جريدة الحياة تذكر: التنظيم الحيوي بقيادة رائق النقري، إضافة الى جماعتي صلاح جديد والقيادة القومية العراقية، و رياض الترك


النسخة: الورقية – دوليالثلاثاء، ١٧ مارس/ آذار ٢٠١٥ (٠٠:٠ – بتوقيت غرينتش)

هل صحيح أن ثمة «مؤامرة كونية» تحاك ضد سورية «الدور والموقع – قلب العروبة النابض»، لثنيها عن خيارها «المقاوم والممانع» للإمبريالية والصهيونية والقوى الرجعية؟ أم أن أصحاب هذا الخيار كانوا محكومين بالبناء الإيديولوجي الذي ورثوه عن أسلافهم المؤسسين، كونه يؤمّن المشروعية السياسية والسلطوية؟ وفقاً لمعتقدات مطلقة من تنظيرات زكي الأرسوزي وميشيل عفلق، فإن «لا شيء يعدل العروبة وشرف الانتساب إليها… ومن واجب العرب أن يعمموا في العالم فضائلهم وسجاياهم، حتى ترتفع الشعوب الأخرى إلى مشابهتهم أو مداناتهم»!

والمسار هذا، كان ينبئ بعدم الاتساق بين الأهداف وإمكانات الواقع. فالمسألة كانت برمتها تقليداً وتأثراً بإرهاصات الغرب الأوروبي الثقافية والسياسية، حيث أُعجب القوميون العرب، بالنظرية العرقية في الإيديولوجيا النازية. ولعلّ قول القيادي سامي الجندي «كنا عرقيين معجبين بالنازية» يوصّف الحالة والتجربة اللتين كان يمر بهما حزب البعث، إذ تؤكدان غياب الرؤيوية السياسية، لا سيما بعد فشل شعار «لنحقّق الوحدة العربية بأي ثمن» الذي أخذ طريقه بين 1940 و1950، لينتقل بعدها إلى «النضال ضد الاستعمار ودور الجماهير الشعبية». ومع فشل وحدة 1958 بين سورية ومصر، ثم الاستيلاء البعثي على السلطة، طُرح شعار «التحقيق الديموقراطي والشعبي للوحدة»! حيث اعتمد مبدأ توجيه مناهج التعليم ووسائل الإعلام بما يرسخ أهداف ثورة البعث، وعليه بدأ العمل لإعداد «جيل عقائدي» يدافع عن الثورة ويحقق أهدافها.

ومع «الحركة التصحيحية» في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1970، توجّه المسار الثوري نحو الشرعية الدستورية. فالحركة لم تعتبر نفسها انقلاباً على القيادة القطرية التي جاءت بها حركة 23 شباط (فبراير) 1966 «اليسارية»، بل تصحيحاً وإنقاذاً لها مما سُمي بعقلية المناورة والتسلط! والحقيقة أن الحقبة الأولى من حكم الأسد عكستها ثلاثة متحولات أساسية أرخت بظلالها على واقع الحياة السياسية ومستقبلها، تمثل الأول بتوقيع أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية في آذار (مارس) 1972 على «ميثاق الجبهة» الذي ينصّ على اعتبارها قيادة سياسية عليا تقرّ مسائل السلم والحرب، والخطط الخمسية، وترسّخ أسس النظام الديموقراطي الشعبي، وتقود التوجيه السياسي العام. كما نصّ على قيادة البعث لها من خلال تمثيله الأكثرية فيها. ما أفضى الى حدوث تصدّعات وانقسامات داخل النخب السياسية القومية واليسارية.

المتحوّل الثاني، كان في الاستفتاء على «دستور 1973 الدائم»، الذي شرعن عبر المادة الثامنة هيمنة الحزب كقائد للمجتمع والدولة. ما دفع بحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الى الخروج من الجبهة. ومن خارج الجبهة، عارضت كوادر الصف الثاني من «الإخوان المسلمين» الفقرة الأولى من المادة الثالثة التي لا تنصّ على دين رئيس الدولة، فكان إضراب حماة الأول. وتطويقاً لهذا الحدث، طلب الأسد من مجلس الشعب تعديل المادة بحيث تنصّ على أن دين رئيس الدولة هو الإسلام!.

المتحول الثالث، اتخاذ القيادة القطرية السورية في حزيران (يونيو) 1976، قرار التدخل العسكري في لبنان باعتباره «واجباً قومياً». ما دفع بمعارضي الأسد الى التصعيد. هكذا، واجه كتلة عسكرية انقلابية سرية في الجيش من تنظيم الضباط الأحرار، وتنظيم الطليعة العربية المقاتلة بقيادة النقيب في سرايا الدفاع رائق النقري، إضافة الى جماعتي صلاح جديد والقيادة القومية في العراق، بينما فكّ «المكتب السياسي» بقيادة رياض الترك، مطالع 1976، تحالفه مع البعث في إطار الجبهة، مساهماً في تشكيل «التجمّع الوطني الديموقراطي». وانعقد صيف 1976، المؤتمر التأسيسي الأول لرابطة العمل الشيوعي حيث تبنت منهج تثوير الأحزاب الشيوعية السورية التقليدية. وفي نهاية 1978، عقدت الكوادر الناصرية الراديكالية مؤتمرها التأسيسي الأول، وفيه ظهر «التنظيم الشعبي الناصري». وأما المعارضة الأخطر، فتصدّرها تنظيم الطليعة المقاتلة بقيادة مروان حديد، وبدأت باغتيال الرائد محمد غرة، رئيس فرع المخابرات العسكرية في حماة مطالع 1976 كأول رصاصة «في سبيل الله»، ثم تواترت العمليات بعد دخول الجيش السوري الى لبنان.

بهذا السياق جاء انعقاد المؤتمر القطري السابع، أواخر 1979 وأوائل 1980، محكوماً بشقيه: السياسي – الأمني والاقتصادي – الاجتماعي، حيث أقرّ توصية «تكثيف الحملة أمنياً وسياسياً لتصفية عصابة الإخوان المسلمين»، ضمن حملة تطهير انتهجت سياسة «تجفيف الينابيع». كما اعترف المؤتمر بأن الأزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، تعود أساساً إلى «الممارسات داخل الحزب وفي الدولة والمجتمع». حيث أدى تضخّم الفساد إلى «اختناقات معاشية واسعة وفجوة كبيرة في توزيع الثروة، وبروز طبقة جديدة في المجتمع ذات ثراء وجشع كبيرين، نمت كالطفيليات في ظلّ خطة التنمية وسلبيات تطبيقها». وبذلك يصبح من الطبيعي، مع نهج كهذا، وصول البلد إلى أحداث 1982 الدامية.

بناءً على ما تقدّم، ألا يفترض بالقيادة السياسية الحالية أن تتواضع قليلاً، وتقرّ بأن الأزمة المرعبة التي نشهدها هي بالأساس منتج داخلي؟ وإذا كانت ثمة مؤامرة، فمن هيأ الطريق وأغرى الدب بالمجيء إلى كرمنا؟.

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: