الصلة بين منطق أرسطو واصول التطرف الفكرى

التطرف من ارسطو الى ابن خلدون
—————————————–
تنوية: قد يرى البعض انه لا يوجد رابط مشترك بين التطرف ومنطق ارسطو فيسارع بعدم قراءة المقال ولكنى اعده بعد ان ينتهى من القراءة ان يجد العلاقة وطيدة الصلة بين منطق أرسطو واصول التطرف الفكرى  
 
أستعنا على الشقا بالله 
 
ونسأل السؤال المهم ما هو المنطق ؟؟  انا بسأل بجد مش زى مسرحية مدرسة المشاغبين 
 
تعريف المنطق : هو علم القوانين التى تحكم العقل من الوقوع فى الاخطاء عند التفكير  . ويقال ايضا انه علم الميزان الذى توزن به الأفكار حتى يتبين الخطأ من الصواب فيها 
 
وارسطو له مكانة خاصة فى التاريخ البشرى فلقد كان  له الفضل فى وضع أسس علم المنطق فى شكله النهائى حتى اصبح له منطق خاص به ينسب له ويسمى بإسمه وهو منطق ارسطو ولقب ايضاً بالمعلم الاول لانه وضع اسس الكثير من العلوم الاخرى 
 
ولقد تغلغل هذا المنطق فى عقولنا بحيث أمسينا  متأثرين به لا شعوريا و أصبحنا نفكر على نفس نمط  منطق  ارسطو دون ان نكون حتى درسناه  وهذا نتيجة الجو الفكرى العام وتأثيره على عقولنا منذ كنا صغارا نستمع للكبار وهم يتجادلون فانطبعت تلك الوتيرة فى عقولنا الباطنة ونبقى متأثرين بها طيلة حياتنا دون أن نشعر
 
والمحور الذى يدور حوله منطق أرسطو هو القياس (syllogism)
وهذا القياس يتدرج من المعلوم المقبول الى المجهول او من المقدمات المعلومة الى النتائج 
نأخد مثال عملى حتى نفهم هذه الطلاسم 
 
مثلا نبدأ بمقدمة معلومة للجميع  
أن كل انسان حى  سوف يموت 
وبما ان فلان هذا  إنسان 
أذا هذا الفلان سوف يموت 
أرايت بنفسك مقدمات معلومة تؤدى الى نتائج مقبولة 
 
وهذا التدرج فى التفكير هو الأمر الذى يتميز به منطق ارسطو  ونتيجة لقوة منطق ارسطو انتشر فى العالم القديم وبعد ان فتح المسلمون البلاد وترجموا كتب الاغريق والرومان و اطلعوا على مؤلفات ارسطو واعجبوا بها وترجموها الى العربية  وقد اقتبس المفكرون المسلمون منطق ارسطو  وتأثروا به وبالفلسفة اليونانية  حتى خرجوا بعلم جديد وهو علم الكلام 
 
ولم يتوقف المسلمون عند علم الكلام بل استخدموا منطق ارسطو فى الرد على خلافتهم الفقهية والدينية مما ساعد على ظهور الفرق والجماعات مما ساعد على انقسام الامة انقسامات لا نهائية منذ ظهور الخوارج وحتى الان 
 
فكل فرد او جماعة او فرقة يكون ميالاً للجدال والانتصار والفوز بأى صورة ففى عقله الباطن سيطرت عليه فكرة الجدال والتغلب على خصمه ونسى الحقيقة بينما هو فى العقل الظاهر يدعى حب  الحقيقة وانه يسعى للوصول إليها 
فمثلا عندما يجد غريمه يضحك صرخ قائلاً ومستخدماً طريقته المنطقية  الاتية :
 
الضحك من غير سبب قلة ادب 
وفلان هذا يضحك  من غير سبب 
إذا فلان هذا قليل الادب 
 
وعادة لا يكتفى بهذا الحكم بل يسعى لاصدار حكم اشد قسوة واشد تنكيلاً فيستدعى المنطق مرة اخرى  ويقول : 
 
قليل الادب يضر بصحيح الدين
وكل ما يضر بالدين كفر ظاهر تجب محاربته
وبما ان فلان هذا مضر بالدين (لانه قليل الادب راجع القياس الأول)
إذا يجب محاربه هذا الفلان 
 
والحرب مباح فيها كل شىء من التشهير والسب والقذف وصولاً الى القتل والاغتيال المعنوى والمادى واظن اننا رأينا وسمعنا من من يدعون انهم علماء وشيوخ ما يدنى له الجبين من تدنى فى الألفاظ  والفحش فى القول عند النقاش مع مخالفيهم 
 
ولنختبر  مثالا اخر فى فكر جماعات التكفير ومنطقهم فى القياس
 
المقدمات المعلومة هى ان القوانين التى يحكم بها المسلمون الان ليست من الشريعة وتخالف ما انزل الله (كما يرون هم من منظورهم للشريعة والحاكمية )
وبما ان الله تعالى قال ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون 
أذا كل هؤلاء كافرون 
الحكام كافرون لانهم يحكمون بغير كتاب الله والمحكومون كافرون لانهم رضوا بذلك 
اذا وجب القتال ضد هؤلاء الكفرة 
 
منطق ده ولا مش منطق يا متعلمين يا بتوع المدارس ؟؟؟؟؟؟
 
وبهذا يكون حقق انتصاره على غريمه بمنطق صحيح وفتوى شرعية سليمة مائة بالمائة  وهو يقول هذا عندما يكون متديناً يحارب أعداء الدين فإذا تحول الى الوطنية  حول قياسه المنطقى نحو محاربة الذين يضرون الوطن  وانه كما يحمى الدين من الكفرة يحمى الوطن من الخونة  ويكون منطقة كألاتى : 
 
هناك مؤامرة على الوطن من الاعداء فى الخارج
اذا كل ما يأتى من الخارج هو خطر على الوطن 
وفلان هذا أتى لنا من الخارج 
إذا فلان هذا من أعداء الوطن 
ويجب محاربة اعداء الوطن 
إذا يجب محاربة فلان لانه من اعداء الوطن 
مثال أخر 
 
هناك مؤامرة على الوطن من الغرب المسيحى
اذا المسيحيون اعداء 
وهناك مسيحيون فى مصر 
اذا مسيحيوا مصر أعداء وجب قتالهم 
 
وفى حقيقة الأمر انه  يدعو الى محاربة من يكرههم او يختلف معهم فكريا او عقائديا  فينسب إليهم تارة تهمة الكفر وتارة اخرى تهمة  الخيانة 
 
والغريب فى القياس المنطقى انه يمكن ان يكون سلاحاً  فى يد كل فريق فمن الممكن ان يستخدم لتأييد رأى وعكسه فى نفس الوقت فكل رأى صحيح بالمنطق يكون عكسه صحيح بالمنطق ايضاً وكم من شخوص رأينهم يدافعون عن رأى ثم يدافعون عن عكسه بإستماتة
وأصحاب الفرق الدينية والمذهبية كلهم يستعملون هذا المنطق الأرسطى لتأييد وجهة نظرهم(حتى دون ان يسمعوا عن ارسطو ) ويظن انه وصل إلى الحق المطلق وانه وحده بات يملكه والباقى فى ضلال مبين واذا أصغيت انت الى منطق كل فرقة وجدته منطقاً سليماً متسلساً صحيحا فتجد نفسك حائرا لا تدرى اى فرقة  على صواب بين كل هذه الفرق المختلفة المتناحرة 
ولكل فرقة علماؤها المهرة فى المنطق وفن الاقناع بالحجة والبرهان وعند السلطان ايضا علماء وفقهاء يستخدمون نفس المنطق لاقناع الرعية بعدل الحاكم وايمانه وورعه وضلال كل مخالف له وجواز قتله و التنكيل به  حفاظا على الامة من الفتنة 
 
ثم ينفصل هؤلاء العلماء عن الواقع ينغمسوا فى مسائلهم النظرية التى لا تتعرض للمشاكل الحقيقة التى تواجه الرعية وعاشوا فى ابراجهم العاجية العالية بعيداً عن عامة الشعب مستمتعين بما اغدقه عليهم الملوك والامراء وزعماء الفرق من نعم  ومناصب والالقاب وسطوه وثروة فكانوا بلاءاً على الأمة 
 
إن جوهر الخطأ فى منطق ارسطو انه لا يصلح فى مضمار العلوم الاجتماعية والانسانية عامة والعلوم الدينية بصفة خاصة 
لان منطق ارسطو يقوم على ان السؤال له إجابة واحدة وان التجربة لها نتيجة واحدة وواحدة فقط 
أما الصواب وام الخطأ 
اما الخير المطلق او الشر المطلق 
أما الحق المطلق او الضلال المطلق
إما الحلال المطلق او الحرام المطلق
إما الإيمان المطلق او الكفر المطلق 
 
فمنطق ارسطو يصلح فقط فى دراسة العلوم التجريبة والرياضيات والاستنتاج الرياضى  اما العلوم المتعلقة بالانسان فتتحمل اكثر من اجابة لان الانسان نفسه يحوى داخله كل المتناقضات 
حتى العلوم التجريبة مثل الفيزياء الحديثة أصبحت تتحمل اكثر من نتيجة  لنفس التجربة وظهر بها مبدأ عدم اليقين ونظرية الإحتمالات 
 
والوحيد الذى سبق عصره بقرون وفهم منبع الخطأ فى إستخدام منطق ارسطو هو إبن خلدون ففى مقدمه ابن خلدون التى يشرح فيها أسباب تقدم الممالك والامم وانهيارها وعوامل ذلك . واستعرض ابن خلدون  النزعة البشرية التى تطوى داخلها كل النقائض فى نفس الوقت 
 
فمنطق ارسطو فى نظر ابن خلدون لا يأخذ صورة واقعية من الحياة وانما يفترض صورة خيالية لما يجب ان تكون عليه الحياة وليس الحياة نفسها بكل تعقيدتها ومشاكلها لهذا فهو يعرقل صاحبه ويعيقه عن الرؤية السليمة ويؤثر فى قراراته المنفصلة عن واقع الحياة المعاشة  وقد أشار (هيجل) الى ان التناقض أصيل فى طبيعة الكون فكل فكرة تحتوى على نقيضها فى صميم تكوينها 
 
ويعرض ابن خلدون فى مقدمته عن تاريخ الممالك والامم كيف بدأت كل مملكة او أسرة حاكمة بمؤسس قوى مخلص لفكرته وإلا لما نجح فى هزيمة خصومه وبناء مملكته ثم يخلف هذا العظيم أبن او حفيد مدلل أفسده المال والتدليل فيكون سبباً فى ضعف الحكم وانهيار الدولة 
 
ولا يتوقف الامر فقط عند الممالك والانظمة بل يمتد الى الانسان نفسه .  فالانسان يمر فى حياته بأطوار مختلفة متناقضة بين قوة وضعف وبين فجور وإيمان وبين غنى وفقر وبين علم وجهل وبين عقل وجنون وفى كل تلك المراحل يفشل منطق أرسطو فى القياس فشلاً ذريعاً
ان فشل المناطقة ورجال الدين والاجتماع ناتج عن كونهم لا يميزون بين حياة الفكر وحياة الواقع لقد ازدوجت شخصيتهم من جراء ذلك 
 
فالواعظ  عندما يصعد المنبر ليعظ الناس يستلهم المنطق الارسطى فى القياس إما الكفر وأما الإيمان أما الجنة واما النار 
 وعندما يطلب الدنيا ويسعى لمنصب او جاه او سلطان ينحى منطق أرسطو جانبا وينتهج منهج الانسان العادىفى التحايل للوصول لهدفه  من كذب ونفاق وتضليل 
 
فتجد أحدهم عندما يصعد المنبر يهاجم اليهود وينعتهم بانهم احفاد القرده والخنازير واذا جلس على كرسى الحكم ارسل لهم برسائل التهنئة والتمنيات بدوام الأمن والسلام والدعاء لهم بالاستقرار والرخاء
 
او يملأ الدنيا صريخاً بأن التعامل مع البنك الدولى حرام شرعاً ثم يستميت للحصول على قرض من البنك ذاته عندما يكون فى سدة الحكم
نعم ان العقاب الالهى لمن يستخدم منطق أرسطو فى الدين والعلوم الانسانية ان يبتلى بداء ازدواج الشخصية 
فيخالف حاله مقاله ويفقد الناس الثقة فيه وينتهى به الامر وقد فشل فى كل شىء وفى كل مجال  
 
وهو نفسه لن يشعر بهذه الازدواجية وسوف يدعى بانها الحنكة وان الضرورات تبيح المحظورات  وان الجميع لا يفهمون ما يبتغى من كل ذلك وان الخير قادم قادم لا محالة وعندما يصطدم بالواقع المرير بان شيئاً لم يتغير يلجأ الى الخرافة والاحلام تارة والى إلقاء اللوم على المؤامرات الخارجية تارة اخرى فى محاولة للهروب من الاعتراف بالخطأ فى منطق التفكير ذاته  ثم النهاية المحتومة الانهيار والانعزال ثم الانزواء فى ركن مظلم من صفحات التاريخ 
 
الخلاصة : منطق أرسطو يصلح فقط فى العلوم المادية ( وهذا استنتاج خاطئ) ولا يصلح ابدأ فى العلوم الانسانية عامة والدين بصفة خاصة ومن يفعل ذلك سوف يبتلى بداء الازدواجية فى كل شئ ثم الفشل فى كل شىء 

 

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: