الجوهر وما أدراك مالجوهر؟

المقـــولات العشـــــر(1) Categories

إن كلمة “مقولة”: Category ، اشتقت من مصدر “القول ” وهي ترجمة للكلمة اليونانية “كاتيجوريا ” Catigorie ، ومعناها ” العلاقة “، ويقرب من هذا أيضا لفظ “كلى”.
وقد دخلت هذه الكلمة بلفظها تقريبا، فى جميع اللغات، حتى لدى مفكرى الإسلام التى جاءت عندهم بلفظ “قاطيغورياس ” غير أن هؤلاء أيضا سموها “مقولة”.
وكان أرسطو (384- 322 ق. م) هو الذى درس أهم مظاهر المعرفة فى عصره، فوجدها تقوم على عشرة أسس، ينبنى عليها الفكر المستقيم في اتجاهه نحو التعميم. وقد جمعها أرسطو وشرحها وسماها “المقولات “.
وقد تناولها المفكرون من بعده بالعرض

والشرح دون أن يملوا منها. كما جعلها مفكرو الإسلام أصلا هاما من أصول المنطق الصورى، ولاسيما ما تعلق منها بالجوهر والعرض، لصلتهما الوثيقة بمباحث التوحيد.(2)
واصطلاحا المقولة: هى معنى كلى، يمكن أن تكون محمولا فى قضية ما.
وعليه فالمقولات محمولات، كما حددها أرسطو من قبل، وهى عشر، جمعها بعضهم فى بيت واحد هو:
قمر غزير الحسن ألطف مصره لو قام يكشف غمتى لما انثنى(3)
1- القمر: للجوهر.
2- الغزير: للكم.
3- الحسن: للكيف.
4- ألطف: للإضافة.
5- مصره: للأين.
6- قام: للوضع.
7- يكشف: للفعل.
8- غمتى: للملك.
9- لما: للمتى.
10- انثنى: للانفعال.

وهذه المحمولات موجودة فى الكون(4). ويلاحظ أن المقولات هى أنواع الصفات أو المحمولات التى نستطيع أن نصف بها فردا معينا كائنا ما كان. فإذا سألت عن أى شيء: ما هو؟ كان حتما أن يقع الجواب تحت واحد منها(5).
ومنها أربع مقولات تقع فيها الحركات وهى: الكم مثل النمو، والكيف مثل السرعة، والوضع مثل حركة الفلك علي نفسه دون انتقال، والأين مثل النقلة(6).
وإليك التعريف بكل منها باختصار:
أولا. الجوهر : substance .
هو كل ما له صفه الاستقلال بذاته مثل العناصر(7) كالماء والهواء والنار. وهذا الجوهر هو الأصل، وما عداه من المقولات التسع أعراض له(8). يقول ابن سينا:
وكل نعت فهو إما جوهر قوامه بنفسه مقرر(9)
والجوهر أيضا موجود لا فى موضوع، ويقابله العرض: accident ، بمعنى الموجود فى موضوع، أى فى محل مقوم لما حل فيه(10).
والجوهر لدى المتكلمين: هو الجوهر الفرد المتميز الذى لا ينقسم، أما المنقسم فيسمونه جسما لا جوهرا. ولهذا السبب يمتنعون عن إطلاق اسم الجوهر على المبدأ الأول (11).
ومن أهم أحكام الجوهر:
1- أنه قابل للعرض.
2- أنه متحيز، أى تأخذ ذاته قدرا من الفراغ.
3- أنه قابل للبقاء زمانين.
4- أن الجواهر لا تتداخل، أى لا يدخل جسم فى آخر.
5- أن الجواهر تحدث بجملتها عن عدم سابق.
6- أنها تنعدم كذلك، خلافا للطبائعيين، كما يصح انعدام بعضها، خلافا لبعض المعتزلة فى أن الجوهر لا ينعدم إلا جملة.
7- وأنها لا تثبت فى العدم ؛ لأن المعدوم ليس شيئا، خلافا لبعض المعتزلة(12).
ثانيا . الكم : Quantity
هو العرض الذى يقبل لذاته: المساواة والتفاوت والتجزؤ(13). ويخرج بذلك: النقطة الواحدة، أى الشيء الواحد الذى لا تعدد فيه.
فهذه المقولة تخضع للقسمة، وللقياس فيما له حجم ومقدار كقولنا: هذه خمسة كتب. وينقسم الكم إلى:
1- متصل: وهو الذى يكون بين أجزائه حد مشترك، كالحال في الزمن بين الماضى والمستقبل.
2- منفصل: وهو الذى لا يكون بين أجزائه حد مشترك كالعدد، مثل الأربعة إذا قسمت بين اثنين واثنين(14).
وهناك ما يسمى”كمية القضية”: والمقصود بها استغراق الموضوع فى المحمول، وينتج عن ذلك :
(أ) القضية الكلية: وهى التى يقع الحكم فيها على جميع أفراد الموضوع، مثل: كل إنسان فان.
(ب) القضية الجزئية: وهى التى يقع الحكم فيها على بعض أفراد الموضوع مثل: بعض الإنسان كريم.
(ج) القضية المخصوصة: وهى التى يكون الموضوع فيها واحدا بالعدد، مثل: عمر عادل(15).
ثالثا. الكيف: Quality
هو هيئة قارة فى الشيء(16)، وهو أيضا عرض لا يتوقف تعقله على تعقل الغير(17)، ولا يقتضى القسمة في محله اقتضاء أوليا(18).
وللكيف أنواع:
1- كيف الكم : كالزوجية والفردية، والاستقامة والانحناء، والطول والعرض.
2- كيف المحسوس: (أ) إما راسخ كحلاوة العسل وحرارة النار.
(ب) أو غير راسخ:
1- سريع الزوال، يسمى انفعاليا كخمرة الخجل، وصفرة الوجل.
2- بطء الزوال، كملوحة بعض الماء.
3- كيف الملكة: وهو نوعان الأول ما يوجب الكمال وهو الناتج عن الاقتدار بلا كلفة، مثل ملكة العلم والكتابة.
والآخر ما لا يوجب الكمال: كاللين المعد أو الموجب للانقسام بسهولة(19).
رابعا. الإضافة: Relation
لغة: نسبه الشيء إلى الشيء مطلقا.
واصطلاحا: هى حال تعرض للجوهر، بسبب كون غيره فى مقابلته(20) ، ولا يعقل وجودها إلا بالقياس إلى ذلك الغير، كالأبوة
بين الأب وابنه (21).
وتسمى مقولة الإضافة ” بالنسبة المتكررة “، أى النسبة التى حصل بها التكرر، ولا تعقل إلا بالقياس إليها.
وقد تكون الإضافة بين:
1- متفقين: كالأخوة، وهى لا تعقل إلا بنسبة أخرى، وهى الأخوة.
2- أو بين مختلفين: كالأبوة، وهى لا تعقل إلا بأخرى وهى البنوة. وكالعمومة، لا تعقل إلا بنسبة أخرى، وهى ولدية الأخ. وكالزيادة، لا تعقل إلا بنسبة أخرى، وهى النقص فكل إضافة نسبة، ولا عكس. ويلاحظ أن النسبة مطلقا: أمر اعتبارى، ليس عرضا موجودا. كذلك فإن الكليات هى من مقولة الإضافة فالجيش مثلا، كالحيوان، نسبة لا تعقل إلا بأخرى، وهو النوع كالإنسان.
وقد تعرض الإضافة للمقولات كلها: كالأبوّة والبنوة، للجوهر. وكالصغر والكبر للكم. وكالعلو والسفل للأين. والأقدمية والأحدثية، للمتى. وكالأسدية: انحناء وانتصابا، للوضع- أسد الشىء : أغلق خلله).
وكالأكسوية وا لأعروية، للملك.
وكالأقطعية، للفعل (أى تأثير الشىء فى غيره). وكالأشدية تقطعا، للانفعال (أى كون الشىء متأثرا عن غيره مادام متأثرا) (22)
خامسا: الأين: place
هو هيئة تعرض للجسم بسبب نسبته إلى المكان وكونه فيه(23). وهو سؤال عن مكان (24). ويسمى “أينا”؛ لوقوعه جوابا لأين؟ كما يسمى “الكون ” أيضا (25).
والأين نوعان:
1- أين أول: مثل كون الماء فى الكوب وهو حقيقى.
2- أين ثان: مثل كون محمد فى البيت وهو غير حقيقى(26).
سادسا 0 المتى: Time
هو نسبة الشىء إلى الزمان المحدد: الماضى والحاضر والمستقبل، مثل: أمس والآن وغدا. (27)
وسمى بذلك؛ لوقوعه جوابا ل “متى”؟.
ولفظة “متى” تصلح لمطلق الزمان، بخلاف “أيان ” فإنها خاصة بالاستقبال.
وينقسم إلى:
1- متى حقيقى: وهوكون الشىء فى زمان يطابقه، ولا يزيد عليه، كالخسوف فى ساعة كذا.
2- متى مجازى: كالخسوف يوم كذا. وهما فى الأين أيضا(28).
سابعا- الوضع: position
هو هيئه تعرض للجسم، بسبب نسبة أجزائه بعضها إلى بعض، مثل: القيام، والقعود، وغير ذلك. (29) مثل وصف شخص ما بأنه جالس أو قائم.
ويلاحظ هنا حدوث نسبتين:
الأولى: نسبه أجزاء الجسم بعضها إلى بعض، والأخرى: نسبه أجزاء الجسم إلى أمر خارجى عنها.
فالقيام هيئه اعتبر فيها نسبة أجزاء الجسم بعضها إلى بعض بالطبع. كما اعتبر فيها نسبة مجموع تلك الأجزاء إلى أمور خارجية عنها. ككون رأس الإنسان من فوق ورجليه من أسفل(30).
ثامنا- الملك: Habitus
وهو هيئة حاصلة للشىء بالنسبة لما يحيط به، وينتقل بانتقاله. وذلك كالتعمم والتقمص والتختم والتسلح. والمراد لبس العمامة والقميص والخاتم والسلاح(31). والملك يقابله الحرمان(32).
ولمقولة الملك شرطان
الأول: الإحاطة، إما بالطبع، كجلد الإنسان وإما بغيره: إما بكل شىء، كحال الهرة عند إرهابها، وهو ذاتى. أو ببعض الشيء كحال الإنسان عند تختمه، وحال الفرس عند إلجامها وإسراجها، وهو عرضى.
والثانى: أن ينتقل بانتقاله، كالأمثلة السابقة.
أما إن وجد أحدهما دون الآخر، فلا يكون ملّكا، فوضع القميص على رأسه، وإن كان ينتقل، لا يكون ملكا ؛ لعدم الإحاطة.
والحلّول فى الخيمة، وإن كان مشتملا علّى الإحاطة، لا يكون كذلك ؛ لعدم الانتقال(33).
تاسعا- الفعل:Activity
هو كون الشىء بحيث يؤثر فى غيره تأثيرا غير قار الذات، مثل التسخين والقطع. (34)
فالتسخين فعل، لكونه تأثيرا من المسخن، مادام مؤثرا(35).
عاشرا- الانفعال: Passivity
هو قبول أثر المؤثر مادام مؤثرا، مثل التسخين والانقطاع(36).
فتأثر الشمع ولينه، انفعال، مادام هو يتأثر للطابع ويلين(37).
وهناك ما يسمى سلسلة المحمولات وهى تابعة للمقولات العشر، وهى الكليات الخمس، التى رتبها المناطقة كما يلى:
1- الجنس: Genus
وهو ما صدق على كثيرين مختلفين بالحقائق، فى جواب: ما هو؟ مثل الحيوان فى: الإنسان حيوان. (38)
2- النوع: Species
وهو ما صدق على كثيرين متفقين بالحقائق. كلفظ إنسان فى: محمد إنسان(39).
وكل واحد من الجنس والنوع إنما يكون مفهوما بالقياس إلى صاحبه(40).
3- الفصل: Difference
هو جزء الماهية، الصادق عليها مثل: الناطق، باعتبار ماهية الإنسان(41).
4- الخاصة:Property
هى الكلى المقول على أفراد حقيقة واحدة، مثل: الضاحك للإنسان(42).
5- العرض العام: Accident
هو الكلّى الخارج عن الماهية، الصادق عليها وعلى غيرها، مثل المتحرك للإنسان(43).
هذا، ومن الجدير بالذكر، أن المقولات العشر وما يتبعها من الكليات الخمس، قد أدت خدمات كبيرة جدا فى تطوير الفكر، خلال عشرين قرنا على الأقل. ومازالت أهميتها ماثله فى المنطق الصورى وفى البحث العلمى، من ناحية التجريد أو التعميم العلمى(44).
ومع هذا لا يجب النظر إلى مقولات أرسطو على أنها شىء مثالى، مثل كل منطقه الصورى(45). بل لابد من عمل حساب طبيعتها الأدائية عبر العصور(46). كما يجب النظر فيها بالإضافة والحذف والتطوير، حتى لا تكون عائقا أمام التقدم والرقى.
أ. د/ عبد اللطيف محمد العبد
المراجع
1- المقولات العشر. محمد الحسنى البليدى من مقدمة د. ممدوح حقى صححه وقدم له: د. ممدوح حقى ط 1974م دار النجاح- بيروت. ص 12.
2- المقولات ص 9، 10.
3- التعريفات للجرجانى. على بن محمد ص 202 ط 1357 هـ- 1938 م، البابى الحلبى بالقاهرة.
4- المقولات ص 23 0 انظر د. محمد عزيز نظمى سالم: المنطق الحديث 1983 م وفلسفة العلوم والمناهج ص 99- 100 مؤسسة شباب الجامعة بالإسكندرية.
5- د. زكى نجيب محمود: المنطق الوضعى ص 125 ط 1973 م مكتبة الأنجلو المصرية بالقاهرة.
6- التعريفات ص 201- 202.
7- التعريفات ص 71.
8- د. عبد اللطيف محمد العبد: التفكير المنطقى ص 43. ط 3، 1417 هـ- 1997 م دار الثقافة العربية بالقاهرة.
9- ابن سينا: القصيدة المزدوجة فى المنطق ص 6 (ضمن منطق المشرقيين) ط 1328 هـ- 1910 م المكتبة السلفية بالقاهرة.
10- د. جميل صليبا: المعجم الفلسفى 424:1، ط 1، 1917 م دار الكتاب اللبنانى- بيروت.
11- المعجم الفلسفى 1: 427.
12- المقولات ص 25- 26.
13- التفكير المنطقى ص 43.
14- التعريفات ص 164.
15- المعجم الفلسفى 2: 241 ط1 ، 1973 م.
16- التعريفات ص 166.
17- المقولات ص 41.
18- المعجم الفلسفى 2: 251.
19- المقولات ص 42- 43.
20- التعريفات ص 23.
21- التفكير المنطقي ص 43.
22- المقولات ص 44- 45.
23- التعريفات ص 35.
24- المعجم الفلسفى 1: 187.
25- المقولات ص 46.
26- التفكير المنطقى ص 43.
27- التعريفات ص 175.
28- المقولات ص 47.
29- التعريفات ص 22.
30- المقولات ص 48.
31- التعريفات ص 204.
32- المعجم الفلسفى 2: 9 1 4.
33- المقولات ص 50.
34- التفكير المنطقى ص 44.
35- المقولات ص 51.
36- التفكير المنطقى ص 44.
37- المقولات ص 52.
38- التعريفات ص 69.
39- التعريفات ص 221.
40- ابن سينا: منطق المشرقيين ص 17 ط 1328 هـ، 0 191 م المكتبة السلفية بالقاهرة.
41- التعريفات ص 146.
42- التعريفات ص 84.
43- التعريفات ص 129 وانظر التفكير المنطقى ص 46.
44- المقولات- مقدمة د. حقى ص 11- 12.
5 4- د. محمود قاسم: المنطق الحديث ومناهج البحث ص 27 ط 6، 0 197 م دار المعارف بمصر.
46- جون ديوى: المنطق نظرية البحث ص 42 4، ترجمة د. زكى نجيب محمود ط 2، 1969 م دار المعارف بمصر.

 

Advertisements

رد واحد

  1. عنوان: شرح منظومة المقولات العشر
    بقـلم: خادم الشريعة (الشيخ صالح بن محمد الأسمري)

    بطاقة الكتاب
    الكتاب
    شرح منظومة المقولات العشر
    (المنظومة: أبيات لأحمد السجاعي (ت/1197 هـ)
    المؤلف
    الشيخ صالح بن محمد الأسمري
    الفهرس

    مقدمة
    أولا:الجوهر
    ثانيا: العرض
    المقولات العَرَضية تسعة: الكَمّ , والكَيْف , و الإِضَافة ، و المكان ، والزمان ، و الوَضْع ، و المِلْك ، والفعل ، و الانفعال .

    الخاتمة

    الأبيات:
    إنَّ المَقُولاَتِ لَدَيْهِمْ تُحْصَرُ = في الْعَشْرِ وَهْيَ عَرَضٌ وَجَوْهَرُ
    فَأَوَّلٌ لَهُ وُجُودٌ قامَا = بِالْغَيْرِ وَالثَّانِي بنفس دَامَا
    مَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ بالذَّاتِ فَكَمّْ = وَالْكَيْفُ غَيْرُ قابِلٍ بِهَا أرْتَسَمْ
    أيْنٌ حُصُولُ الْجِسْمِ في المَكانِ = مَتَى حُصُولٌ خُصَّ بِالأزْمَانِ
    وَنِسْبَةٌ تَكَرَّرَتْ إضَافَةْ = نَحْوُ أبُوَّةٍ إخا لَطَافَهْ
    وَضْعٌ عُرُوضُ هَيْئَةٍ بِنِسْبَةِ = لِجُزْئِهِ وَخَارِجٍ فَأَثْبِتِ
    وَهَيْئَةٌ بِمَا أحَاطَ وَانْتَقَلْ = مِلْكٌ كَثَوْبٍ أو إهَابٍ اشْتَمَلْ
    أنْ يَفْعَل التَّأْثِيرُ أنْ يَنْفَعِلاَ = تَأثُّرٌ مَا دَامَ كُلٌّ كَمَلاَ
    نموذج:
    1 ـ إِنَّ المَقْولاتِ لَدَيْهِمْ تُحْصَرُ فِيْ الْعَشْرِ وَهْيَ عَرَضٌ وَجَوْهَرُ
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) المقولات جمع مقولة، وأصل المقولة وصفٌ من القَوْل بمعنى الحَمْل – أي الحقيقة المحمولة على غيرها سواء أكانت جنسية أو نوعية كلية أو جزئية – .
    و ( المقولة ) اصطلاحاً : اسم للجنس العالي للموجود الممكن . فـ ( الجنس ) يُخرج النوع والجزء و ( العالي ) يُخرج الجنس السافر والمتوسط والجنس الفرد – وهو ما ليس فوقه جنس وتحته أنواع كالعقل و ( للموجود ) يُخرج الجنس الفَرَضي المعدوم . و ( الممكن ) يُخرج الموجود الواجب .
    (2) لديهم: الميم للجمع ، والضمير يعود على الحكماء .
    * تنبيه: الاصطلاح وقع من الحكماء على التسمية بالإفراد ـ أي: المقولة ـ لا بالجمع ـ أي المقولات ـ إلا أن الجمع تابع للمفرد.
    (3) تُحْصَرُ: من الحَصر، وهو جمع أفراد الكلي بحيث لا يخرج عنها شيء.
    (4) الحَصْر في العشر هو المشهور . وطريق حصر المقولات – أي الأجناس العالية – في العشر بواسطة انحصارها في الجوهر والعرض فإذا تَمََّ تََمَّ وإلا فلا.
    عليه فثمَّة شيئان :
    – الأول : حصر المقولات في الجوهر والعرض وذلك أن الموجود الممكن الذي هو أجناس عالية له إما أن يوجد في موضوع أوْلا ، فالأول العرض والثاني الجوهر.
    – الثاني : حَصْر المقولات العَرَضية في التسعة – وهي الكَمّ , والكَيْف , و الإِضَافة ، و المكان ، والزمان ، و الوَضْع ، و المِلْك ، والفعل ، و الانفعال – .
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    وهي دعوى تشتمل على مقدمتين :
    ـ أحدهما : أن هذه التسعة أجناس عالية .
    ـ والثاني : أنه ليس للأعراض جنس عالٍ سوى التسعة .
    ثم إن حصر المقولات دليلة الاستقراء ، واختُلِفَ هل هو تام أم ناقص ؟ ومعلوم أن ( الناقص ) يُنْقَضُ بالوقوع ـ أي تحقُّقه ـ بخلاف ( التام ) فإنه يُنْقَضُ بالجواز والوقوع لأنه عقلي وذاك وقوعي . فمن قال إنه ناقص أراد قيام الجواز العقلي . فتنبه !.
    فائدة: الاستقراء هو ما يُتَتَبَّع فيه أحكام الجزئيات ليُتوصل بها إلى الحكم الكلي .
    (5) وَهْي : بتسكين الهاء حتى لا يَنْكَسر الوزن .
    (6) عَرَض: بفتحتين . وجَوْهَرُ : بفتح الجيم وتسكين الواو وفتح الهاء فراءٌ مُهْمَلةٌ غَيْرُ منوَّنةٍ حتى يتطابق السَّجع مع قوله ( تُحْصَرُ ).
    والمعنى من ( الجوهر ) ذات الشيء وحقيقته، فيكون ذاتياً ، بخلاف ( العرض ) فإنه معناه ما يَعْرِض للمَوْضُع ـ أي : المُسْنَد إليه ـ ، ومعلوم أن عروض الشيء للشيء إنما يكون بعد تَحَقُّق حقيقته ، فلا يكون ذاتياً لما تحته من الأفراد .
    * تنبيه:
    قال الشِّهَاب الخفاجي : ” استعمال ( الجوهر ) المقابل ( العرض ) مُوَلَّدٌ وليس في كلام العرب بهذاالمعنى. وأما الجوهر المعروف ـ أي : اللؤلؤ ـ فَمُعَرَّبٌ ، وقيل عربي ” أ.هـ .
    قال الناظم
    2 ـ فَأَوَّلٌ لَهُ وُجُوْدٌ قَامَا بِالغَيْرِ، وَالْثَّانيْ بِنَفْسٍ دَامَا
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) أولٌ بالتنوين ـ حتى لا ينكسر الوزن ـ ( هو ) العَرَض، لقوله : ” وهْيَ عَرَضٌ وَجَوْهَرُ “.
    (2) اللام للاختصاص، وهي مضافٌ والضمير المتَّصل مضاف إليه مبني على الضم في محل جَرٍّ.
    (3) وجودٌ ـ بضمة مع التنوين ـ حال من الضمير المجرور، أو خَبَرٌ أَوَّلُ . والوجود هو تحقق الشيء في الذهن أو في خارج الذهن .
    ثمَ إن الموجود للشيء يأتي على مناحٍ :
    – أولها : الوجود النفسي . وهو تحقُّق وجود الشيء بنفسه دون ارتباط بشيء آخر .
    مثاله : وجود الجوهر .
    – وثانيها : الوجود الرَّابطي. وهو تحقُّق وجود الشيء بنفسه مع ارتباطٍ بشيء آخر .
    مثاله : وجود الأعراض كالسواد .
    – ثالثها : الوجود الرَّابطي الإِنتِزَاعي . وهو مالت تحقُّق له بنفسه بل ثبوته بثبوت مَنْزَعِهِ .
    مثاله : الأمور الإعتبارية القائمة بِمَحَالِّها كالعَمَمى ، فإنه لا يتَّحد بموضوعه ـ المسند إليه ـ لا خارجاً ولا ذهناً .
    (4) أي قائم . وفعل : قاما يُرْسم بغير ألف مُشالة في آخره ، ولكن لحقته هنا ليتفق مع رسم كلمة ( داما ) في عجز البيت .
    (5) الباء للملاصقة ، و ( أل ) لا تدخل على كلمة ( غير ) على المشهور ، وجزم به الأكثر .
    إلا أن الناظم رحمه الله تعالى أدخلها عملاً بقولٍ يُجوِّز ذلك ، وسَنَدُ هذا القول : أنه يجوز وصف ( غير ) بالمعرفة كما في كونها تضاف إليها ـ أي : المعرفة ـ فعُوْمِلَت مُعَامَلتها. ومنعه الجمهور بفساد القياس ، وقالوا لا فائدة من دخول ( أل ) على ( غير ) بخلاف إضافة المعرفة إليها ـ أي: غير ـ ، فإن الإضافة

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    تفيدها التخصيص . وأورد المجوِّز على سَنَد الجمهور في المنع: أن الإضافة إلى المعرفة من شأنها أن تفيد التعريف كالأداة ، فَلِمَ قيل بإفادتها التخصيص دون ( أل ) ؟!
    وحاصل قول الناظم ( له وجود قاما بالغير ) الجمع ين شيئين في تعريف العَرَض.
    وهما : الوجود والقيام بالغير . ومراده بـ ( الغير ) ـ كما صرح في :” الشرح ” ـ المتحيز قال الإيجي رحمه الله تعالى في : ” المواقف ” : ” أما عندنا فالعرض موجود قائم بمتحيز” أ.هـ
    وشرحه السيد الجرجاني رحمه الله تعالى بقوله : ” هذا هو المختار في تعريف العرض؛ لأنه خرج منه الأَعدَام ـ أي : العدم ضد الوجود ـ والسُّلُوب إذ ليست موجودة ، والجوهر إذ هي غير قائمة بمتحيز ، وخرج ذات الرب وصفاته ” أ.هـ
    ومعلومٌ أن القول : إن الجوهر قائم بمتحيز باطل ؛ لأنه ينتهي إلى التسلسل الممتنع , وذلك أنه لا بد أن يقوم التحيز أولاً بالجوهر حتى يتبعه غيره الذي هو نفس التحيز في التحيز وأن قلنا بتعدد التحيز القائم بالجوهر فيكون قيام كل تحيزٍ مشروطاً بقيام تحيز قبله ، وهكذا إلى غير نهاية .
    * تنبيه :
    للعَرَض أحكام تخصُّه , منها ما يلي :
    ـ أولاً : العرض لا ينتقل من محل إلى محل آخر ؛ لأن الانتقال حصول الشيء في حيز بعد أن كان في حيز آخر وهذا لا يتصور إلا في المتحيز بالذات ، والعرض ليس كذلك فلا ينتقل .

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    ـ ثانياً : العرض لا يقوم بعرض ؛ لأن قيام الصفة معناه تحيز الصفة تبعا لتحيز الموصوف وهذا لا يتصور إلا في المتحيز بالذات ؛ لأن المتحيز بتبعية غيره لا يكون متبوعاً بثالث إذ كونه متبوعاً لذلك الثالث أولى من كونه تابعاً له فلا يقوم به غيره .
    ـ ثالثاً : العرض لا يبقى زمانين ، بل يتجدد وينعدم شيئاً بعد شيء ؛ لأنه علة حاجة الممكن إلى المؤثّر هي الإمكان ، والممكن محتاج إلى المؤثّر ـ وهو الصانع ـ في وجوده وفي بقاء وجوده لإمكانه ، إذ لا قِوَام للممكن بالذات .
    ـ رابعاً : العرض الواحد بالشخص لا يقوم بمحلين ؛ ولأن العرض الواحد إنما يتعين و يتشخَّص بمحله ، فلو قام بمحلين لم يكن واحداً بل كان الواحد اثنين وهو مُحالٌ ، بل ضروري البطلان لما فيه من الجمع بين النقيضين ، وهما : قيام العرض بمحلٍ مع قيامه بعينه بمحل آخر.
    (6) والثانيْ ـ بتسكين الياء التحتية رعاية للوزن ـ هو الجوهر .
    (7) بنفسٍ داما : أي : الدائم بنفسه . قال الناظم في ” الشرح ” : “أي : ثبت وقام بنفسه ” .
    والمراد: الموجود المستغني عن محل يقوم به. وقوله ( ثبت ) من الثبوت ، أخذه من معنى الدوام في النظم. وقوله ( قام بنفسه ) فمأخوذ من المقابلة بـ ( العرض ) ، والعرض هو القائم بغيره على ما تقدم . ومعنى ( قيامه بنفسه )في حق الجوهر : أن يتحيز بنفسه غير تابع تحيزه لتحيز شيء آخر .

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    * تنبيه:
    الجوهر قسمان: الجوهر الفَرْد ، و الجوهر المركب. وذلك أن كل جوهر متحيز وكل متحيز إما أن يقبل القسمة أَوْ لا. فإن قبلها فهو الجسم ـ وهو ما تركب من جزأين فأكثر ـ، وإن لم يَقْبلها فهو الجوهر الفرد ـ أي: غير المركب ـ .
    * تنبيه:
    للجوهر أحكام تخصه , منها مايلي :
    · أولاً: الجوهر قابل للبقاء زمانين فأكثر ، وذلك معلوم بالضرورة ؛ لأننا نُدْرِك بالحِسّ وجود ذواتنا وبيوتنا بعينها دون تبدُّل مع بقائها أزمنة .
    · ثانياً: الجوهر لا يتداخل مع آخر على جهة النفوذ والملاقاة من غير زيادة في الحجم . فصريح العقل يأبى تداخل الأجسام بلا زيادة في حجمها ؛ لأنه لزم على عدم الزيادة ما هو باطل ضرورة ، كمساواة الجزء للكل .
    قال الناظم
    3 ـ مَا يَقْبَلُ القِسْمَةَ بِالذَّاتِ فَكَمْ وَالكَيْفُ غَيْرُ قَابِلٍ بِها ارْتَسَمْ
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) ( ما ) : موصولية بمعنى ( الذي ) . يَقْبل : ـ بفتح الياء التحتيِّة وتسكين القاف ـ من القبول والمراد به الإمكان .
    (2) ( القِسْمَةَ ) : ـ بكسر القاف وتسكين السين المهملة ـاسم من القَسْم , وهو جُزْءُ الشيء . ويُعَرف ( الجُزْءُ ) بأنه ما تركَّب ( الكُلُ ) منه ومِنْ غيره. إلا أنَّ المراد بـ (ما يقبل القسمة) هنا : فرض شيء غير شيء . أي أن الجزء مغاير لهذا الجزء بعد ملاحظة أنهما شيء واحد عما هما في الخارج, والوَهْم هو الذي يُلاحِظ ذلك. ومعلومٌ أنَّ القسمة بالوَهْم تابعة للحِسّ؛ لأن العقل فيها لا يُلاحِظ إلا مقدراً مُعَّينا يُحَلِّله إلى أجزاء مُعَيْنة , ومنه يتبيَّن أن فروض القِسْمة الوَهْميِّة لا تكون إلا جزئية دائماً خلافاً للقِسْمة العقلية فإنها حكم كلي على أيِّ مقدارٍ و مقدارٍ معيَّن بأن يقبل القِسْمة , وكل جزء منه كذلك إلى غير النهاية , وهذه فروض كلية .
    (3) ( بالذات ) : أي بذاته لا بالعَرَض , لأن القابل للقِسْمة يَدْخل فيه القَابل بذاته والقابل بالعَرَض فخرج الثاني بقَيْد ( بالذات ) وتَعَيَّنَ الأول . والحكم بالعرض أربعة:
    · الأول: مَحَلُّ الكَمّ. كالجسم إذ هو محل بحسب المقدار الحال فيه , أو بحسب العدد إذا كان الجسم متعدداً.
    · الثاني: الحالُّ في الكم كالضوء القائم بالسَّطْح ـ الضَّوْء يَظْهر من ذات الشيء خلافاً للنُّور فمن غيره ـ , وكذا الطُّول والقِصَر العارضين للخَطّ.
    · الثالث: الحالُّ في مَحَلِّ الكم كالبياض الحالِّ في الجسم .
    · الرابع: مُتَعَلَّق الكَمّ كالعلم المتعلِّق بمعلومين .
    (4) ( فكم ) : كم بتشديد الميم لأنها اسم ناقص , والقاعدة : أنَّ الأسماء الناقصة إذا جُعِلَتْ أعلاماً شُدِّدَ الحرف الأخير منها , إلا أنَّ الوقف عليها يكون بالسكون كما هُنا.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الكم نوعان :
    – الأول: كم متصل. وهو: الذي يمكن أن يُفرض فيه أجزاء تتلاقى على حَدٍّ واحدٍ مشترك بين جزأين منها. وذلك الحد المشترك ذو وَضْعٍ، أي : قابل للإشارة الحِسِّية واقع بين مقدرين يكون بعَيْنه نهاية لأحدهما وبداية للأخر أو نهايةً لهما بأن اعتبر ابتداؤهما من الطَّرَف . فإذا قُسِّم خط إلى جزأين كان الحد المشترك بينهما النقطة , وإذا قُسِّم السَّطْح إليهما فالحد المشترك هو الخط ، وإذا قُسِم الجسم فالمشترك بينهما هو السَّطْح .
    – والثاني: كم منفصل. وهو: ما لم يكن بين أجزائه حَدٌّ مشترك وهو العَدَد ، كالعشرة إذا نَصَفْتَها يكون منتهى النصف الخامس ومبدأ النصف الأخر السادس لا الخامس وإلا لم يكن تَنْصِفاً.
    * تنبيه:
    الكم المتصل أربعة: الزمان, والجسم التعليمي, والسطح, والخط.
    وبيان ذلك أن يُقال : الكم المتصل إما غير قَارِّ الذات وإما قارُّ الذات.
    فالأول: وهو ـ غير قارِّ الذات ـ : لا يجوز اجتماع أجزائه المفروضة في الوجود وهو الزمان ، فالآن : مشترك بين الماضي والمستقبل .
    والثاني: وهو ـ قارُّ الذات ـ : يجوز اجتماع أجزائه المفروضة في الوجود وهو المقدار، والمقدار إما أن ينقسم في الجهات الثلاث ـ أي : الطول والعرض والعُمْق ـ ، أو في جهتين أو جهة

    إعجاب

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: