
    *وعلى هذا الأساس لا يتردد بعض مؤرخي النقد الأدبي في الربط بين البنيوية والشكلية الروسية, بل ذهب بعضهم إلى القول: بأن الشكلية هي في حقيقة الأمر بنيوية مبكرة.
    وقد كان تنيانوف أول من استخدم كلمة البنية في السنوات المبكرة من العشرينيات
    وتبعه رومان ياكبسون الذي استخدم كلمة البنيوية لأول مرة عام 1929.
    الجناح الآخر للشكلانية:
    الحديث عن ياكبسون ينقلنا إلى النسخة الأخرى من الشكلية الروسية وهي:
    الشكلية التي تقبلت التغيرات السياسية والاقتصادية الجديدة التي جاءت بها الثورة, وابتعدت عن جماليات شلوفسكي وإيخنبوم, هذه الجماليات التي تم الابتعاد عنها يحددها إيخنبوم في مقال بعنوان “المناخ الأدبي” نشر عام 1929:
    لقد تبنى أتباع اجتماع الأدب البحث الميتافيزيقي عن المبادئ الأولى للتطور الأدبي والأشكال الأدبية وكان أمامهم احتمالان كلاهما تم اختباره وأثبتا عجزهما عن إنشاء أي نظام أدبي تاريخي:
    1-تحليل الأعمال الأدبية من وجهة نظر الأيديولوجية الطبقية للكاتب …
    2-الاشتقاق القائم على السبب والنتيجة للأعمال والأساليب الأدبية من الأشكال الاجتماعية – الاقتصادية – الزراعية … الصناعية للعصر.
    بعد ذلك يؤكد إيخنبوم أن هذا الربط يعدّ اختزالاً مخلاً بالنص الأدبي:
    “إن الأدب شأنه شأن أي نظام لا يتولد من حقائق تنتمي لأنظمة أخرى, ومن ثمّ لا يمكن اختزاله إلى هذه الحقائق, إن العلاقات بين حقائق النظام الأدبي والحقائق الغريبة عليه لا يمكن ببساطة أن تكون علاقات سببية, لكنها يمكن أن تكون فقط علاقة تقابل أو تفاعل أو ارتباط أو شرطية”.
    -فالمعسكر الثاني من الشكلانيين يقول:
    “إننا برغم استقلالية البناء اللغوي للنص فإننا لا نستطيع أن نفصله فصلاً كاملاً عن البنى التحتية التي تشكل الثقافة ووعي الكاتب “طبعاً, هذا الجناح أو المعسكر من الشكليين هم من سيصمدون لفترة طويلة, بعد أن يضطر الشكلانيون الجماليون للانسحاب من الساحة النقدية حينما بدأت الثورة بعد تولي ستالين للسلطة وبدأت تفرض أيديولوجيتها على الثقافة.
    – لكن ما علاقة هذا بالمشروع البنيوي؟
    إن أبرز جوانب التناقض أو الجدل داخل المشروع البنيوي ذاته يرجع إلى هذا التوتر الدائم بين دعاة الداخل والخارج, واستقبال الثقافات للمدرسة البنيوية كانت تحدده درجة اقتراب النسخة البنيوية من أحد طرفي الثنائية, فالفرنسيون على سبيل المثال لا الحصر – يرحبون باقتراب النسخة البنيوية من أحد طرفي الثنائية, فالفرنسيون على سبيل المثال لا الحصر – يرحبون بالبنيوية في التزامها الماركسي, والأمريكيون يستقبلونها في فتور مفضلين عليها ذاتية الوجودية.

    جوهر الفكر الماركسي:
    ما هو جوهر الفكر الماركسي في نظرته إلى الأدب؟ لاسيما وأنها نظرة ضرورية لفهم بعض المبادئ.
    إن الحقيقة التي قد يجدها البعض غريبة, أن ماركس لم يطور في الواقع نظرية خاصة به عن الفن, إلا أن أفكاره المتناثرة في كتاباته تمثل نقطة الارتكاز للواقعية الاشتراكية أولاً, ثمّ البنيوية ثانياً.
    ومن هذه الشذرات المتناثرة يخلص النقاد الماركسيون إلى مقولتين أساسيتين تعتبران جوهر فكر ماركس عن الفن:
    الأولى = عن البنية التحتية والبنية الفوقية.
    والثانية: عن العلاقة بين الوعي والوجود.
    فهاتان المقولتان الأساسيتان لـ ماركس اللتان وضعهما النقاد الماركسيون نصب أعينهم, سواء أكانوا من أتباع الواقعية الاشتراكية أو البنيوية ابتداء بلو كاتش وجولدمان وانتهاء بـ “تيري إيجلتون” فالجميع يتفقون على عدم الفصل بين البنية الفوقية والبنية التحتية وكذلك فهم قد تجاهلوا بعض الآراء المبكرة لماركس قبل كتابه رأس المال التي تحدث فيها عن الحرية وتحقيق الذات, لكنه ومع “رأس المال” تحول إلى جبرية مذهبية قربته من مقولته بأن الوجود الاجتماعي للبشر هو الذي يحدّد وعيهم وحينما يحتضن البنيويون تلك المقولة يُدخلون عليها تعديلاً جذرياً يحل جبرية اللغة محل جبرية الاقتصاد.
    -وفي ختام الحديث عن تأثير الشكلية الروسية والفكر الماركسي في المشروع البنيوي وتجديد مساره أورد قضيّة ذكرها الدكتور المرحوم عبد العزيز حمودة, تدل في الحقيقة على شدّة الوشائج, والروابط بين الشكلانية والبنيوية, هذه الروابط حدت ببعض النقاط إلى عكس المقولة فتحدث عن تأثير البنيوية في الماركسية, ويؤكّد المؤلف بأنها مغالطة تاريخية, ويورد نصاً لا يخلو من غرابة, يقول النصّ:
    “لقد سيطرت البنيوية على الحياة الفكرية لأوروبا خلال الستينات من القرن العشرين, ولم ينج النقد الماركسي من هذه البيئة الفكرية … فالماركسيون يعتقدون أن الأفراد حمالون للمكانات في النظام الاجتماعي, أما البنيويون فيعتقدون أن التصرفات والكلام الفردي ليس لهما معنى بمعزل عن أنساق الدلالة التي تولدها”.
    -فالبنيويون حسب هذا النصّ يربطون بين الأدب والواقع الخارجي, وهذا الربط لا يقوم به البنيوي باعتباره بنيوياً بل ماركسياً, فالماركسية هي القوة التي أثرت في البنيوية وليس العكس وتزداد غرابة النصّ بالقول.
    “”ذلك أن البنيويين ينظرون إلى تلك البنى باعتبارها أنساقاً أزلية وذاتية التنظيم بينما يراها الماركسيون باعتبارها تاريخية ومتغيرة ومليئة بالتناقضات “”
    فالبنيويون الذين ينظرون إلى تلك البنى باعتبارها لا تعرف الزمن هم الغالبية غير الماركسية وهو ما سوف يمثل موضوع الجدل الرئيسي بين الفئتين حول طبيعة البنية وهل هي لا زمانية أو زمانية, استبدال أم تعاقبية؟.
    وهذا ما حدا بجامعة كمبردج 1980 إلى رفض تعيين أحد الأساتذة البنيويين لا لأنه بنيوي, بل لأن بنيوية بها لمسة من الماركسية التي اكتسبها من تأثير كتابات “جاك لان”

    ثانياً: دراسات فرديناند دي سوسير اللغوية:
    مما لا شكّ فيه أن الدراسات اللغوية الرائدة التي قام بها “فرديناند دي سوسير” في السنوات المبكرة من القرن الماضي تعتبر الأساس الأول للبنيوية, وقد أفادت دراسات دي سوسير من مبادئ المذهب التجريبي كما قدّمه لوك في تحقيق المعرفة وتطوير نظرية علمية للغة, فالدراسات اللغوية تعتبر من أقوى جذور البنيوية.
    وقد كان الفكر اللغوي يتأثر دائماً بالتحولات المعرفية الجوهرية التي حفل بها تاريخ الفلسفة الغربية, وخاصّة منذ القرن السابع عشر حتى الآن في رحلة يستعرضها ميشيل فوكوه في دراسته اللغوية عام 1966, فقد أبرز في دراسته بعض التحولات المعرفية الأساسية التي صاحبتها تغيرات جوهرية في نظرتنا إلى اللغة, فحتى القرن السادس عشر كانت العلاقة بين الكلمة والشيء الذي تشير إليه علاقة تشابه وكان يصعب تأكيد المعرفة من دون وجود رابطة حقيقية بين طرفي العلاقة, ومع التحول المعرفي التالي أي طوال القرنين السابع والثامن عشر تحول التشابه المفترض بين الدال والمدلول إلى التصوير أو التمثيل , وهي درجة أكثر تعقيداً في العلاقة بين طرفي العلامة, في هاتين المرحلتين كانت عملية الدلالة تحكمها علاقة من التكافؤ بين الدال والمدلول, لكن التحول المعرفي التالي في نهاية القرن الثامن عشر والذي فتح الباب أمام الاستخدامات البلاغية والرمزية للغة, تلك العلاقة القائمة على الدلالة المباشرة والصريحة فلم تعد اللغة مجموعة من الرموز أو الدلالات التقليدية, ومع التحول المعرفي الجديد نقترب من مفهوم اللغة كنظام له وحدته وتماسكه الخاصان به.
    كانت تطورات الفكر الفلسفي الغربي عبر ثلاثة قرون والتحولات المعرفية التي صاحبت ذلك التطور تشير كلهما في اتجاه واحد حتمي, وهو ظهور الدراسة اللغوية كعلم مستقل بذاته له قوانينه وقواعده التي تحكم عمل عالم اللغة, وهكذا شهدت السنوات الأولى من القرن العشرين نشر كتاب فرديناند دي سوسير عام 1915 , لقد أصبحت الظروف في الواقع مهيأة لظهور ما يسمى بالنموذج اللغوي الذي سيتكفل البنيويون فيما بعد بتطويره ليصبح أساس المقاربة النقدية “البنيوية” للنصوص الأدبية, وهو نموذج يشرح بيرمان معالمه الأساسية:
    “إننا بهذا نتجه نحو “النموذج اللغوي” للبنيويين: إن نظرتهم عن عدم وجود مرجعية لجميع اللغات يقصد بها فكّ مفارقة الخارج / الداخل, وتخطي نظرية ازدواجية الحقيقة أو المعرفة وتفسير إبداعية اللغة من خلال الخصائص الشكلية لبنائها ذاته”.
    أهم الأسس التي جاء بها فرديناند دي سوسير:
    1-التمييز بين اللغة والكلام:
    فاللغة هي النظام النظري للغة من اللغات أو بنيتها وهي مجموعة القواعد التي ينبغي على متكلمي تلك اللغة أن يلتزموا بها إذا أرادوا الاتصال فيما بينهم, أما الكلام: هو الاستخدام اليومي لذلك النظام من قبل المتكلمين الأفراد, وهذا التمييز يمكن أن نقارنه بشكل مفيد بتمييز أشيع وأذاعه بين الناس في وقت أقرب منا النحوي الأمريكي نوام تشومسكي الذي يميز بين الكفاءة اللغوية والممارسة اللغوية وهما مصطلحان يعنيان على التوالي نظرية اللغة التي يبدو أننا نحملها على الدوام في رؤوسنا والتطبيقات العملية التي نستمدها من تلك النظرية.
    2-الدال والمدلول واعتباطية الرمز:
    فمن الفرضيات الأساسية في نظرية اللغة عند سوسير أن الرمز شيء اعتباطي, وهو كذلك من ناحيتين:
    فالدال شيء اعتباطي؛ لأنه ليس هناك من علاقة طبيعية بينه وبين ما يدل عليه بل هناك علاقة يقبلها الناس بحكم التقليد أو العرف, إذ ليس هناك من خاصية تشترك بها كل الأشجار مثلاً بحيث يقتضي المنطق أو الضرورة أن ندعوها “أشجاراً” لكن هذا ما ندعوها به لأننا اتفقنا على ذلك “أما الإنكليز فيدعونها “trees. ”
    واللغة تتصف بالاعتباطية على مستوى المدلول أيضاً لأن كل لغة قومية تقسّم بطرق مختلفة كل ما يُمكن أن يعبر عنه بكلمات كما يتّضح لكل من يمارس الترجمة من لغة إلى أخرى, فهذه اللغة تضم مفاهيم لا تضمها تلك, والنتيجة البالغة الأهمية التي يستخلصها سوسير من هذه الاعتباطية المزدوجة هي أن اللغة ليست نظاماً من الأمور الجوهرية الثابتة بل من الأشكال غير المستقرة, إنها نظام من العلاقات بين الوحدات التي تشكلها, وهذه الوحدات ذاتها تتشكل هي الأخرى من الاختلافات التي تميزها عن سواها من الوحدات التي لها علاقة بها , وهذه الوحدات لا يمكن أن يقال إن لها وجوداً بذاتها بل نعتمد في هويتها على أندادها.
    -فالبنيوية: تتمسك بهذه الفرضية الجوهرية, وهي أنها تدرس العلاقات القائمة بين عناصر في نظام يشترط كل منها وجود الآخر, وليس بين جواهر كل منها مستقل بذاته
    3-التمييز بين دراستين للغة: الدراسة الوصفية والدراسة التاريخية.
    ومقابل ذلك التزامنية والتعاقبية وهي في دراسة نصّ معين.

    ثالثاً: النقد الجديد:

    إن هناك شبهاً واضحاً بين النقد الجديد والنقد البنيوي وكلا المدرستين تتمسكان باستقلالية الأدب عما يسمى بالواقع الخارجي.
    -وفي محاولة تجديد بعض نقاط التأثير والتطوير من خلال ثلاثة نقاد هم:
    -رتشاردز : ويمثل البدايات الأولى للنقد الجديد مع التأثر الواضح بالدراسات النفسية الجديدة.
    -ويروكس : يمثل مرحلة متأخرة وناضجة في تطور النقد الجديد.
    -أما الثالث: فهو نور ثروب فراي.
    وهو ينتمي إلى تلك المرحلة المفصلية بين النقد الجديد والبنيوية ويضع قدماً راسخة في مدرسة وقدماً في الأخرى.
    فرتشاردز في تحديده لطبيعة عملية الإبداع تحدث عن فرض نظام على الدوافع المتنازعة أو المتعارضة وهما أمران سوف يكتسبان أهمية خاصة عند البنيويين, وقد خصص مساحة كبيرة في كتابيه:
    -معنى المعنى .
    -ومبادئ النقد الأدبي .
    وذلك للحديث عن اللغة والمعنى, وهو في ذلك يؤكد مقولتين مهمتين:
    1-الشعر لغة.
    2-اللغة معنى في شفرة.
    لكن ذلك لا يعني أن أفكاره اقتربت من أفكار سوسير حول اللغة كنظام نحوي, فالنظام اللغوي الذي كان يقصده هو النظام الفردي داخل عقل الشاعر المبدع, لذلك لم يشغل ريتشاردز نفسه كثيراً بأسئلة حول طبيعة اللغة كنظام بقدر اهتمامه بطبيعة اللغة في الشعر, وهو ما يبعده كثيراً عن نظرية اللغة المتكاملة التي سيطورها علماء اللغة والتي ستكون أساس البنيوية الأدبية.
    -ومن أبر إسهامات رتشاردز في التمهيد المبكر للبنيوية إثارته لفكرة الأضداد مع توكيل وحدة التخيل المهمة في التوفيق بين الأضداد, أما البنيويون فيعتدون بالتعارضات والأضداد مثل: مضيء /مظلم , لكن لا تتم الدلالة الواحدة دون حضور الأخرى.
    -أما وحدة التخيل عند كل من رتشاردز وبروكس
    فهي الوحدة التي تحقق وحدة القصيدة من ناحية, واستقلالها عن الخارج من ناحية أخرى, وعلى الرغم من أن الوحدة هذه ما زالت بعيدة عن الوحدة اللغوية كأساس للدلالة عند البنيويين, فإننا لا نستطيع القول بأن النقاد الجدد لم يكونوا على وعي بها, فالمرء تصيبه الدهشة من بعض الإرهاصات الواضحة في كتابه فلسفة البلاغة باقتراب رتشاردز من مفهوم البنية العامة عند تشومسكي مثلاً, عن اشتراك البشر جميعاً في نحو عام يمكن الفرد من الاستخدام الخلاق للغته, لكن سرعان ما تحول عن ذاتية السنوات المبكرة إلى جبرية تشاؤمية فرضتها الأزمة الاقتصادية 1929-1934
    -ولئن كان تأثير رتشاردز وبروكس في البنيوية يفتح باب الجدل والاختلاف, فإن فراي قد مهّد للبنيوية, وأن تأثره بالدراسات اللغوية من جهة وتأثيره في البنيوية الأدبية من جهة أخرى يتخطى مرحلة الإرهاصات العامّة ويدخل دائرة اليقين, فكتابه تشريح النقد يعتبر دراسة بنيوية مبكرة فهو يرى أنه لا يوجد عنصر واحد في النظام يمكن فهمه كاملاً دون أن نعرف مكانه في النظام.

    * البنيوية والنموذج اللغوي:

    إن البنيوية الأدبية ارتبطت في نشأتها بالبنيوية التي أسسها سوسبر, والواقع أن البنيوية اللغوية تحدد هوية البنيوية الأدبية وتعين مسارها, يحدد “إميل بنفيستي” ملامح البنيوية بقوله:
    “إذا سلمنا بأن اللغة نسق يصبح الأمر هو تحليل بنائها, إن كل نظام يتكون من وحدات تؤثر في بعضها البعض, ويختلف عن الأنساق الأخرى بفضل الترتيبات الداخلية لهذه الوحدات ..”
    والبنيوي اللغوي, يركز على كيفية تحقيق الدلالة وكيف يحدد النظام الكلي قدرة البنى الصغيرة على الدلالة, لكنه لا يكترث للدلالة نفسها.
    *الثنائيتان:
    اللغة بالنسبة لمؤسس البنيوية اللغوية شكل وليست مادّة, والتحليل اللغوي يجب أن يركز على الداخل ويجب تقسيم التعبير اللغوي إلى عدد محدد من العناصر, وأن عناصر اللغة تحددها علاقاتها المتبادلة وهي علاقات استبدالية تعاقبية ” وحينما تبنى البنيويون الأدبيون البنيوية اللغوية ورثوا النموذج اللغوي بسلبياته كاملة وأبرزها الانشغال بالكيف دون المعنى, ولا يشذّ البنيويون الماركسيون عن ذلك رغم محاولاتهم تحديد منطقة وسطى يحققون فيها نوعاً من التزاوج المستحيل بين استقلالية البنية اللغوية من ناحية وارتباطها بعناصر البنية التحتية من ناحية أخرى, هذا الاشتغال باللفظ والذي حدا ببارت إلى اعتبار النص كنوع من الكرنفال اللفظي تكون فيه اللغة في إجازة عن مهام الحياة الصاخبة.
    وقد أدرك البنيويون الأوائل أمثال ياكبسون وغولدمان خطورة هذا المنزلق وزاد من إدراكهم انتماؤهم السياسي الماركسي, وقد عدوا سارتر مرتداً حينما قادته وجوديته للخروج عن الالتزام الماركسي وقد حددت حكمت الخطيب نسختا البنيوية هذه في دراستها عن البنيوية من واحدة تعزل النصّ وتغفل مسألة المرجع, وأخرى توقيفية قال أصحابها بالعزل المؤقّت للنص ثمّ راحوا يقيمون الوشائج مع الواقع الاجتماعي وهم في ذلك يقفون أمام منزلقين: منزلق الثنائية, ومنزلق البنية المغلقة.
    هذا الانفصام يمثل جوهر أزمة البنيوية بين كرنفال لفظي والتزام ماركسي وهي بالذات أبعاد أزمة ياكبسون وغولدمان والبنيويون العرب ومن بينهم أزمة حكمت الخطيب حول البنيوية التي تحاول في أكثر من موقع في دراستها للبنيوية الخروج بالبنيوية الماركسية من مأزق الثنائية .
    وعلى الرغم من ترديدها لمقولات سوسير وسحبها على النسق الأدبي تعود وتؤكد أن النصّ ليس داخلاً معزولاً عن خارج هو مرجعه, ويبين الدكتور عبد العزيز حمودة في عدّة صفحات من هذا الفصل محاولات حكمت الخطيب غير الموفقة لإمساك العصا من منتصفها, لتبقى هذه الثنائية ثنائية الداخل والخارج دون علاقة مرضيّة تولد تناقضات في تناقضات بين الاتجاه السوسيري والاتجاه الماركسي.
    *ولئن كانت ثنائية الداخل والخارج موضع خلاف بين البنيويين فإن ثنائية الذات والموضوع كانت موضع اتفاقهم, فالبنيوية هي هروب من الذات بل نقيض لها, والذات هنا هي الذات الديكارتية العليا القادرة على تحقيق وتشكيل المعرفة الإنسانية حينما تفشل الحواس ويتوقف دورها عند حدود الظاهر والمادي, أما الذات التي ترفضها البنيوية فهي الذات الفردية بمعنى الكيان الواعي الشخصي.
    أما الموضوع بالنسبة للبنيويين فهو النسق أو النظام.
    وإجماع البنيويين على كبت الذات جاء نتيجة تركيبة فردية من العوامل الفلسفية واللغوية والنقدية خاصّة بعد أن أصبحت التجريبية هي البديل الجديد للشكّ, وبعد النجاحات المذهلة للتطبيقات العلمية في القرن العشرين, والتي وضعت حداً لسيادة العقل في مثالية كانط والذات في وجودية ديكارت عاد الإنسان مرة أخرى إلى أحضان التجريبية التي أصبحت وسيلة الدراسات اللغوية ثم الأدبية, وإن كان للذات وجود في المشروع البنيوي فإنها الذات التي تكونها اللغة وتشكلها.
    خلاصة القول في ذلك:
    إن فكرة النظام الكلي الذي يسبق في وجوده الإبداعات الفردية لغوياً وأدبياً تتنافى مع الذات المثالية والوجودية, وتتطلب تنازلاً مستمراً عن الذات, فاللغة ليست شيئاً يقوم كل منا بإحضاره معه إلى هذا العالم لحظة الميلاد بل مؤسسة ندخلها تدريجياً في الطفولة, وأي استخدام للغة بغية الاتصال بالآخرين تدخلنا بصورة حتمية في عملية التخلي عن جزء على الأقل من تفردنا, فالكتّاب كما يقول بارت لا يكتبون للتعبير عن ذواتهم بل لديهم القدرة على خلط أو تركيب كتاباتٍ موجودة بالفعل والكاتب يقوم بتجميع هذه الكتابات وإعادة نشرها مستفيداً من القاموس الضخم للغة.
    -وهناك جناح آخر من البنيويين جاء رفضهم للذات من موقف سياسي واضح فالماركسيون مثلاً يرون في تأكيد الذات أفكاراً روجت لها الرأسمالية ومن ثمّ كان عليهم إخضاع الذات لجبرية النظام وكذلك الأمر في فرنسا وموقفهم من البرجوازية فبعد فترة محافظة طويلة تحولوا في بداية الستينات إلى موقف يرفضون فيه الجمود من ناحية والوجودية من ناحية أخرى, وظهر جيل من الفلاسفة والمحللين الذين يشتركون جميعاً في معاداة البرجوازية, ويرون في البرجوازي عضواً فاسداً استطاع إخفاء جشعه للمال والسلطة على أنهما فلسفة نبيلة لتطوير الذات.

    البنية والنسق اللغوي:
    إن كلمات بارت في دراسته التي نشرت عام 1970 تعتبر من أكثر الكلمات مناسبة لبداية مناقشة البنية والنسق, فهو يحدد جوهر البنيوية في كلمات تصعب على من يتحمّس للمشروع البنيوي, يقول:
    “إن بعض الصوفيين يستطيعون الوصول إلى مرحلة يرون فيها بلداً كاملاً في حبة فاصولياء, وهذا ما فعله المحللون الأوائل لقراءة كل قصص العالم في بنية واحدة مفردة, وتلك مهمة مرهقة وغير مطلوبة لأن النصّ يفقد اختلافه”.
    فالبنيويون في سعيهم الصوفي للوصول إلى معرفة يقينية يتحركون في طريق ذي اتجاهين:
    -الأول: هو اتجاه النسق العام أو النظام الكلي, والآخر هو اتجاه الأنساق الفردية فهم يدرسون الأعمال الفردية ليستخلصوا من بناها الصغيرة نموذجاً أو نسقاً فردياً واحداً, من دراسة هذه الأنساق الفردية يستخلصون نسقاً عاماً أو نظاماً كلياً.
    *وقد كانت دراسة سوسير اللغوية تحتل مركز الثقل عن فكرة النظام أو النسق اللغوي, إلى أن جاءت دراسة ليفي شتراوس لِتُحْدث النقلة الحقيقية للنموذج اللغوي إلى أنساق أخرى غير اللغة.
    *وإن مفهوم النسق كما يقدّمه روبرت شولز يساعدنا أكثر على فهمه.
    “إن النسق اللغوي ليس وجوداً محسوساً فاللغة الإنكليزية ليست في العالم أكثر من وجود قوانين الحركة في العالم, ولكي يكون موضوعاً للدراسة يجب بناء لغة ما, أو نموذج لها من شواهد الكلام الفردي”.
    إن ما يعنيه هذا بالنسبة للأدب بالغ الأهمية إذ لا يمكن لعمل أدبي أن يكون له معنى إذا افتقدنا الإحساس بالنسق الأدبي الذي ينتمي إليه.
    *والنسق تشترك في إنتاجه الظروف الاجتماعية والثقافية من ناحية, والإنتاج الفردي من ناحية أخرى, ولهذا فهو ليس نظاماً ثابتاً أو جامداً, بل هو ذاتيّ التنظيم من جهة ومتغير يتكيف مع الظروف الجديدة من جهة ثانية.
    المناقشات والأسئلة:
    ما هما المقولتان لماركس بتفصيل أكثر؟
    إن ماركس لم يطور في الواقع نظرية خاصة به عن الفن, إلا أن أفكاره المتناثرة في كتابه تمثّل نقطة ارتكاز للواقعية الاشتراكية أولاً, ثمّ البنيوية ثانياً, ومن هذه الشذرات المتناثرة والمتناقضة أحياناً يخلص النقاد الماركسيون إلى مقولتين أساسيتين يعتبرونهما جوهر فكر ماركس عن الفن, المقولة الأولى عن البنية التحتية والبنية الفوقية, والثانية هي العلاقة بين الوعي والوجود.
    -المقولة الأولى:
    يصف ماركس في أحد أعماله البنية الفوقية والبنية التحتية في صورة مجاز معماري ويحدد العلاقة بينهما, البنية الفوقية في مفهومه هي الأيديولوجية والدين والسياسة والثقافة والقانون, أما البنية التحتية أو القاعدة فهي القوى الاقتصادية والاجتماعية والعلاقات المتغيرة بينهما, من صراع طبقي مستمر في ظل هذا المفهوم فإن مكونات البنية الفوقية لا تنشأ من فراغ ولا يمكن دراستها بمعزل عن البنية التحتية التي تحددها وتحكم حركتها ومن هنا لا نستطيع مناقشة ظاهرة ثقافية, كالأدب مثلاً, بمعزل عن القوى التي تحكم النظام الاجتماعي والاقتصادي والظروف التاريخية التي تقرر حياة البشر المادية , وفي هذا لا تختلف الثقافة في ارتباطها بقوى البنى التحتية عن الأنظمة الأخرى التي تشكل البنية الفوقية.
    -المقولة الثانية:
    وتعتبر نتيجة منطقية للمقولة الأولى , تقول هذه المقولة: “ليس وعي البشر هو الذي يحدد وجودهم, على النقيض إن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم”.
    والقول بأن وعي البشر يحدده وجودهم الاجتماعي يعكس مبدأ هيجليا مهما بأن مسار التاريخ هو الكشف الجدلي البطيء عن قوانين العقل وأن الوجود المادي تعبير عن جوهر روحي غير مادي, لكن ماركس يعكس الصيغة قائلاً بأن كل الأنظمة أو الأنساق الذهنية “الأيديولوجية” نتاج الوجود الاجتماعي أو الاقتصادي الفعلي.
    فالأنظمة القانونية مثلاً ليست التعبير الخالص عن العقل البشري أو الإلهي, بل إنها تعكس في النهاية مصالح الطبقة المسيطرة في حقب تاريخية معينة.
    ما هي تجليات هاتين المقولتين في فكر بعض أقطاب البنيوية الماركسية:
    الجميع يتفقون على عدم الفصل بين البنية الفوقية, مع مفردات الثقافة , والبنية التحتية, مع الأخذ في الاعتبار أن ذلك التأثير لا يقتصر على الثقافة وحدها.
    بالنسبة للبنيويين هناك اتفاق واضح على الخطوط العامة لنوع البنيوية التي ينادون بها, وهي خطوط تبدأ كلها, بدرجات ضئيلة التفاوت داخل الفكر الماركسي, فهم مثلاً يتجاهلون بعض الآراء المبكرة لماركس والتي عبر عنها في كتاباته السابقة لكتاب “رأس المال” (1860) لأن مؤسس الماركسية في المرحلة المبكرة تحدث عن الحرية وتحقيق الذات, لكنه بـ “رأس المال” تحول إلى جبرية مذهبية واضحة أبعدته كثيراً وبصورة نهائية عن الذات الديكارتية والرومانسية , وقربته من مقولته الأساسية بأن الوجود الاجتماعي للبشر هو الذي يشكل وعيهم وليس النقيض فلوكاش وتلميذه جولدمان ينتميان إلى ما يسمى في تاريخ الأدب بالمدرسة الماركسية الهيجلية برغم رفضه لعدد كبير من مقولات هيجل.

    ما هي أهم مقولات الفيلسوف الألماني هيجل والتي عكسها ماركس؟
    هي القول بأن الشكل ليس خاصية فردية, وأن كل مضمون يفرض الشكل الخاص به, ومن ثم فإن الشكل هو العنصر الاجتماعي الحقيقي في الأدب, ولما كان المضمون يتغير بتغير الحقب التاريخية وتغير رؤية الفنان للعالم, فإن الشكل أيضاً يتغير مع تغير المضمون, وهذا ما يعنيه القول بأن “كل مضمون يفرض الشكل الخاص به” في نفس الوقت فإن ذلك الربط بين الشكل والمضمون يقيم العلاقة الماركسية بين البنية الفوقية والبنية التحتية , فتغير العلاقات بين القوى الاقتصادية في المجتمع, بين رأس المال والعمل يحدد شكل البنى الفوقية, بما في ذلك الشكل الأدبي.
    ما هي أبرز إسهامات رتشاردز في التمهيد المبكر للبنيوية؟
    هي إثارته لفكرة الأضداد أو الدوافع المتعارضة وربطه للقيمة بقدرة وحدة التخيل على تحقيق توازن بين الأضداد أو توافق بين الدوافع المتعارضة , هذه التعارضات الثنائية سوف تحتل مركزاً محورياً في فلسفة المشروع البنيوي مع فارق أساسي, فبينما يوكل رتشاردز لوحدة التخيل مهمة التوفيق بين الأضداد ويؤسس “قيمة” القصيدة على النجاح أو الفشل في تحقيق ذلك التوافق, فإن البنيويين يعتدون بالتعارضات الثنائية مثل ساخن / بارد, مطبوخ / نيئ, مضيء / مظلم, والتي لا تتم دلالة واحدة منها دون حضور الأخرى.
    ما هي أبرز إسهامات نور ثورب فراي في التمهيد المبكر للبنيوية؟
    إن كتابه “تشريح النقد” (1957)يعتبر دراسة بنيوية مبكرة وإن كان في نفس الوقت لا يبتعد كثيراً عن النقد الجديد ومقولاته الأساسية, وحديثه عن العلاقة بين النص الأدبي والنصوص الأدبية الأخرى من نفس النوع ويجعل منه نقطة التقاء واضحة تماماً بين “تقاليد” النقد الجديد و “النظام أو النسق العام” عند البنيوية إنه ” كناقد جديد حينما يحاول اكتشاف البنى الأدبية الشاملة التي تنسحب تحتها بنى الأعمال الفردية , وهو بهذا يقترب كثيراً من مفهوم التقاليد . . . في نفس الوقت, فهو وبصورة فريدة ناقد بنيوي حيث إنه يرى أنه لا يوجد عنصر واحد في النظام يمكن فهمه كاملا دون أن نعرف مكانه في النظام.
    ما هي خطوات التحليل البنيوي الذي طوره ليفي شتراوس في أثناء الحرب العالمية الثانية؟
    (1) البحث البنيوي يدرس البنى التحتية اللاواعية للظواهر وليس طبقاتها الظاهرة أو الواعية.
    (2) يتعامل مع الألفاظ في علاقاتها ببعضها البعض وليس باعتبارها كيانات مستقلة.
    (3) يركز دائماً على الأنظمة أو الأنساق.
    (4) يؤسس القوانين العامة مستخدماً الاستقراء أو الاستدلال لتحديد الهوية المطلقة لهذه القوانين
    ما هي أبعاد أزمة ياكبسون وجولدمان والبنيويين العرب.
    -ياكبسون:
    في المرحلة المبكرة من حياة ياكبسون وبفعل التأثير القوي لكل من أفكار سوسير في اللغة وآراء الشكليين الروس جاءت أفكاره ازدواجية, نادى بأن الإشارة الصوتية لا ترتبط بالمشار إليه بنفس الدرجة التي قصدها لوك, ولم يبتعد ياكبسون عن نظرية سوسير حول المتقابلات الثنائية, لكن الثورة الروسية سرعان ما امتدت جذورها في التربة الثقافية الروسية وفرضت جماليات خاصة تحول ياكبسون إليها .
    -لوسيان غولدمان:
    لوسيان غولدمان طور هذه العلاقة بين النسق الداخلي للنصّ, والأنساق الخارجية غير الأدبية والتي تدخل في تشكيل الثقافة, فقد قدم مفهوم البنية النظيرة الذي ينظر إلى بنية النص الأدبي باعتبارها بنية مناظرة لبنية خارجية, هي البنية الفكرية والثقافية للشريحة الاجتماعية, التي أفرزت العمل الأدبي, ومن ثم فإن وظيفة الناقد في تحليله للنص أن يقارن بين البنية الثقافية والبنية الأدبية النظيرة, وهكذا تُنفى منطقياً استقلالية النسق الأدبي الذي يشكل نسق النصّ, مما يعني منطقياً أيضاً انتفاء الثنائية .

    -حكمت الخطيب:
    وربما تكون دراسة حكمت الخطيب حول البنيوية من أكثر الدراسات العربية تجسيداً لهذه الحيرة والارتباك بين طرفي الثنائية فهي أيضاً تحاول تحقيق تزاوج مستحيل بين نقيضين فتحاول الخروج بالبنيوية الماركسية من مأزق الثنائية وتؤكد أن النصّ “ليس داخلاً معزولاً عن خارج هو مرجعه, وبالتالي تفتح الباب على مصراعيه أمام الثنائية المركبة: هل النصّ الأدبي بنية مغلقة مستقلة, أم بنية نظيرة لأنساق عامة أخرى ليست أدبية؟
    ما هو أركان الحل الذي تقترحه الناقدة للخروج من هذه الأزمة؟
    1-بنية النص الأدبي تمثل نسقاً مستقلاً يمثل استقلال النسق اللغوي.
    2-وظيفة الناقد البنيوي هي تحليل عناصر النسق الأدبي للنص من الداخل عن طريق إضاءة العلاقات أو التقابلات بين تلك العناصر, من ناحية, وتحديد العلاقات بين نسق النص الفردي والنسق الأدبي العام للنوع من ناحية أخرى.
    3- إن النسق الأدبي لا يمكن أن يكون نسقاً داخلياً مستقلاً فقط ولكنه يمثل بنية نظيرة لبنى أو أنساق أخرى غير أدبية وهي بنى تمثل في مجموعها الثقافة التي أفرزت النص أو النسق الأدبي الخاص.
    4-على الناقد البنيوي أن يدرك الحضور المتزامن للداخل والخارج في النص.
    ما هو جوهر البنيوية الذي يقربنا منه بارت ؟
    إن البنيوية اللغوية والأدبية في صورها الماركسية وغير الماركسية, تقوم على فكرة النظام أو النسق, النسق الذي يحكم العلاقة بين المكونات الصغرى للنصّ من ناحية, والنسق الأكبر الذي يحكم العلاقة بين النسق الفردي للنص والنسق العام للنوع.
    فحينما قدم سوسير نظريته الجديدة عن البنيوية اللغوية, لم ينطلق من فراغ, فقد كان المهتمون بالدراسات اللغوية والأدبية قد سئموا الواقعية التي سيطرت على حقل الدراسات الأدبية لفترة طويلة وكانت أبرز عيوب الواقعية في الأدب أنها تعتبر اللغة أداة لمعرفة الواقع

    إعجاب

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: