صلاح سالم : نحو لاهوت إنساني

الدين  للإنسان وليس الإنسان للأديان

تفتقر مواجهاتنا مع التطرّف والإرهاب إلى مبدأ تنويري ضروري، يصعب على علماء الدين الإفصاح عنه لأنه ينال من سلطتهم على الجماهير الواسعة، كما يصعب على رجال الفكر التصريح به نفاقاً لهذه الجماهير نفسها.

هذا المبدأ هو ما كان المسيح، عليه السلام، قد أشار إليه: السبت لأجل الإنسان، وليس الإنسان لأجل السبت. والسبت هنا هو الدين، وفق الموروث اليهودي الذي يندرج المسيح في سياقه. غير أن المسيح قد غاب من دون أن تنتصر المسيحية، فما انتصر بعده كان هو الإيمان البولسي (نسبة إلى الرسول بولس)، ومعه انتصرت الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، وما تفرّع عنها من كنائس قريبة منها أو بعيدة عنها، فانهزم الإنسان شرّ هزيمة أمام سيف الكهانة، التي اتسعت تجارتها حتى بلغت صكوك الغفران، ومن ثم كان الإصلاح الديني، فبدأ المسيحي الأوروبي مسيرة تحرّره من ربقة البطريركية القامعة، عبر سيرورة ممتدة تغذت على المذهب الإنساني، وفلسفة التنوير، واكتملت بنضوج الحداثة وحضور الديموقراطية السياسية.

المبدأ نفسه هو ما تكشف عنه الرؤية القرآنية للوجود، فالإنسان في الإسلام يأتي قبل الدين، وإن تالياً على الله، قطب الوجود الأول. ليس الله هو الدين، بل رب الدين، الذي خلق الإنسان، واستخلفه في أرضه، ومنحه الدين عطية روحية ترشده إلى الطريق القويم، الذي في نهايته تتحقق الخلافة الحضارية على الأرض، حيث التمدّن والتحرّر والتقدّم، مع الإيمان، وليس الخلافة السياسية على الطريقة التقليدية الأموية أو العباسية أو العثمانية حيث القهر والقمع تحت لافتة الدين. أو على الطريقة الداعشية حيث العبث والهمجية يجعلان من روح الإنسان السامية مجرد قربان يتوجب التضحية به على مذبح إمارة جاهلة. ذلك أن الإيمان لا يكون إلا بالإنسان وللإنسان، والخضوع الإنساني ليس للدين، ولا للناطقين باسمه، بل لله، قطب الوجود الأول (الخالق)، فيما الإنسان قطبه الثاني (المخلوق)، والجسر بينهما هو الإيمان.

هذا المبدأ، وللأسف، قد هزم مراراً فى تاريخ الإسلام، عندما هزم الإنسان وقدمت دماؤه على مذبح أولي الأمر من كل حدب وصوب، إذ هزم المسلم أمام تحالف الفقيه مع السلطان، وصعدت الدول على أسنة المذاهب، وتأسست المذاهب على رماح الدول، حيث السلطان يرعى الفقيه، والفقيه يبرر السلطان، وما بينهما سقط العقل، أمانة الله في الإنسان، مغشياً عليه، وملقيّاً فى غياهب النسيان.

هزم الإنسان ليس أمام الله، فما بين الله والإنسان ليس إلا الإيمان، ذلك الجسر الجميل، الذي تتناثر عليه الزهور: من ضمير يراقب الله، وروح تشغف به، وإرادة تتوجه إليه، جميعها محطات اختيار للإنسان، يقف على كل منها وينادي ربه، مستبطناً: أنت حسبي، لا إله إلا أنت، ليس لي سواك… بل هزم أمام المذاهب الكبرى التي ضيّقت على عقله الخناق فتعطّل، وفرضت على إرادته القيود فعجز، إذ تحوّل الإيمان الرحيب إلى كهف كئيب، بل انبرى الفقهاء الكبار من تابعي الأئمة الأولين، أصحاب المذاهب المعتبرين، بعد عقود أو حتى قرون من رحيلهم، إلى إعادة تفسير مذاهبهم، ليضيفوا إلى الضيق تضييقاً، ويزيدوا على ظلمة الكهف إظلاماً، فإذا بالعقل يموت بعد ذبول، والحرية تذبل بعد أفول، فما الذي يبقى للإنسان بعد العقل والحرية؟ لقد مات الإنسان، وصار الله على مشارف الموت!

أضع علامة تعجّب، كي لا تتعجب قارئي العزيز، فلن يموت الله فى عرشه، ولا فى كونه، ولا في الوجود الذي خلقه بحكمته، بل يموت فينا وداخلنا، بعد أن ماتت ضمائرنا، وتعطلت إرادتنا… بعد أن غاب الإيمان بين عمامة الفقية وسيف السلطان اللذين تكالبا على الإنسان، بزعم حماية الدين ورعاية الإيمان، بطول التاريخ وامتداد الزمن.

يموت الله فينا (عزّ شأنه) عندما يُقتل طفل بلا ذنب جناه، أو يُباع رقيقاً فى سوق النخاسة باسم الجهاد فى سبيل الله. عندما تُغتصب امرأة لأن الذئب لم يرع فيها الله، أو تُسبى لأن مذهبها يغاير مذهب المجرم الذي اعتلاها من دون خشية من حرام أو خوف من الله. عندما يقتل شيخ كبير بسيف شاب صغير بدلاً من أن يرعاه ويحمي شيخوخته.

ويموت الله فينا لأننا أهدرنا، زوراً وبهتاناً، معنى الخلافة الحضارية على كل صنوف الخلافات السياسية، ولم نحفظ عهده إلينا برعاية الطبيعة وصون الحياة، حينما أخذنا ندمر كل شيء لغيرنا لأنه فقط ليس بملكنا، وهو في الحقيقة ملك الله. كل شجرة تُقلع، وكل جسر يُدمر، وكل بناء يُهدر، هو ملك الله، فالزرع هنا والبناء هناك، ومدّ الجسور بينهما عمل من أعمال الله، ومطلب من مطالب الشرع. ولهذا كانت رسالة العمران التي تقع في موضع القلب من كل إيمان، ولهذا كانت قبل الأديان، وكانت الأديان للإنسان وليس الإنسان للأديان.

* كاتب مصري

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: