بيركلس وفردي: فلسفة فرانسوا شاتليه – جيل دولوز

ترجمة : حسين عجة

لقد عرفَ فرانسوا شاتليه بنفسه دائماً باعتباره عقلانياً، لكن أية عقلانية؟ فهو لم يكف عن الرجوع إلى أفلاطون، وهيغل، وماركس. ومع ذلك، فإنه قبل أي شيء آخر أرسطوطاليسي. حينئذ، ما الذي يميزه عن أحد أتباع توما الأكيوني؟ ما يميزه، دون شك، رفضه لله ولكل ما هو متعال. إذ كان يُسمي كل المُتعاليات والمعتقدات بوجود عالم آخر “بالتكبر”. لم يكن أبداً ثمة من فيلسوف آخر، ما عدا نيتشة بطبيعة الحال، أكثر منه هدوء بإلحاده. نعني بالإلحاد الهادىء تلك الفلسفة التي لا يمثل فيها الله مشكلة، فعدم وجوده وحتى موته لا يشكلان مشكلة عند شاتليه، لكن، على النقيض من هذا،هي الشروط التي تدفع على التعامل معها كونها من المكتسبات التي تنبثق عنها المشاكل الحقيقية : ليس هناك أكثر تواضعاً من هذا. كذلك لم تكن هناك أبداً فلسفة من قبله قد استقرت بثبات في حقل المحايثة.

“ضمن رطانتنا الفلسفية، طُُرح مبدأ باعتباره في آن واحد ينبوعاً لأي تفسير وواقعا متساميا، نطلق على هذا اسم المتعالي. المفردة في حد ذاتها جميلة وأجدها سهلة. لكن المتكبرين، بدءاً من قائد المجاميع الصغيرة وحتى رئيس الولايات المتحدة، مروراً بطبيب الأعصاب المُعالج للجماعات، تتعامل بجرعات المتعالي، كما يتعامل الشحاذ (كلوشار) بجرعات قنينة نبيذه الأحمر. لقد تشتت إلاه القرون الوسطى، لكنه لم يفقد بالرغم من ذلك قوته ولا وحدته الشكلية العميقة : فالعلم، الطبقة العاملة، الحزب، التقدم، الصحة، الآمان، الديمقراطية، الاشتراكية –وستطول القائمة- هي بمثابة أشكال لتحولاته. لقد أخذت هذه المتعاليات مكأنه (وهذا يكفي للقول بأنه ما زال هنا، كامل الحضور)، فهي تمارس بضراوة مهامها التنظيمية والتدميرية”. (سنوات التهدم، ص 263).

تكمن المحايثة، حقل المحايثة، في العلاقة ما بين القوةوالفعل. فهاتان الفكرتان لا تتواجدان إلا معيةً، ولا يمكن فصلهما عن بعضهما. من هذه الزاوية، فإن شاتليه أرسطوطاليسي. وهو يشعر أولاً بنوع من الانجذاب نحو القوة : الإنسان قوة، الإنسان مادة…

“لا تجذبني أبداً السلطة السياسية. كذلك يشكل ضد-السلطة، والإنتِ-سلطة، من وجهة نظري أفخاخا. ما يحرك اهتمامي هو القوة، ما يجعل من السلطة سلطة. والحالة هذه القوة هي، إذا ما تكلمنا بدقيق العبارة، كل واحد منا. فأنا أتمتع بممارسة قوتي – أي أعمل ما أستطيع عليه- لفهم( وللكشف عن) ميكانيزمات التقاط القوة، هنا وهناك، حيث تتوفر لدي”المعلومات“. ربما يمكن تسمية تدربي على ميلي للقوة، الاحتفاظ بها حية فيَّ، إيقاظ وإعادة إيقاظ تلك القوة من حولي؛ ربما يمكن تسميتها بالحرية”. (يوميات أفكار ضائعة، ص 218).

كيف يمكن المرور إلى الفعل، وما هي حركة تلك القوة؟ الفعل هو العقل. لكن ليس علينا فهم العقل بمثابة ملكة، ولكن كمسار، وهو يكمن بالدقة في تفعيل شكل القوة ومادتها. ثمة تعددية للعقل، إذ ليس هناك أي دافع يجعلنا نفكر بالمادة والفعل كونهما وحدات متفردة. ففي كل مرة نقيم فيها علاقات إنسانية ضمن مادة ما، في مجموعة بعينها، ضمن تعددية ما، نقوم بتحديد أو إبداع مسار عقلاني بعينه. أما الفعل، بمثابة علاقة، فهو دائماً فعل سياسي. والعقل كمسار هو كذلك سياسي دائماً. وقد يحصل ذلك في المدينة، أو ضمن مجموعة، مجموعة صغيرة، وحتى عندي أنا وحسب. فالبسيكولوجيا، أو البسيكولوجيا الوحيدة المقبولة بالأحرى هي بسيكلوجيا سياسية، ذلك لأني ملزم دائماً بخلق علاقات إنسانية معي. ليس هناك من بسيكولوجيا، ولكن سياسة للأنا. كذلك ليس ثمة من ميتافيزيقيا، بل سياسة للكينونة. كما أنه ليس هناك من علم، لكن سياسة عن المادة، ما دام الإنسان قد أخذ على عاتقه مشكلة المادة ذاتها. وهذا ما ينطبق حتى على المرض : لا بد من “مُداراته” عندما يعجز المرء من التغلب عليه، ومن ثم فرض علاقات إنسانية عليه. ولنأخذ مثالاً عن مادة صوتية : أن سُلَّم الأّنغام، أو بالأحرى أي سلم أنغام ما هو إلا مسار تعقيل يتمثل بإقامة علاقات إنسانية ضمن تلك المادة، بطريقة تُفعل قوتها، وتصبح هي ذاتها إنسانية. بهذا المعنى حلّل ماركس أعضاء الحواس، لكي يُبَينَ عبرها مُحايثة الإنسان-الطبيعة : تصبح الأذن أذناً إنسانية حينما تغدو المادة الصوتية موسيقى. ذلك لأن المجموع المختلف تماماً لمسارات التعقل هو ما ينشئ التحول أو فاعلية الإنسان، فنحن لا نعرف، عند هذه النقطة، إذا ما كانت هناك (les praxix) البراكسس، أو أنواع البراكسس وحدة إنسانية، من وجهة نظر التاريخ، أو من زاوية النظر التوليدية.

هل هناك مادة إنسانية حصرية، محض قوة متميزة عن الفعل، بمقدورها جذبنا نحوها؟ لا يمكن لمادة كهذه الكشف عن نفسها فينا كحرية، من دون أن تكون قد ظهرت سابقاً باعتبارها ما يشكل نقيضًا لذلك : لقد أسماها شاتليه قبل قليل “بالإغواء”. وقد تكون فعلاُ يُخمد القوة، وربما ستتعارض مع القوة القادرة على تحقيقها. قفا للعقل، أكثر من كونها نقيضاً له، حرمانا أو استلابا. وكأنه كان هناك علاقة لا إنسانية، لكن ضمن ما هو ماثل في العلاقة الإنسانية نفسها، لا إنسانية خاصة بالإنسان: تغدو الحرية حينئذ وكأنها قدرة للانتصار على الإنسان، أو الخضوع له أن القوة تفخيم، أي سلبية، مُتلقاة، بيد أن التلقي هو أولاً قوة تلقي الضربات، ومناولتها : تحمل غريب (pathos) .

مما لا شك فيه أننا نستطيع كتابة تاريخ أنظمة الهيمنة التي تتم فيها ممارسة فاعلية السادة؛ غير أن هذه الفاعلية لا أثر لها دون شهية أولئك الذين يأملون، باسم تلقي الضربات، القيام بمبادلتها. إنهم يناضلون من أجل عبوديتهم وكأنهم يعملون من أجل حريتهم، كما قال سبينوزا. إلى حد لا تكون فيه ممارسة السلطة أو الخضوع لها محض فاعلية للوجود الاجتماعي للإنسان، من دون أن تكون سلبية فيما يتعلق بوجوده الطبيعي. وحدة تجمع ما بين الحرب والأرض، بالطريقة التي اكتشفها شاتليه عند كلود سيمون، أو في الماركسية، التي لم تفصل يوماً بين الوجود الفاعل للإنسان التاريخي، والوجود السلبي لكائن طبيعي والذي هو بمثابة ظل للأول : “أن العقل وعقلانيته هي موضوع ماركس، وموضوعنا نحن… فهو يتطلع إلى أن يكون علماً نقدياً للسلبية العيانية، المتأصلة في الإنسانية. فالإنسان لا يموت لأنه فان (مثلما لا يموت لأنه كاذب، وكذلك لا يحب لأنه هو”الحب“) لكنه يموت لأنه لا يأكل كفاية، ويجري حطه إلى حدود البهيمة، أو لأنه يُقتل.إن المادية التاريخية تذكرنا بهذه الوقائع، كذلك يضع ماركس، في”الرأسمال“، أسس ما يمكن أن يكون منهجاً دائماً لتحليل الميكانيزمات التي تتحكم، في مرحلة ما –مرحلة كشفيه بصورة خاصة- بواقعة السلبية…” (أسئلة، اعتراضات، ص 115). ألا توجد قيم خاصة بذلك التفخيم؟ حتى وإن كانت يأساً من العالم، كما هو شديد الحضور عند شاتليه والمترافق مع أدب جم للغاية. فإذا كان الأفراد لا يكفون عن تحطيم بعضهم للبعض الآخر، قد يكون من الأفضل للمرء القضاء على نفسه بيده، ولو ضمن ظروف مريحة أو حتى روائية “كل حياة هي، بطبيعة الحال، مسار تهدم”، كما قال فيتزجرلاد. إن تعبير “بطبيعة الحال” يرن في الأذن وكأنه ملاحظة لما هو ماثل : العلاقة اللاإنسانية للفرد في علاقته بنفسه. فرواية شاتليه الوحيدة “سنوات التهدم” تستوحي بعمق تأثير فيتزجرلاد، الأناقة داخل الكارثة. لمَ لا يتم استثمار ليس الرغبة، ولكن إغواء الموت ضمن عنصر موسيقي، حتى وإن كان ثمن ذلك الموت؟ شيء كهذا ليس من شؤون التحليل النفسي، ولكنه شأن سياسي أيضاً. علينا إعارة الانتباه لعنصر التحطيم الذي يمكنه اختراق جماعة ما أو حتى فرد بعينه، أثنيا أو بيركلس. لقد كان “بيركلس” أول كتاب لشاتليه. فبركلس لن يكف أن يكون فرداً عظيماً أو بطلاً، بالنسبة لشاتليه : وهو كذلك حتى ضمن “سلبيته”، وبالرغم من إخفاقه والذي سيكون إخفاق الديمقراطية نفسها، وحتى عبر توجهها.

للتفخيم قيمة ثانية، اللياقة الأدبية. لياقة أدبية إغريقية في الحقيقة، وقد كانت مخططاً للعلاقات الإنسانية، بداية لفعل العقل. فالعلاقات الإنسانية تُشَرعْ لمقياس متري، تنظيم للمجالات التي تستند عليها المدينة. فن إقامة مسافات عادلة بين البشر، مسافات لا تراتبية، ولكن هندسية، لا تكون قريبة للغاية ولا بعيدة تماماً، وذلك لتحاشي تلقي الضربات أو مبادلتها. أي جعل اللقاء الإنساني طقساً، نوعا من الطقس المحايث، حتى وإن اشتمل على شيء من الشيزوفرينيا. إن ما علمنا إياه الإغريق، مثلما يذكرنا بذلك “جرنه” أو “فيرنانت”، هو أن لا نترك أنفسنا تُسَمر بمركز ثابت، لكن اكتسابنا القدرة على حمل مركز معنا تنظمه مجاميع العلاقات التناظرية التي يمكن قلبها والتي يصنعها أفراد أحرار. قد لا يكون ذلك كافياً للتغلب على يؤس العالم : إذ يتناقص يوماً بعد آخر عدد الأفراد الذين يتمتعون باللياقة الأدبية، فيما ينبغي أن يكون هناك اثنان على الأقل من أجل إظهار تلك اللياقة. لكن لياقة شاتليه المتطرفة ما هي سوى قناع تتكشف عبره القيمة الثالثة للتفخيم، والتي يمكننا تسميتها بالطيبة، حسن التفات حار. ومع ذلك، ليست هذه هي التسمية التي تليق بها، بالرغم من أن هذه النوعية، وتلك القيمة تنتميان بعمق إلى شاتليه. لكن أكثر من كونهما قيمة أو نوعية، هما حالة فكرية، فعل فكري. إنها تكمن في ما يلي : أن لا نعرف منذ البدء كيف يمكن لأحدهم، احتمالاً، إقامة مسار العقلنة في نفسه وخارجا عنها. مما لا شك فيه هناك كثير من الحالات المُضيعة، والخيبات، لكننا نمتلك حظا في مساءلة أنفسنا عما يحتاجه هذا الفرد، وكيف يسلك بغية الخروج من محاولات تدميره الذاتي؟ قد نكون جميعنا ولدنا على أرض تهديم، لكن لا ينبغي علينا تضيع أي فرصة. ليس هناك من عقل محض، أو عقلانية بامتياز. هناك مسارات عقلنة، غير متماثلة، مختلفة تماماً في ما بينها وفقاً للميادين التي تكون فيها، المراحل التي تعيشها، ووفقاً للمجاميع والأفراد. فتلك العقلانيات لا تكف عن الإجهاض،والانزلاق، والدخول في دروب مغلقة، ولكنها أيضا تعاود تناول نفسها في أماكن أخرى، مترافقة مع مقاييس جديدة، وإيقاعات جديدة، وقوام جديد. لقد كانت تعددية مسارات العقلنة مادة لتحاليل إبستمولوجية أساسية (تحاليل كوريه، باشلار، وكونغليم)، وكذلك مادة لتحاليل اجتماعية-سياسية (سوسيو-بولتك) (ماكس ويبر). كما أن فوكو في كتبه الأخيرة كان يوجه تلك التعددية نحو تحليل للعلاقات الإنسانية التي كانت في طريقها إلى تشكيل إتيكية جديدة، وذلك من زاوية نظر ما أُطلق عليه في حينه “مسارات الشخصنة” : فهو قد كشفَ عن التفرعات، والانحرافات، وعن التاريخ المُثلمِ لعقل يتمتع دائماً بالحرية أو الاستلاب ضمن علاقات الإنسان بنفسه. وكان لا بد لفوكو من الصعود حتى الإغريق، لا لكي يعثر هناك على معجزة العقل بامتياز، عقل معطى مرة وإلى الأبد، أي معجزة بائسة، ولكن فقط لكي يقوم ربما بفحص أول مخطط لمسار العقلنة، التي سيعقبها غيرها، تحت ظروف أخرى وضمن قوام آخر. ففوكو لم يحدّد المدينة الإغريقية عبر تنظيم جديد للمجال، بل كونها علاقة إنسانية مُحدّدة تجري فيها المنافسة بين أفراد أحرار أو مواطنين (في مجال السياسة، ولكن أيضاً في الحب، في الرياضة الجسدية، وفي ما يتعلق بالعدالة…) : ففي توسع العقلانية والشخصنة، لن يكون بمقدور فرد حر، من حيث المبدأ، توجيه أوامرإلى الآخرين، إن لم يكن قادراً بدءًا على توجيهها لنفسه. ذلك هو الفعل أو المسار الإغريقي الخاص، والذي لا يمكننا أن نجعل منه فعلاً مؤسساً، ولكن واقعة متفردة ضمن سلسلة مهشمة. عند هذه النقطة يلتقي شاتليه دون شك، وعلى طريقته الخاصة، بفوكو، وذلك بانطلاقه من المدينة الإغريقية. ففكرة منصب القاضي هي التي خولت لشاتليه تحديد المدينة الإغريقية، ليس عبر اختلافها عن باقي الأفكار(القس، الموظف الإمبراطوري…)، لكن عبر ملازماتها التي تدخل ضمن مسارات العقلنة المناظرة لها أيضاً (القرعة عن طريق الحظ مثلاً). كيف تم تناول السحب عن طريق الحظ ضمن حركة العقل، لا أحد قد بينَ ذلك أفضل من شاتليه. كذلك فإن العقلنة، بالنسبة لشاتليه، هي مسار تاريخي سياسي، كان قد عرف مع أثينا أول واقعة له، لكنه عرف معها أيضاً أول إخفاقاته ومسح آثاره، بيركلس، حيث شرعت وقائع أخرى ضمن مسارات غير مسارات تلك الواقعة. فأثينا لم تكن بشارة العقل الأبدية، بل الواقعة المتفردة لعقلنة وقتية، يتوازى تألقها مع تشظيها.

فنحن عندما نفكر بعقل متفرد، شمولي ومستقيم، نسقط بالدقة في هوة ذلك الشيء الذي أطلقَ عليه شاتلية اسم “المكابرة”، نوع من عدم اللياقة الأدبية الميتافيزيقية. وقد قام شاتليه بفحص ذلك عند أفلاطون، لكن حتى عندما نتعرف ضمن العقل على ملكة إنسانية وإنسانية وحسب، فأننا نلزمها كذلك بمتعال تيولوجي. فبدلاً من تعددية المسارات، نقوم بتنصيب ثنائية ما بين الخطاب والعنف، وكأن العنف لا يواصل عشعشته داخل الخطاب نفسه، ويوفر له العديد من التعرجات والدوافع. لقد اعتقد شاتليه لوقت طويل، تحت تأثير “أريك فيّي”، بالتعارض ما بين العنف والخطاب، وذلك وفقاً لنموذج أفلاطوني وهيغلي. لكن ما صار يكتشفه، على العكس من ذلك، هو شهية الخطاب في جعل صوت العلاقة اللاإنسانية الخاصة بالإنسان هو منْ يعلو : من واجب الخطاب الشروع بمسار عقلنته الخاصة، لكن تحت تأثير الصيرورة وحسب، تحت ضغط دوافع بعينها، ولصالح وقائع بحد ذاتها. إن الأهمية القصوى لكتاب “ولادة التاريخ” هي أن شاتليه قد اكتشف فيه صورة عن الخطاب، أو عن لوغوس أكثر قرباً من “تسديد” عنه من أفلاطون أو هيغل. وكذلك سوف لن يكف عن رفض متلازمتين لعقيدة عن العقل العام : الحاجة الطوباوية للإيحاء بمدينة مثالية، أو دولة حقوق كونية، غالباً ما تدير ظهرها، لتغدر بالصيرورة الديمقراطية؛ والحاجة الجحيمية للإشارة إلى انحراف، إلى استلاب جذري للعقل يكون قد نتج مرة وإلى الأبد وسيقضي بضربة واحدة على كل ما هو عنف أو لا إنساني. فذات “المكابرة” هي من يسند للعقل بعداً متعالياً ومن يقول بفساده، كذلك يتلازم هذان التصريحان، منذ أفلاطون، وكأنهما توأم.

يطور شاتليه إمبيريقية عقلانية، أو عقلانية إمبيريقية متعددة. إن ما يسميه “بالإمبيريقي” يعتمد قبل كل شيء على مبدأين، وفي شكل سلبي : لا يفسر التجريد أي شيء، فهو نفسه يتطلب التفسير؛لا وجود لما هو شامل، المتفرد هو الموجود وحده، أو مسار التفرد. إن “التفردية” ليست الفردانية، إنها حالة بعينها، الواقعة الضمنية، أو بالأحرى إعادة توزيع الضمنيات الموجودة في مادة ما. إذ ليس هناك من فارق جوهري بوضع بطاقة سياسية للفرد، لجماعة بعينها أو لمدينة ما : سيتعلق الأمر بمد فرادة ما إلى حدود تلك التي تجاورها، بطريقة يتولد عنها “تشكل وقائع”، أي المجموع الأكثر ثراء أو الذي يمكنه أن يكون أكثر تماسكاً. يمكننا القيام بذلك كمؤرخين : تاريخ أثينا، مثلاً. لكننا لسنا بالمؤرخين إلا إذا عرفنا كيفية القيام ثانية بتلك العملية والتي هي بيركلس نفسه، ذلك الترابط وخلق التواصل ما بين التفردات التي كان يمكن أن تظل ضمنية ومعزولة من دون تلك السياسة التي يُطلق عليها عن حق اسم بيركلس. فالفرد، حتى وإن لم تكن له أية قيمة، هو نفسه بمثابة حقل من التفردات التي لا تحصل على اسمها الخاص إلا بفضل تلك العمليات التي يقوم بها الفرد على نفسه وفي حدود جيرته لكي يستخلص منها تشكلا قابلا للتوسع. يقول شاتليه عن نفسه : كانت تربيتي برجوازية صغيرة، كنت متأثراً بهيغل، وعشت واحدة من تلك الحقب التاريخية التي جعلت من كل روح حساسة نوعاً ما روحاً مريضة… وها إننا أمام ثلاثة أحداث “تبدو دون علاقة في ما بينها، باختصار مجموعا تعدديا، انتشارا لشيء ما ولكن ليس بالضرورة لشخص ما”. بمعزل عن أهمية المادة المُقدمةِ، ذلك هو ما نطلق عليه اسم الإمبيريقي، أو “التاريخ الحاضر”. إذ ليس المُعاش من يتمتع بتلك التفردات نفسها ومن ثم يخلفها معزولة، ولا “المفهوم” الذي يغرقها في ما هو عام ويجعل منها محض لحظات وحسب. إنها الضربة الحقيقية للنرد بغية توليد التشكل الأكثر تماسكاً، المنحنى الذي يحدّد المزيد من التفردات داخل الضمني، فعل “النشر” الذي ينسج من نقطة إلى أخرى المزيد من العلاقات الإنسانية. ذلك هو تفعيل القوة أو الصيرورة الفاعلة : الأمر يتعلق بالحياة وتمددها، كما يتعلق بالعقل ومساره، انتصار ضد الموت، ما دام ليس هناك من خلود سوى هذا التاريخ في الحاضر، ولا حياة أخرى غير التي تقوم بوصل الجيران وتلاقيهم. يسمي شاتليه هذا “بالقرار”، وكل فلسفته هي فلسفة قرار، فرادة القرار، مقابل التعميمات الشمولية للتأمل والاتصال : فإن كان ذلك في أثينا أو في غرفتي، كل فعل هو فعل “بيركليسي”، و“في العمق ما ينتج عن الفعل البيركليسي هو القرار”.

“يَفرضُ ثقل الإمبيريقية نفسه دائماً باعتباره تعددية، أو بصورة أدق، كمجموع متعدد. إمبيريقي. كذلك يمكننا القول بأنه تاريخي، لكن ليس بالمعنى المُبتذل الذي يتحتم فيه على المؤرخ، بمرغما بالموضوعية، وضع مسافة بينه وبين المجموع المتعدد ذاك، ومن ثم بناؤه كمادة يعالجها وكأنها تنتمي للماضي، بل بمعنى التاريخ الحاضر. وهكذا بالنسبة لي، فإن الحقل الذي تجري فيه تلك المعالجة حقل إمبيريقي، إذا ما فهمنا هذا الأخير بأنه يتعارض في آن مع المُعاش – غير الأساسي، بطبيعته- ومع المفهوم –والذي ينتمي إلى نظام آخر-. (يوميات أفكار ضائعة، ص 15). يعرض أي مسار عقلنة نفسه بالطريقة التالية: إنه تفعيل قوة، صيرورة فاعلة، توليد علاقة إنسانية، اتخاذ قرار. هل تتعادل جميع هذه التعابير؟ كل فلسفة تسعى نحو الملموس تطالب”بالقيام بالحركة“، بدلاً من التفكير فيها ضمن التجريد الشمولي. فالشمولي لم يركض ولم يسبح يوماً، لكنه يقوم بحركة السباحة فوق الرمل الناشف، ويقوم بحركات مراوحة في نفس المكان الواحد، لأنه غير منشغل بالنتائج. شيء مختلف هو العقل المتفرد الذي يقفز داخل محايثة الحياة، ذلك لأنه يوجه لنفسه أهدافاً”إذا كان بالإمكان تشكيل صورة عن ذلك الإنسان“، أي مواطن الدولة الشمولية،”فسوف لن يكون من الضروري على المرء التحرك سياسياً، وقد يكفي، على الأقل تخيلياً، أقامت تمثيله المُتخيل: المشكلة هي ليست مشكلة الغاية، ولكن الحركة“(أسئلة، اعتراضات، ص217). أن الحركة هي فعل القوة ذاته. فأن يقوم المرء بالحركة، فهذا معناه عبوره نحو الفعل، تشييده لعلاقة إنسانية. كذلك فإن اتخاذ القرار لا يعني مجرد الرغبة في القيام به، بل فعله. صحيح أن كل حركة ليست بمسار عقلنة، لكن إذا كان شاتليه أرسطوطاليسيا بصورة عميقة، فذلك لأنه يعطي للحركة الطبيعية وللحركة الإرغامية محتوى عمليا وتاريخيا نموذجيا. إن الحركة الإرغامية تصدر دائماً من فوق، من متعال ما يمنحها غاية، ومن”وسيط“فكري تجريدي يُحدّد لها مدى معينا، ولا يكف عن تركيبها مع خطوط مستقيمة حتى قبل أن يشرع بها : ولا يطالب أيضاً بعقل شمولي مُفترض دون أن يدخل في كارثة تمس الكون، وذلك إلى حد معاودة الكرة من جديد، بطريقة تجريدية، كما هي قاتلة. إنها ما يتناقض مع الحركة الطبيعية التي لا تتشكل إلا من التفردات ولا تراكم شيئاً آخر ما عدا المُتجاورات، وتنتشر عبر مجال تخلقه على مقاس إنعطافاتها أو تعرجاتها، بادئة باتصالات غير قائمة سلفاً، ومنطلقة من الجماعي نحو الفردي وبالعكس. ارتياد للمتجاورات، بث التفردات، القرار، تلك هي مكونات فعل العقل. فإذا كإن يمكن التعامل مع العقل باعتباره ملكة، فذلك بالدقة لكونه مساراً، ما دام لا يجد نفسه إلا في”تلك الحركات المتفردة جميعها، والمتولدة عن مسارات متداخلة“، وبهذا”تبني مجالاً ضخماً، يأتي، يتقدم، ينطوي حول نفسه، يتشعشع، ينفجر، يلغي نفسه وينتشر“(يوميات أفكار ضائعة، ص 237).”يوما بعد آخر يبدو لي أن الكوارث، والتعاسات الكبرى تتحقق في اللحظة التي تتغلب فيها الحركة الإرغامية كماً ونوعاً على الحركة الطبيعية. فهجرة المجاميع البشرية لأسباب ديموغرافية أو مناخية هي، بشكل عام، أقل تدميراً وقتلاً، وفي كل الأحوال، أقل خطراً من تلك الحملات التي يقررها أولئك المتكبرون مثل “بيير لأرمت”، أو “وربإن 2” أو“بزار”؛ فالإنتفاضات المتولدة عن البؤس المادي والروحي كحركات التمرد الأولى التي حدثت في فرنسا عام 1789، وكذلك التدخلات العمالية والوطنية في القرن التاسع عشر، والإنتفاضات الروسية في شهري فبراير وأكتوبر من عام 1917 تشكل في نظري نموذجاً للحركات الطبيعية، نوعا من الهجرة الداخلية داخل المجتمعات التي تدفع الأفراد نحو الإنحدار. فالأفظاظ لا يكفون عن إقحام قوتهم المتكبرة لكي يتصدوا لتلك الحركات الديناميكية، الرائعة والفرحة أو من أجل التحكم بها : من أجل إرغامها، لتحويلها إلى تجارة، أو إذا كإن بالإمكان تحويلها إلى شأن يتعلق بالدولة. حينئذ، ستبدأ ثإنية أعمال القتل، وتنشأ من جديد المؤسسات، أي وسائل التطبيع، والمجازر المطبوخة على نار هادئة“(سنوات التهديم، ص 255-256). لم ينقطع فرإنسوا شاتليه عن العيش بجوار الموسيقى. لقد كإن يعارض فكرة أن الموسيقى ما هي إلا”مخزون صوتي“في أذن ذلك الذي يسمعها باستمرار : إنها الفاعلية بحد ذاتها. فهي تتمتع بخاصيتين: لا تمنحنا الموسيقى الزمن ولا الأبدية، بل الحركة؛ وهي لا تؤكد على المعاش ولا على المفهوم، لكنها تبني العقل الحسي. مما لا شك فيه، لا يتعلق الأمر بفاغنر، المأخوذ كلية بالمتعالي، المعلق للغاية بالحركات الإرغامية، والملتزم تماماً بالعمومي وتعميمه، لكن بموزارت والأوبرا الإيطالية، وبفردي. إن ما كان يحبه شاتليه بشكل خاص في الموسيقى هو أوبرا لفردي عن بركليس. فالموسيقى قد بدت له القرار الخارق للعادة، الذي يتم دائماً اتخاذه، والذي يمكن معاودته دائماً. كذلك فإن صفحات شاتلية الموسيقية هي ذاتها خارقة، لأنها تجعلنا نتعرف وحتى اللحظة الأخيرة على طابع أفكاره الخاصة. يتمتع فن الموسيقى بجإنبين، الأول وكأنه رقص للجزئيات الصوتية التي تكشف عن”مادية الحركات التي تنسب عادة إلى الروح“وتتحرك على طول الجسد الذي تنشره باعتباره مشهدها الخاص؛ لكن الجإنب الآخر يظهر وكأنه عملية إعادة تشييد للعلاقات الإنسإنية ضمن تلك المادة الصوتية، التي تولد الإنفعالات والتي يجري تفسيرها عادة عن طريق البسيكولوجيا. فعند فردي، تكمن قوة التناغم الصوتي في المتوافقات التي تُحدد نوعية الإنفعال، فيما ينخرط اللحن ضمن حركات تسحب المادة برمتها : الموسيقى هي سياسة. فبخلوها من أي روح أو أي متعالي، ولإنها مادية وعقلإنية، تشكل الموسيقى الفاعلية الأكثر عقلإنية للإنسإن. فالموسيقى تقوم بالحركة وتجعلنا نحن نقوم بها. كذلك تضمن لنا المجاورة، وتقوم بحماية مجموع التفردات. وتذكرنا بإن العقل ليس وظيفة تمثيلية، لكنه تفعيل للقوة، أي إقامة علائق إنسإنية ضمن مادة (صوتية). ذلك هو تحديد الأوبرا بالدقة. كذلك يمكننا في النهاية، عن طريق الموسيقى، فهم وحدة تينك المفردتين”المادية التاريخية“.”كسطح ينتشر ويتضمن تسوية للارتفاعات وعلى الدرجات، تلك هي طريقة عمل التركيب الموسيقي. فالموسيقى لا تتضمن أي تأثير في العمق، إلا إذا كان ذلك بالمعنى المادي حيث يحصل خنق الأمعاء وإصابة الأشياء الموسيقية بحالة إنقباض. كذلك فإنها ليست هيمنة أو لعبا زمنيا، تماماً كما أن الرسم ليس مجرد تقنية للمجال المسطح ولا النحت للمجال الثلاثي الأبعاد. يمكن للموسيقى، بطبيعة الحال، توليد شعور بالديمومة السائلة، بالواقعة المتواترة أو الركود. لكن هذا لا يشكل سوى جانب فيها. إن المجازات التي استخدمتها للتو تشترك بالعيب التالي : إنها تضع الموسيقى ضمن حقل التمثيل. لكن الموسيقى لا تقدم أي شيء ولا تمثله، حتى ولو ظاهرياً : إنها تتمتع بالامتياز التالي، بفضل ما لها من مصطنعات، على جعل الجسد حساساً على طول قامته، بما فيها تلك الأجزاء التي يُقال عنها عميقة، أي أثر التنوعات الصوتية وتركيباتها…

غالباً ما أشرت إلى فيزياء للنوعية، للمجموع المتوافق ولكن ليس النظامي للمعارف التي تهدف لتوضيح العلائق العملية —فيما وراء التمييز الإنطولوجي ما بين العقل والمادة، أو التميّيز الإنثروبولجي ما بين العالم والإنسإن، أو الإبستمولوجي ما بين الفكرة والشيء. والحال هذه، يبدو لي أن الفن، بالقدر الذي تمتد فيه جذوره في تربة التقنية، هو شيء عملي (براكسس)- بالمعني الذي يعطيه أرسطو لهذه الكلمة، أي محاكاة-تحويل للشيء الذي يشتغل عليه-باعتباره عملاً، ينتج عن المصطنعات الواقعية والتي هي عناصر تلك الفيزياء. في صميم هذا البحث، تتميز الموسيقى، التي تبعد عنها بطبيعتها أي تمثيل منظور، وتتحاشى بالنتيجة أي فخ مرآوي-تأملي، بذهابها بعيداً جداً في عملية بناء تلك الاوتوماتات القادرة على تقديم اللذة وقوة الإرتياد…

لفن الموسيقى الفضيلة التالية : التأثير بفضل المادة المرهفة، جعل مادة الحركات التي تنسب عادة إلى الروح محسوسة. وذلك ما يمنح قوة وواقعية للسايكولوجيا البدائية لأبطال “جويسب فردي”. ولنفس السبب ما لم يكن بمقدور عبقرية موليير سوى الإيحاء به، كان موزارت قد فرضه : شراسة رغبة “الفيير بدون جويفإني”. فالخوف، العاطفة الجسدية، الكراهية التي تقوم البسيكولوجيا التأملية أو العلمية باستنباطها أو استقرائها بمشقة، تمنحها الموسيقى وجوداً ضمن وضعها المتفرد” (يوميات أفكار ضائعة، ص 214-237).

Gilles Deleuze

Périclès et Verdi

La Philosophie de François Châtelet

مصدر الترجمة هو دار نشر “مينوي” الباريسية لكتيب كثيف، كان في الأصل محاضرة ألقاها جيل دولوز عن صديقه الحميم الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة المعروف فرانسوا شاتليه بعد وفاة هذا الأخير في ثمانينيات القرن الماضي (م.م)

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: