مؤتمر تأسيس منظمة وحدة الأديان الأول‏ د.طه جابر العلواني

مؤتمر تأسيس منظمة وحدة الأديان الأول‏

مؤتمر تأسيس منظمة وحدة الأديان الأول‏

د.طه جابر العلواني

 في الحلقة السابقة حاولت أنْ أُشير إلى ما يجري في عالم اليوم‏،‏ ونظرة المعاصرين إلى الدين‏،‏ ومحاولات قيادة العولمة لتوظيفه لتكريس سياساتها في العالم‏،‏ كما نبَّهت إلى الضغوط -الموروثة من تراثنا التاريخي- التي يتعرَّض لها المتخرِّجون في كليَّاتنا ومعاهدنا المعنيَّة -فيما يُعرف بالدراسات الشرعية- في مواقف الحوار مع قيادات الأديان الأخرى، سماويَّة كانت أو وضعيَّة.‏

ولعلَّني أستطيع معالجة هذا الجانب في هذه الحلقة -بإذن الله تعالى- بإيجاز شديد‏:‏ تراثنا الإسلامي وعلومنا النقليَّة -التي لانزال ندرسها في كلياتنا ومعاهدنا المتخصصة بالتعليم الديني- تراث تكوَّن والمسلمون يمثِّلون القوة الأولى في العالم‏،‏ أو القوة العظمى كما في تعابير العصر‏،‏ ومهما تكن القيم الإسلامية السائدة في المجتمع محكمة ومتينة غير أنّ الإحساس بالقوة يجعل المفكرين والمنظِّرين -ومنهم الفقهاء- يشعرون بشيءٍ من الاستعلاء قد يجعل حضور الآخرين أو المخالفين في أذهانهم -عند التنظير- محدودًا‏.‏

فقد تصدر عنهم آراء أو مقولات فقهيَّة تستهدف إيجاد حاجز نفسيٍّ أو حسيٍّ -بين المسلمين وخصومهم- لحماية الجبهة الإسلامية الداخليَّة‏،‏ فإذا أضيف إلى ذلك حالات الحرب فقد تصبح تلك المقولات الفقهيَّة هي الرائجة والسائدة في تحديد العلاقات مع أهل دار الدعوة التي يُطلق عليها بعض الفقهاء دار الحرب‏.‏

والقضايا الفقهيَّة أو القانونيَّة -بعد أن تستقر ويمرُّ على استقرارها وقت طويل- تصبح جزءًا من ثقافة الناس، سواء تذكَّروا أصول تلك الثقافة الفقهيَّة أو القانونيَّة أو لم يتذكَّروها‏، وكما أشرت فإنَّ تخرُّجي في الأزهر -وهو أكثر مراكز التعليم الإسلامي في العالم اعتدالاً وانفتاحًا- قد يجعل أصول الفقه والفقه وبقية علوم التراث جزءًا من تكويني العقليِّ‏ والنفسيِّ،‏ فحين أجد نفسي بين ذلك العدد الكبير من القيادات الدينيَّة فإنَّ المؤثرات التي تقدمها ثقافتي ودراساتي الإسلاميَّة لا بد أن تُستدعى‏‏ وأن تكون حاضرة،‏ خاصة أنَّ القوم قد جاءوا باقتراح -لم أسمع مثله من قبل، ولم تهيِّئني دراساتي الإسلامية له- وهو وحدة الأديان، ثم إنَّ قيادة المؤتمر جاءت باقتراح لم أتوقعه أبدًا‏،‏ وهو أنَّ كلَّ واحد من ممثِّلي الأديان المشاركة عليه أن يؤدي صلاة أهل ملَّته‏،‏ وعلى الآخرين أن يشاركوه في صلاته‏،‏ ومَنْ لم يستطع المشاركة وتقليده فيما يفعل فعليه أن يقف بكل احترام وأدب، ليبدو وكأنَّه مشارك في الصلاة‏.‏

وقد كان هناك ممثِّلون لأربعين دينًا، صلَّي كل منهم وفقًا لشعائره، ولم يتابع الجميع كل الصلوات‏؛ إذ كان يكفي إظهار الاحترام للصلوات للأديان المختلفة ولم تكن هناك ضرورة للمشاركة فيها‏.‏ المهم جاء بعد ذلك دوري‏،‏ وهذا يعني أنَّ عليَّ أن أشرح للمشاركين ركن الصلاة في الإسلام ثم أصلّي بهم الوقت القائم، وكان الوقت بعد العصر بقليل‏!!‏ وهنا أسعفتني ثقافتي الأزهرية‏،‏ فبعد أن بيَّنت مكانة الصلاة في الإسلام وفوائدها وشروطها وأركانها بشكل حاز إعجاب الجميع -فيما يبدو- ذكرت لهم أنني قد جمعت صلاة العصر مع الظهر لأنَّني مسافر، وتُكره عندنا الصلاة المندوبة بعد العصر إلى غروب الشمس‏،‏ فإذا غربت يحين وقت المغرب‏،‏ ومازال الوقت مبكرًا‏، فما رأيكم أن نقوم –معًا- في وقت صلاة الفجر وسوف أؤذن وأقيم الصلاة ثم أصلِّي أمامكم الفجر‏،‏ وهي ركعتان فقط‏،‏ ولكلِّ راغب في المتابعة أن يتابعني إذا وجد في نفسه الرغبة والقدرة‏؛ ولمّا وجدوا أنَّ ذلك سوف يكلِّفهم النهوض قبل موعد الإفطار بساعتين، همهم بعضهم بأنه سبق له أن دخل مسجدًا في بلاد المسلمين التي سافر إليها‏،‏ ومَنْ لم يفعل قال‏:‏ إنَّه سوف يزور المسجد أو المركز الإسلامي المجاور في مدينته بدلاً من الاستيقاظ في الفجر‏، وبعضهم قال‏:‏ إنَّ صلاتكم تبدو أكثر نفعًا لأعضاء الجسم من اليوجا‏،‏ قلت‏:‏ ما دام الأمر كذلك فاسمحوا لي أن أقرأ عليكم بعض آيات القرآن المجيد وأشرح لكم معانيها ونكتفي بذلك‏،‏ كما أنّني سأصلي المغرب والعشاء بعد دخول وقت المغرب، فمَنْ شاء فليتفضل بملاحظتي عند الصلاة.

تُرى لو لم أكن قد تخرَّجت في الأزهر‏،‏ وأمضيت شطرًا من عمري بين المصريّين الطيّبين، لربما أخذت زوجتي وتوجَّهت إلى المطار عائدًا إلى منـزلي منذ الساعة الأولى، لكن المرونة الأزهرية، والروح المصريَّة المعتدلة‏،‏ والنفس الصوفيُّ السنيُّ -الخالي من الابتداع- جعلني ذلك كله أتمثَّل قول الجيلي رحمه الله‏:‏ “مَنْ نظر إلى الناس بعين الشريعة مقتهم‏،‏ ومَنْ نظر إلى الناس بعين الحقيقة عذرهم‏”،‏ وقد أعانني ذلك على تجاوز مأزق حرج، فلو كنت تخرَّجت في جامعة أخرى -مثل جامعات ما بعد استخراج ما كان في باطن الأرض‏-‏ لما ذهبت أصلاً‏،‏ وإذا ذهبت فربما اعتزلتهم غاضبًا منذ الساعة الأولى‏،‏ وهنا لن أسيء لنفسي فحسب‏،‏ بل أسيء للإسلام‏،‏ وأظهره بأنَّه دين يرفض الأديان الأخرى‏،‏ ولا يقبل بمبدأ التعدُّدية الدينيَّة، وأنَّه دين قوم ذوي نسق دينيٍّ مغلق‏،‏ فإما أن تعتنق دينهم أو يرفضوك‏.‏

ولم يكن الأمر لدى المسلمين كذلك، لا في ماض ولا حاضر،‏ ففي العصر العباسي كان القاضي الباقلاني‏(‏ت‏453)‏ أهم العلماء الذين كانوا يُحاورون أهل الكتاب، وكان خلفاء بني العباس كثيرًا ما ينتدبونه لمثل تلك الحوارات‏،‏ وأحيانًا يتلقّون دعوات من ملوك أوروبيين للدخول في حوار ديني، فيبعثون إليهم بالقاضي الباقلاني‏، أرسله أحد خلفاء بني العباس مرّة إلى ملك فرنسي ليُناقش مَنْ لديه من رجال دين‏،‏ فأرادوا أنْ يختبروا صلابته‏،‏ ويعجموا عوده‏،‏ فاقترحوا على الملك أن يجلس في صدر قاعة تعمَّدوا أنْ يجعلوا بابها منخفضًا بحيث لا يستطيع الداخل لمقابلة الملك إلا أن ينحني راكعًا‏،‏ وأرادوا بذلك أن يحملوا القاضي على الركوع والانحناء للملك‏،‏ ففطن القاضي للأمر فدخل بظهره لا بوجهه، فكان انحناؤه إلى الخارج‏ لا إلى الملك‏،‏ وقبل أنْ يستقرَّ به المجلس فاجأه كبير الأساقفة بقوله‏:‏ أيها القاضي، ما شأن زوجة نبيِّكم وبنت خليفتكم الأول التي رُميت بالزنا؟‏!‏ فأجاب القاضي على البديهة‏:‏ ذكر القرآن الكريم وكتب أخرى، امرأتين طاهرتين رُميتا بالزنا‏:‏ إحداهما جاءت قومها بولد تحمله‏،‏ والثانية لم تحمل ولم تضع‏، وكلتاهما طاهرتان، وكلٌّ منهما قد برَّأه الله تعالى،‏ وهنا أطرق الجميع‏،‏ وأدركوا أنهم أمام رجل لا يمكن أن يهزموه‏،‏ وأخذ الحوار منحى آخر‏!!‏ وقد ورث ابن حزم قدرات الباقلاني، بل تجاوزه.

 أولئك آبائي فجئني بمثلهم       إذا جمعتنا يا جرير المجامع

 فكيف نتعلَّم أصول الحوار وآدابه دون استعلاء أو تنازل؟‏!‏ لذلك حديث آخر‏.

 

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: