بيركلس وفردي: فلسفة فرانسوا شاتليه – جيل دولوز

ترجمة : حسين عجة

لقد عرفَ فرانسوا شاتليه بنفسه دائماً باعتباره عقلانياً، لكن أية عقلانية؟ فهو لم يكف عن الرجوع إلى أفلاطون، وهيغل، وماركس. ومع ذلك، فإنه قبل أي شيء آخر أرسطوطاليسي. حينئذ، ما الذي يميزه عن أحد أتباع توما الأكيوني؟ ما يميزه، دون شك، رفضه لله ولكل ما هو متعال. إذ كان يُسمي كل المُتعاليات والمعتقدات بوجود عالم آخر “بالتكبر”. لم يكن أبداً ثمة من فيلسوف آخر، ما عدا نيتشة بطبيعة الحال، أكثر منه هدوء بإلحاده. نعني بالإلحاد الهادىء تلك الفلسفة التي لا يمثل فيها الله مشكلة، فعدم وجوده وحتى موته لا يشكلان مشكلة عند شاتليه، لكن، على النقيض من هذا،هي الشروط التي تدفع على التعامل معها كونها من المكتسبات التي تنبثق عنها المشاكل الحقيقية : ليس هناك أكثر تواضعاً من هذا. كذلك لم تكن هناك أبداً فلسفة من قبله قد استقرت بثبات في حقل المحايثة.

“ضمن رطانتنا الفلسفية، طُُرح مبدأ باعتباره في آن واحد ينبوعاً لأي تفسير وواقعا متساميا، نطلق على هذا اسم المتعالي. المفردة في حد ذاتها جميلة وأجدها سهلة. لكن المتكبرين، بدءاً من قائد المجاميع الصغيرة وحتى رئيس الولايات المتحدة، مروراً بطبيب الأعصاب المُعالج للجماعات، تتعامل بجرعات المتعالي، كما يتعامل الشحاذ (كلوشار) بجرعات قنينة نبيذه الأحمر. لقد تشتت إلاه القرون الوسطى، لكنه لم يفقد بالرغم من ذلك قوته ولا وحدته الشكلية العميقة : فالعلم، الطبقة العاملة، الحزب، التقدم، الصحة، الآمان، الديمقراطية، الاشتراكية –وستطول القائمة- هي بمثابة أشكال لتحولاته. لقد أخذت هذه المتعاليات مكأنه (وهذا يكفي للقول بأنه ما زال هنا، كامل الحضور)، فهي تمارس بضراوة مهامها التنظيمية والتدميرية”. (سنوات التهدم، ص 263).

تكمن المحايثة، حقل المحايثة، في العلاقة ما بين القوةوالفعل. فهاتان الفكرتان لا تتواجدان إلا معيةً، ولا يمكن فصلهما عن بعضهما. من هذه الزاوية، فإن شاتليه أرسطوطاليسي. وهو يشعر أولاً بنوع من الانجذاب نحو القوة : الإنسان قوة، الإنسان مادة…

“لا تجذبني أبداً السلطة السياسية. كذلك يشكل ضد-السلطة، والإنتِ-سلطة، من وجهة نظري أفخاخا. ما يحرك اهتمامي هو القوة، ما يجعل من السلطة سلطة. والحالة هذه القوة هي، إذا ما تكلمنا بدقيق العبارة، كل واحد منا. فأنا أتمتع بممارسة قوتي – أي أعمل ما أستطيع عليه- لفهم( وللكشف عن) ميكانيزمات التقاط القوة، هنا وهناك، حيث تتوفر لدي”المعلومات“. ربما يمكن تسمية تدربي على ميلي للقوة، الاحتفاظ بها حية فيَّ، إيقاظ وإعادة إيقاظ تلك القوة من حولي؛ ربما يمكن تسميتها بالحرية”. (يوميات أفكار ضائعة، ص 218).

كيف يمكن المرور إلى الفعل، وما هي حركة تلك القوة؟ الفعل هو العقل. لكن ليس علينا فهم العقل بمثابة ملكة، ولكن كمسار، وهو يكمن بالدقة في تفعيل شكل القوة ومادتها. ثمة تعددية للعقل، إذ ليس هناك أي دافع يجعلنا نفكر بالمادة والفعل كونهما وحدات متفردة. ففي كل مرة نقيم فيها علاقات إنسانية ضمن مادة ما، في مجموعة بعينها، ضمن تعددية ما، نقوم بتحديد أو إبداع مسار عقلاني بعينه. أما الفعل، بمثابة علاقة، فهو دائماً فعل سياسي. والعقل كمسار هو كذلك سياسي دائماً. وقد يحصل ذلك في المدينة، أو ضمن مجموعة، مجموعة صغيرة، وحتى عندي أنا وحسب. فالبسيكولوجيا، أو البسيكولوجيا الوحيدة المقبولة بالأحرى هي بسيكلوجيا سياسية، ذلك لأني ملزم دائماً بخلق علاقات إنسانية معي. ليس هناك من بسيكولوجيا، ولكن سياسة للأنا. كذلك ليس ثمة من ميتافيزيقيا، بل سياسة للكينونة. كما أنه ليس هناك من علم، لكن سياسة عن المادة، ما دام الإنسان قد أخذ على عاتقه مشكلة المادة ذاتها. وهذا ما ينطبق حتى على المرض : لا بد من “مُداراته” عندما يعجز المرء من التغلب عليه، ومن ثم فرض علاقات إنسانية عليه. ولنأخذ مثالاً عن مادة صوتية : أن سُلَّم الأّنغام، أو بالأحرى أي سلم أنغام ما هو إلا مسار تعقيل يتمثل بإقامة علاقات إنسانية ضمن تلك المادة، بطريقة تُفعل قوتها، وتصبح هي ذاتها إنسانية. بهذا المعنى حلّل ماركس أعضاء الحواس، لكي يُبَينَ عبرها مُحايثة الإنسان-الطبيعة : تصبح الأذن أذناً إنسانية حينما تغدو المادة الصوتية موسيقى. ذلك لأن المجموع المختلف تماماً لمسارات التعقل هو ما ينشئ التحول أو فاعلية الإنسان، فنحن لا نعرف، عند هذه النقطة، إذا ما كانت هناك (les praxix) البراكسس، أو أنواع البراكسس وحدة إنسانية، من وجهة نظر التاريخ، أو من زاوية النظر التوليدية.

هل هناك مادة إنسانية حصرية، محض قوة متميزة عن الفعل، بمقدورها جذبنا نحوها؟ لا يمكن لمادة كهذه الكشف عن نفسها فينا كحرية، من دون أن تكون قد ظهرت سابقاً باعتبارها ما يشكل نقيضًا لذلك : لقد أسماها شاتليه قبل قليل “بالإغواء”. وقد تكون فعلاُ يُخمد القوة، وربما ستتعارض مع القوة القادرة على تحقيقها. قفا للعقل، أكثر من كونها نقيضاً له، حرمانا أو استلابا. وكأنه كان هناك علاقة لا إنسانية، لكن ضمن ما هو ماثل في العلاقة الإنسانية نفسها، لا إنسانية خاصة بالإنسان: تغدو الحرية حينئذ وكأنها قدرة للانتصار على الإنسان، أو الخضوع له أن القوة تفخيم، أي سلبية، مُتلقاة، بيد أن التلقي هو أولاً قوة تلقي الضربات، ومناولتها : تحمل غريب (pathos) .

مما لا شك فيه أننا نستطيع كتابة تاريخ أنظمة الهيمنة التي تتم فيها ممارسة فاعلية السادة؛ غير أن هذه الفاعلية لا أثر لها دون شهية أولئك الذين يأملون، باسم تلقي الضربات، القيام بمبادلتها. إنهم يناضلون من أجل عبوديتهم وكأنهم يعملون من أجل حريتهم، كما قال سبينوزا. إلى حد لا تكون فيه ممارسة السلطة أو الخضوع لها محض فاعلية للوجود الاجتماعي للإنسان، من دون أن تكون سلبية فيما يتعلق بوجوده الطبيعي. وحدة تجمع ما بين الحرب والأرض، بالطريقة التي اكتشفها شاتليه عند كلود سيمون، أو في الماركسية، التي لم تفصل يوماً بين الوجود الفاعل للإنسان التاريخي، والوجود السلبي لكائن طبيعي والذي هو بمثابة ظل للأول : “أن العقل وعقلانيته هي موضوع ماركس، وموضوعنا نحن… فهو يتطلع إلى أن يكون علماً نقدياً للسلبية العيانية، المتأصلة في الإنسانية. فالإنسان لا يموت لأنه فان (مثلما لا يموت لأنه كاذب، وكذلك لا يحب لأنه هو”الحب“) لكنه يموت لأنه لا يأكل كفاية، ويجري حطه إلى حدود البهيمة، أو لأنه يُقتل.إن المادية التاريخية تذكرنا بهذه الوقائع، كذلك يضع ماركس، في”الرأسمال“، أسس ما يمكن أن يكون منهجاً دائماً لتحليل الميكانيزمات التي تتحكم، في مرحلة ما –مرحلة كشفيه بصورة خاصة- بواقعة السلبية…” (أسئلة، اعتراضات، ص 115). ألا توجد قيم خاصة بذلك التفخيم؟ حتى وإن كانت يأساً من العالم، كما هو شديد الحضور عند شاتليه والمترافق مع أدب جم للغاية. فإذا كان الأفراد لا يكفون عن تحطيم بعضهم للبعض الآخر، قد يكون من الأفضل للمرء القضاء على نفسه بيده، ولو ضمن ظروف مريحة أو حتى روائية “كل حياة هي، بطبيعة الحال، مسار تهدم”، كما قال فيتزجرلاد. إن تعبير “بطبيعة الحال” يرن في الأذن وكأنه ملاحظة لما هو ماثل : العلاقة اللاإنسانية للفرد في علاقته بنفسه. فرواية شاتليه الوحيدة “سنوات التهدم” تستوحي بعمق تأثير فيتزجرلاد، الأناقة داخل الكارثة. لمَ لا يتم استثمار ليس الرغبة، ولكن إغواء الموت ضمن عنصر موسيقي، حتى وإن كان ثمن ذلك الموت؟ شيء كهذا ليس من شؤون التحليل النفسي، ولكنه شأن سياسي أيضاً. علينا إعارة الانتباه لعنصر التحطيم الذي يمكنه اختراق جماعة ما أو حتى فرد بعينه، أثنيا أو بيركلس. لقد كان “بيركلس” أول كتاب لشاتليه. فبركلس لن يكف أن يكون فرداً عظيماً أو بطلاً، بالنسبة لشاتليه : وهو كذلك حتى ضمن “سلبيته”، وبالرغم من إخفاقه والذي سيكون إخفاق الديمقراطية نفسها، وحتى عبر توجهها.

للتفخيم قيمة ثانية، اللياقة الأدبية. لياقة أدبية إغريقية في الحقيقة، وقد كانت مخططاً للعلاقات الإنسانية، بداية لفعل العقل. فالعلاقات الإنسانية تُشَرعْ لمقياس متري، تنظيم للمجالات التي تستند عليها المدينة. فن إقامة مسافات عادلة بين البشر، مسافات لا تراتبية، ولكن هندسية، لا تكون قريبة للغاية ولا بعيدة تماماً، وذلك لتحاشي تلقي الضربات أو مبادلتها. أي جعل اللقاء الإنساني طقساً، نوعا من الطقس المحايث، حتى وإن اشتمل على شيء من الشيزوفرينيا. إن ما علمنا إياه الإغريق، مثلما يذكرنا بذلك “جرنه” أو “فيرنانت”، هو أن لا نترك أنفسنا تُسَمر بمركز ثابت، لكن اكتسابنا القدرة على حمل مركز معنا تنظمه مجاميع العلاقات التناظرية التي يمكن قلبها والتي يصنعها أفراد أحرار. قد لا يكون ذلك كافياً للتغلب على يؤس العالم : إذ يتناقص يوماً بعد آخر عدد الأفراد الذين يتمتعون باللياقة الأدبية، فيما ينبغي أن يكون هناك اثنان على الأقل من أجل إظهار تلك اللياقة. لكن لياقة شاتليه المتطرفة ما هي سوى قناع تتكشف عبره القيمة الثالثة للتفخيم، والتي يمكننا تسميتها بالطيبة، حسن التفات حار. ومع ذلك، ليست هذه هي التسمية التي تليق بها، بالرغم من أن هذه النوعية، وتلك القيمة تنتميان بعمق إلى شاتليه. لكن أكثر من كونهما قيمة أو نوعية، هما حالة فكرية، فعل فكري. إنها تكمن في ما يلي : أن لا نعرف منذ البدء كيف يمكن لأحدهم، احتمالاً، إقامة مسار العقلنة في نفسه وخارجا عنها. مما لا شك فيه هناك كثير من الحالات المُضيعة، والخيبات، لكننا نمتلك حظا في مساءلة أنفسنا عما يحتاجه هذا الفرد، وكيف يسلك بغية الخروج من محاولات تدميره الذاتي؟ قد نكون جميعنا ولدنا على أرض تهديم، لكن لا ينبغي علينا تضيع أي فرصة. ليس هناك من عقل محض، أو عقلانية بامتياز. هناك مسارات عقلنة، غير متماثلة، مختلفة تماماً في ما بينها وفقاً للميادين التي تكون فيها، المراحل التي تعيشها، ووفقاً للمجاميع والأفراد. فتلك العقلانيات لا تكف عن الإجهاض،والانزلاق، والدخول في دروب مغلقة، ولكنها أيضا تعاود تناول نفسها في أماكن أخرى، مترافقة مع مقاييس جديدة، وإيقاعات جديدة، وقوام جديد. لقد كانت تعددية مسارات العقلنة مادة لتحاليل إبستمولوجية أساسية (تحاليل كوريه، باشلار، وكونغليم)، وكذلك مادة لتحاليل اجتماعية-سياسية (سوسيو-بولتك) (ماكس ويبر). كما أن فوكو في كتبه الأخيرة كان يوجه تلك التعددية نحو تحليل للعلاقات الإنسانية التي كانت في طريقها إلى تشكيل إتيكية جديدة، وذلك من زاوية نظر ما أُطلق عليه في حينه “مسارات الشخصنة” : فهو قد كشفَ عن التفرعات، والانحرافات، وعن التاريخ المُثلمِ لعقل يتمتع دائماً بالحرية أو الاستلاب ضمن علاقات الإنسان بنفسه. وكان لا بد لفوكو من الصعود حتى الإغريق، لا لكي يعثر هناك على معجزة العقل بامتياز، عقل معطى مرة وإلى الأبد، أي معجزة بائسة، ولكن فقط لكي يقوم ربما بفحص أول مخطط لمسار العقلنة، التي سيعقبها غيرها، تحت ظروف أخرى وضمن قوام آخر. ففوكو لم يحدّد المدينة الإغريقية عبر تنظيم جديد للمجال، بل كونها علاقة إنسانية مُحدّدة تجري فيها المنافسة بين أفراد أحرار أو مواطنين (في مجال السياسة، ولكن أيضاً في الحب، في الرياضة الجسدية، وفي ما يتعلق بالعدالة…) : ففي توسع العقلانية والشخصنة، لن يكون بمقدور فرد حر، من حيث المبدأ، توجيه أوامرإلى الآخرين، إن لم يكن قادراً بدءًا على توجيهها لنفسه. ذلك هو الفعل أو المسار الإغريقي الخاص، والذي لا يمكننا أن نجعل منه فعلاً مؤسساً، ولكن واقعة متفردة ضمن سلسلة مهشمة. عند هذه النقطة يلتقي شاتليه دون شك، وعلى طريقته الخاصة، بفوكو، وذلك بانطلاقه من المدينة الإغريقية. ففكرة منصب القاضي هي التي خولت لشاتليه تحديد المدينة الإغريقية، ليس عبر اختلافها عن باقي الأفكار(القس، الموظف الإمبراطوري…)، لكن عبر ملازماتها التي تدخل ضمن مسارات العقلنة المناظرة لها أيضاً (القرعة عن طريق الحظ مثلاً). كيف تم تناول السحب عن طريق الحظ ضمن حركة العقل، لا أحد قد بينَ ذلك أفضل من شاتليه. كذلك فإن العقلنة، بالنسبة لشاتليه، هي مسار تاريخي سياسي، كان قد عرف مع أثينا أول واقعة له، لكنه عرف معها أيضاً أول إخفاقاته ومسح آثاره، بيركلس، حيث شرعت وقائع أخرى ضمن مسارات غير مسارات تلك الواقعة. فأثينا لم تكن بشارة العقل الأبدية، بل الواقعة المتفردة لعقلنة وقتية، يتوازى تألقها مع تشظيها.

فنحن عندما نفكر بعقل متفرد، شمولي ومستقيم، نسقط بالدقة في هوة ذلك الشيء الذي أطلقَ عليه شاتلية اسم “المكابرة”، نوع من عدم اللياقة الأدبية الميتافيزيقية. وقد قام شاتليه بفحص ذلك عند أفلاطون، لكن حتى عندما نتعرف ضمن العقل على ملكة إنسانية وإنسانية وحسب، فأننا نلزمها كذلك بمتعال تيولوجي. فبدلاً من تعددية المسارات، نقوم بتنصيب ثنائية ما بين الخطاب والعنف، وكأن العنف لا يواصل عشعشته داخل الخطاب نفسه، ويوفر له العديد من التعرجات والدوافع. لقد اعتقد شاتليه لوقت طويل، تحت تأثير “أريك فيّي”، بالتعارض ما بين العنف والخطاب، وذلك وفقاً لنموذج أفلاطوني وهيغلي. لكن ما صار يكتشفه، على العكس من ذلك، هو شهية الخطاب في جعل صوت العلاقة اللاإنسانية الخاصة بالإنسان هو منْ يعلو : من واجب الخطاب الشروع بمسار عقلنته الخاصة، لكن تحت تأثير الصيرورة وحسب، تحت ضغط دوافع بعينها، ولصالح وقائع بحد ذاتها. إن الأهمية القصوى لكتاب “ولادة التاريخ” هي أن شاتليه قد اكتشف فيه صورة عن الخطاب، أو عن لوغوس أكثر قرباً من “تسديد” عنه من أفلاطون أو هيغل. وكذلك سوف لن يكف عن رفض متلازمتين لعقيدة عن العقل العام : الحاجة الطوباوية للإيحاء بمدينة مثالية، أو دولة حقوق كونية، غالباً ما تدير ظهرها، لتغدر بالصيرورة الديمقراطية؛ والحاجة الجحيمية للإشارة إلى انحراف، إلى استلاب جذري للعقل يكون قد نتج مرة وإلى الأبد وسيقضي بضربة واحدة على كل ما هو عنف أو لا إنساني. فذات “المكابرة” هي من يسند للعقل بعداً متعالياً ومن يقول بفساده، كذلك يتلازم هذان التصريحان، منذ أفلاطون، وكأنهما توأم.

يطور شاتليه إمبيريقية عقلانية، أو عقلانية إمبيريقية متعددة. إن ما يسميه “بالإمبيريقي” يعتمد قبل كل شيء على مبدأين، وفي شكل سلبي : لا يفسر التجريد أي شيء، فهو نفسه يتطلب التفسير؛لا وجود لما هو شامل، المتفرد هو الموجود وحده، أو مسار التفرد. إن “التفردية” ليست الفردانية، إنها حالة بعينها، الواقعة الضمنية، أو بالأحرى إعادة توزيع الضمنيات الموجودة في مادة ما. إذ ليس هناك من فارق جوهري بوضع بطاقة سياسية للفرد، لجماعة بعينها أو لمدينة ما : سيتعلق الأمر بمد فرادة ما إلى حدود تلك التي تجاورها، بطريقة يتولد عنها “تشكل وقائع”، أي المجموع الأكثر ثراء أو الذي يمكنه أن يكون أكثر تماسكاً. يمكننا القيام بذلك كمؤرخين : تاريخ أثينا، مثلاً. لكننا لسنا بالمؤرخين إلا إذا عرفنا كيفية القيام ثانية بتلك العملية والتي هي بيركلس نفسه، ذلك الترابط وخلق التواصل ما بين التفردات التي كان يمكن أن تظل ضمنية ومعزولة من دون تلك السياسة التي يُطلق عليها عن حق اسم بيركلس. فالفرد، حتى وإن لم تكن له أية قيمة، هو نفسه بمثابة حقل من التفردات التي لا تحصل على اسمها الخاص إلا بفضل تلك العمليات التي يقوم بها الفرد على نفسه وفي حدود جيرته لكي يستخلص منها تشكلا قابلا للتوسع. يقول شاتليه عن نفسه : كانت تربيتي برجوازية صغيرة، كنت متأثراً بهيغل، وعشت واحدة من تلك الحقب التاريخية التي جعلت من كل روح حساسة نوعاً ما روحاً مريضة… وها إننا أمام ثلاثة أحداث “تبدو دون علاقة في ما بينها، باختصار مجموعا تعدديا، انتشارا لشيء ما ولكن ليس بالضرورة لشخص ما”. بمعزل عن أهمية المادة المُقدمةِ، ذلك هو ما نطلق عليه اسم الإمبيريقي، أو “التاريخ الحاضر”. إذ ليس المُعاش من يتمتع بتلك التفردات نفسها ومن ثم يخلفها معزولة، ولا “المفهوم” الذي يغرقها في ما هو عام ويجعل منها محض لحظات وحسب. إنها الضربة الحقيقية للنرد بغية توليد التشكل الأكثر تماسكاً، المنحنى الذي يحدّد المزيد من التفردات داخل الضمني، فعل “النشر” الذي ينسج من نقطة إلى أخرى المزيد من العلاقات الإنسانية. ذلك هو تفعيل القوة أو الصيرورة الفاعلة : الأمر يتعلق بالحياة وتمددها، كما يتعلق بالعقل ومساره، انتصار ضد الموت، ما دام ليس هناك من خلود سوى هذا التاريخ في الحاضر، ولا حياة أخرى غير التي تقوم بوصل الجيران وتلاقيهم. يسمي شاتليه هذا “بالقرار”، وكل فلسفته هي فلسفة قرار، فرادة القرار، مقابل التعميمات الشمولية للتأمل والاتصال : فإن كان ذلك في أثينا أو في غرفتي، كل فعل هو فعل “بيركليسي”، و“في العمق ما ينتج عن الفعل البيركليسي هو القرار”.

“يَفرضُ ثقل الإمبيريقية نفسه دائماً باعتباره تعددية، أو بصورة أدق، كمجموع متعدد. إمبيريقي. كذلك يمكننا القول بأنه تاريخي، لكن ليس بالمعنى المُبتذل الذي يتحتم فيه على المؤرخ، بمرغما بالموضوعية، وضع مسافة بينه وبين المجموع المتعدد ذاك، ومن ثم بناؤه كمادة يعالجها وكأنها تنتمي للماضي، بل بمعنى التاريخ الحاضر. وهكذا بالنسبة لي، فإن الحقل الذي تجري فيه تلك المعالجة حقل إمبيريقي، إذا ما فهمنا هذا الأخير بأنه يتعارض في آن مع المُعاش – غير الأساسي، بطبيعته- ومع المفهوم –والذي ينتمي إلى نظام آخر-. (يوميات أفكار ضائعة، ص 15). يعرض أي مسار عقلنة نفسه بالطريقة التالية: إنه تفعيل قوة، صيرورة فاعلة، توليد علاقة إنسانية، اتخاذ قرار. هل تتعادل جميع هذه التعابير؟ كل فلسفة تسعى نحو الملموس تطالب”بالقيام بالحركة“، بدلاً من التفكير فيها ضمن التجريد الشمولي. فالشمولي لم يركض ولم يسبح يوماً، لكنه يقوم بحركة السباحة فوق الرمل الناشف، ويقوم بحركات مراوحة في نفس المكان الواحد، لأنه غير منشغل بالنتائج. شيء مختلف هو العقل المتفرد الذي يقفز داخل محايثة الحياة، ذلك لأنه يوجه لنفسه أهدافاً”إذا كان بالإمكان تشكيل صورة عن ذلك الإنسان“، أي مواطن الدولة الشمولية،”فسوف لن يكون من الضروري على المرء التحرك سياسياً، وقد يكفي، على الأقل تخيلياً، أقامت تمثيله المُتخيل: المشكلة هي ليست مشكلة الغاية، ولكن الحركة“(أسئلة، اعتراضات، ص217). أن الحركة هي فعل القوة ذاته. فأن يقوم المرء بالحركة، فهذا معناه عبوره نحو الفعل، تشييده لعلاقة إنسانية. كذلك فإن اتخاذ القرار لا يعني مجرد الرغبة في القيام به، بل فعله. صحيح أن كل حركة ليست بمسار عقلنة، لكن إذا كان شاتليه أرسطوطاليسيا بصورة عميقة، فذلك لأنه يعطي للحركة الطبيعية وللحركة الإرغامية محتوى عمليا وتاريخيا نموذجيا. إن الحركة الإرغامية تصدر دائماً من فوق، من متعال ما يمنحها غاية، ومن”وسيط“فكري تجريدي يُحدّد لها مدى معينا، ولا يكف عن تركيبها مع خطوط مستقيمة حتى قبل أن يشرع بها : ولا يطالب أيضاً بعقل شمولي مُفترض دون أن يدخل في كارثة تمس الكون، وذلك إلى حد معاودة الكرة من جديد، بطريقة تجريدية، كما هي قاتلة. إنها ما يتناقض مع الحركة الطبيعية التي لا تتشكل إلا من التفردات ولا تراكم شيئاً آخر ما عدا المُتجاورات، وتنتشر عبر مجال تخلقه على مقاس إنعطافاتها أو تعرجاتها، بادئة باتصالات غير قائمة سلفاً، ومنطلقة من الجماعي نحو الفردي وبالعكس. ارتياد للمتجاورات، بث التفردات، القرار، تلك هي مكونات فعل العقل. فإذا كإن يمكن التعامل مع العقل باعتباره ملكة، فذلك بالدقة لكونه مساراً، ما دام لا يجد نفسه إلا في”تلك الحركات المتفردة جميعها، والمتولدة عن مسارات متداخلة“، وبهذا”تبني مجالاً ضخماً، يأتي، يتقدم، ينطوي حول نفسه، يتشعشع، ينفجر، يلغي نفسه وينتشر“(يوميات أفكار ضائعة، ص 237).”يوما بعد آخر يبدو لي أن الكوارث، والتعاسات الكبرى تتحقق في اللحظة التي تتغلب فيها الحركة الإرغامية كماً ونوعاً على الحركة الطبيعية. فهجرة المجاميع البشرية لأسباب ديموغرافية أو مناخية هي، بشكل عام، أقل تدميراً وقتلاً، وفي كل الأحوال، أقل خطراً من تلك الحملات التي يقررها أولئك المتكبرون مثل “بيير لأرمت”، أو “وربإن 2” أو“بزار”؛ فالإنتفاضات المتولدة عن البؤس المادي والروحي كحركات التمرد الأولى التي حدثت في فرنسا عام 1789، وكذلك التدخلات العمالية والوطنية في القرن التاسع عشر، والإنتفاضات الروسية في شهري فبراير وأكتوبر من عام 1917 تشكل في نظري نموذجاً للحركات الطبيعية، نوعا من الهجرة الداخلية داخل المجتمعات التي تدفع الأفراد نحو الإنحدار. فالأفظاظ لا يكفون عن إقحام قوتهم المتكبرة لكي يتصدوا لتلك الحركات الديناميكية، الرائعة والفرحة أو من أجل التحكم بها : من أجل إرغامها، لتحويلها إلى تجارة، أو إذا كإن بالإمكان تحويلها إلى شأن يتعلق بالدولة. حينئذ، ستبدأ ثإنية أعمال القتل، وتنشأ من جديد المؤسسات، أي وسائل التطبيع، والمجازر المطبوخة على نار هادئة“(سنوات التهديم، ص 255-256). لم ينقطع فرإنسوا شاتليه عن العيش بجوار الموسيقى. لقد كإن يعارض فكرة أن الموسيقى ما هي إلا”مخزون صوتي“في أذن ذلك الذي يسمعها باستمرار : إنها الفاعلية بحد ذاتها. فهي تتمتع بخاصيتين: لا تمنحنا الموسيقى الزمن ولا الأبدية، بل الحركة؛ وهي لا تؤكد على المعاش ولا على المفهوم، لكنها تبني العقل الحسي. مما لا شك فيه، لا يتعلق الأمر بفاغنر، المأخوذ كلية بالمتعالي، المعلق للغاية بالحركات الإرغامية، والملتزم تماماً بالعمومي وتعميمه، لكن بموزارت والأوبرا الإيطالية، وبفردي. إن ما كان يحبه شاتليه بشكل خاص في الموسيقى هو أوبرا لفردي عن بركليس. فالموسيقى قد بدت له القرار الخارق للعادة، الذي يتم دائماً اتخاذه، والذي يمكن معاودته دائماً. كذلك فإن صفحات شاتلية الموسيقية هي ذاتها خارقة، لأنها تجعلنا نتعرف وحتى اللحظة الأخيرة على طابع أفكاره الخاصة. يتمتع فن الموسيقى بجإنبين، الأول وكأنه رقص للجزئيات الصوتية التي تكشف عن”مادية الحركات التي تنسب عادة إلى الروح“وتتحرك على طول الجسد الذي تنشره باعتباره مشهدها الخاص؛ لكن الجإنب الآخر يظهر وكأنه عملية إعادة تشييد للعلاقات الإنسإنية ضمن تلك المادة الصوتية، التي تولد الإنفعالات والتي يجري تفسيرها عادة عن طريق البسيكولوجيا. فعند فردي، تكمن قوة التناغم الصوتي في المتوافقات التي تُحدد نوعية الإنفعال، فيما ينخرط اللحن ضمن حركات تسحب المادة برمتها : الموسيقى هي سياسة. فبخلوها من أي روح أو أي متعالي، ولإنها مادية وعقلإنية، تشكل الموسيقى الفاعلية الأكثر عقلإنية للإنسإن. فالموسيقى تقوم بالحركة وتجعلنا نحن نقوم بها. كذلك تضمن لنا المجاورة، وتقوم بحماية مجموع التفردات. وتذكرنا بإن العقل ليس وظيفة تمثيلية، لكنه تفعيل للقوة، أي إقامة علائق إنسإنية ضمن مادة (صوتية). ذلك هو تحديد الأوبرا بالدقة. كذلك يمكننا في النهاية، عن طريق الموسيقى، فهم وحدة تينك المفردتين”المادية التاريخية“.”كسطح ينتشر ويتضمن تسوية للارتفاعات وعلى الدرجات، تلك هي طريقة عمل التركيب الموسيقي. فالموسيقى لا تتضمن أي تأثير في العمق، إلا إذا كان ذلك بالمعنى المادي حيث يحصل خنق الأمعاء وإصابة الأشياء الموسيقية بحالة إنقباض. كذلك فإنها ليست هيمنة أو لعبا زمنيا، تماماً كما أن الرسم ليس مجرد تقنية للمجال المسطح ولا النحت للمجال الثلاثي الأبعاد. يمكن للموسيقى، بطبيعة الحال، توليد شعور بالديمومة السائلة، بالواقعة المتواترة أو الركود. لكن هذا لا يشكل سوى جانب فيها. إن المجازات التي استخدمتها للتو تشترك بالعيب التالي : إنها تضع الموسيقى ضمن حقل التمثيل. لكن الموسيقى لا تقدم أي شيء ولا تمثله، حتى ولو ظاهرياً : إنها تتمتع بالامتياز التالي، بفضل ما لها من مصطنعات، على جعل الجسد حساساً على طول قامته، بما فيها تلك الأجزاء التي يُقال عنها عميقة، أي أثر التنوعات الصوتية وتركيباتها…

غالباً ما أشرت إلى فيزياء للنوعية، للمجموع المتوافق ولكن ليس النظامي للمعارف التي تهدف لتوضيح العلائق العملية —فيما وراء التمييز الإنطولوجي ما بين العقل والمادة، أو التميّيز الإنثروبولجي ما بين العالم والإنسإن، أو الإبستمولوجي ما بين الفكرة والشيء. والحال هذه، يبدو لي أن الفن، بالقدر الذي تمتد فيه جذوره في تربة التقنية، هو شيء عملي (براكسس)- بالمعني الذي يعطيه أرسطو لهذه الكلمة، أي محاكاة-تحويل للشيء الذي يشتغل عليه-باعتباره عملاً، ينتج عن المصطنعات الواقعية والتي هي عناصر تلك الفيزياء. في صميم هذا البحث، تتميز الموسيقى، التي تبعد عنها بطبيعتها أي تمثيل منظور، وتتحاشى بالنتيجة أي فخ مرآوي-تأملي، بذهابها بعيداً جداً في عملية بناء تلك الاوتوماتات القادرة على تقديم اللذة وقوة الإرتياد…

لفن الموسيقى الفضيلة التالية : التأثير بفضل المادة المرهفة، جعل مادة الحركات التي تنسب عادة إلى الروح محسوسة. وذلك ما يمنح قوة وواقعية للسايكولوجيا البدائية لأبطال “جويسب فردي”. ولنفس السبب ما لم يكن بمقدور عبقرية موليير سوى الإيحاء به، كان موزارت قد فرضه : شراسة رغبة “الفيير بدون جويفإني”. فالخوف، العاطفة الجسدية، الكراهية التي تقوم البسيكولوجيا التأملية أو العلمية باستنباطها أو استقرائها بمشقة، تمنحها الموسيقى وجوداً ضمن وضعها المتفرد” (يوميات أفكار ضائعة، ص 214-237).

Gilles Deleuze

Périclès et Verdi

La Philosophie de François Châtelet

مصدر الترجمة هو دار نشر “مينوي” الباريسية لكتيب كثيف، كان في الأصل محاضرة ألقاها جيل دولوز عن صديقه الحميم الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة المعروف فرانسوا شاتليه بعد وفاة هذا الأخير في ثمانينيات القرن الماضي (م.م)

أضاحي منطق الجوهر حمزة-رستناوي. أو المنطق الحيوي وقياس مربع مصالح الفكر الإسلامي المعاصر

أضاحي-منطق-الجوهر-حمزة-رستناوي

 

الصادق الفقيه: «حدود الدم».. السيناريو الأخطر لإعادة تقسيم المنطقة

أكد أمين عام منتدى الفكر العربي د.الصادق الفقيه أن «الشرق الأوسط» يواجه تحدياً رئيساً يتمثل في إعادة النظر في خريطة المنطقة وتقسيمها من جديد وفق رؤى الغرب، وذلك بسبب عدم تعلُّم المجتمعات في هذه المنطقة احترامَ التنوع.
وحذّر الفقيه في المحاضرة التي نظمها له مركز «الرأي» للدراسات بعنوان «الشرق الأوسط وصراع الأولويات بين هيمنة المصالح والتحولات الديمقراطية»، من سيناريوهات مختلفة يتم رسمها لمستقبل المنطقة, أخطرها ذلك المتعلق بـ «حدود الدم» والذي كشفت عنه مجلة عسكرية أميركية في مقالة توقعت خريطة جديدة للمنطقة تقوم على صراع الأديان والإثنيات والمذاهب والأقليات.
ورأى المحاضر أن مفهوم «الشرق الأوسط» ما يزال شكلياً بسبب تنازع «الجغرافيا» و»الديمغرافيا»، والجدل المستمر بين هاتين السمتين. مؤكداً في سياق متصل على إمكانية الموازنة بين مصالح الأمة والمصالح الأميركية والأوروبية، وذلك في تم التوافق على تشكيل رؤية مشتركة أو وضع تعريف مشترك للمصالح التي يتطلع لأن يتم تبادلها مع الغرب أو الشرق.
وقال الفقيه إن كثيراً من التفاؤل الذي جاء مع «الربيع العربي» يمكن أن يظل موجوداً لو تم تحويل ما حدث الى «فعلاً إيجابياً»، نظراً لأن المؤشرات الإيجابية فيه كثيرة، ويمكن أن يستمر البناء عليها. مدللاً على ذلك بنجاح التجربة الإصلاحية في دول مثل الأردن والمغرب لم تشهد حراكاً عنيفاً أو دموياً مثلما شهدته ساحات أخرى.
ولفت إلى أن الفرصة ما تزال أمام المفكرين لتوجيه مسارات «الثورات العربية»، بدل أن تظل الأمور بيد للشارع، داعياً إلى وجوب الاستفادة مما يحدث الآن، وتعظيم فرص الحراكات و «الثورات» ومحاولات الإصلاح. مؤكداً أن كل من يستطيع أن يسحب نفسه من إلحاح الحاضر، عليه أن يعمل على التفكير في المستقبل.
تالياً أبرز ما تناولته المحاضرة التي أدارها مدير مركز «الرأي» للدراسات د.خالد الشقران:

استهل الفقيه حديثه بقوله إنه يصعب التكهن بالمسار الذي يقود إليه حاضر المنطقة، فالحقائق الموضوعية «لا تتوفر في فترات الأزمات»، مضيفاً أننا إذا لم نستطع أن ندرك كيف يسير الحاضر فمن الصعب جداً أن نُكيّف رأياً حول المستقبل.
وتابع الفقيه: يمثل «الشرق الأوسط» كمفهوم إشكالية في الماضي والحاضر والمستقبل، متسائلاً: هل هو جغرافيا أم ديمغرافيـا؟ فإذا كان جغرافيا فهناك مناطق يصح أن تكون جزءاً منه، لكنها في واقع الأمر ليست جزءاً منه. وأوضح أن الشرق الأوسط كان موضوع دراسة للآخر، وما كان «الشرقُ الأوسط» لبعضهم هو «غربٌ أوسط» لبعضهم الآخر، وهناك من يرى فيه «جنوب أوسط» أو «شرق أدنى» و «شرق أبعد».. إلخ. وإذا عددنا تركيا جزءاً من «الشرق الأوسط» فيصح أن نطلق على الدول المتاخمة للبحر المتوسط الصفة نفسها، لأنه يمتد غرباً إلى جبل طارق. وبذلك، فإن الجغرافيا ليست ضامنة لصحة هذا الوصف الذي نطلقه على «الشرق الأوسط».
وأوضح الفقيه أن التسمية إذا كانت منطلقة من الديمغرافيا، فهذا يمثل إشكالية أخرى. متسائلاً: «لِمَ يدور الصراع حول الشرق الأوسط؟»، مشيراً إلى ما تم تداوله في السنوات الأخيرة من جدل حول «خريطة جديدة، ورؤية جديدة، وتصورات جديدة، وشرق أوسط جديد، وديمقراطية ممكنة أو محتملة له، وإعادة توزيع وإعادة تقسيم»، حتى صارت المنطقة موضوعاً للدراسة في مجال الديمغرافيا من جديد.
وقال الفقيه إن الغرب بدأ يرى منذ فترة طويلة أن الجغرافيا بحسب التقسيم الذي وضعته اتفاقية «سايكس بيكو» ومؤتمر «لوزان»، لم تعد ممكنةً وظيفياً، أو أن الشكل الوظيفي للدولة لم يعد ممكناً بسبب التقسيمات التي اجترحت الكثير من الأخطاء في ما يتعلق بديمغرافيا المنطقة، ولأن هناك «إشكالات سكانية» لا بد من إعادة النظر بها، كما أن هناك «فاعلاً جديداً» جاء إلى المنطقة لا بد من استيعابه بشكل من الأشكال، فإذا كان لا ينتمي إلى جغرافيا المنطقة فهو ينتمي إلى ديمغرافيتها لأنها ليست وحدة واحدة.
وبيّن أن رؤية بعضهم تقوم على أن هناك الكثير من التكوينات العرقية والعنصرية والثقافية والمذهبية والدينية ليتشكل «الشرق الأوسط» على أساسها، لا على أساس الجغرافيا والحدود، كالحديث عن الدولة الكردية والدولة اليهودية، والعديد من المسميات التي يحاولون إيجاد تبرير موضوعي لها.

احترام التنوع
وأوضح الفقيه أن مجتمع الشرق الأوسط من أقصاه إلى أقصاه لم يتعود العيش في ظل التنوع، ولم يتعلم احترام التنوعات داخل مجتمعاته المختلفة، لذا يذهب بعضهم إلى ضرورة إعادة تقسيم الشرق الأوسط على ضوء هذه التنوعات، وإعادة «رسم الخريطة» من جديد. مشيراً إلى العديد من الخرائط التي توزَّع بين الحين والآخر حول «الشرق الأوسط الجديد»، وأبرزها ما نشرته مجلة (The Arm Forces) العسكرية الشهرية في عددها الصادر في حزيران 2006 ضمن مقالة بعنوان «حدود الدم» ترى أن المواضعات الجغرافية القديمة ائتلف عليها كثير من القوميات داخل حدود المنطقة، وإن أي محاولة لإعادة رسم المنطقة من جديد لا بد لها من تجمُّع إرادات، وهي غير متوفرة في منطقة «الشرق الأوسط»، لذا لا بد من التفكير في «جراحة يسيل فيها الكثير من الدم»، حتى يُعاد ترتيب المنطقة من جديد. فإذا تم تقسيم الجغرافيا تحت ظل الاستعمار بشكل سلمي، فإن «الحدود الأخرى» لا بد لها كذلك من دم، وتشمل المذهب والدين والعرق والعنصريات المختلفة.
وأشار الفقيه إلى أن مقالة «حدود الدم» والخريطة المصاحبة لها تشتملان على كثير من التفصيلات منها: مَنْ مِنَ الدول ستقسَّم؟ ومَن يُضاف إليها وكيف يُضاف إليها؟ وكيف يتم ترتيب عيش القوميات وتجميعها ومحاولة دمجها بعضها مع بعض، على أساس أن النقاء الديني والمذهبي والعنصري ستنشأ معه دويلات أكثر استقراراً.
ولفت الفقيه إلى أن هناك حجة يتم اعتمادها لتبرير هذا المشروع، هي أن «الصومال» مثلاً، شكلت أول فشل حقيقي لدولة قُطرية في العالم، رغم أنه لا توجد دولة في الأرض متجانسة مثل الصومال، فسكانها ينتمون إلى قبيلة واحدة ولهم لغة واحدة ويتبعون ديناً واحداً ومذهباً واحداً.
وبيّن الفقيه أن هذه النظرية يمكن محاججتها بنماذج موجودة في أكثر من مكان، مضيفاً أن النقاء العنصري والمذهبي والديني لا يشكل ضمانة حقيقية لاستقرار الدولة الجغرافية أو القطْرية أو «الدولة الأمة» كما تسمى، فهناك كثير من الدول تتشعب فيها الاختلافات ورغم ذلك تستقر فيها الأحوال بشكل مثالي جداً كما في أوروبا وفي غيرها من الأماكن، في حين أن كل هذا التنوع داخل الشرق الأوسط يُستخدم ليس لمصلحة إغناء الحالة الاجتماعية أو الوطنية أو السياسية لكل دولة، بل لتهييج عواطف المجموعات المختلفة داخل بلدانها، حتى تصير مصدراً دائماً للقلاقل والإزعاج، وسبباً في ضعف الدولة القُطرية في هذه المنطقة التي تضم العالم العربي في وسطها.
وتساءل الفقيه: كيف يمكن للدول الغربية التي تعمل بهذا الاتجاه أن تحصّن مصالحها؟، مضيفاً أن الاستعمار كان محاولة لهيمنة المصالح حول العالم بشكل مباشر أو عبر المواد الأولية أو الأيدي العاملة التي شكلت الجانب الاقتصادي والثقافي في الاستعمار القديم، لكن وقتنا هذا يشهد أشكالاً أخرى من المصالح، فالغرب يتحدث حول مستقبله المرتبط بـ «الآخر»، وعندما يتحدث الغرب عن عسكرة السياسة الخارجية في أكثر من مكان، وعندما يعاد توزيع مناطق النفوذ حول العالم، وعندما تتشكل رؤى ونظريات وتصورات حول ذلك، فإن علينا أن ننتبه إلى هذه المحاولات التي يراد بها الهيمنة من جديد، وهي هيمنة تبتغي المصالح بشكل جديد، ولا تفتصر على المواد الأولية.
وتابع الفقيه: لقد تحدث «توني بلير» عن ضرورة عسكرة السياسة الخارجية للحفاظ على مستوى عيش مناسب (Standard of living)، للمجتمعات الغربية وعندما ينشأ أي صراع في منطقة الخليج فإن مصالح الحضارة الغربية لا يمكن أن تسمح بوجود أي نفوذ غير ذلك الذي يسمح بمرور الطاقة من هذه المنطقة الحيوية في العالم.
وبيّن الفقيه أن الحفاظ على مرور الطاقة والمواد الأولية الأخرى من أطراف العالم هو ما يشكل نظرية هيمنة المصالح الجديدة في العالم، مضيفاً أن منطقة الشرق الأوسط ستظل منطقةً للصراع بأبعادها الجغرافية والسكانية المختلفة، ومنطقة لتحقيق المصالح ممثلة بالموارد الغنية وخاصة موارد الطاقة، وبوصفها أيضاً منطقة عبور مهمة، منذ طريق الحرير إلى يومنا هذا.
ورأى أننا نشهد محاولة اقتسام المناطق واستعادة نفوذ هذا البلد أو ذاك في هذه المنطقة أو تلك، ونحن منشغلون بالتفاصيل التي أُشغلنا بها، ومحاولة معالجة الاحتكاكات الدائمة بين السكان والقوى المختلفة داخل المجتمعات. مضيفاً أن وزارة الخارجية الأميركية والبلدان الأوروبية تتحدث عن ضرورة أن يتوجه الدعم الخارجي للمنطقة من خلال منظمات المجتمع المدني، مستدركاً أن الكثير من الفاعلين في منظمات المجتمع المدني وطنيون وحريصون على خدمة مجتمعاتهم، لكن هناك منظمات وفاعليات وطنية في المنطقة تُتَّخذ كمداخل للتأثير والنفوذ ولإعادة صياغة المنطقة ثقافياً وسياسياً أو سوى ذلك من الصياغات التي يراد أن تترتب على ضوئها هذه المنطقة في الحاضر والمستقبل.
وأضاف الفقيه أننا نشهد صراعا روسياً-أميركيا في المنطقة، ونلحظ نشاطاً صينياً فيها أيضاً، لكن ليس لدينا الوقت لنفكر كيف يؤثر هذا في مستقبلنا؟، لافتاً إلى أهمية وعي حجم الوجود الصيني والروسي والهندي في المنطقة، إضافة إلى القوى الناهضة مثل تركيا وإيران التي تحاول أن تجد لها حصة في موارد هذه المنطقة من العالم وتعمّق مستقبل نفوذها فيها.

تكامل المصالح الاقتصادية
وحول كيفية تشكل هذه المنطقة، وكيف يمكن لها أن ترعى مصالحها داخل هذه المجموعات المتصارعة من القوى العالمية الكبيرة والصغيرة، قال الفقيه إن هناك قوى فاعلة تؤثر تأثيراً مباشراً، وهناك قابلية كبيرة لاستقبال هذا النفوذ، ليجد من الذرائع ما يحقق له المطامع التي يريد في المنطقة، إضافة إلى وجود قابليات عالية جداً توفر للنفوذين الغربي والشرقي أن يفعلا فعلهما في هذه المنطقة، وفي المقابل هناك قوى كثيرة تستقبل ما يأتي من الخارج وتدعمه، إذ لم تعد هناك قابلية للاستعمار فقط، بل هناك أيضاً اشتغال على تمويله وتعزيز إمكانية وجوده من جديد، تحت مسميات مختلفة.
وأضاف الفقيه أن العلاقات بين الدول تعدّ شكلاً من أشكال النفوذ وإتاحة للمساحة الداخلية للآخر ليفعل فيها ما يريد، وأننا نجتذب الكثير من النفوذ الضارّ والصالح إلى هذه المنطقة وندعمه، مستشهداً بما صرح به أحد السياسيين في مناسبة حضرها «ديك تشيني» في الحرب الأخيرة على العراق، إذ تحدث عن أهمية المنطقة رغم التكلفة «الباهظة جداً» في غزو العراق وأفغانستان، خصوصاً غزو العراق في تقدير الكثيرين، وأضاف أن العراق كالشركة التي تستطيع أن تدمرها عشرات المرات وأن تجني أرباحاً كثيرة كل مرة. بمعنى أن المنطقة يمكن أن تُستغل بحيث يكون الفعل أو التدخل الخارجي رابحاً في كل الحالات.
وتابع الفقيه: شهدنا كثيراً من الحالات والغزوات التي أوجدت نفوذاً غربياً أو شرقياً في هذه المنطقة بدعم مباشر مادي وسياسي وثقافي، إذ إن خلق القابلية وإيجاد الذرائع والتهيئة الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي مكّنت هذا النفوذ من أن يأتي ويحتل المياه الإقليمية ويكون له وجود مباشر على الأرض العربية أو الأراضي في الشرق الأوسط، تم بفعل مباشر أو بدعم مباشر من قوى في المنطقة. مضيفاً أنه ليس هنالك إجماع في المنطقة على الحفاظ على مصالحها أمام هيمنة المصالح الغربية المتصارعة فيها.
وأوضح الفقيه أن جزءاً من التفكير الذي يدور الآن، يرى أن الحل في بعض القضايا الرئيسة في المنطقة لا يتم إلا عبر إيجاد مصالح اقتصادية بين المجموعات التي يمكن أن تشكل التنازع الرئيس فيها، بحيث يستعان بالاقتصاد لحل فشل السياسة وقضايا المنطقة.
وتساءل الفقيه: هل الديمقراطية مطروحة كخيار لأي حل؟ مبيناً أن هنالك الكثيرين الذين ينادون باستمرار بتحول ديمقراطي وبإصلاحات جذرية تقيل عثرات السياسة والاجتماع والثقافة والاقتصاد في هذه المنطقة المضطربة، لكن جميعها لم تنجح على ما يبدو. وأوضح أن هناك هجمة من الغرب لتأكيد المصالح نفسها والنفوذ نفسه، كي تعاد صياغة المنطقة صياغة جديدة من مدخل الديمقراطية، مستشهداً بما أسماه «الهجمة الديمقراطية المعسكرة» في فترة جورج بوش الابن التي كانت محاولة عنيفة لفرض حالة من الديمقراطية على المنطقة. كما تتبدى أمامنا الأمثلة التي أُنفق الكثير عليها لتوجد في هذه المنطقة.
ورأى الفقيه أن «الربيع العربي» جاء بإرادات محلية في أكثر من بلد، إذا استبعدنا المؤثرات والتدخلات ونظريات المؤامرة التي تشكك في هذا أو ذاك. وأضاف أن المطلب الأول لهذا «الربيع» كما عبّرت عنه الشعارات التي انطلقت في الميادين والشوارع العربية، تَمثَّل في استعادة الحياة السياسية الصحيحة، وإصحاح الحياة الاقتصادية بما لحق بها من فساد وإفساد، مضيفاً أننا نشهد بعد أكثر من عامين كيف تتبدى الصور المختلفة للحياة السياسية الجديدة في المنطقة العربية وفي أكثر من بلد، متسائلاً: هل تُبشرنا هذه الحالات الجديدة؟ وهل نستطيع أن نستبعد المؤثرات الخارجية ونحن في هذا الاضطراب؟ وهل نحن أفضل في السيطرة على ما استطعنا أن نوجده في أكثر من بلد؟ أم إن «الآخَر» ما زال له من الإمكانات داخل بلداننا ما يتيح له التأثير في مجريات الأمور؟
وتابع الفقيه: ربما يكون «الربيع العربي» قد أثر إيجاباً وبشكل مباشر وواضح يمكن قياسه، في بلدان لم تشملها «الثورات»، كون الاستجابة ومحاولات الإصلاح في تلك البلدان كانت سريعة قبل أن تصلها هذه الثورات. فهناك دول من المغرب إلى المشرق حاولت استباق الحراكات السياسية في ميادينها وحاولت أن تستجيب للمطالب بعمليات إصلاحية، قبل أن تصل تلك المطالب إلى الشارع، مثل الأردن والمغرب.
وتساءل الفقيه في هذا السياق: هل يستمر الإصلاح فتنجو البلدان من الاضطراب؟ وهل ستنجو البلدان التي أصابها الاضطراب، ويتم تعديل مسارات العنف التي تنشأ هنا وهناك؟ وهل الحالة المصرية وما حدث فيها من تغيرات يمكن أن تكون هي المؤشر على ما يمكن أن يحدث في بلدان أخرى؟ وهل الأولويات صحيحة؟
وقال الفقيه إن هناك سؤالاً حول موضوع الأولويات، مؤكداً أن فقه الأولويات من «أضعف الأشياء» الموجودة في ذاكرتنا وفعلنا الفكري والسياسي، إذ إننا لا نستطيع أن نرتب الأولويات ترتيباً صحيحاً، مورداً قصة حدثت لأحمدي نجاد إبان رئاسته لإيران، فعندما أراد نجاد زيارة صديق له في السجن، منعته المحكمة العليا من ذلك، ووُزع تصريح عقب قرار المنع فحواه أن هناك خللاً لدى الرئيس في فهم الأولويات، إذ إن هناك قضايا اقتصادية وقضايا سياسية معقّدة أهم من زيارة سجين وينبغي أن يهتم بها الرئيس، وبالتالي لم يستطع نجاد أن يعارض قرار المحكمة.
وتابع الفقيه: أصبحت الأولويات حديث الصحافة الإيرانية التي ركزت على اختلال الأولويات لدى حكومة أحمدي نجاد، وبعدها صارت نواقص الحكم في إيران تُعالَج على ضوء هذه الحادثة الصغيرة التي أعطت إشارات إيجابية بأن هناك شكلاً من أشكال المؤسسية والتوازن بين السلطات في إيران.
وأضاف في سياق آخر، أن الاشتباك بين التصورات كبير في بلداننا العربية، مما يولد كثيراً من القلق الذي لا يساعد على إيجاد الحلول المطلوبة لهذه المرحلة الدقيقة لمنطقة الشرق الأوسط، إذ إن هناك ترتيبات متحققة ويومية في المستقبل القريب في المنطقة، فما يراد لهذه المنطقة هو عمليات الإدماج القسري لدولة مثل «إسرائيل» ولغيرها من الحالات، وفرض تشكلات جديدة وتحالفات جديدة داخل المنطقة، إضافة إلى أن تقسيمها عرقياً يؤدي إلى مشاكل إضافية، بحيث لن تنتهي إراقة الدماء في فترة قريبة.
وأشار الفقيه إلى لقائه مع وفد أجنبي أشعره أعضاؤه بالخوف عبر توقعاتهم بأن هنالك دماء سيطول نزفها في منطقتنا، وأن الصراعات المذهبية والطائفية إذا انفجرت، ستظل لفترة طويلة جداً ولن تسْلم كثير من دولنا منها، مستشهدين بالحروب المذهبية في أوروبا التي استغرقت 30 عاماً بين البروتستانت والكاثوليك.
وأكد أن منطقة الشرق الأوسط يراد لها أن تتقسم بأشكال مختلفة وعبر حدود مختلفة، وتكون الحدود فيها للدم، لا للتصالح والتآخي والتنمية التي تطلبها الأجيال التي تبحث عن الوظيفة ولقمة العيش في أكثر من بلد.
وأضاف الفقيه أن مما أخافنا في بعض «الثورات العربية» التي قامت، المطالبة الشاملة بإسقاط النظُم، لافتاً إلى أن الحكومات كانت فاسدة، وهناك ضرورات حقيقية للتغيير، لكن ما يُفْعَل بالأنظمة والنظم الحاكمة في الدول يُعَدّ من الأخطار التي تتطلب معالجتها الكثير من الوقت والإمكانيات. ورأى الفقيه أن الشباب في منطقتنا أصبحوا لا يحترمون القانون، إذ إن هناك الكثير من المفكرين يتحدثون عن حالة الثورة والفوران والهياج لدى الشباب، بحيث صارت القوانين والنظم داخل الدول «غير مرعية»، مشدداً على أن الديمقراطية لن تقوم إذا لم يتعود الناس على احترام النظم والقانون، ولن يكون هناك نظام صحيح إذا لم يتعلم الناس احترام ما لديهم من مؤسسات.
وأوضح الفقيه في هذا السياق أن الرئيس لا تتماهى معه كل المؤسسات، وأن هنالك جراحات لا بد منها في كثير من النظم والمؤسسات، لكن إسقاط الدولة والنظام أمر آخر، مشيراً إلى أن محاولات استعادة الدولة والنظام مكلفة كما يتبدى في أكثر من بلد، كما أن الشعارات «المنفلتة» في الميادين العربية تخيفنا من المستقبل، ولا نستطيع أن نقرأ معها تحولاً جديداً في المستقبل القريب، مشدداً على أن ذلك لا يمكن أن يتم إلا باحترام شكل الديمقراطية الذي يتراضى عليه الناس. وقال إنه ليس هناك ديمقراطية في العالم إلى يومنا هذا مبرأة من العيوب، وإننا نحتاج إلى الصبر حتى نؤسس لمستقبل غير مأزوم، فالوضع المأزوم يعطي الإحساس بمستقبل غير معلوم، ونحن لا نستطيع أن نفكر جدياً في مستقبل لا تتوفر له أي حقائق موضوعية تتيح لنا أن نبني حكماً سليماً في المستقبل.
المداخلات

القيادة والأولويات
قال الباحث د.عبد الباري الدرة: ما دمنا نتحدث عن إمكانيات التنبؤ بالمستقبل، فإن العالم العربي بعد رحيل جمال عبد الناصر لم يشهد وجود قيادة تُوحّده، مشيراً إلى أن أهمية القيادة تكمن في أنها تستطيع وضع أولويات ورؤية مستقبلية واضحة، مستشهداً بقيادات من التاريخ المعاصر، مثل جواهر آل نهرو الذي استطاع تأسيس حزب المؤتمر وبالتالي التأسيس للديمقراطية بالرغم من الاختلافات الكبيرة الموجودة في شبه القارة الهندية، ومثل مهاتير محمد الذي تحدث عن الرؤية المستقبلية في ماليزيا بالرغم من الاختلاف العرقي بين مكونات المجتمع الماليزي، مضيفاً أن الديمقراطية في هذين البلدين وسواهما سارت وما زالت تعمل من دون أن يكون هناك كثير من المشكلات، وذلك بالرغم من كل الاختلافات المشار إليها.

دور الأحزاب
قال الإعلامي والكاتب الصحفي موسى الصبيحي إن المحاضر عبّر عن نوع من التخوف من الشعارات التي تطرحها الحراكات الشعبية المطالبية في المنطقة. ولفت إلى أن شارع المنطقة العربية مأزوم بكل الأحوال، معتقداً أن الكثير من الشعارات كانت وما تزال صاخبة إلى حد ما وتنطوي على نوع من العنف، مضيفاً أنه لا وجود حتى اللحظة لدور فاعل للأحزاب العربية، فهي مغيبة عن الساحة وعن الشارع، وعن مطالب الشباب الذين يفتقرون إلى التوجيه.
ورأى الصبيحي أن الأنظمة الشمولية هي السبب وراء تغييب الأحزاب، ووراء اكتوائها بنار الحراكات الشعبية والمطالبية، مضيفاً أننا «لم نكن لَنواجه هذا الواقع المأزوم لو أن تلك الأنظمة أتاحت الفرصة للحياة الحزبية لكي تنشأ بصورة طبيعية وأن تأخذ دورها في تداول السلطة».
وبخصوص الإصلاحات، قال الصبيحي إن هناك أنظمة قامت بعدد من الإصلاحات، لكن القريب إلى الشارع على مستوى الأردن يجد أن كل الإصلاحات التي تمّت «لم تقنع الشارع»، راداً ذلك إلى «تغييب العدالة الاجتماعية»، وتعيين حكومات فاشلة.
وأضاف الصبيحي أن هناك غياباً حقيقياً وصارخاً للطبقات في المجتمع، وشعوراً مؤلماً لدى الطبقة المسحوقة من الشعب ينعكس عنفاً في الجامعات والمدارس وفي كل المناطق، وأن هناك اقتناعاً لدى كثيرين بأن معظم الإصلاحات «صورية»، والدليل على ذلك «أن الفساد ما يزال موجوداً، وأن الكثير من الفاسدين والمفسدين يتداولون السلطة من وقت إلى آخر، فكيف يقتنع الشارع بأن هناك إصلاحاً حقيقياً؟».
ورأى الصبيحي أن المجتمعات العربية تعاني حالة من «الاحتقان الشديد جداً والمخيف الذي قد ينفجر في أي لحظة»، داعياً إلى اتخاذ «إجراءات وقائية» تحول دون ذلك.

إخفاق التيارات الدينية
قال الخبير المصرفي مفلح عقل إن الشعوب العربية ازدادت إحباطاً فوق الإحباط الذي تعاني منه، مضيفاً أن الوطن العربي منذ 100 عام ينتقل من فشل إلى فشل.. من فشل الانقلابات العسكرية إلى فشل الأحزاب والنخبة السياسية التي لم تستطع أن تجدد المجتمع، كما أننا لم نستطع أن نتعايش مع أنفسنا أو مع غيرنا في العالم العربي، وحتى لو كان الاختلاف الديموغرافي بسيطاً، فإننا «نخلق الأسباب لإشعال هذا الانقلاب».
وأضاف أن التيارات الدينية لم تستطع أن تتقدم ديمقراطياً وأن تتصالح مع المجتمع وتتعايش مع فئاته المختلفة، فقد «اختبرت نفسها كنخبة أرسلها الله لخلاص العالم، وبقية العالم الذين لم يسيروا في الخط الذي رسمته للخلاص كَفَرة يجب إقصاؤهم من المجتمع».
وأوضح عقل أن الشباب يقومون حالياً بردود فعل عنيفة على الواقع المؤلم والمستقبل البائس الذي ينتظرهم، وأن الشباب الذين قاموا بثورة 25 يناير في مصر لم يكونوا منظمين سياسياً، كما أن حركة «تمرد» التي خلخلت نظام حكم «الإخوان المسلمين» في مصر بدأها 5 شباب منذ شهرين من مقهى بالقاهرة، واستطاعوا تحريك الجماهير بسبب التقائهم مع تطلعاتهم، مشيراً إلى أن الجماهير بحاجة إلى الديمقراطية والعيش الكريم.

البحث عن حالة عقلانية
توقف خبير التنمية والخدمة الاجتماعية د.فيصل غرايبة، عند النظرة التشاؤمية للمستقبل التي أنهى الفقيه محاضرته فيها، لافتاً إلى أن المحاضر استبعد أن تنشأ حالة عقلانية عند العرب، بحيث يُعيدون تنظيم أنفسهم تنموياً وسياسياً في مناخ ديمقراطي يُستمع فيه إلى جميع وجهات النظر ويشارك في تحديد النظرة المستقبلية للوطن، خاصة أن «الربيع العربي» لم يُنتج حالة ديمقراطية أو حالة تنموية ناجحة في الدول التي شهدته، فهي ما زالت تعيش حالة من الانفلات الأمني والتسيب الإداري والتجاوزات وظهور النزعات التحيزية، كالطائفية والجهوية والإقليمية، مشيراً بذلك إلى أن مصير هذه الدول سيكون كمصير النموذج السوداني أو العراقي.
وتساءل غرايبة عن إمكانية أن تنشأ هناك حالة عقلانية تهدّئ الأوضاع في بلدان ما يسمى «الربيع العربي»، وتُزيل التوتر وتستبعد قوى الشر من بناء المجتمع العربي الجديد، على غرار ما حدث في النموذج المغربي الذي اتخذه الأردن كنموذج بديل لنموذج الفوضى والمطالبات الشعبية الحادة.

«حدود الجماجم»
أكد الكاتب والصحفي أسعد العزوني أن «شرق أوسط» فيه «إسرائيل» لن يشهد لحظة أمن أو استقرار أو ازدهار مهما هتفنا من الشعارات، ومهما ادّعينا أننا قادرون على تجنب خطر «إسرائيل». وأضاف أن وصولنا إلى هذه الحالة ناتج عن سكوتنا عليها منذ البداية حتى وصل الأمر أن تصبح «إسرائيل» صديقاً، مشيراً إلى القرار الذي صدر في العام 1907 بتسمية الشرق الأوسط بـ «الوسيع»، موضحاً أن الغرب منذ ذلك التاريخ وهو يسعى إلى إدخال «إسرائيل» في المنطقة مع علمهم أنها «غريبة»، وقد طرح الأوروبيون في مؤتمر «كامبل» (1907) هذا الطرح، ثم جاء «برنارد لويس» و «بيريز» بمشاريعهما التي تخدم «الشرق الأوسط» بحسب تعريفهما له، فقد أسموا ما سيحدث: «حدود الجماجم»، مضيفاً أن «الشرق الأوسط الوسيع والكبير» لن يصل إلى المرحلة التي تريدها «إسرائيل»، وإننا «سنبنيه بجماجمنا ونعجن ترابه بدمائنا»، مؤكداً أن الوقت قد حان لنعيد التذكير بذلك ونعيد النظر في علاقتنا مع «إسرائيل».

الصراع التاريخي
قال الباحث د.بديع العامر إن المحاضر أهملَ الصراع التاريخي بيننا وبين الغرب، وأن القضية الإثنية والعرقية والديمغرافية ليست هي المشكلة الأساسية، فهناك في أغلب الدول الأوروبية وفي الاتحاد السوفياتي سابقاً وروسيا الاتحادية الآن، وحتى في أميركا، العديد من القوميات والإثنيات المختلفة المتعايشة بسلام. وأكد أن القضية هي صراع تاريخي أُقحمت «إسرائيل» في وسطه، مضيفاً أن حل مشاكل الشرق الأوسط لا يكون إلا إزالة «إسرائيل».
وأوضح أنه لا يفضّل استخدام مصطلح «الشرق الأوسط» كونه تعبير سياسي يُقحَم فيه بلد دخيل هو «إسرائيل».
وأضاف العامر أن الأوضاع لا يمكن أن تستقر في منطقة العالم العربي ما دامت «إسرائيل» موجودة، فهي سبب كل المشاكل، وهي من ثمار الصراع التاريخي، ولا بد من التكافل والتعاضد لإزالة هذا «الورم السرطاني» حتى تستقر الأوضاع في عالمنا العربي.

التعددية هي الأصل
قال الباحث د.سمير عميش إن الاستقرار الاجتماعي في أي مجتمع مبني على ثلاثة أسس رئيسة متزامنة ومتكاملة ومُدَسترة ومُقَوننة، هي التعددية والديمقراطية والحرية، وإن الحرية يجب أن تكون مطلقة ومن دون شروط.
وأضاف أن التعددية موجودة منذ الخليقة، وهي «صيغة سماوية»، وأننا عندما نجد مجتمعاً يفعّل التعددية والحرية والديمقراطية فإنه سيكون مبنياً على أسس يمكن أن يستقر عليها.

الإسلام والغرب
قال المفوض العام لحقوق الإنسان د.موسى بريزات إن العلاقة بين منطقة الشرق والدول الكبرى موجودة منذ الأزل، فاليونان وفكرها ودويلاتها تشكلت بتأثير مما كان يحدث من تجارة في آسيا الصغرى، وبدأت العلاقة بين الاتجاهين منذ أيام الاسكندر والرومان، ثم جاء الاسلام وعبر إلى أوروبا، ووصل الأتراك إلى «فينّا».
وتساءل بريزات: إذا أردنا أن نغير الواقع الذي نحن فيه فمن أين نبدأ؟ هل نبدأ من الإنسان العربي أم من الدين، أم من الأنظمة والقيادات؟
وأوضح بريزات أننا نعاني من أزمة، فعندما كان الغرب يعاني من الحروب الدينية، قاموا بفصل الدين عن الدولة، متسائلاً: هل نستطيع في العالم العربي فصل الدين عن الدولة، كون الإسلام دين له خصوصيته؟ وهل نستطيع أن نسوّق هذه الفكرة في ضوء دور الإسلام السياسي واستهداف الغرب للإسلام، والفوضى الفكرية السياسية بعد تصفية الأحزاب القومية وفشل الأحزاب الإسلامية؟
كما تساءل: هل الأزمة في الفكر، أم في البنى، أم لأننا لا نستخدم العقل قبل الدين؟، مشيراً إلى أن مفكري الأنظمة والحكام يقولون إن المشكلة في المجتمع، بينما يرى مفكرو المجتمع إن الأزمة في الحكام.

حماية «إسرائيل»
سألت الكاتبة والباحثة د.عايدة النجار المحاضرَ في ما إذا كان يعتقد أن الاستعمار يطمع فقط بالاستيلاء على الطاقة في المنطقة، أم إنه يريد توفير الحماية لـ «إسرائيل» التي جعل وجودُها المنطقة «مهمة جغرافياً».

جهل فكري
قال الباحث في الشؤون الاستراتيجية اللواء المتقاعد عبد السلام الحرازنة، إن المخاطر التي تهدد الشرق الأوسط، بعيداً عن الجغرافيا والديموغرافيا، هي في أننا ما زلنا نعيش جهلاً فكرياً، ونعيش عصرَ داحس والغبراء. وتساءل: «هل سيبقى الصراع بين السنة والشيعة؟»، داعياً إلى ضرورة تجاوز هذه المسألة عبر توحيد المذاهب في فكر إسلامي موحد، مضيفاً: «يكفينا شر الأطماع الغربية التي تعزف على نقاط ضعفنا ومنها اختلاف المذاهب».
وفي ما يتعلق بالأولويات، قال الحرازنة إن العالم الغربي هو الذي وضعها، وإن الأولوية للعالم الغربي تتمثل بالعامل الديني، ولذلك نرى أن القيادات الجديدة للدول العربية هم من الإسلاميين، مثل المرزوقي وعبدالجليل ومحمد مرسي، أو أنهم يمثلون التيارات الإسلامية مثل جبهة النصرة وجماعات الجهاديين والسلفيين، والمقصود من ذلك «إبراز الوجه السيئ للمسلمين في العالم».

إعادة تقسيم النفوذ
قال الباحث العراقي كمال القيسي إن علم الاجتماع أقَرّ مقولة اقتصادية هي أن المجتمع قادر على تصحيح نفسه بنفسه عبر آليات خاصة به، كما أن درجة التصحيح تعتمد على الإمكانات والإدراك والوعي ونوعية الآليات والقوى الذاتية، فإذا تُرك المجتمع فإنه قادر على تصحيح نفسه لأنه أدرى بحاجاته ومكامن القوة فيه.
وأضاف القيسي أن منطقة الشرق الأوسط شُكلت في «سايكس بيكو» و «سان ريمو»، وجرى الحديث لسنين عن حاجة المصالح الغربية إلى «خريطة جديدة»، وبالتالي إعادة تقسيم النفوذ. موضحاً أن العوامل الخارجية المدفوعة بالمصالح أثّرت في التشكيلات المجتمعية بالمنطقة، فهناك شركات عملاقة «جاهلة»، سعت وراء المصالح من دون أن تهيئ مؤسسات حقيقية تساعدها في إدارة مشاريعها.
ورأى القيسي أن قضيتنا ليست قضية فنية، إذ لا يوجد هناك قصور في العقول أو في كيفية تشكيل العناصر المادية أو البشرية أو إعادة تشكيل المجتمع أو إيجاد آليات لتحقيق تشبيك المصالح.
وأكد القيسي أن التأثيرات الخارجية متعددة الأبعاد هي التي أثرت تأثيراً سلبياً في بناء هذه المجتمعات وفي السعي لعدم توظيف مواردها المادية والبشرية بشكل صحيح، وفي عدم تحقيق التنمية في البلد الواحد.
وأضاف أنه يمكن للمصالح الغربية أن تتحقق، وأن يتحقق التوازن عندما يكون هناك دول ديمقراطية ومؤسسات حقيقية وآليات فاعلة تعمل على تحقيق المصالح المتوازنة على المستوى الثنائي أو المتعدد، والعكس صحيح.

الديمقراطية والتكنولوجيا
قال أحمد الموسى إن الديمقراطية التي تحدث الآن والتي تُفاجئنا وتُفجعنا في الوقت نفسه، وتدهشنا بطريقة سلبية أحياناً، سببها الثورة التكنولوجية، إذ إن سهولة التواصل بين المجتمات التي لا يوجد لديها فكر تعني أن الآليات إلى جانب المصالح وأهمية المنطقة بالنسبة للمصالح الخارجية كافية لتحقيق الديمقراطية أو للبدء بها.
وأضاف: التكنولوجيا سهّلت التواصل، لكن المجتمعات البسيطة في ثقافتها أصابها نوع من التخبط وعدم الفهم، واتجهت إلى الانفتاح الواسع غير المدروس على المجتمعات الأخرى، ما جعلنا في حالة من عدم التوازن، وفي النتيجة شيوع التخوف من الديمقراطية ونتائجها.

التحول الديمقراطي والهيمنة
قال مدير مركز «الرأي» للدراسات د.خالد الشقران: بينما كنا نفكر بعنوان المحاضرة مثلت أمامنا حقيقتان: مطالبات الشعوب العربية لتحقيق مزيد من التقدم للتحول الديمقراطي، ووجود محاولات هيمنة من لاعبين حقيقيين سواءً في الإقليم أو على مستوى الساحة الدولية.
وأضاف أن جميع الأمم، سواء في أوروبا أو في شرق آسيا، مرت بـ «مراحل جهل» أكثر من تلك التي مرت بها الدول العربية، لكنها استطاعت أن تبدأ بخطوات تجاوزت فيها هذه الحالة.
وتساءل الشقران: ما الإجراءات المطلوب من العرب القيام بها لنخطو نحو التقدم في ظل تحولات ديمقراطية تفاجئنا وتأخذنا في منحنيات نحو أمور غير محمودة؟

ردود المحاضر وتعقيباته

في ردوده على مداخلات الجمهور وتساؤلاته، قال الفقيه إن كثيراً من التفاؤل الذي جاء مع «الربيع العربي» يمكن أن يظل موجوداً لو جعلنا من هذا الذي حدث «فعلاً إيجابياً»، نظراً لأن المؤشرات الإيجابية فيه كثيرة، ويمكن أن يستمر البناء عليها.
وأشار الفقيه إلى مقالة كتبها في الأيام الأولى لـ «الثورات العربية» حول المخاض الطويل للوحدة العربية، عالج فيها فشل الأيديولوجيات في الوحدة، وتأثير ذلك في ما حدث في تونس والمغرب ومصر ومنطقة الخليج، وكيف أوجد هذا التداعي شعوراً إيجابياً بأن الأمة العربية واحدة، والمشكلات والعاطفة والرغبات والقدرة على آليات التغيير واحدة أيضاً.
وبيّن أن هذا الجانب هو الذي لم تلتقطه الأنظمة القائمة، واصفاً إياه بـ «الخيط المهم في تداعي الثورات العربية»، إضافة إلى الشعارات المشتركة وظهور القضية الفلسطينية في وسط هذه الشعارات، إذ اختلطت تفاصيل الحالات القُطْرية ببقية مسيرة «الثورات العربية»، وكانت الشعارات جامعةً وقُطْرية في آن.
وأضاف الفقيه: «لو كان هناك نظام عربي حقيقي في مصر لما انفصل جنوب السودان»، لافتاً إلى أن القضية ليست قضية مصر، إنما تكمن في البعد الاستراتيجي الحيوي للسودان ولكثير من البلدان العربية.
كما أشار الفقيه إلى مقالة له كتبها بعد شهرين من بدء الثورات عن «مشروعية التساؤل»، يقول فيها: هل لنا أن نتساءل؟ فقد سقط النظام في مصر وتونس، ولكن لماذا لم نعتمد المنابر؟ ولماذا لا نبدأ بمشروع الديمقراطية الذي يبدأ بالمنابر والحوار وإعمال الفكر؟
ورأى أن قضية الفكر قضية أساسية، لا مَخرج بغيرها، فهناك مشكلة فكرية لا بد من النظر فيها ملياً إذا أردنا أن نخرج من هذه الحالة. وتابع بقوله إن الكثير من المتحمسين لـ «الثورات العربية» عابوا عليه تساؤله هذا في وقت انهمك فيه الجميع بتمجيدها، مضيفاً أننا صرنا نمجّد بالعاطفة نفسها التي انطلقت بها التظاهرات من دون أن نبذل أي جهد لتوجيه المسارات.
وأكد الفقيه أن هناك فرصة واسعة ما تزال أمام المفكرين لتوجيه مسارات «الثورات العربية»، لكن الأمور ما تزال بيد للشارع، في حين أن النخب تتعاطف مع ما يقوله الشارع وتنساق إلى ما يقوله لا ما تراه هي مناسباً، مشيراً إلى أن المشكلة في النَّخَب العربية التي كان يمكن أن تقود مسيرة التغيير في المنطقة، هو في كونها تعاني مما تعانيه الأنظمة العربية نفسها.، وأن مشكلة الأحزاب هي نسخة عن مشكلة السلطوية في الدولة، فالأحزاب التي لا يتغير زعماؤها ولا الهيئات الحاكمة فيها، وكذلك منظمات المجتمع المدني التي لا يتغير زعماؤها هي الأخرى قط، ولا يمارَس فيها أي شكل من أشكال التداول والديمقراطية.
ولفت إلى أن هذه التنظيمات والقوى السياسية والأحزاب والمؤسسات المدنية لا تستطيع أن تُنتج نظاماً ديمقراطيا سوياً لا يأتي بعلل النظام السابق، بل قد تكون أحياناً نسخة أكثر تحجُّراً من النُّظم السابقة، فزعماء أحزابنا هم أنفسهم من العشرينات إلى اليوم، لم يتغيروا، كما أن المخلّدين من الأحزاب العربية والقوى السياسية هم أنفسهم، مضيفاً أننا لم نعطِ أنفسنا فرصة التجرؤ على التشكيك في أهلية أيّ من هؤلاء وفي أنهم قد لا يصلحون، حتى نتعود على ممارسة الديمقراطية.
وتابع بقوله: عندما جاءت هذه «الخبطات العنيفة» التي قادها الشباب، لم تجد القوى السياسية غير الانسياق، محاولةً التمجيد المستمر لـ «الثورات»، ومحاولة الصعود على ما أنتج الشارع ومحاولة اتباعه، من دون أن تحاول تعديل مسارات هذه «الثورات».
وأشار إلى أن القيادات التي يحترمها الجميع، والتي شكلت جزءاً من تاريخ هذه الأمة، وحّدت الشعور العربي، وهذه إيجابية كبيرة، لكنها كانت سبباً في انقسامات حقيقية داخل الأنظمة أو النظام العربي الكلي، ولم يكن هناك قائد عربي واحد وحّد الأنظمة.
وأوضح الفقيه أن هذه الانقسامات جرّت علينا نفوذ الخارج، إذ وفرت ذرائع الاحتماء من هذه الأنظمة الجديدة في المنطقة، كما وفرت أسباباً إضافية للتدخلات الخارجية والوجود الخارجي والنفوذ الخارجي، وأيضاً للمصالح الخارجية في المنطقة، إذ لم تلد المنطقة «نهرو» خاصاً بها ليوحد القوميات ويُنهي الانشقاقات ويلغي التباينات فيها، رغم أن المجتمع الهندي ضخم، فالهند فيها آلاف الديانات والكثير من الثقافات والكثير من القوميات واللغات، وهي مزدحمة بكل أشكال التنوع، لكنها استطاعت أن تتوحد مباشرة بعد التجربة الاستعمارية التي كانت مريرة جداً، فقد كانت «جوهرة التاج البريطاني»، وما وقع عليها لم يقع على كثير من البلدان التي وقعت تحت نير الاستعمار.
وأكد الفقيه أن هنالك مشكلة في «الرؤية والفكرة»، مضيفاً أننا جميعاً نستشعر هذا الهَمّ المشترك، ونستشعر هذه الإحباطات، ونتأذى بهذا الشعور المميت لتجارب الفشل المختلفة، ولكن لا نمتلك رؤية واحدة موحدة لنخرج بها من هذه الأزمة.
وتوقف الفقيه عند مسألة التخوف من الشعارات، خاصة إذا تبعتها ممارسات على الأرض، فعندما كان الشعار: «الشعب يريد إسقاط النظام»، ظنّ الكثيرون أن النظام هو الشخص الحاكم أو المؤسسة الحاكمة فقط، لكن الممارسات تعدّت إسقاط النظام إلى إسقاط النظم كلها وإلى اسقاط احترام القانون أياً كان شكله.
وحول دور الأحزاب، قال الفقيه إن الإصلاحات لم تُقنع الشارع، ولا يُتَوقع لها أن تُقنعه، لأن الإصلاحات دائماً «بطيئة جداً، بينما «الثورات» انقلابية وسريعة. وتساءل في هذا السياق: «بحساب العقلانية والعقل، إذا كان بالإمكان الإصلاح فلِمَ الثورة؟»، ذلك أن جراحات «الثورات» عميقة جداً، كما أن الثورات قد لا تُنتج الإصلاح المطلوب.
وأشار الفقيه إلى التجربة المغربية، وكيف أنها تجاوزت الثورات فعلاً، رغم أن الكثير مما يُحسب لمصلحة الصراع في المغرب لم ينتهِ بعد، كصراع القوى السياسية، وصراع المواطن مع قضايا العيش اليومي، لكن الناس اقتنعوا على الأقل أن هناك فرصة للإصلاح ينبغي أن يستثمروها.
وأكد الفقيه أن قضية الثورات توجب الانتباه لموضوع «صراع المشروعيات»، مستشهداً بالتجربة المصرية كونها تجسد هذا الصراع بين المشروعيات، فالمشروعية الانتخابية في عهد الثورات ليست كافية لأن المشروعية الثورية إذا امتلكت قرار الشارع ستظل تُحاكم المشروعية الانتخابية باستمرار، وستظل تُطالب بمشروعية الإنجاز، ولفترة طويلة، ولهذا فإن جراحات «الثورات» أكثر عمقاً وقد لا تعالَج إذا لم تكن هناك مؤسسات حقيقية في المجتمع ومؤسسات فكرية ومدنية وحزبية تستطيع أن تنتقل مباشرةً بالحالة الثورية إلى حالة سوية اجتماعية سياسية اقتصادية.
وأضاف أن الإصلاح في أكثر من بلد يتم تجريبه، لكن ثماره لا تأتي في اليوم التالي، إضافة إلى أن «الثورات» وسيلة للزهو الكبير بالحرية، أو قتل الخوف في النفوس، وقد قتلت «الثورات» الخوف من النفوس، لكن يُخشى أن يظل انعدام الخوف موجوداً ضد القانون وضد كل شيء آخر ينظم حياة الناس التي لا بد من تنظيمها.
كما أكد الفقيه أن الحرية المطْلقة «بشعة»، ويمكن أن تؤدي إلى الحرية غير المسؤولة التي فيها من البشاعة ما يُناقض الحرية نفسها، لذا لا بد أن تنتظم مجتمعاتنا حول فكرة، وأن يكون هناك تيار سياسي أو فكري يستطيع أن يقنع الجمهور بضرورات التغيير للأفضل بدلاً من تبني شعار «التغيير» الذي يمكن أن يهدم.
وقال المحاضر إن غياب العدالة الاجتماعية كان واحداً من الأسباب الرئيسة في كل «الثورات»، وهو سببٌ في كل ثورات التاريخ البشري. أما «النظرة التشاؤمية» التي أشير إليها في المداخلات، فأوضح الفقيه أنها ناتجة عن إحساس مُباشر بالأزمة الطاحنة الضاغطة على كل فرد في هذا الإقليم، «فالمؤشرات لا تساعد كثيراً على تجاوز حالة الإحباط التي نعيشها، كما أننا نحاول أن نتفاءل بقدر الإمكان، أو نحاول أن «نتشاءل» بأن نوجد منطقة وسطى بين التشاؤم والتفاؤل حتى نستطيع أن نفكر بسويّة، كون مشكلة التفكير هي المعضلة القائمة أبداً».
وبخصوص إعادة تنظيم المجتمعات العربية، قال الفقيه إنه لا يمكن تنظيمها إلا بمؤسسات وأفكار، فهي بحاجة ماسة إلى فكرة ناظمة تستطيع أن تبيّن طريق المستقبل بالنسبة للمجتمعات العربية.
أما النموذجان السوداني والعراقي، فقد أوضح الفقيه أنهما يُعَدّان نماذج شاخصة، ويكشفان عن جزء من آليات الصراع المستمر في المنطقة. فقد كانوا في جنوب السودان ينكرون الصلة بالغرب وبـ «إسرائيل» دائماً، وبعد أن تحققت الدولة لهم، ها هم الآن يعتزون بأن «الطلقة الأولى جاءت من هنا»، مضيفاً أن فكرة تمرد أول ضابط في الجيش السوداني كانت في العام 1955 قُبيل استقلال السودان في كانون الأول 1956، وها هم أهل جنوب السودان يتحدثون عن تاريخ نضالاتهم، وأن أول ضابط متمرد على الجيش السوداني فعل ذلك بدعوة من القنصلية «الإسرائيلية» في أوغندا ونُقل إلى «إسرائيل» عبر سفارتها في كينيا قبيل فترة حكم «غولدا مائير»، وهناك أُعْلِم أن مكاناً قد جُهز في منطقة جنوب السودان المحاذية لإثيوبيا، وأن شُحنات الأسلحة بدأت تصل إليه، وما على هذا الضابط إلا أن يقوم بتجنيد جنود إضافيين لمعركة ضد العرب.
وتابع الفقيه: إنهم يشرحون هذا الأمر باستفاضة، وكيف تأسست العلاقة بينهم وبين «إسرائيل»، ويكشفون أن التجنيد والتدريب والسلاح كان موجوداً في كل غابات جنوب السودان قبل أن يبدأ التمرد أو قبل أن يفكر جندي واحد بالتمرد على النظام السوداني القائم في ذلك الوقت. ورأى الفقيه أنه إذا حصلت انشقاقات أو انفصالات أو تقسيمات في البلاد العربية سيروي الناس التاريخ المسكوت في الحال، وسنعلم عندها أن أصل الداء واحد في كل الصراعات.
وحول موضوع القوميات، قال الفقيه إن أحداً لا ينكر أن القوميات موجودة في كل مكان، لكن بعض البلدان التي يوجد فيها قوميات مختلفة استطاعت إدارة هذه القوميات وإدارة العلاقة بين مكونات المجتمعات المختلفة فيها بطريقة جيدة، فالتجربة الماليزية مثلاً فيها الكثير من الحسنات رغم أن توتر القوميات لم ينتهِ بعد، وكذا في الهند واليابان. وفي أميركا أيضاً المصالح موحدة، إذ ليس هناك قانون مشترك، بل هنالك ولايات متحدة لا يجمع بينها غير جملة من المصالح المشتركة، ولأي ولاية الحق بترك الاتحاد في أي لحظة شاءت، لكن لأن المصالح من القوة بمكان فإنه لا رغبة لأي جهة أن تنفصل عن هذا الاتحاد «الهش جداً، الذي لا لغة له ولا دين ولا قانون ناظم له». فالمصالح وهيمنتها على هذا الاتحاد وغيره من الاتحادات الموجودة عبر العالم كالاتحاد السويسري والاتحاد الألماني هي التي تشكل اللُّحمة الحقيقية بين المجموعات المختلفة، والشعور أن هناك عدالة اجتماعية يخلق نوعاً من التماسك بين القوميات المختلفة.
وأكد الفقيه أنه «لا يوجد مجتمع بلا تنناقضات»، وأن الحالة النموذجية الوحيدة، ممثلة بدولة الصومال، انهارت، بعد أن كان هذا البلد يمثل دولة نموذجية في التمازج والانسجام القومي والعرقي واللغوي والمذهبي، وبالرغم من ذلك كله فشلت ترتيبات الدولة الوطنية فيها بسبب التدخلات الخارجية، والصراع مع إثيوبيا ومع كينيا، ووجود الصومال في منطقة جغرافية حساسة ذات قيمة استراتيجية عالية.
ورأى الفقيه أن الغرب «يتنافس ولا يتصارع»، متمنياً لو أننا نفعل الأمر نفسه في المنطقة العربية، ولافتاً إلى أننا لا نستطيع الاشتراك في أي شيء جامع. وقال إن منتدى الفكر العربي تبنّى منذ فترة طويلة مع الجامعة العربية فكرة إنشاء بنك للإعمار، وخاصة بعد الدمار الهائل الذي يتم بأيدينا وبأيدي غيرنا، كما حصل في العراق ويحصل في سوريا وفي اليمن، وتم التوافق للدعوة لإنشاء مؤسسة تمويلية عربية غير قُطْرية، حتى تستطيع أن تفعل فعلاً اقتصادياً يتجاوز الرغبات الملحّة في الأرباح، لكن الدول العربية لم تستطع أن تتراضى على هذه الفكرة، ومن المفارقة أن هناك بنكاً عربياً للتنمية في إفريقيا مقره في الخرطوم، لكن السودان غير مؤهلة لأن تَسحب منه، كونها تتبع للجامعة العربية!
وأضاف أن المأمول أن يكون هناك بنك عربي له أموال ومشاريع ومال مشترك، لكن يبدو أن تحقيق ذل

الغارديان: لماذا لا يحتاج الإسلام إلى إصلاح؟‎

في الأشهر الأخيرة، ترددت دعوات متكرّرة لإصلاح الإسلام، وهو الدين الذي يبلغ 1400 عام. “نحن نحتاج للإصلاح الإسلامي“، هكذا دعت النيوز ويك. وقالت الهفينجتون بوست: “الإسلام يحتاج إلى الإصلاح من الداخل“. وبعد مجزرة يناير بباريس، أشارت الفينانشيال تايمز إلى الموجودين في الغرب، والذين يعتقدون أنّ الرئيس المصري العلماني، عبد الفتاح السيسي، “يمكن أن يكون بمثابة مارتن لوثر العالم الإسلامي“. بيد أنّ هذا قد يكون صعبًا؛ لأنّ السيسي، وذلك وفقًا لما قالته هيومن رايتش ووتش، قد ساعد في هجمات قاتلة متعمّدة على المحتجّين السلميين، والتي قد تصل إلى “جرائم ضدّ الإنسانيّة”.

ثمّ هناك أيان حيرسي علي؛ وهي المؤلّفة صومالية الأصل، الملحدة، والمسلمة السابقة، وقد أصدرت كتابًا جديدًا يُسمّى: “الملحد: لماذا يحتاج الإسلام إلى إصلاح حاليًا؟“. وقد كانت تخرج على شاشات التلفاز، وعلى صفحات الرأي، لحثّ المسلمين، بشقيهما الليبرالي والمحافظ، للتخلّي عن بعض معتقداتهم الدينية الجوهريّة/ الأساسيّة، ريثما يتمّ الاصطفاف وراء لوثر مسلم. وسواء سوف يستجيب عمومُ المسلمين بشكلٍ إيجابيّ أم لا لدعوة الإصلاح من امرأةٍ وصفت إيمانهم بأنّه “مدّمر” و”عبادة عدميّة للموت” ينبغي أن تُباد، ورشَّحت بنيامين نتنياهو لنيل جائزة نوبل للسلام؛ فهذا أمرٌ آخر.

ليست هذه السردية بوليدة اللحظة. فهناك كاتبُ رأيٍ شهير بصحيفة النيويورك تايمز، هو توماس فريدمان، دعا إلى إصلاحٍ إسلاميّ يرجع إلى عام 2002م، وتتبّع الأكاديميّان الأمريكيّان تشارلز كريزر وميشيل برويرز أصول هذا “الإصلاح الموازي” إلى وقتٍ مبكّر من القرن العشرين، مشيرين إلى أنّ الصحفيين المُحافظين كانوا شغوفين، كما الأكاديميين الليبراليين، بالبحث عن مارتن لوثر مسلم.

وكما يبدو، فإن أيّ امرئٍ يريد أن يربح الحرب ضدّ التطرّف العنيف ويحفظ بيضة الإسلام، فضلًا عن تطوير الشرق الأوسط الراكد؛ ينبغي أن يكون في مصافّ هذه العمليّة. وعلى كلّ حال، وكما تقول الحجّة، فإنّ المسيحيّة قد أنجزت الإصلاح الديني، والذي أتبعه التنويرُ بالعلمانيّة والليبراليّة والديمقراطيّة الأوروبيّة الحديثة. فلماذا لا يستطيع الإسلام عمل الشيء نفسه؟ ولا يقدّم الغرب مساعدته في ذلك؟

بيد أنّ الحديث عن إصلاحٍ على غرار النموذج المسيحي للإسلام فيه الكثير من النفاق. ودعونا ننظر في فكرة “مارتن لوثر مسلم”. لوثر لم يكن مجرّد حامل 95 رسالة إلى باب كنيسة القلعة في فيتنبرغ عام 1517، أو فقط عارضَ انتهاكات رجال الدين داخل الكنيسة الكاثوليكيّة. فهو، أيضًا، طالب بأن يُضرب الفلاحون الثائرون الألمان ضدّ الأسياد الإقطاعيين بالرصاص، مُماثِلًا إيّاهم بـ”الكلاب المسعورة”، كما أنّه اختلقَ على اليهود أكاذيب في 1543؛ حيث اعتبرَ اليهود كـ”أهل الشيطان”، ودعا إلى تهديم منازلهم ومعابدهم. وكما لاحظ السوسيولوجي الأمريكيّ وعالِم الهولوكوست رونالد بيرجر، فإنّ لوثر ساعدَ على ترسيخ معادة السامية بوصف ذلك “العنصر الأساسيّ للثقافة وللهويّة الوطنية الألمانيتين“. ولذلك، يصبح من العسير أن يكون (يقصد لوثر) نموذجًا للإصلاح والحداثة عند المسلمين في 2015.

وأيضًا، فإنّ حركة الإصلاح البروتستانتيّة فتحت الباب على مصراعيه لسفك الدماء بشكلٍ لا مثيل له على مستوى القارّة بأكملها. هل نسينا الحروب الدينية الفرنسيّة؟ أو الحرب الأهلية الإنجليزية؟ عشرات الملايين من الأبرياء ماتوا في أوروبا، وأكثر من أربعين بالمئة من سكّان ألمانيا يُعتقد أنّهم قد قُتلوا في سنوات الحرب الثلاثين. فهل ما نُريده هو عالم ذو أغلبيّة مسلمة بالفعل، مُبتلى بالصراعات الطائفيّة والاحتلال الأجنبيّ ويحمل للآن إرثًا كبيرًا من الاستعمار، وكلّ ذلك باسم الإصلاح والتقدم بل والليبراليّة؟

ليس الإسلام كالمسيحية. الديانتان غير متشابهتين، وهناك مَن هو جاهلٌ بعمق، يروّج لخلاف هذه الرؤية، أو لمحاولة فرض رؤية أوروبيّة للتاريخ بشكلٍ خطيّ على أغلبيّة الدول المسلمة المختلفة في آسيا أو إفريقيا. كلُّ دينٍ له تقاليده الخاصّة ونصوصه، وأتباع كلّ دين يتأثرون بالجغرافيّة السياسيّة والعمليّات الاجتماعيّة والاقتصاديّة بطرق شتّى وكثيرة. إن لاهوت الإسلام ولاهوت المسيحيّة عالمان متباعدان، بشكلٍ استثنائيّ؛ فالأوّل، على سبيل المثال، ليس لديه طبقة رجال دين على غرار طبقة رجال الدين الكاثوليك تُذعن لبابا معيّن إلهيًّا. لذا؛ فمَن الذي سوف يستهدفهم “الإصلاح الإسلامي“؟ وعلى أيّ بابٍ ستُحمل الـ95 رسالة؟ (يقصد رسائل مارتن لوثر كينج).

الحقيقة هي أنّ الإسلام قد حقّق أنواعًا خاصّة من الإصلاح، بمعنى تجريد التراكمات الثقافيّة، وعمليّة التنقية المُفترضة له. لم ينتج الإسلام إسلامًا متسامحًا ولا تعدّديًا، ولا مدينة فاضلة، أو دولًا أسكندنافية على الفُرات. بدلًا من ذلك، أنتج المملكة العربيّة السعوديّة.

لم يبدأ الإصلاح منذ منتصف القرن الثامن عشر بالضبط، عندما جاء محمد بن عبد الوهاب. فماذا عرض على جماهير الجزيرة العربيّة، خطيب المتجوّلين هذا الذي تحالف مع آل سعود؟ لقد عرضَ عليهم إسلامًا متقشّفًا يُطهّر مما يعتقده بِدعًا، والذي خالفَ قرونًا من المدارس الدينية والآراء المترسّخة، ورفض سلطة العلماء التقليديّة أو السلطات الدينية.

قد يجادل البعض لو أنّ أحدًا يستحقّ لقب “لوثر مسلم“، فإنّه محمّد بن عبد الوهاب الذي هو في نظر ناقديه، شاركَ لوثر في تزّمته مع كراهية الراهب المسيحي تجاه اليهود. ابن عبد الوهاب مثار جدل في العقيدة الإسلاميّة، يكتب مؤلّف سيرته الذاتية ميشيل كاروفرد: “أدانَ كثيرًا من الإسلام [السائد] في عصره“؛ مما أدّى إلى طرده من عائلته لهرطقته.

لا تسئ فهمي. بالطبع، يحتاج العالم ذو الأغلبية المسلمة، والذي يعاني، إلى الإصلاح: سياسيًّا، واجتماعيًّا واقتصاديًّا، ونعم، دينيًّا أيضًا. المسلمون يحتاجون إلى إعادة اكتشاف تراثهم التعدّدي، فالتسامح والاحترام المتبادل يتبدّى، مثلًا، في خطاب الرسول إلى رهبان دير سانت كاترين، أو تعايُش القرون الوسطى في إسبانيا المسلمة.

لذلك؛ فهم لا يحتاجون إلى دعوات كاذبة لإصلاحٍ إسلاميّ من غير مسلمين أو من مسلمين سابقين؛ لأنّ الإلحاح على ذلك يوضّح كم هي دعوات ضحلة ومُغرقة في التبسيط، وكيف أنّها غير تاريخيّة بل وضدّ التاريخيّة، وذلك من قبل بعض القادة الغربيين المعلّقين بشأن هذا الأمر. إنّها من أسهل ما يمكن بالنسبة إليهم؛ لأنّها، ظاهريًا، تبدو لتجفيف الجدالات المُحتدمة حول التطرّف العنيف، لتصل إلى مجموعة من الكليشيهات والشعارات وبعض الموادّ المسجّلة، بدلًا من التنقيب عن الأسباب الأصليّة أو النزعات التاريخيّة لذلك؛ فالأسهل أن يظل المتطرّفون ونقّاد الإسلام كما هُم، في حين يتمّ تجاهل تيار علماء الإسلام والأكاديميين والنشطاء.

فقد قوبلت حيرسي علي، على سبيل المثال، بسلسلة من الإطراءات والأسئلة خفيفة الظلّ في مقابلاتها مع وسائل الإعلام الأمريكية، من نيويورك تايمز إلى فوكس نيوز. ومن المُحبط، أن إعلاميًّا كوميديًّا هو جون ستيورات في برنامجه اليومي كان قد أشار إلى حيرسي على أن بطلها الإصلاحيّ (يقصد لوثر) أراد “نموذجًا أنقى من المسيحيّة“، وساعد على إنتاج “آلاف السنين من العنف والفوضى“.

واعتذارًا للوثر، لو أنّ أحدًا أراد فعل نفس الشيء في دين الإسلام اليوم، فإنّه قائد “تنظيم الدولة الإسلاميّة” أبو بكر البغدادي الذي ينهب ويغتصب تحت ذريعة “نموذج أطهر” للإسلام -والذي، بطبيعة الحال، لم يكن من مناصري اليهود، على حدّ سواء. وهؤلاء الذين يطالبون ويصرخون -بتبسيط شديد-، من أجل إصلاحٍ إسلاميّ؛ لا بدّ أن يكونوا حذرين من أمنيتهم هذه.

تنحي الأسد أو نحرق البلد تفسير اختصاصي شرطي

هل يمكن العثور على تفسير حيوي شرطي لمقولة “الأسد أو نحرق البلد”  بشكل يمكن تفهمها وتبريرها حتى عند من يرفضه وبالمقابل هب يمكن العثور على تفسير  حيوي شرطي لمقولة :“تنحي الأسد أو نحرق البلد”؟
‎حمزة رستناوي‎'s photo.
  • بداهة سارية

    في القياس الحيوي يوجد حكم لسريان أو تعطيل البداهة بشكل شرطي أي يتعلق بتفسيرين أحدهم حيوي وآخر غير حيوي ومن أجل عيون الصديقلا أبو طلال أليه هذا الحكم الشرطي الحيوي لشعار “اللأسد أو نحرق البلد لنسأله أن كان ضده أو معه التفسير الشرطي الحيوي هو : إذا كان بديل حكم رئيس عير اخواني هو حكم من له علاقة بالأخوان من سابع جد فلا بلد “
    Like · Reply · 32 mins
  • بداهة سارية

    يعني ليس حرقا فقط بل كما قال الصديق Hasan Abo Wesam”وﻻ تاخذنا بهم رحمه وﻻ شفقه كما فعل رسولنا اسوة حسنه واليهود لم يفعلوا ولو جزئ يسير من الذي فعلوه هؤﻻء الخنازير بلبلاد والعباد والله من وراء القصد وعاشت سوريا حره ابيه” بمعنى حرة متحررة من كل ليس بعلماني
    Like · Reply · 30 mins
  • بداهة سارية

    وبالمقابل يمكن تقديم تفسير شرطي حيوي لشعار :”تنحي الأسد أو نحرق الأسد” بمعنى أن البلد الذي لايسمح إلا لشخص واحد حكمه إلى الأبد هو ليس بلد
    Like · Reply · 1 · 27 mins
  • بداهة سارية

    وهذا مفهوم من قبل أناس انتظروا كثيرا لصبحوا رؤساء على الأقل لمدة 3 لأشهر .. ومعهم عن ذلك بالفعل يؤلم الى درجة يمكن تفهم انهم مع حرق البلد
    Like · Reply · 25 mins
  • بداهة سارية

    طبعا تفهم ذلك لايعني تبريره حيويا ولكن على الأقل يساعد في فهم تحشيد مجموعة من النمتفسين على الرئاسة وليس فيهم من يقبل غيره أكثر من 3 أشهر ونجاهحم في تبيرير تدمير البلد باسم تنحي الأسد
    Like · Reply · 21 mins
  • بداهة سارية

    إذا لم يكن ذلك مبررا حيويا فلماذا يفسر بالتفسير الشرطي الحيوي ؟
    Like · Reply · 21 mins
  • بداهة سارية

    السبب وراء إعطاء سمة حيوية بحدود التفهم فقط هو وجود برهان حدوث موضوعي يؤكد أن وجود من يقبل تدمير البلد مقابل أن لايبقى الأسد رئيسا ويوجد دول تدعهم إلى اليوم في ذلك ولاتسمح لهم بالتراجع عن ذلك ولايهمهم حكم الدمار والقتلى والمهجرين فالمهم هو فنادق سبع نجوم
    Like · Reply · 18 mins
  • بداهة سارية

    ولكن هل الأمر هو نفسه في التفسير الشرطي الحيوي للأسد أو نحرق البلد .. الإجابة هي النفي لأسباب متعددة منها 1- ليس فقط للكون أي حكم فيه شبهة اخوانية أو عصملية يعني نهاية البلد حكما وهذا مبرهن الحدوث منذ نشوء سايكس بيكو2- ليس فقط لأمكانية وخلق دويلات أكبر من قطر ةالكويت والبحرين ولبنان لآقليات قومية او دينية 3- بل لكون دول الخليج والأطلسي لن تعستطيع نفسها من التنافس لخلق دول سنية اخوانية متناحرة كما يري في ليبيا وكما هو الحال في الخليج نفسه
    Like · Reply · 7 mins
  • بداهة سارية

    إذن فصول اي ريش له علاقة مع الآخوان من سابع جد يعني سابع مستحيل على بقاء سوريا كلبد موحد
    Like · Reply · 6 mins
  • بداهة سارية

    ن وانتهي مع التحية للصادق الصديق Hasan Abo Wesamوعاشت سورية حرة متحررة من غير امثاله وهو على الأقل لايكذب ولاينافق كالعلمانيين العملاء وهو يعلم بالفعل أن ثمة أناس سيقاتلون حتى الموت كل من كان جده اخواني من سابع جدا وهؤلاء بين السنة اكثر من العلويين وهم مع الأسد أكثر من العلويين , ومن لايعلم ذلك بعد اربع سنوات ليذهب الى حلب وسوق الحمدية فضلا عن مصر والجزائر واليمن
    Like · Reply · 1 min
  • بداهة سارية

    ومن لايصدق ذلك ليراجع ماقاله اوباما البارحة
عن هذه الإعلانات

في بعض الأحيان، قد يرى بعض زوارك إعلاناً هنا.

أخبرني المزيد | إخفاء هذه الرسالة

رائق النقري : مساواة الإرهاب بالتكفير كمساواة نخر سن بالسرطان

داعش2

ماهو حكم المنطق الحيوي على مساواة التكفير بالإرهاب ؟

الحكم هو تعطيل سريان بداهة اختصاصية لآساب متعددة منها 1- عدم ذكر معايير المساوات من اجل مقارنة مدى التساوي 2- مع كون أصغر مرض يتساويات بكلمة مرض  فإن مساواة  مرض السن بمرض السرطان يفتح مجالا للمامثلة اليطان برضوان لكونها معا منماثلان من حيث ان كل منهم شكل ملائكي حركي احتوائي احتمالي نسبي

قياس كعبة مصالح :”الفاشلون يلتحقون بالجيش و يتحكمون في الساسة،”

بوط

ماهو حكم المنطق الحيوي على المصالح المعروضة في :”الفاشلون يلتحقون بالجيش و يتحكمون في الساسة،” ؟ الحكم تعطيل سريان بداهة اختصاصية لأسباب متعددة منها1-  أنها  لاتذكر معاييرها بشكل يقبله عامة الناس أو عامة اهل الاختصاص 2- أهم قادة التاريح  البشري هو المحاربين ومنهم نبي المصالح القرآنية 3- متطلبات تعلم فنون الحرب واتقانها تجمع كل العلوم المتوفرة والفابلة للأستخدام في المعركة 3- النجاح في حثظ الدروس التلقينة عن ظهر قلب ليس فيه اي دليل على الفوق ومن ذلك فإن معظم المتفوقين في الدارس ينتهوم كأناس اقل من عاديين 4-  في حالات الآزمات يفبتقد الناس الى القادة ويقدسون بوطهم أو مسدسهم ..لكونهم يفرض حلولا يصعب فرضها بالحوار والإقناع

تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.

انضم 440 متابعون آخرين

%d مدونون معجبون بهذه: