غليون يعترف بعنصرية بيئته: : لا يمرون في شوارع باب الدريب دون أن يتعرضوا للأذى

ب الدريب في مواجهة قديمة مع الزهراء… الإخوة الأعداء.. عماد غليون

صحيح أن حالة غير مسبوقة من المواجهة والعداء وقعت بين السوريين بعد عسكرة الثورة وتحولها لساحة صراع واقتتال، لكن القصة تبدأ منذ سيطرة

حافظ الأسد على مقدرات البلاد بالكامل وقيامه بزرع بذور الفتنة والاختلاف بين السوريين لاستثمار ذلك في الوقت المناسب.

على شاكلة العبارة الشهيرة التي طالما سجلها السوريون في السيرة الذاتية التي يقدمونها لأجهزة الأمن، أبدأ بالقول ولدت وترعرعت في حي باب الدريب الشعبي العريق الذي يقع على أطراف حمص القديمة والذي يصنف سكانه في التقارير الأمنية باستمرار بالتعصب والتشدد ومعاداة النظام وفي أحسن الأحوال عدم تأييده بشكل علني وقوي.
عانى سكان باب الدريب، مثل غيرهم من السوريين، من تداعيات أحداث الثمانينات، وازداد تصنيفهم سوءا لدى أجهزة الأمن وكان من الصعب حصولهم على جوازات سفر وتأشيرات مغادرة أو قبولهم في الوظائف العامة، كونها أمورا تحتاج موافقة أمنية مسبقة، وكذلك عدم حصول الحي على مزايا خدمية مماثلة للأحياء الأخرى في المدينة.
بدأت تنتشر منذ السبعينات على الأراضي الزراعية والأملاك العامة المحيطة بالحي مبانٍ متواضعة غير منتظمة على شكل سكن عشوائي وينتمي قاطنوها بشكل أساسي للمناطق الريفية وبشكل خاص للريف العلوي.
وتوسع هذا الانتشار بشكل مطرد وصولا لتشكيل أحياء جديدة واسعة تشكل طوقا يحيط بحمص من الجهة الشرقية بدءا من حي الزهراء مرورا بكرم اللوز والعدوية وعكرمة والنزهة ومن ثم مساكن الشرطة والادخار.
ويتخلل ذلك بعض الجيوب المتقطعة في حي عشيرة وكرم الزيتون، وأصبح ذلك الطوق يضم أعدادا متزايدة من سكان الأرياف العلويين مقابل تواجد سني في شريط شمالي يمتد من السبيل إلى البياضة لدير بعلبة وشريط جنوبي غربي في بابا عمرو تل الشور والسلطانية وجوبر.
بدأت تظهر ملامح تطور عمراني وتحسن في مستوى المعيشة والخدمات لسكان هذا الطوق الشرقي بشكل متميز عن باقي المناطق المحيطة بحمص وحتى عن أحياء حمص نفسها وعلى الأخص باب الدريب.
ويعزو البعض ذلك لأن سكانه متعددو الموارد من حيث كونهم موظفين في الدولة بشكل عام وخاصة في أجهزة الأمن والجيش وبنفس الوقت يملكون أراضٍ زراعية في الأرياف يستثمرونها وتدر عليهم مداخيل إضافية بينما تردت الخدمات في أحياء حمص القديمة وازدادت حالات الفقر والبطالة بين سكانها بشكل واسع في ظل عدم قبولهم في وظائف عامة مع تراجع للمشاريع الاستثمارية الكبيرة في المدينة.
كان لا بد أن ينال هذا الثقل السكاني الطارئ على المدينة نصيبه في المحاصصة على المراكز والمناصب المخصصة لها سواء في المجالس المحلية أو مجلس الشعب والإدارات العامة، وتحولت تلك المحاصصة لصالحهم في النهاية بشكل غير عادل أو متوازن مع الأكثرية الحمصية الأصلية، حيث باتت مقاعد المستقلين في مجلس الشعب مقسمة بينهم وبين مشايخ القبائل في استبعاد شبه تام لحماصنة المدينة، وكذلك بات استلام بعض الإدارات حكرا عليهم بشكل لا يتناسب مع حجمهم العددي، فباتت نقابة المهندسين ونائب رئيس المكتب التنفيذي من نصيبهم بالضرورة.
وتم فرض نقيب المهندسين الأخير رغم عدم نجاحه في الانتخابات، وعلى ما يبدو كان هنالك “كوتا” غير معلنة يلتزم بها النظام وهي التي جعلته لا يقبل بتعيين معن الابراهيم كمدير لثقافة حمص باعتباره علويا وبقي مديرا بالوكالة لسنوات بسبب عدم ترشيح مدير سني من الحماصنة لهذا المنصب، وهذا الأمر يتم تطبيقه على منصب رئيس مجلس المدينة الذي يفترض أن يكون حمصيا من المدينة حصرا.
في الانتخابات المحلية الأخيرة تم تشكيل قائمة من لون طائفي واحد تقريبا وبالطبع نجحت بالكامل بسبب عدم وجود منافسة وللمشاركة شبه المعدومة لأبناء المدينة، ولكن لم يسمح النظام بتمرير فوز تلك القائمة لما تشكله من فضيحة وتم إجراء عملية ترضية بين المرشحين في النهاية.
رغم وجود مراكز وتجمعات بشرية من لون طائفي واحد في دمشق في جرمانا والدويلعة والمزة 86 وعش الورور والسومرية وسواها، إلا أن الطوق البشري المحيط بحمص كان يشكل الظاهرة الأخطر ومنذ سنوات كانت تنطلق دعوات التحذير من أخطاره سواء على أبناء الطائفة أو على أبناء حمص وبالنتيجة على تلاحم النسيج الوطني في المدينة.
وكان يتم التساؤل من يقف وراء هذا الطوق وهل تم التخطيط المسبق لإيجاده أم أن وجوده كان بسبب ظروف أخرى جغرافية واقتصادية.
قبل اندلاع الثورة بدأت تنشب حالة من التصادم المباشر عبر تظاهرات قام بها الفقراء في مناطق محيطة بالزهراء والمهاجرين بسبب امتناع محافظ حمص عن تقديم خدمات أساسية من مياه وكهرباء لمساكنهم العشوائية وتهديده بالقيام بهدمها والعمل على تنظيمها من جديد، وكان من الممكن أن تكون تلك الاحتجاجات بدابة لثورة شعبية طبقية وبالفعل فقد شارك هؤلاء في بداية الاحتجاجات والتظاهرات في حمص حيث كان مطلب الجميع الحرية والعدالة وإقالة المحافظ.
منذ الصغر كنت أشهد نشوب معارك بالحجارة بين أطفال باب الدريب والمناطق العلوية المواجهة لها، وكانت الشرطة تقف باستمرار إلى جانبهم وكانوا لا يمرون في شوارع باب الدريب دون أن يتعرضوا للأذى فهل كانت تلك المعارك هي الصور والبروفة الأولى عما يجري هذه الأيام؟
الذي وضع باب الدريب والزهراء في مواجهة مفتوحة وعداء مزمن لسنوات طويلة هو نفسه الذي حول السوريين من إخوة في الوطن إلى أعداء.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: