فاضل الصفّار : التزاحم واولوية الدين الحيوي في ظرفه الاسلامية:

فاضلفقه المصالح والمفاسد
الشيخ فاضل الصفّار
في منهجية البحث
ويتضمن موضوع البحث وأهميته وأهم مسائله ومنهجه وخلاصته
1. موضوع البحث
يدور بحثنا عن مسألة هامة كانت ولا زالت من أهم المباحث التي تظهر أهميّتها في مجالات عديدة من حياة الناس، وهي مسألة فقه (الأهم والمهم) أو قاعدة (التزاحم بين الأهم والمهم) أو ما يعبر عنه بعضهم بـ(تزاحم الأولويات) أو فقه (المصالح والمفاسد).
والمقصود بتزاحم الأولويات هو وقوع المزاحمة الحقيقية عند الإنسان في مقام العمل بين مصلحتين أو مفسدتين أو مصلحة ومفسدة في وقت يعجز فيه عن كسب المصلحتين في الحالة الأولى أو دفع المفسدتين في الحالة الثانية أو كسب المصلحة مع دفع المفسدة في الحالة الثالثة.
وهذه المزاحمة بين المصلحة والمفسدة، تارة تقع في الشؤون الشخصية من قبيل وقوع

المريض بين مصلحة إجراء العملية الجراحية للخلاص من المرض وبين تحمّل نفقات هذه العملية الباهضة، فإلحاح الضرورتين عليه يستدعي تشخيص موقفه بين الإقدام على العملية تحصيلاً لمنافع السلامة، أو الإحجام عنها تحصيلاً لمنافع المال. هذا في الشؤون الشخصية، وأما في الشؤون العامة فالمسألة عريضة وواسعة الانتشار في حياة الناس فهي:
ألف: تارة تقع في الشؤون السياسية من قبيل المزاحمة بين مصلحة الحرية كحرية الإعلام والثقافة في البلد وبين مفسدة فضح أسرار المجتمع والدولة ودخول الثقافات المنحرفة التي قد تنشأ من هذه الحرية، وهكذا.
ب: وتارة في الشؤون الاقتصادية من قبيل المزاحمة بين مصلحة رفع نسبة استثمار النفط وبيعه في السوق العالمية لزيادة الرفاه الاقتصادي وبين تقليل الاستثمار لمصلحة الأجيال القادمة أو الحفاظ على السعر المناسب.
ج: وتارة في الشؤون الأمنية والعسكرية من قبيل تحديد المصلحة في الدخول في الحرب مع الدول المعادية أم معالجة الموقف بالمفاوضات السلمية.
د: وتارة في شؤون إدارة الدولة من قبيل تزاحم المصالح عند السلطة الحاكمة بين توسعة المدن وتعبيد الشوارع العريضة التي تعطي للمدينة جمالاً في العمران وتسهل حركة المواطنين الذي يستوجب نقل الأسواق والمنازل السكنية إلى خارج مركز المدن وبين تسهيل حياة الناس في منازلهم وأسواقهم وإبقاءها مكتظة في المركز وهكذا.
وإننا نرى أن هذا الموضوع ساري المفعول في عموم حياة البشر ولا ينحصر في مجال دون مجال مما يستدعي منا تحديد الأولويات والمعايير التي نتبعها لاتخاذ الموقف الصحيح عند وقوع المزاحمة بين المصالح والمفاسد من وجهة نظر الشارع المقدس بحيث نشخّص تكليفنا الشرعي في هذه المهمات الصعبة والخطيرة.
2. أهمية البحث
من خلال ما ذكرناه في تحديد موضوع البحث تظهر لنا بوضوح أهمية هذا البحث ومدى الحاجة إليه، لا سيّما في هذه الأزمنة التي اتسعت فيها الحياة وازدادت الروابط وتشابكت العلاقات بين الدول والأمم والشعوب، ومن هنا نقول: إن هناك حاجة ماسة لهذا البحث على صعيد الدول والشعوب، تظهر هذه الحاجة في مجالات السياسة والاقتصاد وإدارة الدول والعلاقات الدولية، وغيرها من المجالات الهامة، لاسيّما في الدول التي تريد أن تحكم بقانون الإسلام وتلتزم بضوابطه.
وقد كانت ولازالت أزمة تشخيص الموقف السليم في رسم سياسة الدولة ووضع خطتها في الشؤون الداخلية والخارجية والسياسية والاقتصادية من أكبر أزمات الدول ومشاكل الحكم، وهذه الأزمة ناشئة في الغالب من ضبابيّة الموضوع أو عدم وضوح الرؤية حوله، الأمر الذي يفرض على السلطة تحديد المعايير الصحيحة التي يمكن الرجوع إليها لمعرفة الأصح بين الصحيحين، والأكثر خطأ من بين الخطأين أو الصحيح من الخطأ؛ وذلك من أجل اتخاذ الموقف المناسب في كل مجال، كما أن هناك حاجة ماسة لهذا البحث على صعيد الأمور الشخصية لدينا جميعاً كبشر نعايش الحياة ونتشارك في فرصها ونعمها، ونقاوم أزماتها ونبتلي بمصالحها ومفاسدها، الأمر الذي يتطلب منّا دائماً معرفة الموقف الصحيح الذي يجني لنا الأرباح ويدفع عنا الخسائر، يوفر لنا السعادة ويبعدنا عن الشقاء. وتظهر الحاجة إلى معرفة هذا الموقف من الأسرة حينما يدب الخلاف بين الزوجين أو تتعارض المصالح بينهما، أو بينهما وبين أولادهما، وفي المعمل أو الدائرة حينما يقع الخلاف بين العامل ورب العمل أو يقع صاحب المعمل ذاته بين مصلحة التطوير وتوفير الإنتاج أو بين جودة الإنتاج مع قلة الوفرة.
وهكذا في مجالات العلاقات الشخصية، والسفر والحضر، والتوسعة على العيال والادخار لمستقبلهم إلى غير ذلك من المسائل التي لا غنى للإنسان عنها.
وبأختصار: سيفيدنا هذا البحث في تشخيص الموقف الشرعي عند تعارض الأزمات وتضارب المصالح والمفاسد؛ لأنه يعيّن لنا الوظيفة ويبيّن لنا ما ينبغي علينا فعله للخروج من الأزمة والخلاص من الحيرة والتردد.
ومن هنا فإن أهميته تظهر للدولة عند اتخاذ القرارات السياسية، ورسم الخطط التنموية، وبناء العلاقات مع الدول الأخرى، وللجيش في اتخاذ خيار الحرب أم خيار السلام، وخيار التسلح أم نزع السلاح، وللإعلام والثقافة لدى التعامل مع الثقافات الأخرى، وللأسر والبيوت لدى الزواج والطلاق وانجاب الأولاد وتربيتهم، وللمجالس الوطنية لدى مناقشة اللوائح والمقترحات المقدمة للتصويت، وللمرجعية الدينية لدى نقل المعلومات أو الفتوى أو تحديد الوظيفة الشرعيّة للمقلدين، وللتجار وأصحاب الأموال في المعاملات المختلفة.
فلا غنى لنا جميعاً عن هذا البحث أفراداً كنّا أو جماعات، قادة كنّا أو أتباعاً، وشعوباً كنّا أم دولاً؛ لأنه البحث الذي يوفر لنا الضمانات الكافية للمواقف الصحيحة، ويرسم خطة القرارات الناجحة المتطابقة مع موازين الشرع بلا تنافي بين المصالح الدينية والمصالح الدنيوية، أو المواقف الشخصية والمواقف الشرعية، كل ذلك في أطار تعيين الأهم وتمييزه عن المهم من المصالح، أو تعيين الأهم وتمييزه عن المهم من المفاسد، فمن خلال هذا البحث سنتعرف على الحلول العلمية والعملية التي يضعها الشارع المقدس بأيدينا لمعالجة التدافع الواقع بين المصالح والمفاسد الذي لا تخلو منه حياة البشر في بعديها الشخصي والعام.
3. أسئلة البحث
عرفنا مما تقدم الموضوع الذي سيدور عليه البحث، كما عرفنا ضرورته ودوره في حياتنا العامة والخاصة.
بقي علينا أن نعرف جوهر هذا البحث وحدوده، ولعل أوّل ما ينقدح في أذهاننا حينما نتحدث عن عنوان فقه الأولويات أو تزاحم الأهم والمهم في الميزان الشرعي السؤال التالي:
هل في الشرع فقه للأولويات أو فقه للأهم والمهم؟
ويتفرّع على هذا السؤال طائفة عديدة من الأسئلة الثانوية:
السؤال الأول: ما هو فقه الأولويات؟
السؤال الثاني: ما هي المجالات التي حكم الشرع فيها بتقديم الأهم على المهم؟
السؤال الثالث: ما هي الأولوية، ما هو الأهم وما هو المهم؟
السؤال الرابع: ما هو وجه الحاجة إلى فقه الأولويات؟
السؤال الخامس: كيف نحرز الأهم ونميّزه عن المهم؟
السؤال السادس: ما هو المعيار في تحديد الأولويات؟
السؤال السابع: كيف عالج الإسلام التزاحم بين الأهم والمهم من المصالح والمفاسد؟
السؤال الثامن: لماذا أوجب الشرع تقديم الأهم على المهم؟
السؤال التاسع: بأي ضابطة فقهية أو أصولية قدم الشرع الأهم على المهم؟
السؤال العاشر: إذا تعارض حكم الشارع بتقديم الأهم مع أحكام شرعية أخرى فما هو الحل؟
السؤال الحادي عشر: إذا حكمنا بوجوب تقديم الأهم على المهم فهل هذا الوجوب عقلي أم شرعي؟
السؤال الثاني عشر: هل القاعدة الحاكمة في باب التزاحم شرعية تعبدية أم عقلائيّة أمضاها الشارع؟
السؤال الثالث عشر: لو فرضنا أن المكلف ترك الحكم الأهم وعمل بالمهم فما هي الآثار المترتبة عليه؟
السؤال الرابع عشر: هل الحكم بتقديم الأهم على المهم قاعدة عامة تجري في مختلف مجالات الحياة أم هي قاعدة خاصة تجري في بعض الموارد دون غيرها؟
هذه وغيرها من الأسئلة سنتعرض إلى الإجابة عنها في أبواب البحث وفصوله.
4. منهجية البحث
جاءت منهجيتنا في البحث متناسقة مع المنهجية المنطقية التي توجب علينا تقسيم البحث إلى أبواب، ثم تقسيم الأبواب إلى فصول مترابطة مع بعضها ارتباطاً وثيقاً من حيث الموضوع والنتيجة، بعد أن وضعنا للبحث مقدمة تناولنا فيها التطور التاريخي للبحث أخذاً من الفقه القديم إلى الجديد، وبعد المقدمة يأتي:
الباب الأول: وهو في المفاهيم العامة للبحث وتضمن هذا الباب فصولاً ثلاثة:
الفصل الأول: في معنى التزاحم وبيان بعض أصنافه.
وقد قدمناه في البحث؛ لأن جوهر هذا البحث يتوقف على معرفة حقيقة المزاحمة بين المصالح والمفاسد، وبيان الفرق بين التزاحم والتعارض، ثم سبب التزاحم ومنشأه كأمور ضرورية ينبغي معرفتها قبل البحث في الأحكام.
الفصل الثاني: في المجالات التي تنطبق فيها قاعدة الأهم والمهم.
تناولنا فيه العديد من المسائل والتفريعات التي تقع مصداقاً لهذا البحث، وقد رسم لنا الشارع الأولويات الشرعية، فقدم الأهم على المهم منها ومن خلال هذا التقديم سنتوصل إلى سعة هذا البحث واستيعابه لمختلف جوانب الفقه والحياة.
الفصل الثالث: ذكرنا فيه الموارد الجديدة التي نشأت في الحياة المعاصرة والتي لم يقم عليها دليل خاص من الشارع سوى هذه القاعدة.
والباب الثاني: في أدلة القاعدة
وقد تعرضنا فيه إلى مدارك القاعدة وأصولها في أدلة الأحكام من خلال فصول أربعة:
الفصل الأول: في دليلها من الكتاب، وتناولنا فيه طائفة من الآيات التي يستفاد منها الأولوية الشرعية وتقديم الشارع المصلحة الأهم على غيرها.
الفصل الثاني: دليل السنّة المطهّرة، وقد تعرضنا فيه إلى طوائف من الروايات المعتبرة الدالة على تقديم الشارع للأهم على المهم، وبيان وجه الدلالة فيها.
الفصل الثالث: في دليل العقل، وقد تناولنا دلالته على القاعدة من وجوه عديدة:
منها: جهة الحسن والقبح، ومنها: جهة دفع الضرر، ومنها: جهة الاشتغال العقلي، ومنها: غير ذلك من الوجوه واللحاظات التي ستراها أثناء البحث.
الفصل الرابع: دليل الإجماع والسيرة، وتناولناه من جهة بناء العقلاء وسيرة المتشرعة وكل واحد منهما يكفي لأثبات الأمر ضمن تفاصيل ذكرناها في محلها.
وقد ظهر لنا من خلال التتبع قيام الاجماع لدى الفقهاء في مقام العمل على تقديم الأهم على المهم، الأمر الذي يعطينا ضابطة كلية في الترجيح، وهي: أينما وجدنا مصلحتين أو مفسدتين أو مصلحة ومفسدة إحداهما أكبر من الأخرى أخذنا بالأكبر أو الأهم.
والباب الثالث: في منشأ التزاحم وقد بحثناه في فصلين:
الفصل الأول: في منشأ التزاحم وشرطه في مقام العمل، وقد بحثنا فيه منشأ التزاحم في عالمي الثبوت والإثبات ثم تعرضنا الى شرطه وهو وجوب تحديد تقديم الأهم بحالات الضرورة
الفصل الثاني: في وقوع التزاحم في غير الواجبات والمحرمات
والباب الرابع: في معالجة التزاحم الواقع بين الأهم والمهم، وبحثناه في فصول ثلاثة:
الفصل الأول: في بيان صور رفع التزاحم من حيث الموضوع ومن حيث الحكم، وقد تعرضنا فيه إلى بيان خصوصية كل واحدة منها.
الفصل الثاني: في بيان الوجوه التي تصلح لتقديم الأهم من المصلحة على غيرها، وقد ذكرنا جملة من المحتملات التي تبدو في الوهلة الأولى أنها الأهم، ثم أجرينا موازنة علمية بينها واخترنا الحل الأنسب بالقواعد.
الفصل الثالث: في بيان حل آخر غير الوجوه المتقدمة، وهو حل التخيير، وقد ذكرنا الصور المحتملة لهذا الحل وتعرضنا إلى خصوصية كل واحد منها.
والباب الخامس: في آليات احراز الأهمية وقد تناولناه في فصلين:
الفصل الأول: في آلياته الحكمية
الفصل الثاني: في آلياته الموضوعية
تعرضنا بشيء من التفصيل إلى خصوصياتها والوجوه التي تستدعي الترجيح في كل واحدة منها.
والباب السادس: في معالجة التزاحم لدى انسداد الطريق أمام معرفة الأهم من المهم، وقد بحثناه في فصلين:
الفصل الأول: في المعالجة لدى الجهل بالأهمية.
الفصل الثاني: في المعالجة لدى احتمال الأهمية في أحد الأطراف.
وقد ذكرنا لكل فصل منها شواهد من الفقه عديدة، وتعرضنا إلى الحلول طبقاً للقواعد الأصولية والفقهية فيها.
والباب السابع: في موانع ترجيح الأهم على المهم وقد بحثناه في فصول ثلاثة:
الفصل الأول: في المانع الاضطراري للترجيح
الفصل الثاني: في المانع الاختياري للترجيح
الفصل الثالث: في المانع المصلحي للترجيح
والباب الثامن: في تعارض قاعدة الأهم والمهم مع الأدلة الأخرى وبحثناه في فصول:
الفصل الأول: في تعارضه مع أدلة الاضطرار،وله صور عديدة وأحكام مختلفة ذكرناها بنحو من التفصيل.
الفصل الثاني: في تعارضه مع أدلة رفع الحرج.
الفصل الثالث: في تعارضه مع أدلة رفع الضرر.
وله صور عديدة ووجوه كثيرة للحل تعرضنا لها وذكرنا الرأي الأنسب بالقواعد.
الفصل الرابع: في تعارضه مع أدلة السلطنة على النفس والأموال، وهناك احتمالات عديدة للترجيح بينهما ذكرناها بأدلتها واخترنا الأقرب منها.
الفصل الخامس: في تعارضه مع قاعدة الإسلام يجب عمّا قبله.
والباب التاسع: في التعارض بين الأهم الفردي والأهم الإجتماعي.
وهي مسألة هامة تعرضنا إليها تفصيلاً بعد مقدمات ثلاثة في فصول:
الفصل الأول: في وجوه المعارضة بين الأهم الفردي والأهم الأجتماعي.
الفصل الثاني: في تزاحم الحق الفردي والحق الإجتماعي.
الفصل الثالث: في موارد للمزاحمة الفردية والاجتماعية عالجها الشرع بتقديم الاهم منها على غيره.
بحثناه في جوانبها الحديثة والعصرية وتعرضنا إلى وجوه الترجيح ومعاييره فيها.
الباب العاشر: في تمييز قاعدة الأهم والمهم عن القواعد الترجيحية الباطلة، وأردنا بالباطلة ما استندت إلى أدلة باطلة في الترجيح لدى فقدان الدليل الخاص على المورد وقد بحثناه في فصول:
الفصل الأول: في الفرق بين قاعدة الاهم والمهم وقاعدة المصالح المرسلة؛
الفصل الثاني: في الفرق بين قاعدة الأهم والمهم والمصالح الإستحسانية؛
الفصل الثالث: في الفرق بين قاعدة الأهم والمهم وقاعدة الغاية تبرر الوسيلة.
وقد استعرضنا فيها وجوه الاستدلال بالقواعد الثلاثة، وناقشناها مناقشة علمية مستندة إلى الكتاب والسنة والعقل لمعرفة وجوه الخلل فيها.
ثم ختمنا البحث بخاتمة ذكرنا فيها أهم النتائج العلمية والعملية التي نستخلصها منه بشكل موجز.
5. خلاصة البحث
يتلخص البحث في قاعدة تعد من أهم القواعد الشرعية والعقلية بل والعقلائية التي تفرضها ضرورات الحياة اليومية في المجالات الشخصية والعامة، وهي قاعدة الأهم والمهم، وما يعبر عنه بالمصطلح الحديث بالأولويات أو الضرورات القصوى التي لا يمكن تجاوزها أو الاغفال عنها، فإن من الواضح أن الإنسان في حياته اليومية سياسياً كان أو مديراً أو رب أسرة، فقيهاً كان أو حاكماً أو تاجراً يواجه العديد من المواقف التي تتزاحم فيها المصالح والمفاسد.
وفي كثير من الأوقات لا يمكنه أن يجمع بينها بأن يرتكب الموقف الذي فيه المصلحة ويتجنب الآخر الذي فيه المفسدة؛ لذا لا بد له من الرجوع إلى قاعدة أو ضابطة تحدد له الموقف الصحيح الذي يخرجه من الحيرة والتردد، وفي نفس الوقت يضمن له أفضل المصلحتين، وهذه القاعدة هي قاعدة الأهم والمهم والتي تعيّن للإنسان الوظيفة الشرعية المتطابقة مع الموازين العقلية والعلمية في اتخاذ الخطوات السليمة باتجاه الحل.
ووظيفة هذه القاعدة هي: أنها تعطيه المعيار الصحيح لتشخيص المصلحة والمفسدة، هذا أولاً ثم توفر له القدرة على المقايسة بينهما لمعرفة الأهم منها أو الأكبر من الأخرى الأقل أهمية أو الأصغر ثانياً، ثم تلزمه بأتخاذ الموقف الصحيح باختيار الأهم من المصلحتين وان استلزم تفويت المصلحة الأقل أهمية منها ثالثاً، وهذا الإلزام الذي توجبه القاعدة ليس إلزاماً عادياً بل هو إلزام شرعي وعقلي يفرضه الدليل، وبالتالي فان وظيفة هذه القاعدة تتلخص: بتعيين الوظيفة التي يمليها الشرع والعقل عند وقوع الإنسان في التعارض بين موقف له مصلحة كبيرة وآخر له مضرة من قبيل بذل الإنسان المال فداءً لإنقاذ نفسه من القتل، أو الإقدام على السفر وتحمل أعبائه لأجل تحصيل الارباح التجارية، أو بين موقفين كلاهما له مصلحة مثل وقوع الزوجة بين موقفين متزاحمين موقف إطاعة زوجها وموقف إطاعة والدها في غير ما يتعلق بحقوق الزوجية، أو بين موقفين كلاهما فيه مضرة كما لو تعرض الطبيب إلى موقف يستوجب قتل الأم الحامل أو قتل الطفل لانقاذها، وهكذا في كل هذه المواقف يتعين عليه أن يرجح كفة المصلحة الأهم والمضرّه الأهم على غيرهما، وذلك طبق موازين وضوابط سنفصلها خلال البحث.
والظاهر أن أكثر الأُصوليّين والفقهاء لم يذكروا الأدلّة الواردة في اعتبار باب التزاحم، ولعل السرّ في ذلك يعود إلى أحد سببين:
الأول: إكتفائهم بحكم العقل في ذلك فبعد إحراز وجود الملاك في كلا الحكمين وعجز المكلّف عن الجمع بينهما تتشكّل عندهم قضية عقلية لها خمسة خيارات لا سادس لها يمكن أن يكون له محصّل؛ لأنّه بعد عدم إحراز الأهمية أو عدم وجود احتمال الأهميّة يدور أمر المكلف بين مايلي:
1. أن لا يعمل بكليهما، وهذا معصية قطعيّة للحكمين الفعليين المتعلّقين بذمّته.
2. أن يعمل بهما معاً، وهذا غير ممكن لعجزه عنهما ـ كما هو مفروض المسألة ـ.
3. أن يعمل بأحدهما المعيّن بلا جهة مرجّحة، فهو قبيح؛ لأنه بلا مرجّح، والمفروض تساويهما من جميع الجهات.
4. أن يعمل بأحدهما المردّد، وحينئذ لو أراد اختيار المردّد بوصف التردّد فهو غير معقول؛ لعدم تقرّر الأمر المردّد في الخارج، ولو أراد الاختيار الاستمراري فمرّة يأخذ بهذا ومرّة بذاك، فلدى اختيار كلّ واحد منهما يقع في محذور الترجيح بلا مرّجح.
5. الاحتمالات الأخرى باطلة كالتنصيف بينها بنحو الجمع الدلالي وذلك للخروج الموضوعي عنه؛ لأنّ بحثنا في الجمع بين الحكمين لا الدلالتين، فضلاً عن عدم إمكان التنصيف في الحكم مضافاً إلى القطع بالمعصية.
فلم يبق أمامهم إلاّ الأخذ باللابدّيّة العقلية الحاكمة بالتخيير بعد تنجّز التكليفين والعجز عنهما امتثالاً.
الثاني: لأنّ المسألة من الضرورات البديهيّة التي لا تحتاج إلى دليل لم يذكروا الأدلة عليها مع أنّ الأمر يتطلّب المزيد من الأدلّة؛ لعموميّة القاعدة وإنطباقها في مختلف أبواب الفقه، هذا وتعتبر هذه القاعدة اليوم من أهمّ المدارك للكثير من الأحكام الجديدة التي لم يعرف لها مدرك في الآيات والروايات وفتاوى الفقهاء، كالمسائل السياسيّة المستجدة والمعالجات الطبية والشؤون الاقتصاديّة والاجتماعية والأمنية والأدارية والشخصيّة والعامة؛ فمن منّا لا يتعرض إلى تزاحم المصالح ويحتاج إلى معيار يوصله إلى تشخيص الأولويات والمراتب بين المصالح ليأخذ بالصحيح، من هنا تزداد الحاجة إلى بعض الأدلّة اللفظيّة التي يمكن أن تكون مرجعاً لعموماتها وإطلاقاتها حتى تكون قاعدة عامة لا تستثني جانباً من جوانب الحياة الإنسانية؛ إذ إنّ الدليل العقلي وحده قد لا يكفي في الكثير من الموارد، مضافاً إلى إثبات أنّها قاعدة شرعيّة لا عقليّة محضة، تترتب عليها الكثير من الحقوق والآثار، على ما ستعرف تفصيله في مطاوي البحث، إن شاء الله تعالى.
وفي الختام أودّ أن أتقدم بالشكر الجزيل والثناء الجميل إلى الأستاذ الفاضل الأخ ناظم شاكر محمود زيد عزّه لمراجعته البحث.

لقراءة البحث كامل .. نرجوا الضغط على الرابط التالي
http://www.alfaqaha.net/home/art489.html
http://www.alfaqaha.net/home/media/files/FMandM.pdf

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: