جمال باروت وتأريخ الحركات السياسية العربية

وحده جمال باروت من كتب عن تجربة التنظيم الحيوي , والإيديولوجية الحيوية وعلى الرغم من قصوره في العرض الدقيق والموثق فإنه وحده من تحرأ على التحدث عن تجربة ماتزال ليس فقط كمجهولة من النخب العربية بل ماهو اكثر .. وهو دليل على مدى استفادة هذه النخب من تراكم التجربة التاريخية وهو امر يبرر وقوعهم كبهائم المسلخ عندما يقودهم أعور أجدب

مبندق يتبندق على نفسه وأهله لرتزق من تحريضهم على سفك دمائهم في معركة الكل خاسر فيها

Advertisements

رد واحد

  1. على بساط الثلاثاء
    203
    يكتبها : حبيب عيسى

    ” أنصـار الطـليعــة العـربيــة ” … ( 2 من 5 ) :
    المدخل إلى ” بيان طارق ” …!

    ( صدر عن “مركز دراسات الوحدة العربية” كتاب يحمل عنوان : “الأحزاب والحركات والتنظيمات القومية في الوطن العربي” تأليف عدد من الباحثين بإشراف الأخ والصديق العزيز الأستاد محمد جمال باروت يتضمن ما يمكن اعتباره توثيق مرجعي للمحاولات التي بدأت مع بداية القرن المنصرم لمأسسة النضال القومي العربي في منتديات وجمعيات وحركات وأحزاب وعندما فاتحني الأستاذ باروت بالفكرة اعتبرتها خطوة هامة لتقييم تلك المرحلة وما رافقها من نجاحات وإخفاقات ، فلم أتردد بالموافقة على المساهمة بتقديم بحث عن “أنصار الطليعة العربية” أرجو أن أكون قد وفقت في الإضاءة على هذه التجربة التي منحتها ما مضى من العمر ، وسأمنح ما تبقى منه لمحاولة الانتقال إلى غائيتها ببناء “الطليعة العربية” ،إن هذا البحث يحتمل الكثير من الإضافات والتفاصيل والتوثيق ، وبالتالي فأنا لا أتحدث عن تجربة ولدت وانتهت ، وإنما عن تجربة حية تنبض روحها وتنتفض لمواجهة هذا الخراب والتخريب الذي أحدثه هذا النظام الإقليمي الفاسد التابع المخرّب بين المحيط والخليج ، لهذا أرى أن جميع القوميين العرب التقدميين ، أو من تبقى منهم ممسكاً بالبوصلة المنهجية مدعويين لافتراش “بساط الثلاثاء” على مدى الحلقات الخمس للإضافة والتعديل واقتراح الحلول للمشكلات التي أعاقت الانتقال من المرحلة الإعدادية إلى “الطليعة العربية” والأهم : كيف يمكن استئناف المسيرة باتجاه هذا الهدف النبيل .)
    ( ما يعنيني بالدرجة الأولى هو وضع هذه التجربة ، وهذا المشروع بين أيادي الجيل العربي الجديد ، وبتصرفه ، فهو المعني بصياغة مستقبل هذه الأمة ووضع الأسس وإبداع الأساليب لتجاوز مرحلة الخرائب وحقول الألغام التي زرعتها أنظمة الفساد والقمع والتبعية والعصبويات المدمرة للنسيج الاجتماعي والتي غيبتّ أجيالاً عربية – على مدى العقود السابقة – عن الفعل قمعاً واستلاباً وخوفاً فتم إجهاض مشروع النهوض والحرية والتقدم في هذه الأمة … إنها دعوة للفعل في الحاضر باتجاه المستقبل … !)
    دمشق : 21/10 /2014
    حبيب عيسى

    “تتمة : 2 من 5″ …:
    ( 4 )
    أنصار الطليعة العربية :
    ” الحديث الآخر ” جاء في تموز/ يوليو 1966 ، أي بعد عام ونصف عام من وضع الأسس الفكرية والعقائدية للطليعة العربية .. ذلك الحديث الآخر تضمن فالإجابة على السؤال : كيف تقوم الطليعة العربية ؟ جاء عن طريق وثيقة اقتضت الظروف الموضوعية أن تكون وثيقة سرية ، حملت فيما بعد أسم ” بيان طارق ” .
    إن الدراسة الموضوعية لـ ” بيان طارق ” لا يمكن أن تتم إلا إذا وضعناه أولاً : في إطار الظروف الموضوعية التي صدر فيها في منتصف تموز / يوليو 1966 ، وعرضنا مضمونه ، ثانياً :
    – الظروف الموضوعية التي صدر فيها ” بيان طارق ” :
    في منتصف تموز/يوليو 1966 كان المشهد في الوطن العربي بالغ التعقيد ، وسنسلط الضوء باختصار شديد على واقع التيار القومي العربي الذي كان قد تبلور بأحزاب سياسية وأنظمة حاكمة منذ خمسينيات القرن المنصرم ، وأنجز عبر مقاومات مسلحة أحياناً ، وانقلابات عسكرية أحياناً أخرى ، بالإضافة إلى مد جماهيري كاسح .. طرد جيوش الاحتلال من مناطق واسعة من الوطن العربي ، وشكل تهديداً مباشراً لخريطة التجزئة بإقامة دولة الوحدة النواة بين سورية ومصر عام 1958 ، لكن مع انفصال الإقليم الشمالي في 28 أيلول / سبتمبر 1961 ، كان على التيار القومي العربي النهضوي أن يعيد النظر في الكثير من المواقف والأساليب والأدوات ، وأن يعمل على رص الصفوف لمواجهة ظروف موضوعية بدت أكثر تعقيداً مما تصور الكثيرون ، خاصة بعد انقلاب الثامن من شباط /فبراير في بغداد ، وانقلاب الثامن من آذار /مارس في دمشق ، وفشل مشروع الوحدة الثلاثية بين سورية ومصر والعراق بعد ذلك ، وما ترتب على ذلك من اصطفافات وصراعات داخل التيار القومي العربي ذاته ، مجمل تلك الأوضاع تفاقمت إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه في تموز /يوليو 1966 حيث يمكن رسم المشهد كما يلي :
    1 – جمال عبد الناصر مازال جرحه ينزف بعد انفصال الإقليم الشمالي ، والفشل في إعادة بناء الجمهورية العربية المتحدة في إقليميها على الأقل ، ثم فشل الوحدة الثلاثية ، وقد ترتب على ذلك رد في اليمن من خلال إرسال الجيش المصري ، ودعم الثورة هناك ، وانطلاق المقاومة في جنوب اليمن لمواجهة الاحتلال البريطاني ، والاقتراب من منابع النفط ، ودعم الثورة في ظفار ، أما على الصعيد التنظيمي ، وبعد فشل محاولات الوحدة التنظيمية مع حزب البعث العربي الاشتراكي ، وفي مرحلة لاحقة مع حركة القوميين العرب استشعر عبد الناصر ضرورة بناء التنظيم القومي العربي لتنظيم تلك الجماهير الواسعة التي تتظاهر وتتعاطف وتضحي وتقاتل أحياناً دفاعاً وهجوماً من اجل المبادئ والأهداف التي يعلنها ، لذلك أعلن عبد الناصر وبدءاً من تموز / يوليو 1963 الدعوة إلى قيام “الحركة العربية الواحدة” ، والانتقال من العمل على وحدة الصف العربي ، إلى العمل على وحدة الهدف العربي . .. وبالتالي فإن على الاتحاد الاشتراكي العربي في مصر ، وعلى التنظيمات الناصرية الأخرى في الوطن العربي أن تستجيب لتلك الدعوة ، وتضع نفسها في السياق المناسب لبناء التنظيم القومي ، لكن الأحداث المتلاحقة أجبرت عبد الناصر على العودة إلى مؤتمرات القمة العربية ، وإلى ما سمي التضامن العربي .
    2 – كان حزب البعث العربي الاشتراكي يعاني في مركز قوته الرئيسية في كل من بغداد ودمشق شروخاً بالغة ، ففي العراق كانت معاناته ناجمة عن علاقته بعبد الكريم قاسم ، ثم تعثره في الحكم بعد فشل الوحدة الثلاثية ، وإزاحته من السلطة عن طريق عبد السلام عارف .. وفي سورية كان قد أعاد لملمة صفوفه بعد أن حل نفسه أيام الجمهورية العربية المتحدة ، لكن بخسائر كبيرة ، إذ انشق عنه من جهة أولى تيار واسع بقيادة أحد أركانه أكرم الحوراني ، وانشقت عنه من جهة ثانية مقابلة تيارات أخرى واسعة باتجاه المشروع الناصري بقيادة أركان أساسية منها د . جمال الأتاسي ( مؤسس الاتحاد الاشتراكي العربي ) ، ومحمد الخير ( مؤسس حركة الوحدويين الاشتراكيين ) .
    وتفاقمت أزمة الحزب بعد انفراده بالسلطة في اثر أحداث 18 تموز / يوليو 1963 في سورية ، وفشل مشروع الوحدة الثلاثية مع مصر والعراق ، وانعكس ذلك على بنية الحزب عقب حركة 23شباط / فبراير 1966 حيث تم إبعاد من بقي من القيادة التاريخية لحزب البعث العربي الاشتراكي ، وحكم عليهم بالإعدام فانعكس ذلك كله سلباً على الحزب في البلدان العربية الأخرى وانقسم إلى أجزاء .
    3 – كررت حركة القوميين العرب تجربة حزب البعث لجهة الاقتراب من جمال عبد الناصر ، خاصة بعد الفراق بين عبد الناصر والبعث عام 1963 وتحالفت مع القوى الناصرية الأخرى في الإقليم الشمالي عام 1964 في تأسيس الاتحاد الاشتراكي العربي في سورية ، لكن سرعان ما انفرط العقد ، واتجهت قيادة الحركة باتجاه الماركسية فكرياً ، وانخرطت في أعمال المقاومة الفلسطينية ، وكونت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، وكذلك في جنوب اليمن ، كما ساهمت في ثورة ظفار ، عمان ، وانفرط عقد الحركة واقعياً ، إذ اعتبر كل فصيل من فصائلها أنه يمثل الحركة سواء في الجبهة الشعبية أو في جبهة جنوب اليمن ، بينما حافظ بعض كوادرها على المبادئ الأساسية للحركة ، واعتبر جميع أولئك مجرد منشقين أو تحريفيين .
    4 – تأثرت بعبد الناصر ، وبما كان عليه من كاريزما القائد البطل المنقذ ، تجمعات في مختلف أرجاء الوطن العربي وأخذت في بعض المواقع شكل تجمعات حزبية محلية ، وكانت في مواقع أخرى مجرد تجمعات شعبية حول رموز شعبية أعلنت الولاء لخط عبد الناصر ، إضافة إلى شخصيات قومية عربية ، ومفكرين لم تعد البنى الحزبية القائمة قادرة على استيعابهم ، فباتوا شخصيات مستقلة على هامش العمل الحزبي ، يتطلعون إلى بدائل ويدلون بدلائهم في تقديم مقترحات لتشكيلات حزبية بديلة ، فتنوعت الآراء بين من يدعو إلى بناء أحزاب منضبطة ، ومن يرفض فكرة الحزبية إلى درجة إعلان أن من تحزب خان ، وكذلك على الصعيد الفكري ، هناك من يرفض فكرة النظرية والعقائدية وهناك من يرى أن مشكلة المشكلات للعمل القومي العربي هي عم ارتكازه على منهج ونظرية ، وهو ما جعله عرضة للهزائم والانتكاسات ، أو لافتقاد الرؤى الإستراتيجية ، وهناك من رأى أن يؤخذ من الأفكار والإيديولوجيات والمناهج السائدة ما يناسبه ، وترك ما عدا ذلك … وهناك من أعلن أن المعارك دائرة ، وأنه لا وقت للتفلسف والتنظير .
    5 – أحزاب وجماعات في الوطن العربي لا تنتمي إلى التيار القومي العربي ، لكنها وجدت نفسها في حالة حصار جماهيري حتى من قبل قواعدها ، الأمر الذي اضطرها إلى التراجع عن الكثير من الأفكار المناقضة للقومية العربية ، والبحث عن مخرج من أزماتها الفكرية المتفاقمة .
    هكذا كان مشهد الواقع الموضوعي في الوطن العربي في النصف الأول من عام 1966 : قلق ، وتمرد وتحفز وحراك شعبي عارم لتحقيق أحلام كبيرة ببناء دولة عربية واحدة ، ديمقراطية اشتراكية بعد تحرير ما تبقى من الأرض العربية الرازحة تحت الاحتلال الأجنبي ، من أول المستوطنات الصهيونية في فلسطين إلى لواء اسكندرون وعربستان وجنوب اليمن ، والخليج العربي الذي كان ما يزال محتلاً ، ولم يعد أحد في الوطن العربي يجرؤ على التناقض مع تلك الأهداف ، وإنما الحوار يدور حول الوسائل والأدوات ، وأي الأهداف أولا ً ، وما هو الترتيب ، لكن ، ومع مرور الزمن على عدم تحديد الطريق إلى مجمل هذه الأهداف ، تشتت الأدوات ثم تقوقعت حول ذواتها ، ثم انتقلت إلى الصراع العنيف فيما بينها ، ثم إلى لوثة التفرد بحيث بدأ كل فصيل يبحث عن الخصوصية ، وافتراقه عن الآخر عوضاً عن البحث عن المشترك لتعزيزه ، وباتت الصراعات داخل فصائل النهوض والتحرير القومي ، وفيما بينها تغيّب الصراع الاستراتيجي مع قوى العدوان الخارجي ، وعناصر التخلف والاستبداد الداخلي ، ولم يسلم أحد في الوطن العربي ، لا فرد ، ولا جماعة ، ولا حزب من التأثر سلباً من هذا الواقع الأليم .
    وإذا كانت الساحة العربية قد تحولت إلى ساحات للصراعات الداخلية بين مكوناتها عام 1966 فأن الواقع الموضوعي في ساحة القاهرة إضافة إلى ذلك كان يتميز بأنه يحتضن أعداداً هائلة من المناضلين ، اللاجئين إليها هرباً ، أو اختياراً ، أو تقرباً … قدموا إليها من سائر أرجاء الوطن العربي من عيون المغرب على المحيط ، إلى عيون موسى على الخليج حاملين معهم هموم الأجزاء ، والكل معاً …
    لقد هيأ هذا كله فرصة سانحة لحوار يتجاوز الحدود بين الأجزاء إلى حدود الأمة … بين ضباط أحرار من مختلف اللهجات ، ومناضلين ، ومثقفين ، ومفكرين ، وحتى أمراء أحرار ، ومن كوادر حزبية متنوعة …
    في هذه الأجواء تمت صياغة تلك الوثيقة لبناء التنظيم القومي ، من خلال مرحلة إعدادية أطلق عليها فيما بعد اسم ” بيان طارق ” فكيف تمت صياغتها ، وما هو مضمونها ؟ ومن أين اكتسبت تلك التسمية ؟
    ( 5 )
    كان عصمت سيف الدولة قد أنجز ما يعتبره العامود الفقري لمشروعه الفكري والعقائدي ، وهو منهج ” جدل الإنسان ” وأعمله في دراسة الواقع العربي ، وخلص إلى وحدة الوجود القومي ، وبالتالي إلى وحدة المصير القومي ، وعاين في ضوئه المشكلات : احتلال ، تجزئة ، استغلال ، استبداد ، تخلف ، واقترح في حينه كما أسلفنا ” الطليعة العربية ” لتحقيق التحرر والتوحيد والاشتراكية ، والديمقراطية والتنمية ، وطرح على الشباب العربي تلك المنظومة العقائدية للنقاش ، واعتمادها في حال الموافقة عليها كمنهج ، ونظرية تعتمدها ” الطليعة العربية ” وهو لذلك كان في حوار دائم ومتصل حول الأسلوب المناسب لبناء التنظيم القومي ، حتى أنه قال في أحد مقالاته بعد ذلك في السبعينات من القرن المنصرم : “لو تحاور اثنان على قبري حول التنظيم القومي لتحركت عظامي تشترك في الحوار …” ، وكان المحاورون كثراً ، والآراء متنوعة ومتعددة .
    ود . عصمت سيف الدولة ليس فيلسوفاً بالمعنى الأكاديمي ، ولا مؤلفاً بالمعنى الثقافي والفكري ، وحسب ، وإنما هو قبل ذلك ، وبعده وخلاله مناضل حركي ، وبالتالي فإن ما يبدعه على الصعيد الفكري والفلسفي يضعه في سياق مشروعه النضالي ، وبما أن الواقع في تلك الأيام كان حيوياً إلى درجة كبيرة ومائجاً بالأفكار ، وبالحراك الواسع ، فإن الحوارات اتسمت بطابعها الحاد في بعض الأحيان ، وقد التقى حول تلك الفكرة مع مناضل آخر لاجئ في القاهرة من بلدة جبلة الواقعة على ساحل بر الشام ، تلك البلدة التي أرسلت إلى فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين أبنها البار الفدائي عز الدين القسام ليستشهد فيها دفاعاً عن هويتها العربية ، كان هذا الرجل هو : “محمد الخيّر” المسكون بذلك الهم أيضاً فقد ساهم في تأسيس حزب البعث ، ثم أسس بعد انفصال الأقليم الشمالي : “حركة الوحدويين الاشتراكيين في سورية” ، وعانى التجارب المرة في هذا المجال .
    انكب الرجلان على كتابة وثيقة تقدم قراءة نقدية للواقع العربي وتتلمس أسلوباً جديداً لبناء التنظيم القومي في الوطن العربي .
    في مذكرة تضمنت : ” ملاحظات للدفاع عن الجناية /37/ لعام 1972 أمن دولة عليا ” قال د . عصمت سيف الدولة عن تلك الوثيقة ” بيان طارق ” بعد اعتقاله في 15 شباط/فبراير 1972 مع مجموعة من الشباب العربي في مصر بلائحة اتهام تضمنت : ” السعي لإسقاط الأنظمة العربي وإقامة دولة الوحدة العربية ” ما يلي :
    ” بيان طارق ” هو محور الاتهام ، والدفاع كليهما ، وقد اعترفت منذ اللحظة الأولى في التحقيق أنني صاحبه .. إن كثيرين من الذين قرأوه لم يستطيعوا فهمه إلا بعد شرح طويل ..إذن فهو يقتضي دراسة دقيقة .. . لقد اشتركت مع أحد قادة الوحدويين في سورية في صياغة دراسة عن العقبات التي تقوم في سبيل إنشاء التنظيم القومي ، وكيفية تذليلها ، فلما سئلت عما جاء فيه من هيكل تنظيمي ، قلت أن هذا الجزء هو الذي أضافه الصديق السوري إلى البحث الفكري الذي يشكل موضوع الدراسة ، والذي هو من وضعي ، وذكرت أنه إضافة لأن ممارسة الفكرة التي تتضمنها الدراسة في سورية كانت تقتضي نوعاً من العمل التنظيمي .”(19)
    هنا يجب أن نتفهم نفي د . عصمت سيف الدولة للهيكلية التنظيمية في ” بيان طارق ” في سياق الدفاع القانوني عن المعتقلين معه ، فقد قال في تلك الوثيقة المشار إليها :
    ” في التحقيق لم أذكر كل الحقائق ، وذكرت بعضها منقوصاً ، فهل كنت اكذب على المحققين ؟ لا .. إن المحقق ، وأنا لم نكن باحثين عن الحقيقة ، ولكن كان هو يحاول الزج بي في مأزق الاتهام ، وكنت أصارعه من اجل إنقاذ نفسي ، وفي مثل هذا الموقف يكفي صدقاً ألا أقول كذباً ، ولو قلت بعض الحقيقة ، أو أخفيتها ، فلم أقلها ، وحتى لو قلت ما يخالف الحقيقة فأني لا أكون كاذباً .. ولن يكون مثلي في هذا إلا مثل سيدنا إبراهيم بعد أن حطم بيده أصنام قومه ، قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ؟ .. قال : بل فعله كبيرهم هذا ، فاسألوه . لم يكذب إبراهيم ، وصدق الله العظيم .”(20)
    لقد كان الهاجس الذي رافق د . عصمت سيف الدولة ، وصاحبه ، وهما يصوغان تلك الوثيقة ، يستند إلى ثلاثة اعتبارات رئيسية :
    الاعتبار الأول : هو أن الغالبية العظمى من الجماهير العربية التي تلتف حول المشروع القومي العربي النهضوي هي خارج العمل السياسي المنظم ، بفعل الأزمات التي عانتها الأحزاب القومية ، وبفعل التفافها حول جمال عبد الناصر الذي أعلن أنه لن يقيم التنظيم القومي ، وأن على الجماهير العربية أن تفعل ذلك ، وهذا رغم ثقله المعنوي الإيجابي ، إلا أن غياب العمل المنظم يُفقد تلك الجماهير فاعليتها ويضعها في موقع الانفعال غير الفاعل ، تعبّر عن مشاعرها بالفرح ، أو بالبكاء ، وحسب .
    الاعتبار الثاني : هو أن الدعوة الجديدة يجب أن لا تصطدم بقيادة عبد الناصر التاريخية باعتباره يمثل قائد معارك التحرر العربي ، ويجب الاستفادة من تجربتي حزب البعث وحركة القوميين العرب بهذا الشأن ، وعدم تكرار التجارب المرة ، وفي الوقت ذاته ضرورة وضع حد فاصل بين تلك الدعوة للتنظيم القومي وبين عمل أجهزة الدولة الإقليمية في مصر ، لأن تدّخل تلك الأجهزة وخاصة الأمنية منها والإقليمية يفسد العمل النضالي القومي مهما تكن الأهداف نبيلة ، فتلك الأجهزة تجيد بحكم تركيبتها ومهامها التعامل مع المخبرين ، وتدمّر العلاقة مع المناضلين .
    الاعتبار الثالث : هو أن قواعد الأحزاب القومية وكوادرها ، وخاصة حزب البعث وحركة القوميين العرب والأحزاب الناصرية والحركات الوطنية والمقاومة والتجمعات الجماهيرية ، هي المجال الحيوي للدعوة الجديدة ، وبالتالي يجب تفادي الصدام مع تلك القواعد بغض النظر عن الخطاء والخطايا التي ارتكبتها القيادات ، أو من تسلق عليها انقلاباً واغتصاباً ، وإنما بفتح أوسع مجال للحوار البنّاء مع تلك القواعد .
    فكيف جاء مضمون تلك الوثيقة ؟؟
    ( يتبع 3 من 5 )
    حبيب عيسى
    Email:habeb.issa@gmail.com
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هوامــــــــــش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (19) : على بساط الثلاثاء “12” – حبيب عيسى : ملاحظات للدفاع في الجناية /37/لسنة 1972 عصمت سيف الدولة : google ، 5 حزيران/يونيو 2008 ص 5
    (20) : على بساط الثلاثاء “17” – حبيب عيسى : google 28آب/أغسطس 2008 ص 10

    إعجاب

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: